القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الديمقراطية التشاركية: جدل العلاقة بين النخبوية والشعبوية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-03-04 10:14:00 | 1519 مشاهدة

 

الملخّص:

مسار بناء الديمقراطية التشاركية التي تعيد للشعب الأمل في تحقيق طموحاته وتحمله المسؤولية المباشرة بانخراطه في بناء المستقبل المحلي والوطني،بطيء ومتعثر فلا صلاحيات نقلت إلى الجماعات المحلية اعتمادا على مبدأ التفريع ولا حتى المؤسسات اللامركزية أنشئت لتؤدي دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية ووضع حد للتميز وتنامي الفجوة بين الجهات والفئات زد على ذلك الصورة المهزوز لأداء النخب السياسية. النخبة مكون أساسي في المجتمع لكن جنحها إلى العزلة عن المجتمع مع استئثارها بالتقرير في مصيره يشكل خطرا على الجميع. الشعبوية والنخبوية الجانحة كلاهما يشكلان خطرا على الديمقراطية التشاركية وكل منهما يتغذى من أخطاء الآخر والحل في جرأة سياسية تعيد للدستور سلطته وهيبته ونفاذه.

 المقدمــــــــة:

"وتأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي،..."هكذا عبر المؤسسون في الفقرة الثالثة من توطئة دستور 2014 عن طبيعة النظام المنشود، الذي يستجيب إلى تطلعات الشعب الثائر على نظام رئاسوي مهيمن شديد المركزية استفحلت أزماته وطفحت عيوبه وعجز عن تحقيق إرادة الشعب التونسي في الحرية والكرامة. عزز هذا التوجه الفصل 139 من الدستور حيث أكد على أن "تعتمد الجماعات المحلية آليات الديمقراطية التشاركية، ومبادئ الحوكمة المفتوحة ،لضمان إسهام أوسع للمواطنين  والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها طبقا لما يضبطه القانون".

تعريف الديمقراطية التشاركية:

تختلف الديمقراطية التشاركية عن الديمقراطية النيابية التي تقتصر مشاركة المواطن فيها على انتخاب من يمثله في المجلس التشريعي في دورات محددة، إذ تجعل الديمقراطية التشاركية من المواطن شريكا دائما ومستمرا للسلط العمومية في اتخاذ القرار في السياسات العامة الوطنية والمحلية، مكملا لدور النواب في المجلس التشريعي وليس بديلا عنه.  كما تختلف الديمقراطية التشاركية عن الديمقراطية المباشرة اذ تعني الأخيرة أن يقرر المواطنون السياسات العمومية مباشرة وبمفردهم دون الحاجة إلى مجلس نيابي. كما تختلف الديمقراطية التشاركية عن ديمقراطية القرب، إذ تهتم الأخيرة بمستوى جهة اتخاذ القرار في سلم هياكل السلط العمومية، بينما تهتم الأولى بتشريك المواطنين في اتخاذ القرار في كل مستويات السلطة مركزيا ومحليا. وتهتم الديمقراطية التشاركية بالأساس بمشاركة المواطنين ثم بمشاركة كل الفاعلين ذوي العلاقة بموضوع القرار من مجتمع مدني ومؤسسات حرة ومنظمات وطنية وإدارة عمومية وغيرها من الأطراف.

آليات الديمقراطية التشاركية:

تتخذ الديمقراطية التشاركية في تجارب الدول عديد الأشكال، ففي البرازيل تم ابتكار آلية "الميزانية التشاركية" وفي فرنسا تم اعتماد آلية "مجالس الأحياء" (comités des cités)،وفي الولايات المتحدة تم اعتماد آلية "اجتماعات المدينة" (town meeting)،أما في ألمانيا و إسبانيا فتم اعتماد آلية "المواطنون الحكام" (les jurys citoyens)،وفي الدانمرك فتم اعتماد آلية "مؤتمرات التوافق "       les conférences de consensus))، كما أن الاستفتاء المحلي من آليات الديمقراطية التشاركية. يمكن للمجتمع المدني أن يقوم بمبادرات تشاركية مع المواطنين حيث يلعب دورا وسيطا وميسرا بين المواطنين والسلط العمومية مثل تنظيم مؤتمرات محلية أو سبر آراء المتساكنين أو غير ذلك من الإبداعات.

 

أهمية الديمقراطية التشاركية:

انتقلت تونس إثر إعلان الاستقلال من نظام ملكي إلى نظام جمهوري بديمقراطية نيابية شكلية، استفرد فيه الرئيس بورقيبة بالحكم مدة ثلاثين سنة، اتصف فيه حكمه بالشمولي حيث تم إقصاء اليوسفين من المشاركة في السلطة وتم اغتيال زعيمهم صالح بن يوسف، كما تم تجميد نشاط الحزب الشيوعي سنة 1962 وقمع التيارات اليسارية والتيار الإسلامي ومواجهة الحراك الاجتماعي والنقابي وتدجين المنظمات الوطنية وهيمنة الحزب الواحد على الحياة السياسية وتمديد الرئاسة مدى الحياة، إلى أن تمت تنحية الرئيس بورقيبة بانقلاب زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر 1987 الذي بشر في بيانه بنظام ديمقراطي تعددي سرعان ما تحول إلى نظام قمعي استفحل في ظله الفساد والاستبداد على مدى 23 سنة إلى أن ثار الشعب التونسي مطالبا برحيل النظام وبتحقيق الحرية والكرام مما أدى إلى فرار بن علي من البلاد يوم 14 جانفي 2011، وتوجهت البلاد نحو انتخاب المجلس التأسيسي و بناء دستور الجمهورية الثانية الذي اختار نظاما سياسيا ديمقراطيا تشاركيا.

 على خلاف دول ما يسمى بالربيع العربي، نجحت تونس سنة 2015 في الخروج من مرحلة الخطر إلى مرحلة الاستقرار بعد النجاح في انجاز الدستور والنجاح في انجاز انتخابات تشريعية و رئاسية ديمقراطية وشفافة فصارت بذلك أول دولة عربية حرة ونال الرباعي الراعي للحوار جائزة نوبل للسلام.

انضمام تونس إلى الدول الديمقراطية لا يعني بالضرورة أن ديمقراطيتها استكملت شروط التشاركية فيها أو أنها في مأمن من الانتكاس. النظام الديمقراطي التشاركي بناء طويل الأمد غريب على تاريخ تونس السياسي القريب منه والبعيد الذي اتصف بالشمولية وهيمنة السلطة المركزية على الشأن العام. أنتجت الدولة الوطنية منذ الاستقلال تيارا نخبويا صار معطلا بناء الديمقراطية التشاركية ( الفقرة الأولى)كما أنتج مسار الانتقال الديمقراطي تيارا شعبويا يهدد بناء الديمقراطية التشاركية (الفقرة الثانية) .

 

مخاطر النخبوية على الديمقراطية التشاركية:

النخبوية في التعليم هي انتقاء المتفوقين من المتعلمين وتمييزهم برعاية خاصة في مؤسسات خاصة بهم لمساعدتهم على مزيد التألق وتنمية مواهبهم وتأهيلهم لأداء وظائف متميزة في المجتمع. أما سياسيا فهو حكم مجموعة معينة من المجتمع تعتبر الأفضل والأكثر كفاءة والأحق بالنفوذ و السلطة. وقد كانت تسمى في تراثنا بأهل الحل والعقد وأهل الرئاسة والسلطان وبالأشراف و بعلية القوم وتسمى بالأرستقراطية وبالنبلاء وبالطبقة العليا ويتم الانتماء إلى هذه المجموعة عبر التميز في العلم أو في الثروة أو في المهارات أو في الخبرة أو في الأصل العرقي أو غير ذلك مما هو معتبر مجتمعيا، وتضم عادة أطباء وموظفين سامين وأثرياء وأساتذة جامعيين ومستشارين ماليين و رموزا سياسية أو دينية وغير ذلك.

تتعارض النخبوية مع التيارات الشعبوية ودعاة التعددية و المساواة السياسية، كما يسمى حكمهم بحكم الجدارة أو التكنوقراط أو البلوتقراطية أي حكم الأثرياء والأقوياء والمؤثرين.

يكمن الخطر في النخبوية السياسية في انحرافها نحو صنع شبكة من العلاقات أي طبقة من الناس منغلقة تزدري كل ما يأتي من خارجها، متكبرة تعتبر عامة الشعب قاصرا عن تدبير شأنه ولا يحق له أن يفرض إرادته،  تحتكر السلطة ولا تقبل بالمنافسة من خارجها، إقصائية تلفظ كل من لا يشبهها، تستأثر بالامتيازات والفرص ولا ترى حدا في ذلك، تتوقف خيارتها وقراراتها على مصلحتها ولو على حساب المصلحة العامة.

عرفت النخبة التونسية عبر التاريخ تحولات في ثقافتها وفي تركيبتها وفي مجالات تأثيرها  ولا تزال تتأثر بالمتغيرات الوطنية والدولية، ففي عهد الحماية تكونت طبقة النخبة من مدرستين، المدرسة الفرنسية العربية والمدرسة الزيتونية انخرطت بمختلف مكوناتها في حركة التحرير، وبعيد الاستقلال وخروج النخبة الاستعمارية تكونت نخبة جديدة في ظل الموروث والتجديد نال صنف منها الحظوة في بناء دولة الاستقلال بينما أقصي الزيتونيون والعسكريون وكبار الفلاحين، في ظل الإصلاحات الهيكلية والانفتاح الاقتصادي انضمت رموز قطاعات الصناعات التقليدية والفلاحة والتجارة بصعوبة إلى طبقة النخبة، ومع العولمة انطلقت هجرة النخب ونشأت نخب من القطاع الموازي خارج سيطرة الدولة كما انخرطت بعد الثورة بعض النخب في المجال السياسي وساطة وتمويلا وترشحا. طبقة النخبة التونسية لا تعبر عن وحدة منسجمة وأحيانا تطفو الصراعات بين مكوناتها، صورتها عند العموم سلبية ومحمول عليها عرقلة الإصلاحات ومسار الانتقال الديمقراطي وبناء النظام الديمقراطي التشاركي، ويعتبرها البعض نكبة، فالقضاة متهمون بالمماطلة في مقاومة الفساد وإجلاء الحقائق والمحامون والأطباء والصيادلة رفضوا الإصلاحات الجبائية ورجال الأعمال دعم العديد منهم الثورة المضادة ولا يزال العديد منهم يعمل خارج الشرعية بالتهرب الضريبي والاستثمار في القطاع الموازي ونخبا سياسية تسيح بين الكتل والأحزاب وتتضارب مواقفها حسب مصالحها، كما أن نخبا ثقافية تصادم المزاج العام بخطابها، فتتعمق بكل ما ذكرنا الفجوة بين النخبة وعموم المواطنين، وتضيع مصلحة الشعب في ظل انحراف النخبة وانفصالها عن الشعب وعن المصلحة الوطنية.    

فإذا كانت الديمقراطية تجعل من الشعب مصدر السيادة يمارسها عبر ممثليه  فإن التشاركية تجعل من المواطن عنصرا أساسيا في التقرير في الشأن العام في كل مراحله إعدادا وإنجازا، المواطن في الديمقراطية التشاركية عنصر راشد كامل الأهلية له حق النفاذ إلى المعلومة وحق إبداء الرأي وحق المشاركة في المسؤوليات العمومية ترشيحا وترشحا على أساس المساواة في الحقوق والواجبات. لكن النخبوية الجانحة إلى الكبرياء والتسلط ترفض اعتبار عموم المواطنين شركاء في القرار و وصمهم بنعوت التخلف و الجهل والعجز تلميحا وتصريحا أحيانا،وتعطل تفريع السلطة وتضيق على الجماعات العمومية ممارسة صلاحياتها بإنشاء هياكل موازية مثل المجالس التنموية التابعة للهياكل المحورية أو بفصل مجال البيئة عن مجال الشؤون المحلية وتكرس بذلك مركزية تستأثر فيها النخبة بالنفوذ والسلطة.

 

مخاطر الشعبوية على الديمقراطية التشاركية:

يصدر الخطاب الشعبوي عن شخصية كارزماتية، وتعرف الشعبوية بالخطاب المباشر للشعب المسرحي المثير للعواطف الناري الجذاب  الرومانسي  الانفعالي الحماسي المبسط والعمومي. يقدس الخطاب الشعبوي الشعب ويتحدث باسمه و يعظم دوره ويعتبره محوري كما يعتبر الشعب ضحية ويوظف غضبه. وتتميز الشعبوية بالدمغجة والسفسطة أي استعمال أسلوب الحيل والخداع والتضليل السياسي فهي توظف مخاوف الشعب فتزيد من حذره وتوظف طموحاته فتستعمل الوعود الكاذبة، تتفنن في الخطابة وتغيب العقل والحجة فلا تعتمد على الأرقام والبيانات  بل تعتمد على الضبابية والعمومية المبهمة، تخاطب الوجدان ولا تخاطب الفكر،تقيم النوايا وتشيطن الآخرين نخبا ورموزا وتنظيمات وأحزابا يقوم الخطاب النخبوي على انتقاد النظام السياسي والمؤسسات العامة منها والخاصة.

ويتنامى الخطاب الشعبوي في العالم مع تنامي الأزمات و الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فالتيارات الشعبوية تتقدم على حساب التيارات الديمقراطية التي عجزت عن حل مشكلات الفقر والبطالة والفجوة الاجتماعية والتهميش وضعف الدولة وهيمنة رأس المال.

يكمن خطر الشعبوية في قدرتها على تعبئة الجماهير وإقناع عامة الشعب وإضفاء الشرعية والمصداقية على ممارسات الشعبوي وصنع الزعيم  المنقذ الذي يتبوأ مكانة فوق كل المؤسسات مما يهدد الديمقراطية والتعددية ويبني دكتاتورية ويصنع طبقة جديدة من المتسلطين.

 

خاتمة

إنّ الخطاب الشعبوي ليس غريبا على تونس فشعار"الشعب يريد إسقاط النظام" الذي استنفذ أهدافه بسقوط النظام أعيد توظيفه مختصرا ومبهما بعنوان"الشعب يريد" ودستور 2014 الذي أجمع عليه المؤسسون صار محل الانتقاد فصرنا نسمع ب"دستور الحائط" و"ليذهب الجميع إلى الجحيم"و"انتهى عهد الأحزاب" و صار يوم 14 جانفي ذكرى ثورة الحرية والكرامة"يوصف ب"بداية الليالي السود"كما تم توظيف"الزواولة" في الحملات الانتخابية.

 

صلاح الدين كمون (ناشط في المجتمع المدني)

 

 

     

 

 

 

 

 

 

 

                                                        

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك