القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الحوار الليبي , الحل الدائم أوالفوضى والمجهول

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2015-03-16 12:41:00 | 44 مشاهدة

الأزمة الليبية متعددة الأبعاد سياسيا وعسكريا واجتماعيا واقتصاديا وتتجاذبها أطراف داخلية وخارجية . وهو ما جعل المشهد على غاية من التعقيد. وقد دفع الشعب الليبي ثمنا باهظا وعجز بمختلف مكوناته على تجاوز محنته. فالبلد منقسم على نفسه بحكومتين ومؤسستين تشريعيتين لكليهما ذراعه العسكري الذي يحاول حسم الأمور لصالحه. وبقطع النظر عمن هو على صواب ومن هو على خطإ، إلا أن الثابت الآن أن الحسم العسكري لأحد طرفي النزاع أصبح أمرا  شبه مستحيل بالنظر لموازين القوى المتحكمة في المشهد داخليا وخارجيا. وأمام هذا المعطى الحاسم تدخلت الأمم المتحدة بمبادرة لحل الأزمة عبر الطرق السلمية والمفاوضات السياسية بين الأطراف المتنازعة لإنقاذ البلاد مما تردت فيه من حالة الصراع عبر خطة عمل متعددة المسارات. فما هي ملامح المشهد في ليبيا ؟ وما آفاق الحوار السياسي القائم ؟ إن تشخيص الواقع الليبي يضعنا أمام الصعوبات الجمة التي تعترض مشروع الأمم المتحدة والقوى الدولية التي تبحث عن الحل في ليبيا . وإجمالا يمكن تشخيص المشهد كما يلي : في ليبيا هناك ثلاث قوى تتصارع: 1- قوى 17 فبراير المؤمنة بخط الثورة وأهدافها والمعروفة بالتيار الوطني والإسلامي وتمثلها حكومة الإنقاذ الوطني والمؤتمر الوطني العام وقوات الثوار في غرب ليبيا وشرقها. 2-تحالف القوى الوطنية وبعض القوى السياسية الأخرى القريبة منه والمعروف بالتيار المدني وتمثله حكومة الأزمة بقيادة السيد عبد الله الثني والبرلمان الموجود في طبرق وقوّات الكرامة التي تلتقي معه موضوعيا في عديد الأهداف 3-والتيار الثالث هم أنصار القذافي الذين عادوا بقوة  ونظموا صفوفهم  وأغلبية قياداتهم تقيم خارج ليبيا وأسسوا تشكيلا عسكريا أطلق عليه اسم " جيش القبائل الشريفة" وينشط في غرب ليبيا وداخل كل تيار من هذه التيارات الثلاثة قوى تتنازع حول تصور مستقبل ليبيا وحول أساليب العمل وحول الخيارات السياسية والعسكرية. وإلى جانب كل هذا هناك شعب يعيش حالة من الإحباط الشديد تجاه مخرجات ثورته وتساوت عند قطاع عريض منه ثورة فبراير وجماهيرية القذافي . ويصحب كل ذلك أزمة اقتصادية غير مسبوقة نتيجة انخفاض انتاج النفط مصدر قوت الليبيين  بفعل الصراعات السياسية والعسكرية. إلى جانب الأزمة الإجتماعية المتفاقمة نتيجة الخلافات القبلية والمناطقية والتي أثرت بشكل كبير على النسيج الإجتماعي في البلاد. المعلوم أن الأمم المتحدة تشتغل في ليبيا منذ 2011 في إطار بعثة الدعم التي مهمتها مساعدة الليبيين على بناء المؤسسات والإنتقال الديمقراطي. ويعتبر السيد " برنادينو ليون"  السياسي والدبلوماسي الإسباني هو ثالث مبعوث للأمم المتحدة بعد الثورة التي أطاحت بنظام القذافي.وكان أول هؤلاء المبعوثين هو الأنقليزي " ايان مارتن" (من ديسمبر 2011الى اكتوبر 2012) ثم الدكتور طارق متري اللبناني(من اكتوبر 2012الى اوت 2014). وقد سعى السيد متري إلى جمع الأطراف الليبية في حوار سياسي قبل انتخابات مجلس النواب لكنه فشل بسبب رفض طرف سياسي معين وهو تحالف القوى الوطنية لمبادرته. ثم جاءت انتخابات مجلس النواب في جوان 2014 صحبها ما يسمى بعملية الكرامة في بنغازي من طرف اللواء المتقاعد خليفة بلقاسم حفتر في مواجهة مجلس شورى ثوار بنغازي. وبادر مجلس النواب بالإنتقال إلى طبرق الواقعة تحت سيطرة حفتر وتم تجاهل إجراءات الإستلام والتسلم مع المؤتمر الوطني العام المنصوص عليها في الإعلان الدستوري. وقاطع عدد من النواب وجلهم من غرب ليبيا اجتماعات طبرق وتجاوز عدد المقاطعين 40 عضوا بعد أسبوعين من انعقاد الجلسة الأولى. وفي الأثناء تنطلق عملية فجر ليبيا التي قادتها غرفة ثوار ليبيا عندما تأكد لديها سعي برلمان طبرق وعملية الكرامة وألوية الزنتان العسكرية لقلب الأوضاع على ثورة فبراير والقوى السياسية المؤمنة بأهداف الثورة . ودامت عملية فجر ليبيا 45 يوما تمكنت خلالها غرفة ثوار ليبيا من السيطرة على طرابلس وطرد كتائب الزنتان منها . وهو ما اضطر السيد عبد الله الثني إلى الانتقال بحكومته إلى مدينة البيضاء المجاورة لطبرق بالشرق الليبي . وقرر ما تبقى من أعضاء المؤتمر الوطني العام استئناف جلسات المؤتمر. وتشكلت حكومة الإنقاذ الوطني بقيادة السيد عمر الحاسي. وانتهى الأمر إلى قطبين سياسيين لكل منهما حكومته ومؤسسته التشريعية وقوته العسكرية. واشتدت الحرب في شرق البلاد وغربها. الكرامة في الشرق مع حلفائها في الغرب (الزنتان وجيش القبائل) وفجر ليبيا في الغرب وحلفائها في الشرق مجلس شورى ثوار بنغازي ومجلس ثوار درنه. في هذه الأجواء المشحونة ، تم تعيين السيد "برنادينو ليون" خلفا للسيد متري في سبتمبر2014 وهو شخصية  تعرف المنطقة باعتباره كان مبعوثا للإتحاد الأوروبي في ليبيا وجنوب المتوسط . ولهذا العامل تم الإختيار عليه. جاء إلى ليبيا بعد شهر من انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان في طبرق وبعد 3 أشهر من انطلاق عملية الكرامة في بنغازي وبعد أكثر من شهر من انطلاق الحرب في طرابلس (عملية فجر ليبيا). وكانت حالة التوتر والإستقطاب تحتد في البلاد وخاصة بعد إصدار البرلمان في طبرق لقرارات استفزت قطاعا عريضا من الليبيين( مثل اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر) وبلغ ذروته عند قصف طيران أجنبي(مصري إماراتي) لقوات فجر ليبيا في طرابلس وهو ما قطع أي إمكانية للتواصل بين المعسكرين. عندها أدركت بعثة الأمم المتحدة أنه لم يعد بإمكانها مواصلة مهمتها الأصلية وهي دعم الدولة الليبية  في عملية التحول الديمقراطي  وبناء مؤسسات الدولة. وبالتالي صار هم السيد ليون هو إيقاف الحرب وحل المشكلة المؤسساتية وعلى رأسها التآم مجلس النواب بكافة أعضائه بعد استيفاء الإجراءات الدستورية في الاستلام من المؤتمر وإنهاء حالة الإستقطاب. وأقدم السيد ليون على هذه المهمة بتفاؤل وحذر شديدين. وتمكن بعد مفاوضات عسيرة ورحلات مكوكية بين طرابلس وطبرق من عقد أول جلسة من الحوار بين الفريقين في مدينة غدامس ضمت 24 عضوا من البرلمان بمعدّل 12عضوا من كل طرف(المقاطعون والمداومون) وكان لقاء عبر فيه الفريقان عن رغبتهما في الحوار وتمسكهما بالمسار الديمقراطي. وكان ذلك في 29 ديسمبر 2014 بمدينة غدامس وهو ما يعرف اليوم ب" غدامس1". وقد تفاءل الليبيون "بغدامس1" واعتبروها بداية المسار لخروج ليبيا من محنتها. ولكن للأسف لم يتم التجاوب مع دعوات وقف إطلاق النار. وكانت الحرب قد انتقلت إلى جبل نفوسة. وكانت قمة التصعيد عند اقتحام قوات القعقاع والصواعق وجيش القبائل لمدينة ككله أثناء زيارة السيد " بان كيمون " الأمين العام للأمم المتحدة لمدينة طرابلس في 11 أكتوبر2014. وأخد المشهد يزداد تعقيدا وفتر زخم غدامس. وكان ذلك فرصة للأطراف الرافضة للحوار من الطرفين لكي تكثف هجومها على الحوار وإعادة النظر في آفاقه والأطراف الذي ينبغي أن تشارك فيه. ثم جاء حكم المحكمة الدستورية في6 نوفمبر 2014 والذي قضى بعدم دستورية القانون الذي أسس لانتخابات البرلمان. وقد فاجأ الحكم أغلب الأطراف في الداخل والخارج. و أعطى الحكم مبررا للمؤتمر للرجوع بقوة والإصرار بأنه الوحيد صاحب الشرعية مستندا إلى حكم المحكمة بينما تمسك البرلمان بالشرعية الإنتخابية معتبرا أن حكم المحكمة صدر تحت ضغط القوة المسيطرة على مدينة طرابلس وهي فجر ليبيا . واستدعى هذا التطور والتعقد في المشهد إعادة النظر في آفاق الحوار والأطراف الذي ينبغي أن تشارك فيه , كان ليون في ذلك الوقت يكثف من لقاءاته مع مختلف الأطراف الممثلة للمؤتمر والبرلمان ومع شخصيات سياسية وقيادات عسكرية وكان كمن يمشي على خيط رفيع مشدود. حكم القضاء وصندوق الانتخابات والاعتراف الدولي بحكومة طبرق الأمر الذي فسره المؤتمر المنحاز لحكم المحكمة بأنه تآمر من السيد ليون على الثورة وانحياز للبرلمان المنحل . وصعد من حملته تجاه ليون وخرجت المظاهرات المنددة بليون والمطالبة باستبداله. وكانت هناك أطراف في البرلمان ترى عكس ذلك وترى في ليون متعاطفا مع خصومهم . وإن لم تعبر الحكومة في طبرق عن هذا الموقف بوضوح ربما احتراما للموقف الدولي المعترف بها رسميا. إن حكم المحكمة جعل السيد ليون والمجتمع الدولي أقل حماسا للبرلمان المنتخب. وتطورت مبادرة ليون إلى حوار متعدد الأطراف وبمشاركة أوسع وبمسارات مختلفة . يضم المسار الأول ممثلين عن المؤتمر والبرلمان بما في ذلك الأعضاء المقاطعين وعددا محدودا من الشخصيات السياسية المستقلة ومن المجلس الوطني الإنتقالي والفعاليات النسائية. وأن يكون الحوار على مراحل ويكون التركيز في المرحلة الأولى على حل مشكلة الحكومة بمعنى أن يكون العمل على وقف الإقتتال والتوافق على حكومة وحدة وطنية شاملة ووضع الترتيبات الأمنية اللازمة لكي تتمكن الحكومة من أداء مهامها وأن يسبق كل هذا جملة من التدابير لبناء الثقة بين الفرقاء. أما الاشكالية التشريعية والجدل حول الشرعية فيتم تأجيله إلى المرحلة الثانية حتى لا يعطل مسعى حل مشكلة الحكومة. وأنه إذا توافقت الأطراف المتنازعة على الحكومة ستكون هذه الأطراف أكثر استعدادا فيما بعد للتعاطي مع الإشكال التشريعي بأكثر مرونة وإيجابية. أما باقي المسارات الحوارية فتضم ممثلين عن عدد من المجالس المحلية وعدد من القيادات العسكرية وقيادات التشكيلات المسلحة وقيادات الأحزاب السياسية وبعض القيادات الدينية والقبلية والإجتماعية في مسارات متوازية. انعقد الإجتماع في جنيف بعد الفشل في التوافق على مدينة داخل ليبيا وتخلف عنه المؤتمر بحجة أن السيد ليون استعجل ولم ينسق معه بالشكل المطلوب وبأن اللقاء يجب أن يكون في ليبيا. واستمر اجتماع جنيف لمدة يومين(14 و15جانفي 2015) وقد حضرته كل الأطراف المستهدفة باستثناء المؤتمر. وتم بعدها التواصل مع المؤتمر من قبل ليون وإطلاعه على ما تم في اللقاء وحثه على المشاركة في الجولة الثانية والتي تقرر أن تكون يومي 26 و27 جانفي . ولكن المؤتمر رفض واشترط لمشاركته أن يكون اللقاء داخل ليبيا مع جملة من الشروط الأخرى. وتجاوب السيد ليون مع طلب المؤتمر أن يكون اللقاء داخل ليبيا وتم الترتيب للقاء مرة أخرى في مدينة غدامس وانعقد " غدامس 2" يوم 14 فيفري 2015 إلا أن اللقاء لم يكن بالصورة المنشودة إذ لم يكن اللقاء بين المتحاورين بشكل مباشر ولم يتم الجلوس على طاولة واحدة وجها لوجه وإنما كان الفريق الأممي يتنقل بين غرفتي الفريقين. ورغم ذلك اعتبر ليون والفريق الأممي والمتابعون مجرد قبول الطرفين بالاجتماع في مبنى واحد خطوة ايجابية ومتقدمة ينبغي أن يبنى عليها لمواصلة الحوار . اقتصر لقاء "غدامس2"على يوم واحد وتقرر أن تكون الجولة الثالثة من الحوار عقب العيد الرابع للثورة . فيما تم الإتفاق أن يكون اللقاء خارج ليبيا ووافقت كل الأطراف على ذلك ووقع الاختيار على مدينة الرباط المغربية. وفيما كانت الترتيبات جارية لعقد لقاء الرباط وقعت سلسلة من الأحداث المأساوية وراء بعضها بدء بإعلان تنظيم الدولة الاسلامية عن اعدام 21 قبطيا مصريا في مدينة سرت. تلا ذلك قصف الطيران المصري لمدينة درنه والذي راح ضحيته 7 قتلى من المدنيين الأبرياء. ثم تفجيرات مدينة القبة والتي بلغت ضحاياها 44 قتيلا وعشرات الجرحى.   واستغلت الأطراف الرافضة للحوار من أعضاء المجلس في طبرق هذه الأعمال المأساوية لعرقلة جهود الحوار بتأجيل اللقاء لأكثر من مرة. وبعد جهود مضنية من البعثة الاممية تم الاتفاق مع جميع الأطراف أن تعقد الجولة القادمة في المكان المتفق عليه وهو مدينة الرباط المغربية يومي 5 و6 مارس  2015. انعقدت الجلسة في موعدها بحضور الطرفين المؤتمر الوطني العام الذي حضر ب15 مستشارا سياسيا، والبرلمان الذي حضر بأربعة أعضاء يقودهم الدكتور أبو بكر بعيرة . وانعقدت الجلسة الأولى يوم الخميس 5مارس. وقد وصف مبعوث الأمم المتحدة السيد ليون جلسة اليوم الأول من الحوار بأنها كانت ايجابية رغم وجود الوفدين في جلسة منفصلة داخل قاعتين ولم يجتمع الأعضاء وجها لوجه. وفي جلسة اليوم الثاني تم مناقشة ورقة تتضمن ملامح اتفاق يمكن أن يكون حلا شاملا إذ تتضمن هذه الورقة شكل الحكومة التي يمكن أن تحظى بقبول الجميع وكذلك الترتيبات الأمنية التي تمكّن هذه الحكومة من أداء عملها وترتيبات  سحب الأسلحة من الشوارع وإبعاد التشكيلات المسلحة من المدن. هذه الورقة تعكس تصور الأمم المتحدة وخطتها للمرحلة الأولى من الحوار .إلى جانب هذه الورقة تم الاستماع الى بعض المقترحات التي طرحها وفد المؤتمر الوطني ومنها تشكيل مجلس رئاسي يتكون من ستة أعضاء بمعدل ثلاثة أعضاء لكل من المؤتمر والبرلمان . ولم يتم في الجلسة الاتفاق على أي نقطة إذ غادر المفاوضون مدينة الرباط لمزيد التشاور في طرابلس وطبرق على أن تستأنف الجلسات ابتداء من الخميس 12مارس .إلا أن اللافت في الأمر أن السيد أبو بكر بعيرة رئيس وفد البرلمان عوض العودة إلى طبرق فضل البقاء في تونس  كما غادر السيد محمد شعيب(عضو وفد البرلمان)إلى القاهرة وهو ما يطرح العديد من نقاط الإستفهام حول طبيعة المشاكل القائمة داخل البرلمان في طبرق. أما وفد المؤتمر الوطني العام فقد عاد إلى طرابلس وطرح مجمل المقترحات والمناقشات أمام أعضاء المؤتمر وعاد  في الموعد المقرر إلى مدينة الرباط بعكس وفد البرلمان الذي تخلف عن الموعد وطلب مهلة بأسبوع من السيد ليون لتعزيز فريقه بمجموعة من الخبراء لتراقب أداءه وتفيده بما تملك من خبرات . ووافق السيد ليون على طلب وفد البرلمان وتأجل موعد الجلسة القادمة إلى يوم الجمعة 20 مارس لاستكمال الحوار. والسؤال المركزي والمهم الآن : ماهي آفاق هذا الحوار ؟ وما حظوظ النجاح أو الفشل؟ ليس من السهل على المتابع لما يجري في ليبيا أن يتنبأ بمستقبل العملية السياسية رغم المجهودات التي  تبذلها الأمم المتحدة في هذا المجال. ذلك أن الأطراف المتحكمة في المشهد داخليا وخارجيا تتنازعها رؤى مختلفة ومصالح متنافرة حيث من الصعب على أي جهة مهما امتلكت من الحنكة السياسية والدبلوماسية والتأييد الدولي أن تتمكن من التوفيق بين متناقضات المشهد وتشكلاته . إن هدف الأمم المتحدة في المرحلة الأولى من المسار الأول للمفاوضات أن يتفق الفرقاء في ليبيا على حكومة وحدة وطنية معترف بها داخليا وخارجيا على أن يتم الإتفاق في مرحلة ثانية على الإطار التشريعي الذي يراقب عمل الحكومة ويشرع القوانين ويحدد موعد اجراء الإنتخابات التي ستنتقل بليبيا إلى الوضع النهائي المستقر وفقا للدستور الذي سيصادق عليه شعبيا في فترة حكومة الوحدة الوطنية هذه. إن المسارات التي تتبعها الأمم المتحدة وفق خطتها المرسومة لليبيا تبدو طموحة وواقعية إلى حد بعيد. ولكن أمامها جملة من الصعوبات التي ليس من السهل تجاوزها بالنظر إلى التراكمات والتناقضات التي تحدد المشهد في ليبيا. إذا استطاعت الأمم المتحدة النجاح في إقناع الأطراف المتصارعة بتشكيل حكومة وحدة وطنية في ظرف ثلاثة أشهر، وهي الفترة الزمنية الممنوحة للمرحلة الأولى من المسار الأول تكون قد وضعت ليبيا على الطريق الصحيح نحو الخروج من الأزمة الشاملة لأنه يمكنها بعد ذلك أن تفرض إطارا تشريعيا يؤسس للمرحلة المستقبلية بمعنى إجراء انتخابات الوضع النهائي. والسؤال : ماهي الصّعوبات والمطبّات التي يمكن ان تعترض الأمم المتحدة في تشكيل الحكومة؟ إن أول الصعوبات التي ستعترض تشكيل الحكومة هو الإتفاق على شخصية الرئيس . فلا توجد في ليبيا شخصية مستقلة تحظى برضا جميع الأطراف إلى حد الآن  وإن كان الإمر ليس مستحيلا في النهاية إذ يمكن أن يتوصل الفرقاء في النهاية إلى القبول بشخصية تحت ضغوط الأطراف الراعية وضرورات المصلحة الوطنية . وإذا تم الاتفاق على شخصية رئيس الحكومة فستعترض المسار إشكالية اختيار الوزراء . فوفق أي معايير سيتم هذا الأمر ؟ هل على الأساس المناطقي أو القبلي ؟ أو في إطار محاصصة حزبية؟ أم شخصيات مستقلة فوق الأحزاب والجهات؟ فعلا الأمر ليس سهلا وسيستغرق حيزا زمنيا ليس بالقصير في صورة النجاح في اختيار التوليفة الحكومية. وإذا بلغ الحوار هذه المرحلة المهمة فإنه سيدخل في المرحلة الصعبة ذات الاستحقاقات التي تختزل جوهر الصراع في البلاد وهي حكم القضاء والمؤسسة التشريعية والمؤسسة العسكرية والأمنية .إن المطب الأكبر الذي سيعترض الحوار وقد يؤدي إلى نسفه قبل المرور إلى بقية الإستحقاقات هي الشرعية البرلمانية أو التشريعية التي ستضفي المشروعية على أداء الحكومة وستقوم بالوظيفة الرقابية وبسن قانون الإنتخابات القادمة . فالبرلمان في طبرق يشترط لتمرير أي حكومة وفاق أن تتم تزكيتها من طرفه باعتباره جسما منتخبا ومعترفا به دوليا وهو ما يرفضه المؤتمر الوطني العام باعتباره جسما منحلا بحكم القضاء  وهو الجهاز الوحيد مع مؤسسة البنك المركزي الذي بقي خارج كل الصراعات والذي حافظ على ما تبقى من الدولة . وبالتالي لا يمكن التنازل عن حكم المحكمة تحت أي مبرر. وحكم المحكمة هو من الثوابت التي لا يمكن تجاوزها إلى جانب الإعلان الدستوري ومبادئ فبراير. وأنّ ما تم الإتفاق عليه بين وفد المؤتمر والثوار في الجبهات والساحات هو أن لا اتفاق خارج إطار هذه الثوابت. والمطبّ الثاني الذي سيعترض المسار بعد تشكيل الحكومة هو الترتيبات الأمنية الضرورية التي ستمكن الحكومة من أداء مهامها. فمن هي الفصائل الأمنية التي ستتصدى لمهام الأمن في البلاد والتي ستكون الجهاز التنفيذي للحكومة؟وكيف سيتم اختيار عناصرها ؟ وهل ستقبل من كل الفصائل المسلحة؟هذه اشكالات كبرى ليس من السهل تجاوزها خاصة في طبرق. فالمعلوم أن حفتر هو الرجل القوي في شرق ليبيا ومدعوم من قبائل لها ثقل في الشرق الليبي وتحت قيادته فصيل عسكري يملك ترسانة عسكرية تتحكم في مجمل المشهد في طبرق والبيضاء والمرج وهي مسرح نفوذ الحكومة في طبرق . وقد فرض حفتر على البرلمان والحكومة أن تتم تسميته قائدا عاما للجيش الليبي قبل المشاركة في أي مفاوضات وتم الرضوخ لمطلبه لأنه يدرك أنه بوضعه السابق سيكون خارج أي اتفاق مصالحة.  إن تسمية حفتر قائدا عاما للجيش سيكون الحاجز أمام أي اتفاق في المستقبل. فالرجل مرفوض في غرب ليبيا بالجملة والتفصيل وهو في نظر حكومة الإنقاذ الوطني والمؤتمر الوطني العام وقوات فجر ليبيا مجرم حرب يسعى للسيطرة على السلطة بالقوة . وهو مشروع انقلاب على أهداف الثورة وامتداد للإنقلاب في مصر . ومن المستحيل القبول به . وبوصفه الحالي كقائد عام للجيش في المنطقة الشرقية فإن حكومة طبرق والبرلمان لا يمكنهما عزله فالرجل هو الحاكم الفعلي ويفرض شروطه على الجميع. وبالتالي فإن كامل المسار سينهار . وإذا ضغط المجتمع الدولي على البرلمان وحكومة الثني للتخلص من حفتر فإن ذلك سيؤثر على الوضع في المنطقة الشرقية. وستضطر الإمم المتحدة في هذه الحالة إلى فتح حوار مع قبائل الشرق وفعالياته السياسية لإقناعهم بضرورة الانخراط في مشروع الوفاق الوطني . وذلك يستوجب وقتا وجهدا . وفي صورة الفشل قد يقدم إقليم برقة إلى فك الإرتباط مع طرابلس وإلى الإنفصال وهو ما قد يسبب في حرب أهلية مدمرة. ويمكننا تلخيص الصعوبات التي تعترض مشروع الأمم المتحدة في ليبيا في النقاط التالية: 1-المؤتمر الوطني العام يشترط أن تكون مخرجات الحوار متناغمة مع مبادئ فبراير والإعلان الدستوري وحكم المحكمة الدستورية القاضي بحل البرلمان. 2- تمترس البرلمان في طبرق خلف الاعتراف الدولي وشرطه بأن يكون الجهة التشريعية التي ستمنح الثقة للحكومة وتراقبها في أداء عملها وهو ما يرفضه المؤتمر الوطني العام المتمترس خلف حكم المحكمة الدستورية والقاضي بحل البرلمان والذي يعتبره المؤتمر شرطا من شروط  الحوار. 3- الترتيبات الأمنية التي ستمكن الحكومة من أداء عملها. فكيف سيتم الإتفاق على التشكيلات العسكرية والأمنية ووفق أي معايير ؟ 4-اشكالية الإتفاق على أعضاء الحكومة وهو أمر ليس هينا 5-مواقف خليفة حفتر وضغطه اعلى البرلمان والوفد المفاوض ليكون هو القائد العام للجيش الليبي في أي حكومة قادمة وهو ما يرفضه المؤتمر الوطني العام بالمطلق 6- الخلافات الكبيرة التي تشق البرلمان في طبرق حول مسألة الحوار بين قابل له ورافض وهو ما يهدد المسار في المجمل. 7- الرّافضون للحوار من الجهتين من سياسيين وعسكريين ومدونين مؤثرين برفضهم لأي حكومة تكون نتاج وفاقات سياسية ويراهنون على الحسم العسكري . وهؤلاء يؤثرون على مسار الحوار بشكل أو بآخر من خلال التأثير على البيئة العامة الهشة بطبيعتها. 8- حالة الانفلات الأمني وما يمكن أن تحدثه من تخريب يؤثر على مسار الحوار وخاصة من أنصار القذافي وأوفياء الكرامة الذين يسعون جاهدين لوأد أي إمكانية لنجاح الحوار. 9- التدخلات الخارجية التي ليس من مصلحتها الاستقرار في ليبيا وخاصة من مصر والإمارات إلا وفق التصور الذي يرضيهما. 10-غياب جدول أعمال واضح لجلسات الحوار. وإنما الموجود هو جلسات حوار حيث لم يتم التوقيع على أي وثيقة عمل يمكن اعتمادها كمنهج للحوار. ومن خلال جلسات الرباط، وضح جليا حجم الخلافات بين الفريقين.فقد غادر فريق طبرق ولم يعد . إذ كان من المقرر أن تتواصل الجلسات ابتداء من يوم 12 مارس بعد انقضاء فترة التشاور . ويعود سبب غياب فريق طبرق لأمرين:الأمر الأول رفض فريق طبرق لشروط المؤتمر بأن أي اتفاق لابد أن يحترم حكم المحكمة ومبادئ فبراير والإعلان الدستوري وهو ما يرفضه البرلمان . والأمر الثاني هو طلب فريق البرلمان من السيد ليون مهلة لتعزيز الفريق المفاوض بمجموعة من المستشارين تراقب أداء الفريق وتطوره. وغير معلوم هل سيلتحق الفريق بالمغرب أم أنه سيقاطع الحوار لأن حجم الخلافات داخل البرلمان كبيرة جدا إلى جانب الدور الذي يلعبه حفتر في توجيه المفاوضات وفق تصوراته ورغباته التي تخدم مصلحته بالأساس كقائد عام للجيش لا يحظى بالقبول سواء في الداخل الليبي أو في الخارج . وهو ما يجد معارضة من عديد العقلاء  في البرلمان ذاته ومنهم السيد ابو بكر بعيرة رئيس الفريق المفاوض. وأهم الملاحظات التي يمكن الخروج بها من حوار المغرب هي التالية: -أن فريق المؤتمر الوطني العام قد غادر الى المغرب  بمجموعة من المستشارين ومجموعة من المقترحات وهو ما يعبر عن جدية ورغبة في إنجاح الحوار . كما طور من أسلوب عمله بعكس البرلمان الذي جاء خالي الوفاض وقد لا يستمر في الحوار بفعل الخلافات التي تشق معسكر طبرق. -مقترح المؤتمر الوطني العام بتشكيل مجلس رئاسي يتكون من ستة أعضاء بمعدل ثلاثة من كل فريق. وهذا في تقديرهم لا يعتبر خرقا لحكم المحكمة وإنما هو عبارة عن تدخل جراحي يمكن التوافق عليه بما يعني وأن المؤتمر جاد في البحث عن توافقات. -مقترح المؤتمر الوطني بالاتفاق على حل شامل يقع تفعيله في مدد زمنية محددة. -هناك جهات دولية تراقب الحوار وتلاحظ الأطراف القادرة فعلا على الإلتزام بمخرجات الحوار والأطراف التي تعطل سير المفاوضات والتي تعمل على إفشال الحوار. فالحوار إذن تحت رقابة دولية وليس أمرا متروكا لليبيين وحدهم. -لقد بدأ سفراء الإتحاد الأوروبي يدركون أن الاعتراف بالبرلمان جعله  يرف مقترحات الحوار متمترسا خلف مسألة الإعتراف الدولي. إن الوضع الراهن في ليبيا لا يشجع على نجاح أي حوار. فالساحة الداخلية تشقها الصراعات المسلحة التي يغذيها التدخل الخارجي في شؤون ليبيا الداخلية. ولو ترك الليبيون وحدهم لتوصلوا الى حلول لمختلف المشكلات التي تعصف بالبلد، ودور دول الجوار الاقليمي حاسم في تهدئة الاوضاع او تازيمها . وبالفعل فقد وقع تفجيران أثناء انعقاد الحوار في المغرب أحدهما استهدف مركزا للشرطة في قلب مدينة طرابلس والآخر استهدف مديرية أمن الزاوية وهي من كبريات مدن الغرب الليبي. وإذا كانت الأمم المتحدة تسعى فعلا إلى نجاح الحوار في ليبيا فعليها أن توفر له البيئة المناسبة وذلك بالضغط على مختلف القوى،  لأنه لا حل في ليبيا إلا بتوافق مختلف الفرقاء بعيدا عن عقلية الإقصاء والاستئصال التي تحكمّت في الفترة الماضية من عمر الثورة والتي ابتدأت بقانون العزل السياسي الذي كان سببا أساسيا  في ما وصلت ليبيا إليه من تناحر . إن قوى فبراير بدأت تدرك اليوم رغم سيطرتها على أكثر من 90بالمائة من أرض ليبيا وعلى أغلب المقدرات الاقتصادية في البلاد أنه مهما امتلكت من القوة والنفوذ لا يمكنها إقصاء تيار عريض من أنصار النظام القديم سواء  الموجود منه في مفاصل الدولة أو المهجرين خارج البلاد والذين يتحكمون في مبالغ مالية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات و تسبب  تجاهلهم في زعزعة الأمن في البلاد.وقد أطلقت حكومة الإنقاذ الوطني أخيرا دعوة لعودة كل مهجر لم تثبت إدانته في قتل أو نهب لأموال الليبيين ليعيش في بلده معززا مكرما مثله مثل أي مواطن ليبي وهي خطوة في الاتجاه الصحيح.كما أنها ليست مع تعديل قانون العزل السياسي بما يتوافق والمصلحة العليا للبلاد. وعسكريا شارفت قوات فجر ليبيا على حسم معركة قاعدة الوطيّة مركز غرفة عمليات قوات الزنتان وجيش القبائل في الغرب الليبي. بما يعني إنهاء أي نفوذ عسكري لحفتر المتحالف مع الزّنتان وجيش القبائل في المنطقة الغربية .وهي ورقة تفاوضية مهمة للمؤتمر الوطني العام  قد تجعل الطرف الآخر يتعامل مع المفاوضات بواقعية تراعي الحقائق على الأرض. كما دخلت قوات فجر ليبيا في قتال ضد المجموعات الدّاعشية المتمركزة في مدينة سرت ومنطقة النوفليّة القريبة منها وقتلت وأسرت العديد منهم، مم يجعل اتهام فجر ليبيا بالارهاب و كونها فصائل عسكرية تحمل فكرا متطرفا محل تساؤل.  إن أمر ليبيا لا يعني فقط الأمم المتحدة والدول الكبرى ذات المصالح الاقتصادية والشركات المتعددة الجنسيات، وإنما يعني بالأساس دول الجوار الذي يهمها استقرار ليبيا قبل غيرها . ومطلوب من هذه الدول:- التواصل مع الأطراف الليبية المتناحرة وحثهم على الحوار عبر ممارسة الضغط عليها بالأساليب المناسبة ومنها الاتصالات بالشخصيات الفاعلة في هذه الأطراف. -إقامة مؤتمرات للتواصل بين الفرقاء على غرار لقاء الجزائر الأخير قبل اجتماع الفرقاء  بالمغرب، واللقاءات  السابقة التي  جمعت فيه الجزائر أكثر من 80 شخصية ليبية من قادة أحزاب سياسية مختلفة ومنظمات مجتمع مدني لحل الازمة، وحافظت على حسن نيتها مع كل الاطراف ، ووقفت منهم مسافة واحدة مدفوعة بأخلاق الاجوار عكس قوى اقليمية اخرى،بل ان اجتماعات الليبيين  بالمغرب في السّخيرات تم التمهيد له فعليا بالجزائر من خلال نشاط ديبلوماسي مركّز . -التنسيق مع الأمم المتحدة لكي يكون لهذه الدول دور فاعل في حل الأزمة الليبية. -الوقوف وبقوة ضد كل من يسعى إلى التدخل العسكري في ليبيا لما لذلك من مخاطر سواء على الداخل الليبي أو على دول الجوار. _____________________________________ المصدر : مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك