القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الحوار الليبي: حظوظ الفشل والنجاح

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2015-05-06 11:40:00 | 73 مشاهدة

الحوار الليبي: حظوظ الفشل والنجاح إن جل المتابعين لما يجري في ليبيا يدركون حجم الصعوبات والعقبات أمام الحوار الليبي الذي تشرف عليه الأمم المتحدة . ورغم حجم التفاؤل الذي روج له جل المراقبين إلا أن المخرجات إلى حد الآن لازالت ضعيفة جدا ولا ترقى  إلى الحد الأدنى  المنتظر. وهذا  سيناريو متوقع لمن يدرك تفاصيل المشهد سواء داخليا وخارجيا. إن الأمم المتحدة تدرك من البداية أن المهمة لن تكون سهلة وأن حجم التفاؤل بنجاح الحوار ليس كبيرا. فالخلاف في ليبيا ليس مجرد صراع بين ميليشيات تتقاتل حول السلطة والنفوذ وإنما هو أعمق من ذلك بكثير . إن ما يجري في ليبيا هو صراع أجندات ومصالح كبرى مرتبطة بظرف دولي متوجس من بروز قوى دولية جديدة فاعلة ومؤثرة لها مرتكزاتها الايديولوجية في منطقة جغرافية غنية بمواردها الاقتصادية وهي مركز استقطاب دولي منذ الحرب العالمية الثانية . كما أن هذه المنطقة مرشحة للعب دور سياسي قد يغير الكثير في الاستراتيجيات الدولية وقد يخلق قطبا سياسيا جديدا يغير خارطة التحالفات العالمية وهو ما يتعارض مع التوازنات الدولية الحالية والتي تتحكم فيها قوى غربية عظمى ليس من صالحها أن تحدث تغيرات جوهرية في المشهد السياسي الدولي . إن ليبيا قطر من الأقطار العربية التي مثلت ضلعا من رباعي الربيع العربي الذي يتوق إلى تغيير يكون فيه للأمة العربية والإسلامية دور فاعل في التخلص من ربقة الاستبداد ومن التبعية للقوى المهيمنة في العالم من خلال نظام سياسي ديمقراطي يحرر الإنسان العربي ويبني قوة إقتصادية  وسياسية فعالة في عالم لا يحترم فيه إلا القوي. إن ماحدث في دول الربيع العربي جعل القوى الدولية تتحرك للتحكم في طبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة العربية. فالعالم لن يسمح لهذه الثورات أن تشق طريقها بنجاح بما يتعارض بالضرورة مع المصالح الكبرى للقوى المهيمنة في الشرق والغرب . ليبيا دولة غنية بمواردها الطبيعية وتحتل موقعا جغرافيا استراتيجيا على الضفة الجنوبية للمتوسط وعلى مسافة قريبة من أوروبا وضمن محيط مغاربي وشرق أوسطي يشهد تغيرات كبرى. كل هذه العوامل جعل منها قطرا مهما ومحل متابعة لما تشهده من تغيرات بعد سقوط نظام القذافي الذي سعى العالم للتخلص منه . وقد انعكس كل ذلك على طبيعة الصراع الدائر فيها. فالقوى الرئيسية الثلاث المتصارعة في ليبيا والمتمثلة في: - المؤتمر الوطني وحكومة الانقاذ في طرابلس وفصائل الثوار -برلمان طبرق وحكومة الأزمة في مدينة البيضاء وقوات حفتر المتحالف مع الزّنتان. - أنصار القذافي في الداخل والخارج ومعهم جيش القبائل، ذراعهم العسكري . تلك  هي أقطاب الصراع الدائر في البلاد والذي تعددت أشكاله وتباينت أهدافه وتقاطعت فيه المصالح الداخلية والخارجية بما جعله على غاية من التعقيد حيث صار من الصعب أن تفصل بين ما يجري في الداخل وبين ما يبيت في الخارج بما يعني استحالة الحل في غياب التدخل الأجنبي الذي ليس بالضرورة أن يكون عسكريا . وهذا ما أدركته الأمم المتحدة ومن ورائها القوى الكبرى التي ليس من مصلحتها استدامة الصراع في ليبيا . المعلوم أن الأمم المتحدة تسعى من خلال بعثتها للدعم في ليبيا إلى إنهاء حالة الصراع والوصول بالبلاد إلى الاستقرار السياسي والمؤسساتي من خلال حكومة وحدة وطنية تمثل جميع الليبيين وتنهي حالة الصراع القائمة .وانطلقت بعثة الدعم في عملها بقيادة السيد برنادينو ليون معتمدة مسارات مختلفة للحوار أهمها المسار الحكومي في المغرب والذي يشمل برلمانيين من المؤتمر الوطني العام في طرابلس ومن البرلمان الذي يزاول أعماله في طبرق. وتابع العالم جولات الحوار وما رافقها من عقبات كان يسعى الفريق الأممي إلى تذليلها . وأعلن السيد ليون إثر اختتام جولة الحوار الرابعة في المغرب أن 80بالمائة من مضامين المسودّة التي توصلت اليها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يمكن أن تكون مقبولة لدى الفرقاء الليبيين. وأضاف أنه ما تزال هناك عناصر تحتاج الأطراف إلى عقد مشاورات بشأنها مع الجهات التي تمثلها. وتهم هذه الأفكار تشكيل حكومة وحدة وطنية ومجلس رئاسي ومجلس النواب فضلا عن مجلس أعلى للدولة وهيئة لصياغة الدستور. وإذا توافق الطّرفان على هذه النقاط تعتزم البعثة الأممية المرور في مرحلة ثانية إلى مناقشة تشكيل مجلس الأمن القومي ومجلس البلديات. كان ذلك قبل أن يعلن السيد ليون عن مضمون المسودة وهو ما جعل بعض المراقبين يتفاءلون ببداية حل للمعضلة في ليبيا إلا أن المطلعين على دقائق ماجرى في المغرب تفاجؤوا بهذه التصريحات المتفائلة جدا والتي تتعارض في الحقيقة مع تصريحات الفرقاء الليبيين القائمين على شأن هذه المفاوضات إذ لم يرشح منها ما يفيد بحصول تقدم حقيقي في النقاط الخلافية  وأن كل ماجرى في المغرب هو لقاءات غير مباشرة بين الفريقين وطروحات متناقضة حاول الفريق الأممي من خلالها التقريب في وجهات النظرالمتباعدة حول أغلب القضايا المطروحة للنقاش. وبالفعل وبمجرد إفصاح السيد ليون عن مضمون المسودة التي أعدها مع معاونيه عبر فريق الحوار عن المؤتمر الوطني العام في طرابلس عن استغرابه لما جاء فيها ورفضه الشديد للمحتوى الذي لم يعكس على الإطلاق ما دار من مفاوضات وما طرح من وجهات نظر. وقال السيد " أشرف الشح" مستشار المؤتمر الوطني للحوار وبلغة دبلوماسية "إن المسودة لا تحقق الاستقرار المنشود" وأضاف السيد الشح " أن مقترحات المؤتمر الوطني العام لم تؤخذ بعين الاعتبار" . وتنص مسودة  الإتفاق على فترة انتقالية محدودة لا تتجاوز السنتين يتخللها تشكيل حكومة وحدة وطنية ومجلس رئاسي وإعادة تفعيل هيئة صياغة الدستور. وتؤكد المسودة على احترام نتائج الإنتخابات التي جرت في جويلية 2014 وانبثق عنها البرلمان المعترف به دوليا. وتواجه هذه النقطة تحديدا رفض المؤتمر الوطني العام. ويعتبر المؤتمر أن البرالمان المعترف به دوليا والذي يعمل في شرق البلاد منذ سيطرة فجر ليبيا على العاصمة طرابلس قد فقد شرعيته استنادا إلى قرار المحكمة العليا القاضي بحله. وفي ما يخص البرلمان في طبرق فإنه لم يصدر منه ما يفيد رفضه لمسودة الأمم المتحدة خصوصا وأنها لبت طلبا رئيسيا للبرلمان يتمثل في ضرورة الاعتراف بالبرلمان كجهة تشريعية تشرف على عمل الحكومة وعلى التعديلات الوزارية وحتى على حجب الثقة منها وهو ما اعتبر انتصارا سياسيا كبيرا لفريق طبرق وهو ماجعل السيد ابوبكر بعيرة عضو الفريق المفاوض عن البرلمان يصرح بأن المسودة جاءت متوازنة ومحترمة لإرادة الشعب الليبي وأن الفريق المفاوض سيعكف على مناقشتها لإدخال تعديلات عليها إذا اقتضى الأمر . إن مسودة الأمم المتحدة عادت بالحوار إلى نقطة الصفر حسب تصريحات فريق المؤتمر الوطني العام وأنها مخيبة لآمال الليبيين وأنها منحازة بالكامل لبرلمان طبرق. وأن فريق المؤتمر لن يقاطع الجولة القادمة بل سيعمل على تعديل المسودة بما يجعلها وثيقة توافقية تلبي المصلحة العليا للشعب الليبي . والتقط السيد ليون تحفظات فريق المؤتمر الوطني وصرّح بأن الوثيقة ليست مخرجا نهائيا بل هي وثيقة قابلة للتعديل. ومن خلال ما تقدم نلحظ أن الحوار لا يزال يراوح مكانه وسط رافض ومتحمس له من كلا الفريقين . حيث أن قطاعا مهما من أنصار فجر ليبيا من مدنيين وعسكريين يعتبر أن الحوار غايته ربح الوقت وإعطاء فرصة لحفتر ليحسم معركته في بنغازي وللزنتان وجيش القبائل حتى يجهزوا أنفسهم للانقضاض على طرابلس معتمدين على مصر والإمارات في عملية التسليح وعلى خليفة حفتر في مدهم بالمقاتلين المرتزقة من إفريقيا بالتنسيق مع فرنسا وقد ترسخت  هذه القناعة أكثر بعد إفصاح ليون عن محتوى المسودةوبعد تهدتداته لكل من يحاول عرقلة مسار الحوار سواء بالتشويش عليه عبر العمليات العسكرية أو عبر التلويح بالمقاطعة. وفي تقديرهم أن الحسم العسكري مع قوى الثورة المضادة هو الحل الجذري لمعضلة الصراع الذي طال كثيرا. وأن تأخر الحسم العسكري سببه ضغط الأمم المتحدة على فريق الحوار الممثل للمؤتمر الوطني العام. ومن ناحية أخرى نجد فريقا من أنصار الثورة تقوده أطراف من مصراته على رأسهم  السيد فتحي باشاغا النائب المقاطع لبرلمان طبرق ومجموعة من رجال الأعمال المتنفذين متحمسين للحوار لإدراكهم المطلق لاستحالة الحسم العسكري ووعيهم بتبعات الحماس المفرط الغير مدرك لحدود التدخل الدولي ولما يبيت للبلاد في الخفاء وللأجندات الدولية في الملف الليبي . وأغلب قادة الاحزاب السياسية وقيادات الثوار مدركون أن الحل في البلاد مرتهن للخارج في جزء كبير منه وأن الإندفاع نحو الحل العسكري ستكون له نتائج كارثية على الثوار وعلى البلاد .هذا المعطى الجوهري جعل حكومة الانقاذ وغرفة ثوار ليبيا يقدمان على تغييرات استراتيجية في إدارة الصراع خصوصا في المنطقة الغربية فرضتها موازين القوى العسكرية وضرورات المناورة السياسية إذ أقدموا على إبرام اتفاق صلح مع منطقة ورشيفانة الذي ينحدر منها عدد مهم من قادة وعناصر جيش القبائل الذي يهدد العاصمة طرابلس متحالفا مع الزنتان . وكانت منطقة ورشفانة(جنوب غرب العاصمة) مسرحا للعمليات العسكرية ومهددة بأن تلقى مصير بنغازي حيث أدرك حكماء ورشفانة أن الزنتان جعلت من أرضهم مسرحا للعمليات العسكرية ومن أبنائهم وقودا للقتال الذي تقوده  الزنتان  ضد فجر ليبيا . وبالفعل تم الصلح بين قيادات من مصراته وبين أعيان ورشفانة. وينص الإتفاق  على أن لا تكون ورشفانة قاعدة لأي عمل عسكري يهدد العاصمة طرابلس وعلى أن تعود العائلات المهجرة بفعل القتال إلى بيوتها وأن تشرف قوات من الثوار من مناطق ترهونة والخمس وزليطن على حفظ الأمن في ورشفانة مع مجموعات من ثوار المنطقة المعتدلين في مواقفهم . وقد حاولت بعض العناصر من ورشفانة المحسوبة على جيش القبائل القيام بقصف مدينة الزاوية و ببعض أعمال الحرابة في الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس والزاوية في محاولة منها لنسف الهدنة والإتفاق إلا أن الجميع كان مدركا لهذه الأعمال وخلفياتها وهو ما جعل المصالحة تصمد إلى حد الآن رغم تشكيك العديد في نوايا ورشفانة وهم غير متفائلين بديمومتها ونجاحها. ويمكن القول أن هذا الإتفاق هو منجز استراتيجي للثوار، إذْ حيّد قوة مهمة على تخوم طرابلس وجعل المعركة منحصرة مع الزنتان الذي يأتيها السلاح من شرق ليبيا ومن الإمارات عبر الطائرات التي تنزل في المهبط الواقع جنوب المدينة والبعيد عن نيران قوات فجر ليبيا . كما سيمكن هذه الأخيرة من الدفع بكل القوات إلى محاور قاعدة الوطية الإستراتيجية التي اقتربوا منها كثيرا وهي مرشحة للسقوط في كل وقت.  كما أقدم الثوار في المدة الأخيرة على عقد اتفاق صلح مع قبيلة المقارحة في سبها ( الجنوب الليبي) وينص الإتفاق على أن تتولى القوة الثالثة المنضوية تحت رئاسة الأركان التابعة للمؤتمر الوطني العام على حماية الجنوب الليبي وذلك بعد اقتناع قبيلة المقارحة أن معركتهم التي كان يقودها العقيد محمد بن نايل هي معركة خاسرة وأن إعادة نظام القذافي هو ضرب من الأوهام . والآن يشهد الجنوب الليبي هدوءا تاما وقد التحقت كتيبة من القوة الثالثة بمحور الوطية لدعم قوات الثوار بعد استتباب الأمن في الجنوب. وتبقى معركة الوطية المعركة الكبرى التي يخوضها الثوار في الغرب الليبي وهم يريدون حسمها قريبا لفرض واقع عسكري وسياسي جديد يؤثر على طبيعة أي اتفاق قادم تطرحه الأمم المحدة . وفي الجانب الآخر وأعني به فريق طبرق فإن العقدة الرئيسية تتمثل في الجنرال حفتر الحاكم الحقيقي للشرق الليبي والمهيمن على كامل المشهد .هذا الرجل يسعى لفرض نفسه في أي اتفاق قادم . وهذه عقدة رئيسية ستواجه الحوار إلى جانب العقد الأخرى . كما أن هذا الرجل يتمتع بدعم عسكري لا محدود  من مصر والإمارات الدولتان اللتان تدوران في فلك القوى الغربية الكبرى دون أن تلتزما بنفس تصوراتها للحل في ليبيا وهو ما يمثل معضلة كبيرة تواجه بعثة الدعم المشرفة على الحوار . وهناك حديث هذه الأيام في طرابلس أن السيد ليون قد خضع لابتزازات وضغط من هاتين الدولتين ليخرج بمسودة اتفاق لا تلبي الحد الأدنى من روح الوفاق المطلوب.  ويرى عديد المراقبين في العالم والمهتمين بالشان الليبي أن هاتين الدولتين هما الأكثر تأثيرا في ما يجري في ليبيا وأن القرار النهائي لفريق طبرق في الحوار يعود لهما. ورغم أن البرلمان جسم منتخب ومعترف به إلا أن أداءه لم يرتق الى مستوى مؤسسة برلمانية مسؤولة في بيئة مشتعلة ومعقدة ولم يبرهن للعالم عن استقلالية قراره. ولعل هذا ما جعل القوى الدولية المهتمة بما يجري في ليبيا تنظر اليه كجسم سياسي غير قادر على لعب دور حاسم في الصراع وأن المشهد في الشرق يتحكم فيه الجنرال حفتر وبعض القوى الإقليمية .وهذا ما أدركته بعثة الدعم في ليبيا وعلى رأسها السيد ليون الذي ظهر أنه مرتهن  من خلال أدائه  للقوى الدولية والإقليمية أكثر من ارتهانه لمسار المفاوضات بين الفريقين المعنيين بها ربما لاقتناعه أن الحل في ليبيا بيد القوى الخارجية. فالمسودة المقترحة كأنها صيغت في الخارج إذ لا علاقة لها بفحوى مادار من مفاوضات وما طرح من وجهات نظر إذ هي أقرب أن تكون حلا مفروضا من الخارج وإن كان إلى حد الآن غير ملزم. وهذا الرأي تؤيده عديد المعطيات. فالسيد ليون هذا الدبلوماسي الإسباني أظهر في عديد الحالات ارتباكا واضحا في الأداء وكأن الملف بتعقيداته أكبر منه. ولم يبرهن عن إلمامه بالمشهد بكل تفاصيله ولم يكن محل رضا من الفريقين نتيجة سوء الأداء وعجزه إلى حد الآن عن جمع الفريقين في غرفة واحدة إلى جانب الأوقات الطويلة التي يقضيها متنقلا بين عواصم العالم عوض التواصل مع الأطراف المحلية. كما أنه لا يتقن اللغة الأنقليزية فضلا عن العربية وهو ما زاد في تعقيد مهمته. بل أن بعض المراقبين يؤكدون أن ليون ليس الرجل المناسب لهذا الملف الشائك. وبالفعل إن الملف الليبي ربما هو من أعقد الملفات التي تبنتها الأمم المتحدة وإحداث  اختراقات ونجاحات سريعة فيه ليس أمرا هينا . والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ما هي السيناريوهات المتوقعة في هذا الملف الشائك ؟ لعل الذي برز الآن بوضوح أن المجتمع الدولي لازال غير مطمئن لحكومة الإنقاذ في طرابلس ولثوار ليبيا المنضوين تحتها إذ أن هذه الحكومة عجزت عن تسويق نفسها بالشكل المطلوب الذي يزيل ما يلفها من غموض. كما أن ثوار ليبيا لم يشكلوا مجلسهم  الأعلى ولم يصوغوا مشروعهم السياسي والحقوقي الذي يجعل منهم قوة وطنية وسياسية تسعى لبناء ليبيا الجديدة على أسس ديمقراطية بعيدا عن كل أشكال التطرف مهما كان ماتاه .ويحظى بثقة العالم.  وقد سعت حكومة الإنقاذ في المدة الأخيرة إلى إحداث اختراقات في الجدار الدولي إذ تم استقبال أعضائها ومبعوثيها في عديد العواصم العالمية المؤثرة . كما أقدمت على شن حرب على الجماعات المتطرفة داخل ليبيا الأمر الذي حسن كثيرا من صورتها التي تسوقها وسائل الإعلام القريبة من برلمان طبرق ومن حفتر الذي يقدم نفسه للعالم على كونه الجنرال الذي يسعى إلى تخليص ليبيا من الإرهاب. كما أن فريق الحوار الممثل لحكومة الإنقاذ وللمؤتمر الوطني العام يضم مجموعة من الخبراء الأكفاء الملمين بالمعطيات الداخلية وبالأجندات الخارجية المستهدفة لليبيا. ورغم أدائهم الجيد في المفاوضات إلا أن النتائج جاءت مخيبة للآمال وهو ما جعل الفريق محل نقد من القوى المحسوبة على الثورة. وفي الجانب الآخر يدرك المجتمع الدولي أن حكومة طبرق هي حكومة ضعيفة وتشقها خلافات عميقة ومسيطر عليها من الجنرال حفتر وأنه لولا الدعم الإقليمي السخي لما صمدت كل هذا الوقت. أمام هذه الصورة الدولية للمشهد الليبي أصبح لزاما على الأمم المتحدة أن تنظر بواقعية لحقائق الأمور على الأرض وأن تعمل على بلوغ حل يعكس الواقع الموجود بعيدا عن الإنحياز لأي طرف إلا إذا كانت هذه المنظمة الأممية بصدد تطبيق أجندة دولية تريد فرضها على الليبيين وهو أمر ستكون نتائجه كارثية على البلاد ذلك أن أي حل يفتقد إلى التوازن ولا يكون محل رضا جميع الأطراف ولو بشكل نسبي سيدخل البلاد في حرب أهلية شاملة لن يستطيع المجتمع الدولي التحكم في مآلاتها. فإذا لم توفق بعثة الدعم في اختيار طاقم حكومي متوافق عليه من الفرقاء فلن تستطيع أن تمر في مبادرتها وستعلن عن فشلها وستحمل المسؤولية للطرف الرافض للحل وستسلط عليه عقوبات. وهذا لن يحل المشكلة بل سيزيد في تفاقمها إذ سيدفع إلى التدخل الدولي المباشر بما يعني دخول البلاد إلى المجهول. أما إذا وُفقت في اختيار حكومة تنال مباركة الفريقين فإنها ستصطدم بالمعضلة التشريعية . ولعل نقطة الخلاف الجوهرية في مسودة ليون تمثلت في شرعنة برلمان طبرق وهو ما كان محل رفض مطلق من فريق طرابلس  واعتبر ذلك تعديا صارخا على السيادة الليبية المتمثل في حكم المحكمة العليا . وإذا اعتبرنا حسن النية في اجتهاد الفريق الأممي فلعل ذلك يرجع إلى أن المجتمع الدولي لا يرى أن حكم المحكمة يحل البرلمان ذلك أن القانون أو الحكم لا يلغي إرادة الشعب ثم إن البرلمان منتخب ومدته لم تنته بعد على خلاف المؤتمر الوطني العام الذي انتهت ولايته من لحظة انتخاب البرلمان كما أن المؤتمر والبرلمان غير متكافئين من الناحية القانونية وبقاؤهما كغرفتين أمر غير مقبول من المجتمع الدولي.إذن على المؤتمر الوطني العام أن يدرك أن الدبلوماسية هي فن الممكن وأن يأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار عند تقديم مقترحاته الجديدة لبعثة الأمم المتحدة. كما أن على الأمم المتحدة أن تغلب المسار التوافقي على المسار القانوني إذا كانت جادة فعلا في حل المعضلة التشريعية التي تهدد بنسف المسار كاملا وأن تجد صيغة توافقية يقبل بها الفريقان للمرور إلى بقية الاستحقاقات.كما على الفريقين أن يقدما التنازلات الضرورية لنجاح المسارذلك أن التمترس خلف المواقف دون أي مرونة سيكون سببا في فشل الحوار. وربما إذا وقع التوافق على الإطار التشريعي وقبله التشكيلة الحكومية  يكون الحوار قد قطع شوطا كبيرا نحو النجاح إذ تبقى الترتيبات الأمنية وهو الاستحقاق الثالث المهم والعسير في نفس الآن ذلك أن المتحاورين سيصطدمون بمعضلة حفتر الذي لا يستطيع فريق طبرق تجاوزه. وهنا على الأمم المتحدة أن تضغط على الأطراف الإقليمية الداعمة له لترفع عنه الغطاء وبذلك تصبح عملية التخلص منه أمرا يسيرا . وبعد ذلك يمكن الاتفاق على الأطراف العسكرية والأمنية التي ستكون القوة التنفيذية  لحكومة التوافق الوطني. أما بقية الصعوبات فتتمثل في الأطراف الرافضة لأي اتفاقات سواء من معسكر 17فبراير أو معسكر طبرق، وهي أطراف قوية عسكريا وشعبيا وبإمكانها أن تفشل أي اتفاق. هذه الأطراف تعتبر أن الحسم العسكري هو الحل الوحيد وأن إمكانية التعايش وتجاوز المآسي والأحقاد ودماء الشهداء هو أمر يرتقي لمستوى الخيانة الوطنية. وبوادر الخلاف الداخلية حول هذه المسالة بدأت تدب في المعسكرين وإن كان ليس بشكل حاد. إن فشل الحوار سيؤدي بالضرورة إلى مزيد من القتال وربما سيتوسع ويتحول إلى حرب أهلية شاملة قد تؤدي الى أحد السيناريوهات التالية : -سيطرة فجر ليبيا على كامل الأراضي الليبية وإنهاء حفتر والزنتان . وهذا سيناريو مستبعد  فالأطراف الأخرى قادرة على إطالة الحرب وعلى استنزاف قوات الثوار في حرب طويلة  تحركها الأطراف الخارجية ويكون الشعب الليبي ودول الجوار الخاسر الأكبر. - دعم حفتر وقوات الزنتان بأسلحة نوعية تقلب موازين القوى العسكرية على الأرض مما يمكنهم من السيطرة على أجزاء واسعة من ليبيا وربما على العاصمة طرابلس . ولكن ذلك لا ينهي الحرب لأن قوات الثوار موجودة في كل أرجاء ليبيا ولن تسلم لأعدائها  بما يعني الخراب الشامل والخسائر الكبرى لكلا الفريقين وإنهاء شيئ اسمه الدولة الليبية. - تدخل دولي لصالح أحد الفريقين وهو ما سيجعل أغلب الليبيين يحملون السلاح للدفاع عن بلدهم . ذلك أن الليبي يرفض رفضا مطلقا أي تدخل أجنبي على الأراضي الليبية . وحتى أيام حرب التحرير اكتفي حلف الناتو بالتدخل من الجو ولم تطا أقدام أي أجنبي الأرض الليبية. - إن الاحتراب الداخلي نتيجته الحتمية تقسيم البلاد وهو السيناريو الأخطر الذي يتهددها وما يعنيه ذلك من خطر على مصالح بعض الدول وخاصة إيطاليا إذن كل السيناريوهات العسكرية هي سيناريوهات كارثية النتائج . وهذا أمر تدركه الأمم المتحدة وربما الإصرار على الحل السياسي يتنزل في هذا الإطار. التفاؤل بضرورة التوصل إلى حل يحقن الدماء  له  شروطه الموضوعية لعل أولها: - أن يلتزم الفريقان بالأجندة الوطنية وأن لا يرتهنا للأطراف الخارجية وبالتحديد فريق طبرق الذي أدرك الجميع أنه مرتهن في استراتيجيته إلى بعض القوى الإقليمية. -أن تكون الأمم المتحدة طرفا محايدا وعلى مسافة واحدة من جميع الفرقاء وأن يكون الحل المقترح مستوعبا لمجمل المتناقضات في المشهد الداخلي خصوصا وأن سمعة الأمم المتحدة غير جيدة في تعاطيها تاريخيا مع الأزمات الدولية التي تدخلت لحلها وهي ليست محل ثقة الشعوب التي ترى أن المنظمة مرتهنة إلى القوى الدولية الكبرى الممولة والتي تمتلك فيها حق الفيتو. ولعل عديد الليبيين لا يعلقون آمالا كبرى على أداء المنظمة في الملف الليبي. - أن يكون لدول الجوار وخاصة تونس والجزائر ومعهم إيطاليا وتركيا دور فاعل في حلحلة الأوضاع وفي إسناد المشروع الأممي بتقديم المقترحات الواقعية باعتبارها دول مدركة لطبيعة ما يجري في ليبيا ومعنية كثيرا بالوصول إلى الحل السياسي لأنه لو قدر للمشروع الأممي الفشل، فإن تونس والجزائر سوف تكونان أكثر الدول تضررا من التداعيات التي ستنجر عن هذا الفشل.كما أن ايطاليا ستكون الطرف الدولي الأكثر تضررا اقتصاديا بالنظر لحجم استثماراتها في ليبيا. -أن تدرك الفصائل المتقاتلة أن العالم ضد أي شكل من أشكال الحسم العسكري في البلاد وأن الحل سيكون سياسيا وأن التنازل من أجل البلاد هو رفعة وسمو لأن البديل عن الحل السياسي هو المجهول بما يحمل من أهوال في ظل استحالة الحسم العسكري الذي يحلم به البعض. -أن يعمل العالم إذا كان جادا في الوصول إلى حل في ليبيا على كبح بعض القوى الاقليمية العربية التي تتدخل تدخلا سافرا في ليبيا. لأنها تسعى إلى إقصاء مكون أساسي ورئيسي في البلاد وتدعم طرفا آخر بكل الإمكانيات العسكرية والمالية وهو ما يعيق المساعي السياسية للحل . إن جزءا كبيرا من الحل في ليبيا يتمثل في تحييد هذا الدور السلبي لهذه الدول . -أن تدرك الأمم المتحدة أن هذا البلد قد وقعت فيه ثورة  دفع فيها الشعب الليبي الكثير من أبنائه ومن ثرواته وأن أي حلول مسقطة لا تراعي هذه التحولات الحادثة في البلاد سيكون مآلها الفشل وخير مثال على ذلك المسودة المقترحة من بعثة الدعم والتي ولدت ميتة - أن تدرك قوى الثورة في ليبيا أن العالم معني كثيرا بمسألة الإرهاب . وأنه يعتبر ليبيا محضنة لبعض المجموعات التي تهدد الأمن الدولي. ولذلك هو متوجس من مسألة تعاون  هذه المجموعات مع بعض القوى المحسوبة على الثورة .وهو ما يعطي الفرصة للطرف الآخر ليكون أقرب للقوى الخارجية المعنية بالملف الليبي وتحديدا الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي. إن التفاؤل بالوصول إلى حل سياسي في ليبيا يبقى أمر معقول إذا خلصت النوايا من الجميع وخصوصا من الفريق الأممي المشرف على الحوار الذي عليه أن يكثف من لقاءاته مع أطراف الحوار في الداخل وأن يسعى إلى بناء التوافقات الداخلية بعيدا عن الأجندات الأجنبية ذات المصالح الخاصة وأن يتحلى بمزيد من الصبر لأن المسائل شائكة جدا وأن لا ينجر إلى لغة التهديد الذي برزت أخيرا لأن هذا سيزيد في تعقيد الأوضاع مع شعب معروف بطبيعته المتصلبة ورفضه فرض الأجندات الخارجية. والفشل الحاصل إلى حد الآن تتحمل فيه بعثة الدعم نصيبا وافرا من المسؤولية نظرا لسوء أدائها في إدارة الملف و. ولو ترك أمر الحوار لليبيين وحدهم تحت إشراف أممي لتقدموا ربما خطوات مهمة نحو الحل. عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك