القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الحكومة التونسية  في مفترق طرق الأزمة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-06-11 14:21:00 | 157 مشاهدة

ملخص:                                                           

لا يخفى على من يتابع أوضاع القوى الفاعلة في البلاد التونسية سواء كانت سياسية أو اجتماعية، ألا أحدا منها في وضع مرتاح ومطمئن في موقعه الذي اختاره. وفي الحقيقة إن ما وصل إليه الوضع في هذه الحالة هو نتاج تجاذب إرادات ثلاث قوى رئيسية: القوى الخارجية الداعمة للبلاد التونسية وتجربة الانتقال الديمقراطي، الأحزاب التونسية فيما بينها وفي داخلها، الاتحاد العام التونسي للشغل ذاته سواء فيما يتعلق بتوازناته الداخلية أو التزاماته تجاه منظوريه وتجاه البلاد. وتبدو مقاربة  هذه الأزمة المركبة من منظور رهانات هذه القوى لفهم ردود أفعالها بدءا بالقوى الخارجية المؤثرة في واقع البلاد التونسية والتي لم تعد محايدة في هذا الصراع، كما لم تكن في أي يوم. وتتلخص رهاناتها في دعم الطرف القادر على تحقيق أجندتها المتمثلة في "فتح" الاقتصاد التونسي وربطه بالعولمة والفضاء الاقتصادي الأوروبي. وهي سياسة ليست بالجديدة بل تضرب بجذورها في منتصف القرن العشرين أي منذ استقلال البلاد.

رهانات القوى الخارجية:

 الحفاظ على منظومة المركز والأطراف

تندرج تلك الرهانات ضمن استحقاقات العولمة وإعادة الانتشار الرأسمالي بعد استقلال المستعمرات في أواسط القرن العشرين. فبعد انهيار النظام الاستعماري التقليدي إثر الحرب العالمية الثانية، رتبت تلك القوى نفسها على استعادة مجال نفوذها ضمن خطة طويلة المدى وصبورة تقوم على استنزاف المد الثوري بما يجعل القوى الوطنية تفقد بريقها بالفشل في تحقيق التنمية بعد تحقيق الاستقلال. وقد تسربت تلك الخطة في مستوى الخطاب من خلال شعارات حسن النية في دعم تلك الدول تعويضا عن مآسي الاستعمار، و في مستوى الواقع من خلال اتفاقات الاستقلال التي تضمنت شروطا تضمن تواصل علاقاتها المميزة مع المستعمرات المستقلة.

مراحل هذه السّياسة

عمليا فقد اتخذت تلك النوايا الحسنة شكل مساعدات مالية وتقنية مسمومة بالفوائض والنصائح المغشوشة التي تزيد اقتصاديات تلك الدول ارتباطا بالاقتصاد الرأسمالي عبر مراحل. وبالنسبة إلى البلاد التونسية يمكن تمييز أربع مراحل كبرى في هذه السياسة:

  1. مرحلة الستينات، تدمير الأمل في الاشتراكية

خاضت الدولة التونسية بين 1962 – 1969 تجربة اشتراكية عرفت بالتعاضد. وقامت على مجهود الدولة بالأساس في ظل ضعف الرأسمال المحلي. والطريف أنها كانت بدعم من الدوائر المالية الرأسمالية.كانت تلك الدول تسعى إلى إثبات عملي لفشل الخيار الاشتراكي. لكنه كان إثباتا مدمرا ومكلفا. دمر ذلك الفشل الاقتصاد التونسي الناشئ. وجلبه "صاغرا" إلى حضيرة تلك القوى الرأسمالية.ولعله من المفيد التذكير هنا قبل مواصلة تتبع ذلك المسار أن حصيلة أخرى مدمرة لخيار الستينات هي الضربة الموجعة (إن لم تكن القاتلة) لدور الاتحاد العام التونسي للشغل في بناء الدولة الوطنية من خلال ضرب مشروعه الاشتراكي مجسدا في التجربة التعاضدية وهي مسألة نعود إلى تفصيلها لاحقا لنتفرغ هنا إلى متابعة تطور دور الخارج في دفع خيار الانفتاح في سياق ما يعرف بالتنمية التابعة (Le développement dépendant).

  1. مرحلة 1970 – 1987، الانفتاح البطيء المؤلم

انتقلت البلاد مباشرة بعد فشل تجربة التعاضد إلى خيار الانفتاح على الاقتصاد الرأسمالي بإصدار قانون أفريل 1972 المشجع للاستثمار الخاص. وتواصل هذا الانفتاح منذ ذلك الوقت. لقد تميزت استراتيجية القوى الرأسمالية المتحكمة في المجال العالمي بالأناة وطول النفس نظرا لوجود عناصر مقاومة لمشروعها المعولم، سواء منها عناصر المقاومة الذاتية داخل الدول المستقلة بسبب ثقل حضور الدولة فيها (وهو أمر موروث عن المرحلة قبل الاستعمارية وعمقته القوى الاستعمارية نفسها)، أو من النموذج المضاد في ظل الحرب الباردة (الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفياتي) وامتداداته داخل تلك الدول (الأحزاب والتيارات الاشتراكية المبثوثة سواء داخل أجهزة الدولة أو في المجتمع المدني مثل الاتحاد العام التونسي للشغل). وقد كان وجود الكتلة الاشتراكية يمنح بعض المجال للمناورة والإفلات من "القدر المحتوم" للهيمنة الرأسمالية. ولنتذكر هنا أن تونس التجأت مثلا إلى الدول الاشتراكية لإنجاز بعض المشاريع الكبرى مثل الاستعانة بيوغسلافيا لإنجاز عدد من السدود. كما أن الانفتاح كان محفوفا بمخاطر قاتلة على تلك الدول المستقلة في ظل نمو الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية. فالانفتاح يعني ببساطة تقليص دور الدولة لصالح الأطراف الخاصة سواء منها المحلية أو – وخاصة – الأجنبية. لكن في المقابل، كانت تلك البلدان ومنها تونس تعيش انفجارا ديموغرافيا بما يرافقه من نفقات اجتماعية ضاغطة على الاقتصاد (تعليم / صحة / شغل / نقل / سكن / نزوح ريفي وتبعاته على تهيئة المجال الحضري بظهور العشوائيات/ الفساد المرافق لكل هذه الظواهر...). وهي تحديات لم يكن الاقتصاد الهش قادرا على الاستجابة لها في ظل إضعاف القوى الاستثمارية الخاصة المحلية وتضخم دور الدولة الموروثين عن مرحلة الستينات وما قبلها. لذلك كان نسق الانفتاح محاطا بمحاذير تناقضين رئيسيين: الخوصصة التي تعني تقليص دور الدولة من ناحية، ومن ناحية أخرى تواصل ذلك الدور – بل وتضخمه أحيانا – من خلال رعاية الفئات محدودة الدخل المتزايد عددها بالنمو السكاني السريع، تلك الرعاية التي يجسمها صندوق الدعم من ناحية ومن ناحية ثانية القطاع العمومي الذي يستوعب جحافل من طالبي الشغل دون النظر إلى نجاعته. يفسر هذا التناقض الرئيسي مصاعب التحول التي وسمت مرحلة 1970 – 1987 من انتفاضات واضطرار النظام إلى تنازلات سياسية (شكلية!) والأهم من ذلك في سياق هذا التحليل، الصدام مع أكبر قوة اجتماعية ضمن المجتمع المدني وهو الاتحاد العام التونسي للشغل. وهي مسألة نتوسع فيها لاحقا. رافقت القوى الخارجية الرأسمالية هذا التطور بمزيد من دق الإسفين في جسم الدولة واقتصادها من خلال سياسة الإقراض لدولة تغرق تحت تلك الضغوط، مع المعرفة بأن تلك الضغوط تستنزف تلك القروض بما يحد من تأثيرها وفاعليتها التنموية. وهو أمر ستتخذه لاحقا حجة لمزيد من سلب إرادة الدولة التونسية ومجال تدخلها.

في النصف الأول من الثمانينات، كانت حصيلة التنمية ثقيلة: نسبة نمو ضعيفة، ديون ثقيلة، بطالة مرتفعة، عجز في موازين الدولة...

وفي المنعرج كانت أدوات الرأسمالية العالمية تنتظر الفريسة المثخنة لتذكرها مرة أخرى بشروطها: الانفتاح والخوصصة. وقد بينت الرجات التي هزت البلاد بانتظام كل سنتين تقريبا منذ جانفي 1978 وخاصة أحداث الخبز (جانفي 1984) ما يمكن أن يعنيه انسحاب الدولة من رعاية الفئات الضعيفة. ومن هنا كانت النخبة الحاكمة تتهيب الإقدام على تلك الخطوات فتراجعت عن قرار إلغاء دعم الخبز في الحين. لكن لوقت قصير فحسب. وبموازاة هذه الأزمة الاجتماعية وعلى خلفيتها كانت أزمة أخرى معقدة تطال الوضع الداخلي للحكم (مشكل وراثة السلطة بسبب تعقد الوضع الصحي للرئيس بورقيبة) وعلاقة الدولة بالمجتمعين السياسي (حرية التنظم السياسي للمعارضة والخروج من نظام الحزب الواحد) والمدني (وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل). في أواسط الثمانينات، برز إلى السطح مخطط القوى الرأسمالية لتعميق تبعية اقتصاد البلاد من خلال برنامج الإصلاح الهيكلي (PAS) الذي يعني مجددا المزيد من الانفتاح والخوصصة (أي تخلي الدولة عن المؤسسات العمومية) وتحرير الأسعار وربط الأجور بالإنتاجية ورفع الدعم عن المواد الأساسية. وبحكم حالة التفكك التي كان الحكم يعيشها، لم يكن مرجوا منه أكثر من الحفاظ على الدولة قائمة. وكان واضحا أمام قوى العولمة الرأسمالية أنه لا بد من تصفية قوى المقاومة لذلك المشروع، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل ثم الإسلاميين. وهو ما أدخل البلاد في أزمة خطيرة انتهت بانقلاب 7 نوفمبر.

  1. مرحلة 1987 – 2010، الاصطفاف وراء العولمة في ظل مقاومة ضعيفة

لقد بينت المرحلة السابقة أن تمرير مشروع الإصلاح الهيكلي لم يكن ممكنا دون إيجاد صيغة تستوعب القوة الاجتماعية الرئيسية وهي الاتحاد العام التونسي للشغل. أما الإسلاميون الذين يشكلون القوة السياسية ذات العمق الاجتماعي المنافس للحزب الحاكم فلم تقتنع القوى الخارجية ولا امتداداتها داخل البلاد بضرورة استيعابها هي الأخرى. بل فضلت الخيار التصفوي لكن بعد عزلها. ومن هنا لعبت كل تلك القوى على إيجاد فرز جديد لا على أساس اجتماعي بل إيديولوجي، فرز يستطيع أن يجمع المتناقضاتويسمح بالتغطية على تمرير تلك القرارات الصعبة. وفعلا فقد فكت عقدة السلطة مع الاتحاد بعد إزاحة الحبيب عاشور، وإيجاد توليفة قيادية جديدة تلتقي فيها مختلف التيارات السياسية والسلطة وتستثني الطرف الذي وحد كل هذه القوى: الإسلاميين. ولضمان مصداقية القيادة أمام قواعدها أحدثت صيغة المفاوضات الاجتماعية الدورية كل ثلاث سنوات تتقرر فيها زيادات في الأجور تقسم على ثلاث أقساط سنوية. وبهذا ضمنت السلطة استقرارا مررت من خلاله خيارات صندوق النقد الدولي من خلال التفويت في عدد من المؤسسات العمومية. وتدعم ذلك بعقد اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995 والتي تقضي بفتح الحدود أمام المبادلات الدولية وتقليص دور الدولة في الاقتصاد مقابل تدفق الاستثمارات الأوروبية لتحقيق التنمية وإنشاء مناطق تبادل حر ومنح البلاد مهلة اثنتي عشرة سنة لتأهيل مؤسساتها على الانفتاح على المنافسة الدولية في أفق 2007. أما الهدية الأكبر للنظام الجديد جزاء قبوله بهذه الخيارات فكان غض الطرف عن تجاوزاته الحقوقية التي لم يستطع إخفاءها أمام جهود المنظمات والشخصيات الحقوقية ولكن مداها الحقيقي بدأ ينكشف بعد الثورة. لكن مع ذلك لم يبلغ مشروع الأوساط الرأسمالية في فتح الاقتصاد التونسي وعزل الدولة عن إدارة ما بقي منه عموميا مداه النهائي. فشل النظام في تحقيق ذلك بسبب المخاطر الاجتماعية التي تحف به وسوء التصرف الذي رافق ما تحقق منه بشكل نمى المفارقات الجهوية والاجتماعية وشاعت معه رائحة الفساد العائلي في الحكم. وهو ما تأكد مع انفجار الثورة في 2010-2011.

  1. مرحلة ما بعد الثورة، السعي إلى استثمار هشاشة الدولة والمجتمع

رأت القوى الرأسمالية في الثورة وما رافقها من تهشيش للدولة والوضع الاجتماعي فرصة للتقدم خطوات أخرى ونهش ما تبقى من مؤسسات عمومية. وسلكت نفس سياستها التقليدية في استدراج فرائسها: الإغراق في التداين ثم إملاء الشروط. ولم تكن هذه القوى بعيدة عن شبهة المساهمة من خلال أجهزتها المخابراتية في تركيع الدولة ودفعها من خلال النزعة المطلبية المشطة إلى التسول لتغطية تلك المطلبية. وتلك السياسة هي بالتحديد المدخل إلى إملاء الدوائر المالية المعولمة إرادتها على الدولة ودفعها إلى مزيد الانفتاح والخوصصة. ذلك أن هذه الدوائر تربط مساعداتها بالأهداف التنموية بينما تنفقها الدولة في تغطية كتلة الأجور بالأساس. وهو ما تعتبره تحريفا لأهداف تلك المساعدات وتشترط مواصلة عملية الإقراض بإصلاحات هيكلية تقلص تدخل الدولة وكتلة الأجور وإلغاء الدعم... وبقية عناصر السنفونية. ولعلها قدرت (وربما عملت على ذلك) أن ما أفرزته انتخابات 2014 من توازنات فيها من القوة والهشاشة في نفس الوقت ما يسمح بتمرير تلك الخيارات. أما عناصر القوة فهي بروز حزبين كبيرين قادرين على تحصيل أغلبية برلمانية تسمح بالحكم ويقبلان بالعمل المشترك ومن ثمة القدرة على تمرير القرارات الصعبة. وأما نقطة ضعف هذا الوضع الجديد والتي يمكن أن تكون إيجابية للقوى الخارجية في الوضع الجديد فهي هشاشة التجربة الديمقراطية والوضع الاقتصادي والاجتماعي وحاجة أي طرف حاكم مهما كانت أغلبيته إلى الدعم الخارجي للحكم وتلبية النزعة المطلبية. كما أن هشاشة التجربة تجعل أي طرف حاكم يميل إلى توسيع قاعدة حكمه لتقليل المعارضة وتحجيمها. وهو ما تجسم في فكرة التوافق والحكومة الائتلافية من عدد من الأحزاب. كما أن خصوصيات الوضع بعد ثلاث سنوات من الثورة دفع بالحزب الثاني إلى قبول خيار سياسي كان يُحاسَب على أقل منه قبل ذلك وهو استئثار الحزب الأول بالرئاسات الثلاثة فيما وصف بالتغول. ونُظِر إلى ذلك من قبل القوى الخارجية على أنه أحد شروط الاستقرار المنشود والقدرة على الحكم (بعبارة أخرى تمرير الخيارات الصعبة). لكن التجربة الديمقراطية من ناحية أخرى تركت الباب مفتوحا أمام تكون مراكز رفض لأي توجه في خيارات الأوساط الرأسمالية المعولمة. ولعل أهم مركز لهذا الرفض هو الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يحتوي على كل التيارات السياسية المؤثرة في البلاد. لكن التيار اليساري وخاصة الجبهة الشعبية تبقى الأكثر تموقعا في الهياكل العليا والوسطى مستفيدة من استراتيجية بعيدة المدى وضعتها منذ سبعينات وثمانينات القرن العشرين ودعمتها خلال حكم ابن علي على أساس "التحالف الكبير"ضد العدو الإيديولوجي لتصفيته. ولتحجيم هذه المعارضة كان لا بد مرة أخرى من خطة لاستيعاب الاتحاد ضمن توليفة الحكم بعد أن كان في السنوات الثلاثة الأولى للثورة مركز المعارضة والتعطيل. ومن هنا جاء تشريكه في الحكومة بثلاثة وزراء.

لكن كل هذه الإجراءات أثبتت أنها لم تكن كافية للتحكم في الوضع وتمرير الخيارات المطلوبة. ذلك أن مكونات الاتحاد لم تكن متجانسة داخليا بما يكفي للتناسق مع التوجهات الجديدة. فكان لا بد من عملية إعادة تهيئة للمنظمة وتعديل أوتارها على الوضع الجديد. ولعل المؤتمر 23 للاتحاد ومؤتمرات الهياكل الوسطى والقاعدية كانت وتكون الوسيلة الأنسب لتحقيق هذا التعديل.

منذ 2014 تضغط القوى الخارجية على الحكومات المتعاقبة، وآخرها حكومة الشاهد، لتثبت أنها قادرة على الحكم واتخاذ القرارات الصعبة. لكن ظهر ما لم يكن في الحسبان. وهو أن نقطة ضعف التوليفة الحكومية الرئيسية هي في مركزها، الحزب الأول الذي يفتقد إلى التجانس بحكم أنه لفيف من القوى متعددة الولاءات والتوجهات، اجتمعت على إقصاء طرف آخر لكن نتائج الانتخابات أعطت ذلك الطرف موقعا لا يسمح بإقصائه. وقد أخذ هذا اللفيف في التصدع تدريجيا مع التقدم في الحكم. ومع صراع المواقع داخل الحكم والحزب أخذ في التشظي حتى فقد أغلبيته البرلمانية الواقعية. بل إن هذه الصراعات الداخلية انعكست على نجاعة الحكومة وبالتالي قدرتها على اتخاذ القرار. وقد أظهرت تجربة الحبيب الصيد في الحكم وخاصة الطريقة التي انتهت بها عدم قدرة الحزب على الفصل بين صراعاته الداخلية واستقرار الدولة بما حوله إلى مشكل بدل أن يكون حلا. وقد شاع أن الخلاف الرئيسي بين رئيس الحكومة وقيادة الحزب هو مساعيه إلى مقاومة الفساد واستعادة هيبة الدولة بما جعله يقترب من المراكز الداعمة للحزب. وهو ما جعل البعض يستحضر نفس الصورة في الأزمة الحالية.

تشعر القوى الخارجية بالقلق إزاء عجز الحزب الرئيسي الذي رعته ودفعت به إلى الواجهة عن تجاوز خلافاته. بل إن الأزمة الأخيرة دفعت إلى الواجهة بمشكل آخر وهو الانقسام بين أمين الحزب حافظ قايد السبسي وممثله على رأس الحكومة يوسف الشاهد، وأكثر من ذلك عجز رئيس الجمهورية عن الحسم بينهما. ومن هنا جاء خيار هذه القوى بالذهاب في دعم رئيس الحكومة. وهو ما يفهم من مبادرة سفراء الدول الكبرى السبعة إلى زيارته مباشرة بعد الانتخابات البلدية (يوم 11 ماي 2018). ومن المهم الوقوف هنا على الرمزيات المرافقة لهذه الزيارة.فقد شملت هذه الزيارة سفراء:كندا،بريطانيا،الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، اليابان وإيطاليا بالإضافة إلى سفير الاتحاد الأوروبي في تونس، باتريس برغاميني. وهي كما يلاحظ شخصيات ثقيلة الوزن والتأثير في علاقات البلاد. ويمكن القول إن من يحظى بدعم هذه الشخصيات قد كسب جزءا هاما من أوراق اللعبة السياسية الخارجية. أما الرمزية الثانية فهو توقيتها. فقد جاءت بعد الانتخابات البلدية (التي جرت يوم 6 ماي) وما رافقها من نتائج زلزلت المشهد السياسي بتراجع الحزب الأول إلى المرتبة الثانية وعودة النهضة إلى صدارة المشهد السياسي. وهو ما دفع إلى العلن بأزمة النداء والخلاف بين أمينه ورئيس الحكومة إلى الواجهة. وأما الرمزية الثالثة فتتعلق بفحوى هذا اللقاء. ولئن بقيت تفاصيل اللقاء سرية فإن التصريحات الإعلامية لسفيري فرنسا وكندا كافية لفهم مشاغل هذه القوى الخارجية. فقد أكد السفير الفرنسي أوليفيي بوافر دارفور (Olivier Poivre d'Arvor) “إنّ ثقتنا كبيرة في هذه الحكومة، لقيادة وإنجاح مجمل الإصلاحات التي وضعتها،بما يجعل من تونس نموذجا مثاليًا يحتذى به في المنطقة، وستبقى فرنسا داعمًا دائمًا لتونس". بينما أقرت السفيرة الكندية كارول ماكوين(Carol McQueen) بتقدّم تونس في تنفيذ الإصلاحات الكبرى على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وأشادت بنجاح الانتخابات البلدية في تونس، مؤكدةً على الدعم الكندي المطلق للتجربة التونسية. وإذا ما طرحنا موضوع المناسبة وهو الانتخابات البلدية فإن نقطتي الارتكاز في التصريحين هما التقدم في الإصلاحات الكبرى والاستعداد لدعم التجرية التونسية بما يعني الربط المشروط بينهما أي مواصلة الدعم بشرط التقدم في الإصلاحات. ولعله من المهم التنبه لإشادة السفير الفرنسي بثقة بلاده الكبيرة في الحكومة. وهو ما يمكن اعتباره صكا على بياض لصالح رئيس الحكومة في صراعه مع أمين حزب النداء الذي يجد نفسه بذلك في موقف لا يحسد عليه، ومن ورائه والده، رئيس الجمهورية، الحائر بين مستقبل ابنه السياسي، والتزاماته تجاه هذه القوى الداعمة للبلاد.

يتردد في أوساط المتابعين للشأن العام التونسي أن أعين هذه القوى في هذه المرحلة تتجه إلى بعض المؤسسات المتأزمة  والتي تمثل "فرصة" لمزيد الربح والإثراء على حساب الاقتصاد التونسي. وعلى رأس تلك المؤسسات: الشركة التونسية للكهرباء والغاز، الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه، الشركة التونسية للتبغ والوقيد، بنك الإسكان... لكن تلك الأوساط لا تخفي انشغالها بمشروع أوروبي آخر وهو "اتفاقية التبادل الحر الكامل والمعمق" الشهيرة بـ"أليكا" (ALECA= Accord de Libre Échange Complet et Approfondi) والتي بدأ التفاوض حولها منذ 2016. وقد عبرت قرابة ثلاثين منظمة تنتمي إلى المجتمع المدني المحلي والإقليمي على رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل عن جملة من المآخذ والمخاوف من هذه الاتفاقية ومن بينها تحجيم دور الدولة في رعاية الفئات الضعيفة ومخاطره على تلك الفئات. (http://www.nawaat.org/portail/wp-content/uploads/2016/03/Tribune-ALECA-Tunisie-12.02.2016.pdf). وتعتبر القوى الأوروبية المروجة لهذه الاتفاقية أنها امتداد لاتفاقية الشراكة التي وقعتها البلاد في 1995 مع الاتحاد الأوروبي وتعميق لها، وأنها نتيجة طبيعية لمركز الشريك المميز الذي حظيت به تونس منذ 2012. بما يعني أنها بطلب من التونسيين أنفسهم. وتخصص المواقع الإلكترونية التابعة للاتحاد الأوروبي المنشورات التوضيحية لهذا الاتفاقية ومنافعها على البلاد في محاولة للتخفيف من مشاغل التونسيين. كما تنظم بالشراكة مع الحكومة التونسية الندوات والدورات التكوينية حولها. وتسعى إلى تشريك المجتمع المدني في سياق "رؤية تشاركية" لتأمين "شرعية" واسعة لها. ولعل هذه الأجندة الحافلة بالقرارات الصعبة المنتظرة هي التي جعلت تلك القوى ترمي بثقلها خلف رئيس الحكومة في الأزمة الحالية. وهي بذلك ترمي حجرا ثقيلا في بركة الساحة السياسية التونسية وتؤثر على رهانات أطرافها المختلفة.

الدكتور عبد الرحمان الهذلي

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك