القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الدبلوماسية التونسية :الأمن القومي في مواجهة الأمن الإيديولوجي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-11-06 13:11:00 | 127 مشاهدة

                                   

 

تلخيص

اتسم المشهد السياسي والمدني في تونس منذ الثورة باحتدام الجدل الايديولوجي حول كل القضايا صغيرها وكبيرها في مختلف المجالات وهو ما عطل امكان وجود اجماع وطني لحلول  جذرية لمختلف الأزمات التي شهدتها البلاد  والتي تتطلب وجود مشترك وطني يرتفع عن الصراع الإيديولوجي والحزبي الضيق، وفي محاولة منا لتلمس أسباب استفحال هذه الظاهرة والوقوف على دلالتها و آثارها الآنية والمستقبلية على نظام الاجتماع السياسي  رصدنا عينة دالة على هذه الظاهرة وأخضعناها للتحليل وهي عينة السياسة الدبلوماسية في علاقة بالأمن القومي الذي يفترض أنه مشترك لا يخضع للتجاذبات

مقدمة:

وقد بحثنا هذه القضية من خلال سؤال العلاقة بين الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الشعبية. يدور جدل كبير في الأوساط السياسية والإعلامية  في تونس عن السياسة الدبلوماسية للبلاد توجهاتها وضوابطها واستراتيجياتها وخاصة من الذي يسمح له بالتدخل فيها والفعل ضمن اطارها .ومنبع هذا الجدل في تقديرنا هو ظهور بعض المبادرات الحزبية خارج الاطار الرسمي الذي تمثله وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية ضمن ما يعرف بالدبلوماسية الشعبية المساندة للجهود الرسمية

ومن المهم التذكير هنا بأن هذا الشكل الجديد الطارئ على تقاليد العمل الدبلوماسي في تونس هو عمل مستحدث لم تعرفه الدبلوماسية التونسية منذ الاستقلال إذ كانت السياسة الخارجية لتونس مسطرة فقط من الزعيم الاوحد رئيس البلاد سواء كان الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة أو الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي

ولم يكن يسمح حتى لوزير الخارجية نفسه الممثل الرسمي المفترض للدبلوماسية بالحديث عن سياسة بلاده الخارجية إلا نطقا باسم رئيس البلاد في تجل واضح لتجميع السلطات كلها في يد الرئيس

لهذه الأسباب ولغيرها كان مثيرا للجدل ظهور بعض الانفتاح على فاعلين جدد للسياسة الخارجية ونقصد بهؤلاء الفاعلين بعض الأحزاب السياسية التي أخذت على نفسها بعد الثورة معاضدة جهود الدولة في الساسة الخارجية على طريقتها سواء من خلال التواصل مع ممثلي دول أجنبية لها علاقاتها مع تونس أو القيام بمبادرات في قضايا اقليمية ودولية  تتقاطع معها مصلحة تونس

وتجدر الاشارة هنا إلى أن مصطلح الدبلوماسية الشعبية مصطلح قديم يعود تاريخه  إلى  1856  إذ ورد ذكر ه  في مقالة صحيفة التايمز اللندنية الافتتاحية تنتقد فيها مواقف الرئيس فرانكلين بيرس Franklin Pierce، وتتحدث عن القدوة الحسنة والصورة النمطية، والتعامل الجيد مع الشعوب

وتعرف هذه الدبلوماسية على أنها  "نوع من أنواع الاتصال الذي يستخدم كأسلوب من أساليب كسب اتجاهات الرأي العام أو تغيرها، لاسيما في وقت الأزمات بعيداً عن نشاط السفارات والبعثات الرسمية والإعلام التقليدي للدبلوماسية الرسمية" لكن لا يمكن  تضمين كل جهد شعبي تجاه الآخر في سياق الدبلوماسية الشعبية.

وبناء على ما تقدم من تعريف يمكن أن نستنتج أن الجدل المثار في تونس حول هذا الموضوع يعد جدلا متأخرا في الزمن والمفهوم والمقصد ،و إذا كان التأخر الزمني مبررا بالنظر لحداثة الدولة التونسية التي لم يمض على استقلالها سوى ستين سنة فإن التأخر على مستوى المفهوم والمقصد لا يمكن تبريره و إن كنا نتفهمه بالنظر إلى هيمنة نمط السلطة الأبوي على النظام السياسي للدولة بعد الاستقلال .

لكن أن يثار هذا الجدل بعد الثورة وفي ظل الحرية التي تعيشها البلاد على جميع المستويات فغن هذا الامر يحتاج على وقفة و سؤال

من أبرز أدوات الدبلوماسية الشعبية يمكن ان نذكر النقابات العالمية، والمهنية، واتحادات الطلاب، ومنظمات الشباب والمرأة، والبرلمانات، والأحزاب والفرق الرياضية، والفنون الشعبية، لكن تاريخ مثل هذه المنظمات في تونس يوقفنا على ملاحظة هامة هي أنها كانت مقصية من المساهمة في هذا الدور غما بفعل الاستثناء بحكم العلاقة العدائية مع السلطة القائمة مثل اتحادات الطلبة أو بفعل الاحتواء بما لا يجعل لها أ] وجه تميز مقارنة مع الدبلوماسية الرسمية ولا ينتظر منها تقديم أ]ة اضافة في هذا المجال بالنظر لكونها رجع صدى للسياسة الرسمية وهذا أبعد ما يكون عن مقصد الدبلوماسية الشعبية

وبالعودة على أبعاد الجدل المثار حول هذا الموضوع في بلادنا و أسبابه و غاياته يمكن أن نستنج أولا أن المتجادلين في هذا الموضوع لم يتحرروا بالقدر الكافي من رواسب المفهوم التقليدي للدبلوماسية سواء الذين يمارسونها بحكم قصر المجالات التي يقتحمونها أو المنتقدين لهم بحكم "الجهل المفاهيمي "الذي يحرك نقدهم لمثل هذه المبادرات من خارج الاطار الرسمي أو لأسباب ايديولوجية لا علاقة لها بالصالح العام للدولة

نحتاج هنا على الانطلاق من الأمثلة التوضيحية المباشرة المعنية بهذا الجدل لتتبين لنا الصورة في أبعادها الكلية ،لذلك نشير إلى أن الجدل محور الحديث ينطلق من رفض ما تقوم به أساسا حركة النهضة أحد احزاب الحكم من بعض المبادرات  التي تندرج ضمن الديبلوماسية الشعبية كما حددناها من قبل

ويعتبر الرافضون لهذه المبادرات أن ما تقوم به حركة النهضة إنما يهدف إلى التحكم في مفاصل الدولة والهيمنة على أجهزتها وليس لمعاضدة جهود الدبلوماسية الرسمية ،وواضح أن هذا التبرير تبرير ايديولوجي محض لا علاقة له بالمفهوم العلمي للمصطلح ولا بما تتطلبه المصلحة العليا للبلد بصرف النظر عن  موقفنا من حركة النهضة

فتحت إذ  ندفع في اتجاه هذا الاستخلاص لا نقف على جانب النهضة في انحياز غير مشروط للدفاع عنها فليس هذا من شأننا كباحثين و غنما ننطلق مما يفرضه منطق الأشياء وسياقها انتظامها العلمي والفكري فالقول بأن للنهضة نية الاستحواذ أو الهيمنة على مفاصل الدولة أمر لا نجد له مكانا ضمن سياق هذا الجدل لأننا إذا سلمنا بصحته لا يخول لنا ذلك اللجوء إلى المنطق العدمي في التعامل مع المبادرات التي تتقدم بها النهضة ضمن الدبلوماسية الشعبية ،ذلك أننا إزاء مستويين مختلفين مستوى داخلي خاص يتعلق بما نفترضه أو نلمسه من محاولات النهضة الهيمنة على مفاصل الدولة وهذا يحتاج على متابعة وفقا للقوانين الداخلية الجاري بها العمل سلبا وإيجابا ومستوى خارجي يتعلق بما يمكن أن تضيفه المبادرات "النهضوية " للدبلوماسية الرسمية بحكم علاقات قادتها ومؤسساتها بمؤسسات وقادة الدول المستهدفة من الجهود الدبلوماسية وهذا المستوى نحتاج للتعامل فيه ببراغماتية محضة بصرف النظر عن الحسابات الايديولوجية  والحزبية الضيقة

لكن مسار الأحداث التي شهدتها الحركة الدبلوماسية التونسية منذ الثورة وما صاحبه من تجاذب اعلامي وسياسي أخرج هذه المبادرات من دائرة ما قد تقدمه للبلاد وتضيفه إلى دائرة ما قد يحسب لهذا الحزب أو ذاك وهنا تتقدم الأحزاب على موقع التنافس الحزبي العدمي الذي يحصر غايته في حرمان تسجيل الحزب المنافس لأي نقطة قد تضاف على رصيده الشعبي

وفي الحقيقة هذا المنطق لا يمت لمنطق دولة المواطنة بشئ فهو منطق يستبطن عقلية ما قبل الدولة أو العقلية القبلية التي لا ترى المغنم خارج القبيلة

ونعتقد أن غياب الثقافة المواطنية وخضوع الإعلام للوبيات المال السياسي الفاسد وتموقعه بحسب الولاء لهذه الجهة أو تلك أخرج كل الجهود على تواضعها من دائرة ما قد تعود به من نفع للصالح العام إلى دائرة منطق علي وعلى اعدائي بل إنه أوقع الدبلوماسية الرسمية نفسها في مآزق جرت أو كادت أن تجر كوارث على البلاد من ذلك الموقف من الأوضاع التي تشهدها الجارة ليبيا ،وهي دولة تمثل عمقا استراتيجيا لتونس لكن التعامل مع ما تعيشه بمنطق الايدولوجيا أضاع على تونس فرصة هامة للعب دور محوري في حل الصراع الليبي والاستفادة من هذا الجهد

لقد تحركت الدبلوماسية الرسمية في الملف الليبي من منطلق "العداء " الذي صوره الإعلام وبعض الأطراف الأجنبية لفاعلين ليبيين لم يكن لتونس مصلحة في عدائهم خاصة أنهم كانوا يسيطرون على طرابلس أقرب المناطق الليبية تماسا مع تونس وكان ذلك كله بسبب الموقف الايديولوجي من حركة النهضة أحد الأطراف السياسية المكونة للمشهد الحزبي والمجتمعي الداخلي

ولعل المأزق الذي وجدت فيه الدبلوماسية التونسية نفسها بعد اعتقال قيادي ليبي من فجر ليبيا محسوب على الإسلاميين ودخل تونس بدعوة رسمية وتم اعتقاله في اطار هذه الرؤية الضيقة بين الأحزاب دليل على هذا التخبط المفاهيمي والسياسي لدى الفاعلين السياسيين الذين تعاقبوا على الدبلوماسية التونسية بعد الثورة

تكرر هذا المشكل في ازمة اختفاء الصحفيين التونسيين نذير القطاري وسفيان الشورابي إذ تجنبت الدبلوماسية الرسمية الاستفادة من علاقات السفير التونسي السابق رضا البوكادي بزعم أنه نهضاوي  على الرغم من الجهود الحبارة التي بذلها سابقا في الافراج عن موظفين تونسيين اختطفتهم جماعات مسلحة ليبية

لم يكن الوضع الليبي وحده هو المعبر عن هذا المأزق وهذا التخبط لدى النخبة الحاكمة في تونس على المستوى الدبلوماسي بل شمل العلاقات التونسية مع دول كثيرة ابرزها تركيا والصين وغيرها

وكانت العلاقات مع السعودية آخر مثال استدعى كتابتنا لهذا المقال و إثارة الموضوع ،فقد عبر راشد الغنوشي عن موقف ازاء قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي ،وهو موقف بصرف النظر عن تبنينا له او رفضه يندرج اولا ضمن القناعات الخاصة والرؤية السياسية للحزب المذكور ،ثانيا هو من حيث المبدأ  بعيدا عن تفاصيله منسجم مع روح الثورة التونسية ودستورها الجديد  ثالثا على افتراض تناقضه التام مع التوجه الرسمي للدبلوماسية التونسية فإنه يمنح هذه الاخيرة ورقة ضغط من خلال التأكيد على التنوع الداخلي الذي يمنع من تقديم صكا على بياض للنظام السعودي ويرفع الحرج عن السلطة التونسية في حال ما طلب منها اعلان موقف رسمي مساند للنظام في السعودية

لكن كل هذه العوامل لم تؤخذ في   الحسبان من قبل منتقدي حركة النهضة ومنافسيها مثلما لم تؤخذ في الحسبان إزاء تعامل هذه الأطراف من المواقف الدبلوماسية التي اتخذها الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي سواء كانت رسمية تمثل الدولة أو شعبية تساند هذه الجهود

ونظرا لهيمنة الايديولوجي على هذه المواقف فقد عمد حزب نداء تونس في سابقة خطيرة  إلى الاتصال بالسفارة السعودية في تونس للتنصل مما أقدمت عليه حركة النهضة في هذا المجال من موقف داعم لحماية الصحفيين ،وجاء هذا التحرك بعد أن أصدر الحزب بيانا واضحا في الغرض منع امكانية أي تأويل آخر لهذه الزيارة او ادراجها ضمن مبادرات الديبلوماسية الشعبية المساندة للمجهود الرسمي برغم انسجامه التام مع ما أعلنته وزارة الخارجية في هذا الاطار

ونحن نخرج تحرك نداء تونس من دائرة الدبلوماسية المساندة لاعتبار موضوعي يتعلق بمفهوم الدبلوماسية المساندة كما ذكرنا والتي قلنا إنها تقدم إضافة على مستوى الرأي  العام ولا تكون رجع صدى أو فعلا مكررا للموقف الرسمي وهو ما كان في هذه الحالة  ولاعتبار ثان وجود القرينة الدالة على ذلك وهو البيان السابق للزيارة

كان يمكن لهذه الأحزاب أن توسع من دائرة النظر و افقه  بعيدا عن منطق الخلاف الداخلي حتى تستفيد من كل مجهود مهما كان مصدره وقدره  لأن ذلك ما تقتضيه مفهوم الأمن القومي  وما تفرضه قوانين دولة المواطنة  وهذا هو التحدي الراهن والمستقبلي المطلوب تركيزه في وعي التونسيين

الدكتور سمير ساسي

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك