القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الدولة الليبية بين مفهوم "الهوية الثقافية" ومفهوم "المكونات الثقافية"المتنوعة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-02-28 14:02:00 | 292 مشاهدة

 

 

الملخص:

إذا أردت أن تشلَّ شعبا ما فتحول بينه وبين التقدم، بل بينه وبين التماسك والوقوف على أرضٍ صلبة من حيث المبدأ، أغرقه في جدل الهويات، وعد به إلى أساطير قداستها وعراقتها وتميزها واختلافها، وأغرق المتجادلين حول هوياتهم في التنقيب في الماضي عما يُشَرْعِنون به تلك الأساطير. فعندما يكون الوطن هو الهوية، فالأمر آمن، والتماسك قائم، أما إذا أردت أن تزعزع هذا الأمان وذلك التماسك، فاجعل الوطن هويات متناحرة، واجعل تلك الهويات تبحث لنفسها عن أوطان، عندئذ يتشضّى  الوطن ويقتتل الناس لأجل هذه البدعة "الهوية".

المقدمة:

من المفارقات العجيبة في ما عرف بالربيع العربي أن كل من انتفضوا ضد الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، جاعلين من محاربة الاستبداد دَيْدَنَهم، ومن دَمَقْرَطَة بلدانهم غايتَهم، تحولوا جميعا، إلا في القليل النادر ، إلى دعاة تقسيم للأوطان على خلفية تناحر الهويات الفرعية التي راحت تتوالد متجاوزة الهوية الأم، وهي الهويات التي راح التمسك بها والدفاع عنها أغلى من التمسك بالوحدة وأهم من الدفاع عن الأوطان ذاتها. هذا ما حدث في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث أطلت كلُّ الهويات الفرعية المُدَمِّرَة برؤوسها على أشلاء الهوية العراقية الجامعة التي مزَّقها الاحتلال وقطَّعَت أوصالَها أدواتُه، وهذا ما حدث في سوريا التي غدت أقاليمها شبه المستقلة بعدد أديانها ومذاهبها وإثنياتها.. إلخ، وهو ما يحدث في اليمن، وهو ما يحدث حتى في مصر التي كانت تبدو دائما عصية على جدل الهويات.

 

1/ جدل الهويات في ليبيا وخطره على وحدة الكياني السياسي الليبي:

لا بل إن ليبيا ليست حالة مختلفة في هذا الشأن، لأن هذا ما حدث ويحدث فيها منذ سقوط نظام معمر القذافي، عندمانشأ في هذا البلد المنهك أخطر ما يمكن أنتتعرض له البلدان في العالم، وهو اضطراب الهوية الوطنية والعودة بها إلى الأصول البدائية المتخلِّفَة قبليةًكانت أو عرقية، ما دام الدين والمذهب لا يؤسِّسان فيها لتناحر هوياتي بسبب وحدة الدين الذي هو الإسلام، ووحدة المذهب الذي هو المذهب المالكي. وقد اضطربت الهوية الوطنية الليبية وارتدت كل منطقة أو كل قبيلة في ليبيا إلى ذاتها الاجتماعية تدعم وتنمي كيانَها القبلي والاجتماعي بمعزل تام عن الهوية الوطنية الجامعة،وأصبحت ليبيا في عمقها الاجتماعي قبائل ومناطق منعزلة بذاتها بعضها عن البعض الآخر، وليست دولة هي "ليبيا" يقيم عليها شعب متماسك الهوية هو "الشعب الليبي".  ولان كل منطقة وقبيلة ضعيفة أو متوجِّسَة أصبحت تشعر بالتهديد على كيانها الاجتماعي الجديد الناشئ في قلب التوالُد الأميبي للهويات الفرعية المدمرة للهوية الجامعة، فقد لجأت بعض القبائل الى الأسوأ للحفاظ على كياناتها القبلية، وذلك عبر ممارسات راحتتشكل خطرا داهما على الهوية الوطنية الليبية الجامعة. ففي الجنوب الليبي لجأ "تبو" ليبيا إلى امتداداتهم القبلية باستدعاء بعض "تبو" دولتي تشاد والنيجر لدعم وجودهم في جانبه الديموغرافي الذي يقوي البعد الهوياتي الجديد. ولجأت قبيلة "أولاد سليمان" الى امتداداتها القبلية باستدعاء أبناء العمومة من دولتي تشاد والنيجر أيضا لدعم وجودها،كما لجأ طوارق ليبيا إلى امتداداتهم القبلية باستدعاء طوارق مالي والنيجر وجنوب صحراء الجزائر،ولجأ أمازيغ "الجبل" و"زوارة" الى امتداداتهم القبلية في دول المغرب العربي وبالتحديد في "المغرب الأقصى" للاستعانة بهم ثقافيا في تعليم الأمازيغية وفي إقرار مناهجها في ليبيا. ولجأ أحد شيوخ "أولاد علي" من مناصري الحكم الفيدرالي في "إجدابيا" من "الجضران" وجماعته إلى التهديد باستدعاء "أولاد علي" المتوطنين في مصر إلى ليبيا لمناصرة دعاة الحكم الفيدرالي. وليس هناك ما هو أشد خطرا، وأوقع تأثيرا على وحدة وتماسك الهوية الجامعة للشعب الليبي، من هذا اللجوء إلى الامتدادات الهوياتية الفرعية الخارجية وذات الطبيعة العرقية والاثنية والقبلية لتقوية برنامج سياسي ارتبط بالمكون الهوياتي الفرعي وأصبح جزءا لا يتجزأ من عناصره ومكوناته، لا بل ومن سيرورته أيضا.

إن الاعتراف بالخصوصية الثقافية في هذا الجانب أو في ذاك، لا يستدعي حتما الإقرار بالهوية الثقافية المستقلة القائمة فعليا لمن نعترف بخصوصيته تلك على نحو يستدعي تجسيدا سياسا وقانونيا لها، وإلا لأمكن اعتبار أن كل مدينة لها أعرافها الخاصة وتقاليدها المختلفة عن غيرها في الزواج وفي الأعياد وفي الطقوس والمناسبات الدينية.. إلخ، من حقها اعتبار نفسها تملك هوية ثقافية مستقلة ذات خصوصية ثقافية تستدعي حقوقا سياسية وقانونية، وهذا خلاف المنطق، بل خلاف النهج العام للتقدم الإنساني في العالم. وفي هذا السياق هناك محاولات غير بريئة لعزل الجنوب الليبي عن باقي ليبيا عبر العمل الحثيث على استيلاد هوية ثقافية متميزة ومختلفة لهذا الإقليم الواسع من الدولة الليبية. ولأن الجنوب الليبي عامة يعتبر هو الخزان التاريخي الحضاري لهذا الكيان السياسي الثقافي المُسَمى "ليبيا"، فقد كان من الضروري التفريق بين حقوق الهوية الجامعة، وحقوق الهويات الفرعية، بين ثقافة الهوية الجامعة التي ترتبط بالمكونات القانونية والسياسية للدولة، وثقافات الهويات الفرعية التي لا تخرج عن إطار كونها عادات وتقاليد لا تمنح خصوصية ثقافية تصل إلى حدِّ وصفها بأنها "هوية ثقافية" مستقلة، تستدعي حقوقا سياسية وقانونية. إن جنوب ليبيا لصيق منذ القدم بفكرة الكيان الليبي. إنه في الأصل مصدر الحضارة الليبية القديمة المعروفة بالحضارة "الجرمنتية" الكبرى أو مملكة "غارامانتس" التي اعتبرها البروفيسور "ديفيد جي ماتنجلي" أستاذ الآثار بجامعة "ليستر" البريطانية أول حضارة متقدمة ومزدهرة في ليبيا، ومستقلة عن الحضارات السائدة في منطقة حوض البحر المتوسط، وأول دولة كبرى في الصحراء الوسطى، وقد امتد تأثيرها الحضاري في مختلف أنحاء الصحراء واسعة المساحة. أحفاد أسلاف تلك المملكة المفقودة لا يزالون موجودين في الجنوب الليبي اليوم، ولم تنقرض لغتهم القديمة من لسانهم، مثل قبائل "الطوارق"و"التبو" وهم يتعايشون مع القبائل العربية القادمة من الشمال. ولأن الجنوب الليبي إقليم صحراوي قاحل يضم منخفضات كبرى وواحات عديدة، فقد ظل معزولا عن مركز السلطة أو بتعبير أدق عن مركز الدولة في الشمال، إلا من حيث هو ممر تجاري للقوافل بين الشمال والصحراء الكبرى من جهة، ومن حيث هو ممر للثقافات العربية/الإسلامية/الأفريقية من جهة أخرى. في هذا السياق يمكننا ذكر صحراء "مرزق" التي كانت عبر التاريخ نقطة التقاء وترابط بين ثقافة الأمازيغ والعرب في الشمال، وثقافة الطوارق والأفارقة في الجنوب، ومن هذا التلاقح الحضاري تتشكل اليوم مكونات الهوية الثقافية الوطنية للشعب الليبي بأكمله. وإذا انتقلنا إلى البنية القبائلية الليبية فإننا نجد أن القبائل الكبرى التي يتكون منها الشعب الليبي هي في معظمها بالأساس من شبه الجزيرة العربية، ومن الأمازيغ بنسبة أقل. وتشير العديد من المصادر إلى أن أكبر 6 قبائل في ليبيا: هي:

أولا: "الورفلة"، وينتمي إليها سدس السكان، وتنتشر في أغلب التراب الليبي، خصوصا في منطقة فزان، وبنغازي وسرت. 

ثانيا: "القذاذفة"، ويتمركزون وسط ليبيا، في سبها وسرت.

ثالثا: "ترهونة"، وتنتمي إليها أغلب القبائل الفرعية، والتي قد تصل حسب مختصين إلى أكثر من 60 قبيلة. يشكل أبناؤها حوالي ثلث سكان العاصمة طرابلس.

رابعا: "المقارحة"، وهي من أقدم القبائل الليبية التي أتت مهاجرة من شبه الجزيرة العربية منذ سنة 1051 ميلادي.

خامسا: "زناتة"، وتنتشر في مختلف الدول المغاربية، وهي أكبر القبائل الأمازيغية في ليبيا، لكن مركز تواجدها الجغرافي في مدينة الزنتان بمنطقة الجبل الغربي.

سادسا: "الطوارق"، وهي قبيلة أمازيغية تتمركز بالصحراء الكبرى وتتوزع بين عدة دول من الساحل الأفريقي. مركزها مدينة "غات" بأقصى الجنوب الليبي. وبإجراء قراءة أنثروبولوجية في التركيبة القبائلية للجنوب الليبي، نجد أنه من الصعب فصله عن الشمال الليبي، إذ أن معظم القبائل تنتشر في الجنوب وفي الشمال على حدٍّ سواء، وعلى نحو يستحيل معه ربط الجغرافيا "الأرض"، بالديموغرافيا في مكونها العرقي القبلي "السكان"، على نحوٍ فيه تطابقٌ معبِّر ودال سياسيا. وبالتالي فنحن أمام حالة من عدم التطابق الديموغرافي الجغرافي ذي التجَسُّدات السياسية الحقيقية.

فإن نحن قلنا إن سكانَ الجنوب هم من القبائل الفلانية كي نَسِمَهم بخصوصية عرقية تؤسِّس لخصوصية سياسية قانونية، فإننا لا نستطيع ذلك، لأن نفس تلك القبائل موجودة وبكثرة في الشمال وفي الوسط. وبالتالي فنحن إزاء الحديث عن هوية ثقافية للجنوب الليبي، أمام محاولة تعسُّفِيَّة مريبة وغير بريئة تستهدف استيلاد كيان ثقافي هوياتي مصطنع هدفه أن يستدعيَ حالةً سياسية قائمة بذاتها، للتأسيس والتأصيل لتعدُّدِيَّة سياسية تتجاوز حدود مفهوم التشاركية في التعدديَّة السياسية في قلب وحدة الهوية والدولة، إلى أن تصل إلى مستوى كونها هي والتقسيم السياسي للدولة إلى عديد الدُّول سيان، في حين أن الحديث عن مكونات ثقافية ضمن الكل الثقافي الليبي ذي القواسم المشتركة التي تحكنهما الهوية الليبية الجامعة، هو الأصح والأصوب.

خلاصة القول إذن، أن العناصر الثقافية للجنوب الليبي، لا يمكنها أن تشكل هوية ثقافية معزولة عن الهوية الثقافية للشعب الليبي، والتي هي ذلك التركيب التاريخي المنصهِر في "العروبة" و"الإسلام" و"الأمازيغية" و"الإفريقية".

2/ الحالات الثقافية الخاصة في مُكَوِّنات الهوية الثقافية الليبية:

في هذا السياق، وبناء على ما يستدعيه النَّسَق الهوياتي، أو نسق "جدل الهويات" في ليبيا ما بعد انتفاضة فبراير، فإننا استقرأنا حالتين تعتبران من المكونات الأساس المُؤَصِّلَة لجدل الهويات في ليبيا، وهما حالة "الثقافة الأمازيغية"، وحالة "البُنية القبلية"، بحيث وجدنا أن التعاطي معهما يتجاوز حدود التحليل السابق الذي أوضحنا بموجبه الفرق بين "المُكَوِّن الثقافي" الذي يمكن الاعتراف بتعدُّدِه وتنوعه الإثرائي للهوية الثقافية الليبية الواحدة، دون أن تترتب عليه حقوق ذات مُسَوِّغات وتبريرات سياسية قانونية، و"الهوية الثقافية" التي تعتبر واحدة وأصيلة في ليبيا، يقوم عليها الكيان السياسي القانوني الليبي الواحد أصلا ومن حيث المبدأ. لذلك فإننا لن نختم هذا التحليل الهوياتي قبل أن نعرض إلى توصيف التأصيلات المنطقية لكل من حالة "الثقافة الأمازيغية"، و"البُنْيَة القبلية" في مجموع مكونات وعناصر الهوية الثقافة الليبية، كي تبقى آليات التعاطي مع هاتين الحالتين قائمة في قلب اعتبار حيثياتهما مجرد مكونات تنتمي لمشروع الهوية الليبية الواحدة.

1 – الثقافة الأمازيغية تئن تحت وطأة عدم حسم جدل الهوية في أوساط الأمازيغ أنفسهم

تحاول الأقلية الأمازيغية في ليبيا منذ عقود أن تثبتما تعتبرها حقوقها الثقافية، إلا أن النظام السابق كان يرفض على الدوامالاستجابة لمطالب هذه الأقلية، وعملَ على إدماجهم قسرا مع المُكونات المجتمعية الأخرى.من هنا يعتبر بعض نشطاء أمازيغ ليبيا أن الوقت قد حان بعد ثورة 17 فبراير 2011 للحديث الصريح عن حقوقهم تلك. في هذا السياق قال نشطاء من مدينة "زوارة"ذات الغالبية الأمازيغية:"إن الصراع مع القذافي "لم يكن ذا طابع عرقي لأنه لم يكن في صراع مع الأمازيغ وحدهم فقط بل مع كل الليبيين". ولكن السؤال الذي يطرح نفسه دائما في موضوع الثقافة الأمازيغية في المغرب العربي عامة هو: "هل حسم الأمازيغ جدلية هويتهم، وغدا الأمر مقتصرا الآن على كيفية تحصيل هذه الهوية لحقوفها الثقافية؟". هنا بيت القصيد ومكمن القضية، إذ ما تزال "الهوية الأمازيغية" حتى عند من يعتبرون أنفسهم أمازيغ مثار جدل واسع، ومحل أخذ ورد. فبالإضافة إلى وجود فئات أمازيغية تعتبر نفسها مُكَوِّنا مختلفا عن المكون العربي عرقيا وثقافيا، فإن فئات أمازيغية أخرى ما تزال تعتبر أن العلاقة الحقيقية بين "الأمازيغية" و"العروبة" تجد حلولها في تلك الموجة القديمة من الهجرات السامية التي غادرت الجزيرة العربية باتجاه الشمال الإفريقي، والتي بتفاعلها مع المُكوِّن الذي كان مقيما هناك تشكَّل الأمازيغ.  ولعل هذه الجذور العربية الضاربة في القدم للأمازيغ هي التي تفسِّر سرَّ تحول الشمال الإفريقي كاملا إلى العربية والعروبة بدون أيِّ ضغوطات أو إكراهات، في حين لم يحصل في آسيا غير العربية. وهو ما يعتبره الكثيرون من قُراَّءِ التاريخ راجعا إلى أن سكان الشمال الإفريقي استعادوا واستظهروا بالفتح العربي الإسلامي عروبتهم القديمة الكامنة، بينما مسلمو آسيا لم يحصل لهم ذلك، لأن جذورهم ليست عربية أصلا، وبقوا "فرسا" و"أوردا" و"هنودا" و"أتراكا" و"بشتونا".. إلخ. وإذن فإن المعضلة ما تزال قائمة في صلب الجدل "الأمازيغي – الأمازيغي" حول الهوية، وهو الأمر الذي بجعل مسألة الثقافة الأمازيغية والخصوصية الأمازيغية مرشحة للبقاء معلَّقة إلى أن تُحسمَ مسألة الهوية داخل النخب الأمازيغية ذاتها.   

2 – أهمية ومركزية البُنْيَة القبلية في التكوين الثقافي للشعب الليبي:

تعد البنية القبلية للمجتمع الليبي من أبرز العوامل التي أثرت في تشكيل الحياة السياسية في ليبيا على مر تاريخها . وفى ظل غياب القانون والدستور قامت القبائل بتكوين الأعراف الاجتماعية لتسيير كافة أوجه الحياة في ما عرف بـ"دربة أولاد علي"،أو بالأحرى "شريعة الصحراء"، وهذا العُرف أو "الدربة" أصبح بمثابة قانون للعقوبات مستندا سميا وجزئياً إلى الشريعة الإسلامية، ويتكون من 67 مادة تحدد أنماط العلاقات بين أعضاء القبيلة/القبائل،وأنواع الاعتداءات والعقوبات التقليدية التي توقع على من يرتكبها. والتزمت جميع القبائل التي تدور في فلك" أولاد علي" بهذا القانون القبلي، وأصبحت "الدربة" بمثابة صمام الأمن والأمان بين أبناء القبائل فيا لمنطقة المذكورة، تقضي بينهم في كل مشاكلهم وأحوالهم المدنية والشخصية من الجنح إلى الجنايات. لا بل إن حضور القبيلة بشكل طاغٍ تجلى أكثر ما تجلى فيالعمليات الانتخابية بعد إسقاط نظام القذافي، إذ بدا واضحا أن القبلية لا تزال المحور الرئيس الذي يشكل اتجاهات الناخبين والأحزاب السياسية. فقد اعترضت بعض القبائل على القانون الانتخابي لا لشيء إلا لأنها تراه يضعف من حصصها القبلية الخاصة بتوزيع مقاعد المجلس الوطني،بعد أن تم تحديدها بحسب النطاق الجغرافي والحجم السكاني.

 

خاتمة:

لقد كنا في هذا التحليل حريصين على عدم الانسياق وراء ظاهرة تقسيم ثقافة الليبيين المتباينة العناصر إلى هويات ثقافية، كي لا نسهم عن طريق الخطأ المنهجي في الاعتراف بتعدد البُنى السياسية لهذا الكيان، لأن الاعتراف بالهوية الثقافية لأيِّ إقليم هو اعتراف ضمني بحقوق سياسية مرتقبة له حتى وإن تغاضينا عنها في مرحلة معينة لأسباب معينة. فليبيا لها هوية ثقافية واحدة، هي ذلك التركيب المنصهر الذي أشرنا إليه، أما كيف تتجسَّد هذه الهوية الثقافية من مكان لآخر، ومن إقليم لآخر في الجغرافيا الليبية، فإن هذا لا يسمى هوية ثقافية، وإنما يسمى "عناصر ومكونات ثقافية" متنوعة ومتباينة من إقليم جغرافي لآخر، ومن مكون ديموغرافي لآخر، تُجَسِّد جميعُها بتنوعها وتباينها الهويةَ الثقافيةَ الليبية الأم، في الجغرافيا وعبر الديموغرافيا فقط لا غير، ولا يخرج عن هذا كلٌّ من "المُكَوِّن الثقافي الأمازيغي"، و"المكون الثقافي للبُنْيَة القبلية" للشعب الليبي. 

أسامة عكنان  ( باحث أردني)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك