القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الديمقراطية التشاركية بين دستور الثورة ومشروع الرئيس

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-01-21 15:05:00 | 2079 مشاهدة

الملخص

تعالت أصوات كثيرة من رجال القانون الدستوري ورجال السياسة تنادي بالوقوف على محدودية الديمقراطية التمثيليةوطالبت بضرورة إبداعوسائل جديدة في إدارةالشؤون الوطنية والمحلية وتبني زوايا نظر جديدة خاصة لمعالجة للأوضاعالاجتماعية في ظل ازدياد الوعي لدى الشعوب ورغبتهم الملحة في المشاركة في أخذ القرار ورفضهم المتصاعد لقرارات لم يشاركوا فيها، وذلك بانتشار وسال الاعلام ومؤسسات التعليم ورفع الامية وتخرج نخب كبيرة في المجتمعات تفقه السياسة، خاصة في الدول الديمقراطية الحقيقية. بناء على ذلك جاءت فكرة تفعيل مشاركة المواطنينوالسكان في حلقات صناعة القرار العام سواء على المستوى المحلي أو الوطني بأكثر مما عليه في التمثيلية الديمقراطية بحيث تنبع الحلول منهم وترجع إليهم، مما يقوي درجة الثقة في القرارات وحسن تنفيذيها وتطبيقها، ومما يعزز أيضا أوجه التعاون والتشارك مع أجهزة الدولة والثقة في مؤسساتها.

 

المقدمة

مثل دستور 27 جانفي 2014 تأسيسا للجمهورية الثانية، وقطعا معا لمنظومة الدستورية السابقة. ويعتبر إدراج باب مستقل عن السلطة المحلية أو اللامركزية في دستور2014 وفاء لشعارات الثورة .بينما يلاحظ أن دستور1959 لا يحتوي إلا على فصل يتيم عن السلطة المحلية بما يفيد أن الدستورالقديم متشبع بفكرة المركزية الإدارية، في حين أن دستور ما بعد الثورة كان واضحا في تبنيه دون مواربة اللامركزية كنظام تتوزع فيه السلطة على الجهات ولكنه يعتمد الحذر وسياسة المراحل في موضوع التمثيلية الشعبية، فهو لا يقطع مع الديمقراطية التمثيلية بجرة قلم بل جاء ليحد منها دون إلغائها،وذلك عن طريق تطعيمها بجرعة قوية من الديمقراطية التشاركية. وهي عملية تكميلية تضيف للديمقراطية مسحة من النجاعة وعمق في الفاعلية، فأكد الدستور الجديد على أن الديمقراطية التشاركية تعتبر ركنا متينا ومقوما من مقومات الديمقراطية.  لقد كان هذا الدستور رجع صدى لموجة عالمية كبيرة تريد إصلاح منظومة الديمقراطية التمثيلية من ذلك وكما جاء في مخرجات مؤتمر الاتحاد الأوربي حول الديمقراطية التشاركية المنعقد بالعاصمة البلجيكية بتاريخ 8 و9 مارس2004: «إن الديمقراطية التشاركية هي الحل لأزمة الديمقراطية الأوربية وقيمة مضافة لدول الاتحاد الأوربي"وأضاف «يجب على الديمقراطية التشاركية أن تضخ دما جديدا للديمقراطية لتكمل الديمقراطية التمثيلية وتنمية التعاون مع باقي الشركاء الاجتماعيين".

  1. التوافق بين دستور الثورة ومشروع الرئيس في الديمقراطية التشاركية:
  1. التشاركية الديمقراطية والباب السابع من دستور الثورة :

ينص دستور الثورة على اعتماد آلية الديمقراطية التشاركية، فقد جاء في الفصل 139:" تعتمد الجماعات المحلية آليات الديمقراطية التشاركية، ومبادئ الحوكمة المفتوحة، لضمان إسهام أوسع للمواطنين والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها طبقا لما يضبطه القانون.". ويقصد بالديمقراطية التشاركية كما يذكر الدكتور زهير الخويلدي:" العملية السياسية التي يتم فيها فسح المجال للمشاركة الواسعة لمختلف الشرائح الاجتماعية عبر آليات مرنة وحوافز رمزية ودعاية إعلامية مدروسة وإتاحة الفرصة للناخبين في توجيه الرأي العام وإدارة المؤسسات والأجهزة والتدخل في المجال العام والمساهمة في تنظيم العلاقات بينهم."ويضيف الدكتور المغربي محسن الندوي في كتابه عن الديمقراطية التشاركية: "لقد برزت الديمقراطية التشاركية ليس لإلغاء الديمقراطية التمثيلية، ولكن لتتجاوز قصورها وعجزها، بحل المشاكل عن قرب وضمان انخراط الجميع، وتطوير التدبير المحلي والوطني عن طريق التكامل بين الديمقراطية التمثيلية، الديمقراطية التشاركية".

ظهرت مزايا الديمقراطية التشاركية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الستينيات من القرن الماضي، حيث برزت أهميتها في مواجهة الفقروالتهميش، وفي فرنسا في27 فيفري 2002  بمناسبة الأزمة التي اندلعت سنة  1992حول خطوط القطارالفائق السرعة(TGV) ،تم إقرار تجسيد مبادئ الديمقراطية التشاركية من خلال إصدار قانون المتعلق بديمقراطيةالقرب .والاعتراف بالمقاربة التشاركية في مؤتمرللاتحاد الأوربي حول الديمقراطية التشاركية المنعقد بالعاصمة البلجيكية بتاريخ 8 و 9 من مارس 2004 .بينما في تونس كان إقرار الديمقراطية التشاركية مكلفا لأنها أتت في سياق المطالب التّي قامت لأجلها الثّورة 2011. وقد كلفت الديمقراطية التشاركية الشعب التونسي عديد الشهداء والجرحى من خيرة شبابه وهذا دليل على الاستبداد يحرس على الجمود ولا يزحزحه إلا الحراك الاجتماعي ولا يوقظ التغيير  ويصنع التجديد إلا التحركات الشعبية .

ينص الفصل 106 من المشروع الأول للدستور التأسيسي لتونس الجمهورية الأولى لعام 1959على إحداث   "جماعات محلية ممثلة من طرف هياكل منتخبة " لكن تونس ظلّت على أمل حدوث ثورة مثل التي حدثت في2011حتى تأتي بدستور يعيد نفس المشروع بعد 60 سنة مع اختلاف في الصياغة. ولو تم اعتماد ذلك وتفعيله لكانت الديمقراطية التمثيلية أقرب إلى "الديمقراطية التشاركية" أو ما يسمى "ديمقراطية القرب". والبلدية آنذاك هي الجماعة المحلية التي كان من الممكن أن تكون الانطلاقة الطبيعية لمسار تشريك المواطن وتفعيل اللامركزية. وإنأفضل تعبيرة قانونية ومؤسساتية للديمقراطية المحلية هي البلدية عندما يقع انتخاب أعضائها مباشرة من المواطنين وهي أكثر تمثلا لروح الديمقراطية الأثينية المباشرة من مؤسسة البرلمان وغيره. أليست الديمقراطية هي حكم الشعب نفسه بنفسه.

لكن البلديات ظلّت تاريخيا غير مستقلة عن الدولة المركزية وظلت خاضعة لهيمنة الإدارة السياسية المركزية في البلاد المتمثلة في الحزب الواحد الذي يدير دواليب الدولة لوحده، وذلك لعدم ايمانه في فترة ما قبل الثورة بالتعددية الحزبية وبالشراكة وبثقافة الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، مما جعل العمل البلدي عملية فنية بحتة خالية من روح المنافسة. فقد فاز مثلا الحزب الحاكم " التجمع الدستوري الديمقراطي" في الانتخابات البلدية لسنة 1998 «ب 4084 من عدد المقاعد المتنافس حولها 4090 أي بنسبة 99.85. وتحصلت المعارضة على 6 مقاعد من 4090 مقعدا. وفي سنة 2005 بعد سبع سنوات من التعددية الحزبية الشكلية تمكنت المعارضة من الحصول على 268 من أصل 4366 من المقاعد المتنافس حولها أي بنسبة 0.061 %. وهو أمر له دلالة في طبيعة العمل البلدي وبعده عن روح التشاركية ما قبل الثورة. لقد كانت الديمقراطية التشاركية حلا للمعالجة، يقول زهير الخويلدي:"الديمقراطية التمثيلية التي تعاني من جملة من النقائص والتي أمكن رسم عدد من الحدود والمؤاخذات حولها: وهي تضارب المصالح بين النواب والمقترعين بحيث لا تتطابق مصالح المسؤولين المنتخبين مع مصالح الناخبين،والتمثيلية الحزبية والدفاع عن القناعات الذاتية بدل المشاكل التي يعاني منها المواطنون في تكريس مطالبهم" . ولعلالسؤال الذي يطرح هنا وبقوة:هل أنّمشروع الرئيس سيستعيض عن مؤسسات الجماعات المحلية والتي منها البلدية والجهة والإقليم بالمجالس المحلية المنتخبة من العمادات والمجالس الجهوية التي يقترحها أم إنها ستجترح طريقا موازيا؟. وما الفرق بين مؤسسةالبلديات والمجالس المحلية فيما يتعلق باللامركزية؟ وأيضا فيما يتعلق بالديمقراطية التشاركية التي هي محض تشريك المواطنين في أخذ القرار والتعبير عن مشاغلهم.

  1. توافق مشروع الرئيس مع روح اللامركزية في دستور الثورة
  • توافق مشروع الرئيس مع الدستور الجديد من جهة التشاركية

 لا ضرورة لإرباك مشهد الهندسة السياسية في نظامها الدستوري أو القانوني طالما أن العبرة بالمقاصد والمعاني وليس بالألفاظ والمباني  فقد جاءالفصل 139 منالدستور  ليفصل النزاع في تحقيق روح  التشاركية و إسهام المواطن ومشاركته القرار في ما يلي اهتمامات محليته وانشغالاتها وحاجيتها الخدماتية والاجتماعية وغيرها إذ نص على اعتماد "الجماعات المحلية آليات الديمقراطية التشاركية، ومبادئ الحوكمة المفتوحة، لضمان إسهام أوسع للمواطنين والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها طبقا لما يضبطه القانون." وجلي هنا أن إسهام المواطن المباشر يشمل تدخله في إعداد برنامج التنمية وهو يعتبر الفكرة الأساس والسبب الوجيه الذي قام عليه مشروع الرئيس، زد على ذلك مشاركة المواطن في إعداد برامج التهيئة العمرانية لجهته وأكثر من ذلك بل سلطة متابعة تنفيذ البرامج بما يدعم نفوذه الرقابي والتوجيهي. زيادةِ على حِرْص المواطِنين على المحافَظةِ على المشروعات التي يساهم في إنجازها وتحقيقها. وبالنظر إلى الفصل الأول من مجلة الجماعات المحلية أو مجلة الحكم المحلي الذي جاء فيه:» يهدف هذا القانون إلى ضبط القواعد المتعلقة بتنظيم هياكل السلطة المحلية وصلاحياتها وطرق تسييرها بما يحقق اللامركزية والديمقراطية التشاركية في إطار وحدة الدولة"، فلقد قدمت فصولا أخرى أيضا هي عبارة عن ترسانة من وسائل تدخل المواطن أو متساكني المحلية بما يسمح بتفعيل صلاحياته السيادية في المشاركة في أخذ القرار. ولكن لا جدال فيأن واقع الحال ليس مثاليا بالدرجة التي ينتظرها منظرو الديمقراطية التشاركية ولكن للحقيقة فإن المسألة لا تتعلق بالنصوص القانونية وإنما بالإرادة السياسية من جهة وبالتدرج والمرحلية في تنزيل اللامركزية الحقيقية وتقسيم السلطة المركزية على الجماعات المحلية والحاجة إلى الوقت وإلى ارتفاع منسوب الوعي عند الإدارة التونسية وأصحاب القرار في الاقتناع بهذا التمشي من جهة أخرى.

  • توافق مشروع الرئيس مع الدستور الجديد في التمثيلية الحقيقية

تبدو مبادرة الرئيس واضحة ودقيقة من حيث المبدأ ويتمثل ذلك في جواب الرئيس في حملته الانتخابية عند السؤال عن برنامجه فيجيب برنامجي هو برنامج الشعب. لا أظن أن الرجل يبيع الوهم بل هو يقصد تمكين الشعب من وسائل التعبير عن إرادته ومشاغله وأولوياته وهذا لا يكون إلا بالتمثيلية الحقيقية للمواطن.وتأتي في هذا السياق الجالس المحلية والاقتراع على الافراد التي تحدث عنها الرئيس. بيد أن هذا الأمرفي مبادرة الرئيس على أهميته، لا يتعارض مع الباب السابع من دستور الثورة. يتجلى ذلك في اهتمام الدستور الجديد بتمثيلية المواطن في الجماعات المحلية ومشاركته في الشأن العام، ولكن هذه التمثيلية تتجسد بأبعاد جديدة وهي منظمات المجتمع المدني التي تشمل كل من الجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب والاندية والتعاونيات والاتحادات والجمعيات الخيرية. إن إسهام المواطن في الديمقراطية التشاركية التي أسس إليها دستور الثورة تتجاوز المواطن الفرد بوصفه فردا مستقلا إلى الفرد بصفته جزءا من كيان اجتماعي قوي تترابط أجزاؤه بفعل التضامن والتعاون وهو المجتمع المدني. فيصبح المجتمع المدني في مقاربة اللامركزية والتشاركية في الدستور الجديد هو الذي يكرس سلطة الفرد وبه تتجسد سلطته، ومن خلاله سلطة الشعب. يقول ألكسيس توكفيل" :"لا بد للمجتمع من عين فاحصة مستقلة هذه العين الفاحصة ليست سوى مجموعة متعددة من المنظمات والجمعيات المدنية الدائمة اليقظة القائمة على التنظيم الذاتي وهي الضرورة اللازمة لتقوية الثورة الديمقراطية وكلما كانت مؤسسات المجتمع المدني قوية ومستقلة وأدت وظائفها وأدوارها في المتابعة والمشاركة كانت الديمقراطية أقوى وأكثرنجاعة"[1].

  • في التنمية ومقاومة التفاوت الجهوي:

تعد تونس من البلدان متوسطة الدخل، إضافة إلى تفشي الاختلالات في توزيع الثروة مما خلق تفاوتا ملحوظا في مستويات العيش والرفاه والتنمية بين الجهات الداخلية والجهات الساحلية وبين المدن والارياف، مع تصاعد نسبة البطالة العالية التي استعصت على الحكومات المتعاقبة بعد الثورة.في خضم هذا الوضع يشعر المواطن التونسي أن بلاده غنية بثرواتها لكنه لا ينتفع منها،بل يشعر بالحيف عندما يرى قلة متنفذة في الدولة تستأثر بخيرات الدولة، ويزيد ذلك إحساسه بالتهميش والاقصاء في المساهمة في قرار التنمية والاقلاع.إن فكرة اللامركزية والديمقراطية التشاركية حل لمثل هذه الأوضاع،وأسلوب توزيع السلطة على الجماعات المحلية الذي نادى به دستور 2014 في الباب السابع ومناداته صلب فصوله وفصول مجلة الجماعات المحلية من الحوار والتشارك مع المواطنين والمتساكنين والإسهامفي اتخاذ القرار كفيل برفعالتحديات المطروحة محلياوجهويا وإنجاحالعملية التنموية.وإن المطالبة بتشريك المواطن سواء في الدستور أو في مبادرة الرئيس هي تحويل لقضية التنمية من شأن مركزي إلى شأن محلي يهم المواطن مباشرة ويهم المجتمع المدني أيضا.كما أن زيادةِ التعاون والمشاركة بين السكّانِ وتبادل الآراء والانفتاحعلىالحلولوالمقترحات يساعد في رفع معنويات المواطن ويشعره بقيمته المواطنية وينقله من حالة اللامبالاة إلى حالة المشاركة الإيجابية والفاعلة. وإن فهما صحيحا من أصحاب الشأن للأوضاع الاجتماعية والمشاكل المحلية يؤدي إلى الحلول الصحيحة ويضمن حسن استغلال الاعتمادات والموارد.  لا مجال للشك في أن ديمقراطية القرب التي يحوم حولها مبادرة الرئيس ودستور الثورة هي الحل الأمثل لقضية التنمية والتفاوت الجهوي في البلاد ومعالجة وضعية البطالة وترشيد الانفاق في الموارد والطاقات. خاصة إذا تذكرنا معيار التمثيلية في مبادرة الرئيس الذي يفترض أن يكون نصف المترشحين ممن لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين سنة يوم تقديم الترشح وعلى أن يكون الربع منهم من أصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل".

 

  1. / توافق محدود للتمثيلية الانتخابية بين دستور الثورة ومشروع الرئيس 
  1. مشروع الرئيس والتنظيم الجديد للسلطة العمومية 

يقوم مشروع قيس سعيد الرئيس على فكرة محورية مفادها الانتقال من الديمقراطية المركزية إلى الديمقراطية المحلية ومن التمثيلية الشكلية إلى التمثيلية الحقيقية أي الانتقال من المركز إلى الهامش ومن التمثيلية المباشرة إلى التمثيلية غير المباشرة.إذ يعيب الأستاذ سعيد على النظام السياسي الحالي كونه مازال متشبثا بالمركزية فهو "إعادة نفس البناء المركزي السابق" وما ينتقده في هذا السياق هو:" سرعة إغفال أهم مميّزات الحراك الثوري التونسي المتمثل في انطلاقه من الجهات الداخلية نحو المركز،فالنص الدستوري المقترح -الحديث هنا قبل الإعلان عن دستور 2014-فالعكس هو الذي حصل والنقيض تماما هو الذي تجسد". وبالنظر في مقترح الرئيس الذييقوم تصوره على اعتماد مؤسسة المعتمديات كتقسيم ترابي إداري يعتبره الأفضل لتمثيل المحليات بوصفه وحدة ترابية جغرافية قادرة على التعبير عن الهامش وعن الأطراف وهو أن يقع"انتخاب مجالس محلية من كل معتمدية من معتمديات الجمهورية وعددها أربعوستون ومائتان بطريقة الاقتراع على الأفراد في دورتين انتخابيتين".عضوبحساب نائب عن كل معتمدية دون الرجوع الى الكثافة السكانية."وتجدر الملاحظة هنا وفي بداية التعليق على مشروع الرئيس إلى أن اختياره للمعتمدية كوحدة إدارية وجغرافية تمثيلية لم يخالف فيها المألوف لأن الإدارة اللامحورية التونسية قائمة منذ الاستقلال على هذا التقسيم الإداري بل إن ما جاء به الدستور في تفعيل السلطة المحلية هو البلدية كوحدة جغرافية تمثيلية تعبيرا أوضح لفكرة تمثيل الهامش وتقوية اللامركزية. ولعلّ اختيار وحدة المعتمدية فيها الوضوح والاستقرار وأسوار المعتمدية إداريا جلية ولا تحتاج إلى ترتيب إداري وهذا يربح الوقت والجهد وهو أيضا لا يخالف كثيرا التقسيم بوحدة البلدية التي –إلى حدود 2018-لا تغطي كامل تراب الجمهورية. في الحقيقة ولكن في رأيي كان من الاجدى لو اعتمد الرئيس تقسيم العمادة لتكون روح فكرته متساوقة أكثر مع تمثيلية الهامش والجهات الداخلية البعيدة عن المركز والأقرب إلى المواطن. ويضيف مشروع الرئيس فكرة التمثيلية الجهوية فينص "وينبثق مجلس جهوي عن المجالس المحلية في كل معتمدية،ويتم التداول في تمثيل المجالس المحلية في كل المستوى الجهوي، فعضو المجلس المحلي يمثل المجلس الذي ينتمي إليه لمدة محددة يضبطها القانون ليعوض بآخر من نفس المجلس، الذي هو عضو فيه، وفق عملية قرعة تنظم في بداية كل مدة نيابية". هنا لا بد من ذكر نقطة أعتبرها مهمة وهو اعتماد القرعة في تمثيلية المحلية والحال أن التمثيلية الحقيقية تحتاج إلى معرفة من يمثل المحلية حقيقة في المجلس الجهوي ضمن عملية منافسة نزيهة تصعد الأقدر على التمثيل في الجهة من المجالس المحلية، إذ أنّ بعض الجهات تضم عددا كبيرا من المعتمديات وهي مختلفة في عدد سكانها وظروفها الاقتصادية والاجتماعية. هل القرعة وسيلة لاختصار تمثيلية المحليات والقفز على حقيقة المحليات ومشاكلها الوطنية بأن تكون القرعة هي الفيصل في التمثيلية قد يصعد مجلس جهوي لا يمثل حقيقة هموم المحلية ولا يقدر على التعبير الدقيق والمخلص على مشاكلها ومطالبها وخاصة التنموية.

كما يضيف البناء التنظيمي للسلطة العمومية لمشروع الرئيس طبقة أخرى وطنية في التمثيل وهي المجلس الوطني الشعبي " . كما تنبثق عن المجالس الجهوية الأربع وعشرين مجلس وطني شعبي يتكون من أربع وستين ومائتي عضوا بحسب عدد معتمديات الجمهورية.وفي مرحلة أخرى تنبثق لجنة خاصة من المجلس الوطني التشريعي لوضع دستور جديد لتونس في أجل لا يتجاوز الشهرين.ثم يضع المجلس الوطني التشريعي نظاما مؤقتا للسلطة العمومية إلى حين تتولي السلطات الجديدة مهامها بناء على الدستور الجديد". الحقيقة فكرة تمثيلية المعتمديات أقرب إلى التمثيلية الحقيقية من تمثيل الدوائر الانتخابية المعمول بها الآن وهي سبع وعشرون على المستوى الوطني، فهذه الأخيرة قد تمثل عديد المعتمديات بنواب وبقاء معتمديات أخرى دون تمثيل وهذا إجحاف في حقها وقفز على مطالبها وتمثيلية مشاكلها ومطالبها في المستوى الوطني، وخاصة إذا علمنا أن النواب المصعدين هم أبناء المعتمديات الأكثر سكانا بينما يصعب أن تجد محليات صغيرة سكانيا ممثلة في البرلمان.

التمثيلية والاقتراع على الافراد؟

التمثيلية النيابية هي إحدى أشكال الديمقراطية الحديثة وهي حالة وسط بين التمثيلية المباشرة التي ظهرت في مدينة أثينا حيث الفرد المواطن يأخذ القرار بصفة مباشرة دون نيابة شخص عنه وبين غياب التمثيلية في الدول الاستبداد أو النظم الملكية. لقد ساهمت عوامل عديدة في اعتماد التمثيلية النيابية من أهمها تزايد عدد السكان، فعلى عكس التمثيلية المباشرة الأثنية التي يتقلص فيها المواطن بإقصاء العبيد والمرأة ومن لم يدفع الضرائب يصبح عدد أفراد الشعب صاحب القرار المباشر صغيرا ويمكن أن تستوعبه ساحات أخذ القرار. بينما بقدر ما تتسع شريحة المواطنة بالاعتراف بحقوق الإنسان يصبح التمثيل المباشرة صعب التحقيق، هنا جاءت الفكرة الوسط وهي النيابة والتي بمقتضاها يختار عدد من المواطنين بالانتخابات من يمثلهم، ويتمتعون بالصلاحية والكفاءة، يمارسون السلطة باسمهم ونيابة عنهم خلال فترة زمنية محددة. يمثلون مصالحهم وأخذ القرار نيابة عنهم. 

تقول مبادرة الرئيس: «إن طريقة الانتخاب تكون بالاقتراع على الأفراد في دورتين انتخابيتين". وتبرر المبادرة هذا الخيار ب «أن هذه الطريقة هي الكفيلة وحدها بالتعرف على المترشحين وعلى حقيقةانتماءاتهم بل ومساءلتهم وحتى سحب الوكالة منهم أثناء مدة نيابتهم إن لم يعودوا يحظوا بثقة أغلبية الناخبين ويحدد المقاعد في كل مجلس محلي بحساب نائبعن كل عمادة. وهذا من شأنه أن يحقق التمثيل الحقيقي للناخب ويجعل النائب مسؤول أمام ناخبيه مسؤولية تامة إذا أخل بها يمكن رفع الوكالة عنه".

يمكن القول إن اقتراح الاقتراع على الافراد فكرة مهمة إذ تمكن من ترشح أفراد خارج الأحزاب وهو ما يفتح الباب على المستقلين ويعطي فرصة للمواطن العادي أن يترشح ويصنع القرار أو يشارك فيه وعلى حد قول أستاذ القانون الدستوري الصغير الزكراوي إن من إيجابيات هذا النظام إعطاء فرصة أكبر للجهات لتكون ممثلة. لكن ما يعاب حقيقة والحجة في ذلك لأستاذ القانون الدستوريقيس سعيد صاحب المبادرة موضوع المقالة عندما صرح في جريدة الصباح بتاريخ 29سبتمبر2004 ، إن نظام الاقتراع على الأفراد تدخل فيه اعتبارات أخرى عند التصويت منها الولاءات العائلية والقبلية والجهوية وإشعاعالمترشحين كأفراد والمصالح الاقتصادية التي قد تربط المترشح بالناخب". والمعلوم أن الحياة السياسية عمادها الأحزاب لأنها هي من تقدم البرامج والحلول لأوضاع البلاد الاجتماعية والاقتصادية وتؤطر المترشحين وتؤهلهم لمناصب الدولة والإدارة وتكون أيضا مسؤولة أمام الناخبين. بينما الاقتراع على الأفراد يؤول إلى صعوبة تحميل المسؤولية للنائب المستقل وأيضا يؤول إلى تنافس لوبيات المال السياسي والولاءات العائلية، واللعبعلى الجهويات، وصراع نفود العروش والاعلام. دون أن ننسى مسألة الوكالة في مبادرة الرئيس حيثاعتبرها فكرة جيدة لأنها من جهة تُشعر النائب الوكيل أنه تحت رقابة الناخب وينظر إليه بمجهر النتائج والعمل الجاد، وإلا ينزع عنه الصفة عندما ينهي وكالته له. ومن جهة أخرى كما تضيف المبادرة دفاعا عن الوكالة حجة أخرى «أنها تمكن من سحب الوكالة من النواب أثناء مدة نيابتهم إن لم يعودوا يحظوا بثقة أغلبية الناخبين".

 

الخاتمة

إن مبادرة الرئيس ودستور الثورة يرميان إلى تحقيق نفس الشيء، وهو تحقيق أكبر قدر من مشاركة المواطن في أخذ القرار في علاقة بالتنمية والتفاوت الجهوي والبحث عن حلول قريبة من المواطن ومشاغله. وهو التعبير الجديد للامركزية وللديمقراطية التشاركية المتجاوزة للديمقراطية التمثيلية وهذا إقرار بحدود هذه الأخيرة وهو ما سعى إليه دستور الثورة، إن هذا التمشي يعتبر جزءا من الثورة الفكرية الدستورية الحقوقية التي ترافق الثورات الإصلاحية. لقد كانت ومازالت تونس تواقة لتحقيق مكاسب في المواطنة والمساواة وفي المشاركة في السلطة. وتوزيعها بعيد عن العاصمة مركز الإدارة والنفوذ.

إنّ مبادرة الرئيس التونسي قيس سعيد تأتي في إطار اجتهادي في ما يسمى التنسيقيات الشعبية. - التي عرضناها بشيء من التحفظ، على أساس أن المبادرة لم تأت في كتاب صادر عن الرئيس بصفة مباشرة بل هي مستوحاة من أفكاره في خطاباته أثناء حملته الانتخابية الرئاسية أو حواراته التلفزية، لذلك نحن ندرس الفكرة بقطع النظر عن صاحبها، وتظلّ الأسئلة قائمة تنتظر أجوبة شافية: هل تعتبر طبيعة هذه التنسيقيات والمجالس المحلية والجهوية من باب الديمقراطية التشاركية؟ وما الجديد في تصور الرئيس في علاقة بما يحتويه الدستور الجديد من مبادئ الديمقراطية التشاركية؟ هل في هذه المبادرة روح نابعة من فلسفة ثورية جديدة؟ ما هي الإضافة؟ وما الجديد في مشروع قيس سعيد؟ وما مدى توافق الديمقراطية التشاركية والتمثيلية الانتخابية بين دستور الثورة ومشروع الرئيس؟.

 

د. كمال الصيد ( باحث تونسي)

 

ألكسيس توكفيل كتاب"الديمقراطيةفي أمريكا[1]

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك