القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الديمقراطية التشاركية: الواقع والآفاق 

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-12-25 10:27:00 | 369 مشاهدة

                                                         

الملخص:

مفهوم الديمقراطية التشاركية جديد مقارنة بالمفاهيم الأخرى كالديمقراطية النيابية أو الديمقراطية التمثيلية ولقد ظهر مصطلح الديمقراطية التشاركية خلال فترة الستينات في الميدان الصناعي والتجاري بمعنى في القطاع الإقتصادي وهذا عندما عمدت كبريات المؤسسات والشركات الصناعية في الولايات المتحدة الأمريكية في إشراك عمالها وإطاراتها لتسيير العمل والإنتاج ومناقشة كل المسائل واتخاذ القرارات الملائمة ثم متابعة ومراقبة تنفيذها. وقد توصلت هذه التجارب الى نجاح كبير , وبعده انتقل مصطلح الديمقراطية التشاركية إلى المجال السياسي خاصة على المستوى المحلي من خلال إقحام المواطنين في المناقشة والقضايا العامة  والتحاور و اتخاذ القرارات السياسية مع حرص المواطنين على متابعة و مراقبة تنفيذها من قبل الهيئات الرسمية.

المقدمة:

الديمقراطية التشاركية هي نتاج مباشر لعدم قدرة السياسات العمومية على تحقيق عدالة اجتماعية  والتصدي للتأثيرات السلبية وإعادة هيكلة الفعل العمومي وإشراك مختلف الفاعلين في الشأن المحلي.

إنَ الأخذ بالديمقراطية التشاركية والدعوة إليها جاء نتيجة الإنتقادات المتكررة والمتزايدة للنظام النيابي الذي لم يعد يوفر للمواطنين مكانة لائقة في الحياة السياسية سواء من الناحية المحلية أو البرلمانية، خاصة دور الناخبذ، ينتهي بمجرد الإنتخاب ولقد استعملت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أمريكا اللاتينية مثل "الأرجنتين" و "البرازيل" هذا النموذج خلال فترة السبعينات في مدينة "مونتي أليغرو" البرازيلية التي تشكل نموذج راق في الديمقراطية التشاركية.

1  /  رهانات الديمقراطية التشاركية :

والدعوة الى الديمقراطية التشاركية جاء على جملة من المبررات بدأت من الأزمة التي تعيشها الديمقراطية التمثيلية ،خاصة أنها تعتمد وجود المواطن صاحب السيادة في الدولة، أين يقوم بانتخاب على المستوى المحلي من يمثلهم ونكون أمام تفويض في السيادة من طرف المواطن الى النواب عن طريق الإنتخابات بمعنى أن هذا ليس ديمقراطية بل هو صورة من  صور الديمقراطية، وأحسن ديمقراطية هي المباشرة والفكرة التي تقوم عليها الديمقراطية التشاركية في توسيع مشاركة المواطنين في الحوار والنقاش العمومي،خاصة عندما يمارس المواطن حق الإعتراض على بعض القوانين أو القرارات التي لا تخدم المصلحة للشأن العام المحلي يتأسس على تقوية مشاركة السكان في اتخاذ القرار السياسي أي عندما يتم إستدعاء الأفراد للقيام باستشارات كبرى تهم مشاريع محلية أو قرارات عمومية تعنيهم بشكل كبير ومباشر وذلك لإشراكهم في اتخاذ القرارات مع التحمل الجماعي للمسؤوليات المترتبة على ذلك.

بالإضافة إلى النصوص التشريعية والقانونية التي تكرس الديمقراطية التشاركية ويبدأ ذلك من خلال النص الدستوري الجديد، تعتمد الديمقراطية التشاركية على قوة المجتمع المدني و تأطيره وهيكلته. تقتضي الديمقراطية التشاركية في جوهرها توسيع القاعدة الإجتماعية للسلطة السياسية لتمكين المواطنين جماعات وأفرادا من المشاركة الفعلية و المؤسسة في النقاش السياسي العمومي وفي كل مراحل عملية اتخاذ القرار السياسي التي تترتب عنه. وعلى هذا الأساس تم تصور نموذج ديمقراطي متطور يجمع في نفس الآن بين التمثيلية البرلمانية والمشاركة الشعبية المستمرة في العمل السياسي، عبر تكريس مجموعة من الإجراءات القانونية و المؤسساتية و السياسية التي تمكن من إشراك فعلي للمواطنين في كل مراحل بلورة وإعداد وتنفيذ وتقييم القرارات المتعلقة بالسياسات العمومية، إن كان على المستوى الوطني أو المستوى الجهوي والمحلي وهذا ما يتجلى في رهانات الديمقراطية التشاركية.

إن الثورة التونسية حراك احتجاجي على سياسة التهميش والإقصاء للمطالبة بالحق في الكرامة والحرية. وتبرز هنا الديمقراطية التشاركية في شكل النظام السياسي الأكثر مناسبة للمرحلة لكونها تجسد روح الثورة من خلال كثافة المشاركة الشعبية ولكونها الرافعة الأساسية للتنمية الجهوية والمحلية. وأهمية هذا الرهان تقتضي منا دراسة معمقة للواقع التونسي ومستنيرة بتجارب الدول الأخرى من أجل إنتقاء آليات الديمقراطية التشاركية الأنسب يكون فيها الأمر شورى بينهم واعتمادها بأكثر نجاعة وفاعلية ومن ثمة تبرز دعوى للتمحيص في أهداف الديمقراطية التشاركية وآلياتها.

2 /  أهداف الديمقراطية التشاركية:

إن الديمقراطية التشاركية هي نظام يمكَن من مشاركة المواطنين في صنع القرارات السياسية ذات الأولويات بالنسبة إليهم عن طريق التفاعل المباشر مع السلطات القائمة والمشكلات المطروحة. كما أن الديمقراطية التشاركية تتبنى مفهوما جوهريا يأخذ بعينالإعتباردور المواطنين في المشاركة في صنع القرار السياسي و تدبير الشأن العام، كما أنها تتسم بالتفاعل بين المواطنين والحكومات والمستشارين المحليين وأنها مكملة للديمقراطية التمثيلية.ونتيجة لهذا التعريف فهي تهدف التصرف تقوية الرابط الإجتماعي بين المتساكنين{أ} وتحقيق التنمية في أبعادها الإقتصادية والاجتماعية {ب }.

أ- تقوية الرابط الإجتماعي بين المتساكنين:

إن الأحداث السياسية المتتالية منذ 17 ديسمبر 2010 تعددت بين شدة وانفراج نسبي جزئي جعلت الروابط الإجتماعية بين المتساكنين تتجلى في القيم النبيلة كالمؤازرة و التعاون و التضامن . وخلال الفترة الإنتقالية شهد المجتمع التونسي فترة إحباط وذلك خاصة بعد تأزم الوضع وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على كسب ثقة الشعب مما أدى إلى نفور و عزوف عدد كبير من المواطنين عن الإنتخاب مثلا في انتخابات 2014 التشريعية و الرئاسية. ونستنج مما تقدم أن الروابط الإجتماعية شهدت تفككا بعد أن انعدمت الثقة في الطبقة السياسية التي ساهمت بشكل ملحوظ في تشتيت الآراء والرؤى وبث" فتنة" بين الجهات وهو ما سيعسر عمل الجماعات المحلية، لكن تبقى النظرة الإستشرافية التفاؤلية في تقوية الرابط الإجتماعي بين المتساكنين محل تتبع من  النخبة لتوعية وتوجيه الرأي العام .

وبالتالي فإن تقوية الرابط الإجتماعي ينطلق من تنمية الوعي بالحقوق و الواجبات والوعي بالأوضاع السائدة في المجتمع وتعزيز الجوانب الإيجابية لشخصية الفرد وتنمية الوعي النقدي والتحليلي لديه وفهم واحترام الآخرين والثقافات المختلفة وأهمها الثقافة المحلية وقبول الإختلاف واعتباره تكامل لا تصادم وتنمية روح المبادرة و الإبداع.

ب-تحقيق التنمية في أبعادهاالإقتصاديةوالإجتماعية :

جاءت التنصيصات الدستورية للتنمية المستدامة والعدالة الإجتماعية وللتوازن بين الجهات ولمبدأ التمييز الإيجابي في الفصل 12 من الدستور التونسي في باب المبادئ العامة إذ نص على أنه:"تسعى الدولة إلى تحقيق العدالة الإجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات ،استنادا إلى مؤشرات التنمية واعتمادا على مبدأ التمييز الإيجابي كما تعمل على الإستغلال الرشيد للثروات الوطنية." وبالتالي هذا الفصل يمثل الإطار العام الذي تتم العودة إليه في كل مناسبة تطرح فيها الجوانب التنموية في أبعادها الإقتصادية والإجتماعية، سواء كان في المستوى الوطني أو المحلي ذلك أن المبادئ العامة تسري على الجميع. 

 فعلى الصعيد المحلي، فإن الجماعات المحلية مكلفة حسب الفصل 139من الدستور ب"اعداد برامج التنمية و التهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها..." يعني أنها مسؤولة على التنمية الإقتصاديةوالإجتماعية في مجال تدخلها المحلي. ومن وجيه التذكير بأن" المجلس الأعلى للجماعات المحلية" حسب الفصل 141 من الدستور ينظر في" المسائل المتعلقة بالتنمية والتوازن بين الجهات ويبدي الرأي في مشاريع القوانين المتعلقة بالتخطيط" وهو ما يؤكد الإختصاص المبدئي والأساسي و الجوهري للجماعات المحلية في عملية التنمية. وقد ركز المشرع على مبدأ التمييز الإيجابي في عدة مواضع من الدستور كأساس للتوازن بين الجهات وقد عرَف أحد الفقهاء التمييز الإيجابي على أنه اختلاف في المعاملة بموجب القانون يتم خلقه بصفة وقتية بهدف تفضيل فئة معينة من الأشخاص الطبيعيين والمعنويين على فئة أخرى من أجل التقليص من اللامساواة الفعلية الموجودة بينها، فالتمييز الإيجابي هو وسيلة تهدف إلى القضاء على اللامساواة الحالية، التي تعاني منها فئة من الأشخاص، بمنحهم فوائد بصفة وقتية لهذا الغرض فإن التمييز الإيجابي له صفة الوسيلة الوقتية أو حتى الإنتقالية لأن الهدف هو "الوصول إلى تحقيق المساواة الفعلية، مما ينجر عنه إيقاف هذه السياسات التمييزية عندما تستعيد المساواة مكانتها".
و لا يمكن أن يتحقق أي تقدم ملموس في التنمية الإقتصادية و الإجتماعية في إطار نظام سياسي لا يكون فيه للشعب أي سلطة قانونية و لا يشاك في سلطة إتخاذ القرار. إذ تشمل إدارة الحكم اللامركزي من أجل التنمية اللامركزية والحكم المحلي والتنمية الحضرية والريفية. وتنقل لامركزية الصلاحيات والسلطة إلى المستويات الوطنية الفرعية مستقلة بشكل كامل.

ظهر مفهوم التنمية المحلية بعد ازدياد الإهتمامبالمجتمعات المحلية لكونها وسيلة لتحقيق التنمية الشاملة على المستوى الوطني عبر مساهمة السكان في وضع وتنفيذ مشروعات التنمية، مما يستوجب تظافر الجهود المحلية الذاتية والجهود الحكومية لتحسين نوعية الحياة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والحضارية للمجتمعات المحلية، وإدماجها في التنمية الوطنية.

وتهدفت التنمية المحلية إلى تطوير عناصر البنية الأساسية كالنقل والمياه والكهرباء حيث يعتبر النهوض بهذه القطاعات أساسا لعملية التنمية وتطوير المجتمع المحلي و زيادةالتعاون والمشاركة بين السكان مما يساعد في نقل المواطنين من حالة اللامبالاة إلى حالة المشاركة الفاعلة وزيادة حرصهم على المحافظة على المشروعات التي يساهمون في تخطيطها وتنفيذها. بالتالي فإن التنمية المحلية تعمق مبدأ المشاركة في التنمية بهدف تحقيق ديمقراطية التنمية المحلية. هذا ويعني أن اللامركزية الإدارية تتمثل في تفعيل دور السلطات الإقليمية والمحلية ،وذلك باسنادها مهام ادارية وتنموية تزيد من فاعليتها، وتعزز من دورها في تحمل مسؤولياتها و صلاحياتها بالشكل الذي يعمل على دمج السكان المحليين في عملية التنمية المحلية . وهذا ما جاء به الفصل140 حيث أكد مبدأ التضامن والتعاون بين الجماعات المحلية وهو ما يهدف إلى تقليص الفوارق الإجتماعية و الإقتصادية بين الجهات نظرا لوجود جهات لا توفر موارد كافية مقارنة مع متطلباتها و بالتالي يقلص من العجز على مستوى التمويل ويحدث عدالة في التنمية الاجتماعية. لكن يجب أن نشير إلى أن التنمية تبدأ من التهيئة وهنا نلاحظ عدم وجود إشارة في الدستور في باب السلطة المحلية للتهيئة الترابية التي من المفترض أن تأتي بالحل لمبدأ عدم التوازن بين الجهات والتي تقدم نظرة شاملة لكل تراب الجمهورية بإيجابياته و سلبياته حتى يكون هناك تنمية مستدامة ذلك أن الثورة انبنت على العدالة الإجتماعية والتهيئة الترابية.

إن هذه العناصر المتعددة لأهداف الديمقراطية التشاركية لا يمكن أن ترى النور و تتطبق على أرض الواقع ما لم تتدعم بآليات ملموسة لنجاحها.

 

3 /  تغييب آليات الديمقراطية التشاركية دستوريا:

  إشكالية الديمقراطية التشاركية والحوكمة المفتوحة، أقرها الدستور في فصله 139. ونلحظ هنا أنّ الدستور لزم الصّمت بشأن آليّات تحقيق هذه الأهداف، وهي أهداف ينبغي ضبطها بقانون حتى لا تتحوّل من أداة دعم للديمقراطية إلى وسيلة لتصفية حسابات سياسية وتعطيل سياسات التنمية.

وتتعدد الآليات التي تجسد مبدأ المشاركة في صنع القرار وتختلف من حيث درجة تأثيرها وقاعدة المشاركة فيها. و تمثل الديمقراطية التشاركية جملة من الآليات و الإجراءات التي تمكن من إشراك المجتمع المدني والمواطنين عموما في صنع السياسات العامة وتمتين الدور الذي يلعبونه في اتخاذ القرارات المتعلقة بتدبير الشأن العام عن طريق التفاعل المباشر مع السلطات المحلية.

وقد أضيف مصطلح التشاركية إلى الديمقراطية كدلالة على تجاوز مبدأ الديمقراطية التمثيلية الكلاسيكية التي تختزل دور المواطن في الأصوات التي قد يدلون بها أثناء لحظة الإنتخابات دون أن تأخذ بعين الإعتبار متطلباتهم الإجتماعيةوالإقتصادية والثقافية التي تمتد إلى ما بعد لحظة التصويت، وهذه الأفكار والمبادئ تتكرس بوسائل فعلية مختلفة الوقع في نفوس المواطنين وهي التي سيقع عرضها على التوالي.

حق المبادرة الشعبية:

المبادرة الشعبية هي آلية اقتراح متاحة لأي مواطن يستطيع من خلالها الوصول بمقترحه إلى مرحلة الإستفتاء و ذلك بجمع عدد من التوقيعات.

هذه الآلية لا تضمن مشاركة شعبية واسعة فحسب، بل تكرس أيضا روح المبادرة لدى المواطنين فيعرضون على التصويت المسائل التي يرونها مهمة بالنسبة لهم و التي قد لا تكون حاضرة في أجندات الأحزاب السياسية. وفي المقابل، قد تسبب هذه الآلية إشكالا عندما يتم إقرار مبادرات يتعارض مضمونها مع قوانين و مبادئ دستورية سابقة و اتفاقيات دولية، فمثلا قررت المحكمة العليا الفدرالية السويسرية في شهر أكتوبر2012 عدم تطبيق ما نصت عليه المبادرة الشعبية القاضية بالطرد الآلي للمجرمين الأجانب.

في تونس قد يصعب اعتماد هذه الآلية نظرا لكلفة تنظيم تصويت شعبي بالطرق التقليدية الراهنة و لكن تبقى المسألة مطروحة في صورة إيجاد تقنيات حديثة أقل كلفة.

ب- الحق في تحرير العرائض دستوريا :

يقوم في هذه الحالة مجموعة من المواطنين بالإعتراض على قرار صادر عن الجماعة المحلية خلال مدة معينة من تاريخ إتخاذه. وبالتالي هي آلية تتيح لأي مواطن تقديم عريضة إلى السلطات المختصة من أجل عرض مشروع تعديل أو إقتراح قانون أو أي مبادرة أخرى.  

   الدستور المغربي لسنة2011 أقر صراحة في الفصل 15 منه حق المواطن في تقديم العرائض  للمحكمة الدستورية لإلغاء القوانين التي تتعارض مع مصالحه أو حقه في تقديم مقترحات قوانين للبرلمان.وللأسف لم يتم تضمين هذا الحق في الدستور التونسي لسنة 2014، ولكن يبقى المجال مفتوحا لتواصل المجتمع المدني مع مجلس نواب الشعب من خلال وسائل أخرى كعرض الورقات السياسية وغيرها.

ج-الإستفتاء الشعبي:

يتمثل الإستفتاء في أخذ رأي الشعب في مسألة من المسائل، ويتمثل تدخل الشعب في هذا المجال في قبوله هذه المسألة أو رفضها و للإستفتاء  صور مختلفة.

في تونس يمكن تصنيف الإستفتاء حسب التشريع السابق إلى استفتاء سابق لإقرار القانون أو استفتاء لاحق،أي يُستفتى الشعب على مشروع قانون يوافق عليه البرلمان و بالتالي يكون الإستفتاء دستوريا أو تشريعيا ويكون إما اختياريا أو اجباريا. أما الآن و في سياق تفعيل اللامركزية و تمكين السلطة المحلية، تبرز فرص لإعتماد آلية الإستفتاء على نطاق بلدي، جهوي أو إقليمي و هي تجربة تم اعتمادها في دول أخرى متقدمة مثل اسبانيا و نالت استحسانا كبيرا.

يتميز الإستفتاء الشعبي بكونه يضمن حق تشريك جميع المواطنين {المؤهلين للإدلاء بأصواتهم} بدون استثناء، و بالتالي فإن قاعدة المشاركة فيه هي الأوسع على الإطلاق. ولكنه في المقابل مكلف جدا للدولة من الناحية التنظيمية، لذلك لا يتم اللجوء إليه إلا نادرا وفي قضايا مصيرية {الإنفصال عن سلطة دولة مركزية، تعديل الدستور...}. من جهة أخرى لا يتيح الإستفتاء هامشا كبيرا للتفاعل، فالمواطن عادة حين يدلي بصوته إما يقر أو يرفض {نعم أم لا} الإجراء موضوع الإستفتاء دون أن تكون له القدرة على تقديم مقترحات أو تعديلات إضافية.

د- الميزانية التشاركية 

الميزانية أو الموازنة التشاركية هي عملية من المشاورة الديمقراطية يقرر من خلالها الأشخاص العاديون كيفية تخصيص جزء من الميزانية البلدية أو العامة. و تعتبر هذه الآلية بامتياز أحد أفضل ممارسات الحوكمة التشاركية نظرا لأثرها الملموس على واقع المواطنين لا سيما على المستوى المحلي و تحفيز مشاركتهم في الشأن العام بشكل مباشر. بل إنها أدت في بعض الحالات إلى زيادة استعداد الأشخاص لدفع الضرائب. ومن خلال الميزانية التشاركية يتجلى مفهوم التطوع باعتباره من أهم المرتكزات التي يقوم عليها نشاط المجتمع المدني، فمفهوم التطوع يقوم على الإلتزام الطوعي غير المقيد قانونا، والذي يقوم به الأفراد خارج أوقات عملهم المهني أو العائلي لأهداف غير شخصية  وغير ربحية ضمن إطار مؤسساتي معين.فبالمشاركة في انجاز و تقرير و تفعيل الميزانية طوعا و الوعي بضرورة دفع الضرائب  نصل إلى الديمقراطية الفعلية كما يجب أن تكون.

ه- لجان الأحياء :

من أهم الآليات المعتمدة في الديمقراطية التشاركية هي لجان الأحياء للتنمية و المؤسسات التشاورية. و رغم الإكراهات التي تعتريها فهي قناة ديناميكية للإنتعاش الديمقراطي، و الحوار التشاوري، والمراقبة و القرب والتداول. و قد وضعت فرنسا قانونا ينصب على الديمقراطية المحلية  والقرب سنة 2002 الذي يرتكز على اشراك السكان و الجمعيات و الهيآت من خلال إعداد المشاريع. أما بالنسبة لتونس كان لتجربة لجان الأحياء سابقا و التي بعثت منذ سنة 1991 وقعا معاكسا لما يجب أن يكون.فلجان الأحياء كانت بمثابة بوق للسلطة تخدم أغراض الحكام لا المواطنين. ومن المفروض أنه كان الهدف من وجودها اثراء النسيج الجمعياتي و المساهمة في تحسين نوعية الحياة في الأحياء السكنية وتحسيس المواطن بدوره المدني وارساء قيم اجتماعية متطورة و تثمين العمل التطوعي و توظيفه لخدمة التنمية.لكن للأسف كانت النتائج و الأغراض غير و عكس المعلن عنها. ولكن وجب الإقتداء بالتجارب العالمية في هذا المجال وتفعيل دور لجان الأحياء الأصلي لتدعيم الديمقراطية التشاركية.

الخاتمة:

أمام كل هذه الإشكاليات، يمكن اعتبار أن مشروع اللامركزية الجديد على رغم طابعه الطموح وما يحمله من نفس ديمقراطي، فإن نجاحه يبقى رهن قيام السلطة السياسية مشفوعة بالمجتمع المدني بعمل توعوي وتثقيفي هائل. ومن الملائم أن يتمحور هذا العمل على التوفيق بين تمكين المواطن في الجهة من تسيير شؤونه بما تقتضيه خصوصياته وحاجياته وطموحاته من جهة ووحدة الدولة والعمل كذلك على مصالحة جميع التونسيين والتونسيات بالدولة وبمؤسساتها لكن كذلك ببعضهم البعض من جهة أخرى.

إن مفهوم الديمقراطية التشاركية بجميع تجلياته أصبح في ظل التتقنيات الحديثة أسهل و أبسط وذلك عبر مبادئ الحوكمة المفتوحة التي تشهد انكماشا رغم تكريسها دستوريا.

 

منى كريفي ( باحثة تونسية )

 

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك