القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الحكومة التونسيّة  :  ملفات وتحدّيات في سنة سياسية جديدة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-07-31 09:37:00 | 35 مشاهدة
 
ملخّص 
تتعدّد الملفات السياسيّة والاقتصادية على طاولة حكومة الوحدة الوطنية. ويتواتر التساؤل عن  فحوى التحوير الوزاري  المقبل ، وسط اصرار  الحكومة  على متابعة ملف الفساد  الذي شرعت  في تفكيك منظومته وقطع شرنقته. بينما لازال الجدل  محتدما حول  قانون المصالحة الاقتصادية المعروض على البرلمان والمرفوض بصيغته الحالية من قبل كتل نيابية نيابية،  من بينها كتلة حركة النهضة. بينما يستعد التونسيّون الى   المشاركة في اوّل انتخابات بلدية ديمقراطية  بعد الثورة نهاية   السنة السادسة من الانتقال الديمقراطي، ديسمبر 2017 ،  دون المصادقة على برنامج الحكم المحلي. مما ينبئ بسنة سياسية جديدة نشِطة في البلاد رغم عسر  الظرف الاقتصادي.

 مقدّمة
ترتفع حمّى الملفات السياسية والاجتماعية الحارقة. فالحرب على الفساد مستمرّة  وسط تقديرات مختلفة، والجدال يحتدّ حول مشروع قانون المصالحة بأجندات متضاربة، والضغط من أجل التحوير الوزاري يشتدّ ويزيده التأجيل غموضا وتعقيدا، والاستعدادات للانتخابات البلدية المقرّرة ليوم 17 ديسمبر 2017، تدخل مرحلة حاسمة بحمّى صداع تشكيل القائمات بشروط غير يسيرة وحمّى الصراع على الترتيب بها، وجميع الفاعلين يستنفرون جهودهم لحسم معركة موازين القوى التي ستكون نتائج البلديات مؤشرا وطنيا هاما عليها رغم طابعها المحلي. تلك أهمّ الملفّات التي  تلقي بظلال من الترقّب والخشية على تجرية ديمقراطية تونسية تسجّل نجاحا استثنائيا لكنها تظل هشّة.
استمرا ر الحرب على الفساد وحذر الدعم لها
 تلازم رفض الفساد مع رفض الاستبداد في الثورة التونسية، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لمنظومة حكم المخلوع بن علي. تقدّم مسار الانتقال الديمقراطي في القطع مع الاستبداد بوضع دستور جديد للجمهورية الثانية  يضمن الحقوق والحريات ويوازن بين السلطات ويضع آليات للرقابة والتعديل، وتنظيم انتخابات تعدّدية وشفّافة وبداية إرساء المؤسسات الدستورية الضامنة، لكنّ النتائج في مقاومة الفساد كانت خلاف ذلك. فقد ارتفع منسوبه بعد الثورة واستفاد من ضعف الدولة ليستشري أكثر، بما لم يساعد على بناء الثقة بين الحكّام والمحكومين. لذلك لاقت الإجراءات الأخيرة لرئيس الحكومة في إيقاف بعض المشتبه بهم في قضايا فساد، خاصة ممّن يُعتقد أنّهم رؤوس ورموز، ترحيبا وتأييدا واسعين، رغم بعض التشكيك والتحفّظ، وتحدّث الكثير في منابر مختلفة عن انطلاق الحرب على الفساد. إذ يعتقد الكثيرون أنّ "الأيادي المرتعشة" للحكومات المتعاقبة بعد الثورة، كانت السبب الرئيسي لاستشراء الفساد والإفلات من العقاب. لذلك يحيّون شجاعة الحكومة الحالية ويرون فيما أقدمت عليه سابقة وخطوة هامّة، وإن كانت متأخرة، في استعادة هيبة الدولة وسلطة القانون.
وفي المقابل يتحفّظ البعض ويشكّك آخرون في جديّة هذه الإيقافات وما يمكن أن يعقبها لترتقي إلى حرب حقيقية ضدّ الفساد. وهي في نظرهم لا تخرج عن كونها تسجيلا لنقاط سياسة في مشوار يوسف الشاهد وتأسيسا لشرعيّة له، وجوابا عن تحدّ شخصي وتصفية لحسابات داخل حزب نداء تونس الذي  ينتمي إليه رئيس الحكومة وتواجهه مشاكل داخله في الفترة الأخيرة. وقد استبق رئيس الحكومة انتقادات أعضاء مجلس نواب الشعب، من معارضيه خاصّة، في جلسة مساءلته يوم 21 جويلية 2017 بعد  انقضاء شهرين تقريبا  من انطلاق الحملة على الفساد، فأكّد أنّها ليست مجرّد حملة عابرة، بل سياسة دائمة من صلب برنامج الحكومة المعلن أمام المجلس في جلسة  كسب الثقة لحكومته. وشدّد على العزم على مواصلة الحرب على الفساد مهما كانت الكلفة السياسية ومهما كان المشمولين بالشبهة. لكن ذلك لم يعفه بالطبع من الانتقادات الحادّة أحيانا والتشكيك في النوايا والنتائج المسجلة أو المحتملة.
شملت الإيقافات شخصيات تنتمي في أغلبها إلى القطاع الخاص من المتّهمين بالتهريب والعمل خارج القانون، وهذا قليل جدّا من كثير. فهؤلاء ما كان لهم لينجحوا في أعمالهم غير المشروعة لولا تواطؤ متعاونين معهم من داخل أجهزة الدولة الحسّاسة من المحمولين على مراقبتهم ومحاسبتهم. فالفساد الأصلي في الدولة نفسها، أي في الإدارة والأجهزة. إذ المتعاونون مع المهرّبين والمفسدين جزء من منظومة الفساد. ولا ندري بدقّة هل هو الجزء الأصغر أو الأكبر؟ ولذلك تكون الحرب على الفساد، إن صدق العزم، حربا الدولة ضدّ نفسها لتتطهّر من فسادها المستشري في مفاصلها والممتدّ في كامل جسمها.  و التفكير في حجم هذه الحرب وأدواتها ومداها الزمني عناصر كافية لتعطي فكرة عن كلفة هذه الحرب التي لا مفرّ منها وعن مستلزمات كسبها. لذلك يصرّح الجميع بما في ذلك المسؤولون بأنّ الحرب على الفساد أخطر من الحرب على الإرهاب. فالأخير في الغالب عدوّ خارجي للدولة لا حاضنة له، والفساد عدوّ داخلي وأخطبوط  له حواضن عديدة.
 المصالحة الاقتصادية:  حدّة الجدل و تضارب الأجندات
 صادقت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب على مشروع قانون المصالحة المعروض على المجلس  من قبل رئيس الجمهورية منذ جويلية 2015. فرغم الأولويّة التي تتمتع بها مشاريع الرئيس كما ينصّ على ذلك الدستور، قد مرّت على هذا المشروع  بالبرلمان ثلاث سنوات، في مفارقة عجيبة تعكس حجم المناكفة والصعوبات في هذا الموضوع.
 يشمل الصّلح المعروض في مشروع القانون المتعلق بإجراءات خاصة بالمصالحة في المجال الاقتصادي والمالي في صيغته الأصلية لسنة 2015، ثلاثة أصناف وهم موظفين عموميين وأشباههم ورجال أعمال من أجل أفعال تتعلق بالفساد المالي وبالاعتداء على المال العام، ومرتكبين لمخالفات صرف. وكانت أهمّ الاعتراضات على المشروع قد تركّزت على أنّه مخالف للدستور ويكرّس الإفلات من العقاب ويستولي على جزء من مهام هيئة الحقيقة والكرامة المكلفة دستوريا بالعدالة الانتقالية، ولا يفرض اعتذارا على المتّهمين ولا يكرّس المساءلة والمحاسبة والشفافية وحفظ الذاكرة . ويجعل للجنة تتحكم فيها السلطة التنفيذية قرارات ترقى عن أحكام القضاء ولا تقبل الطعن. وأنّ الصّلح المقترح لا يضمن حقّ استرجاع الأموال العمومية المنهوبة. ولم يجد المشروع طريقه إلى الجلسة العامة أمام اعتراض مختلف الكتل بما فيها كتلة حركة النهضة حليف رئيس الجمهورية وحركة نداء تونس، فضلا عن الاعتراضات والاحتجاجات خارج البرلمان.
 وحين عادت لجنة التشريع العام خلال أفريل 2017 إلى مناقشة المشروع بعد أن أبدت رئاسة الجمهورية مرونة كبيرة في التعاطي الايجابي مع مختلف الاقتراحات لتعديله، بل تسرّبت مقترحات مهمّة من دوائر الرئاسة في هذا الاتجاه خاصّة في التنصيص على المساءلة والمحاسبة والاعتذار وتعديل تركيبة لجنة المصالحة وضمان استقلاليتها وشفافية عملها، لم يساعد المناخ الاجتماعي المتوتر جدّا آنذاك على حسن التفاعل مع المقترحات المسرّبة، ولم تجد القبول المطلوب لا داخل البرلمان ولا خارجه. وتجدّدت الاحتجاجات عليه والانتقادات،  كما جدّد مجلس شورى حركة النهضة عدم قبول القانون في صيغته الحالية وطالب بإجراء تعديلات جوهرية عليه. وقد أشار رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي في خطابه الأخير إلى الشعب بقصر المؤتمرات يوم 10 ماي 2017 إلى أنّ دافعه الأساسي إلى تقديم مشروع قانون المصالحة هو ما لمسه من تعطّل في الإدارة وتمنّع كبار الموظفين عن الإمضاء واتخاذ القرارات بسبب ما لحق بعضهم من قضايا متصلة بمنظومة الحكم السابق. وبدا متمسّكا بمشروعه في تحقيق مقصده، معربا عن أكبر قدر من المرونة في التفاعل مع مقترحات تعديله مهما كان مصدرها. وتفيد معطيات داخل البرلمان أنّ كتلة نداء تونس، بالتفاعل مع كتلة حركة النهضة أساسا، وكتل أخرى، تقدّمت إلى لجنة التشريع العام بمقترح اقتصار  المشروع على قانون عفو عامّ يوقف التتبّعات والأحكام في شأن الموظفين العموميين وأشباههم على معنى الفصلين 82 و96 من المجلة الجزائية بالنسبة للأفعال المتصلة بمخالفة التراتيب والإضرار بالإدارة لتحقيق فائدة لا وجه لها للغير، شرط عدم الحصول على فائدة لا وجه لها لأنفسهم. ويستثنى من ذلك من كانت الأفعال المنسوبة إليهم تتعلق بقبول رشاوى أو بالاستيلاء على أموال عمومية. ويبدو أنّ هذا التعديل الجوهري للمشروع الأصلي، والذي غير تسمية إلى مشروع قانون في الصالحة الإدارية،  يوائمه مع الدستور ولا يجعله بديلا عن لجنة المصالحة بهيئة الحقيقة والكرامة ولا  يقترح تعديل قانون العدالة الانتقالية عدد 53 لسنة 2013، بل إنّه يباشر ملفات لا تندرج ضمن الانتهاكات الجسيمة  التي نصّ عليها الفصل 8 من ذلك القانون. وبذلك ترفع أغلب التحفّظات وتكون للاعتراضات صداها. وفي نفس الوقت يحقّق المشروع مقصده الرئيسي الذي أعلنه رئيس الجمهورية ويحافظ على استثناء المورّطين في الرشاوي ونهب المال العام المضمّن في النسخة الأصلية. وبذلك سيكون القانون في طريق مفتوح إلى المصادقة عليه بالجلسة العامة في مطلع الدورة النيابية الجديدة، بعد طلب تأجيل من المجلس الأعلى للقضاء الذي تمّت استشارته في المشروع. وتبدو المصادقة متأكدة رغم عودة الاحتجاجات من المناهضين له وتهديدهم بإسقاطه. فقد صار الصراع حول هذا الموضوع بالغ الرمزية والحساسية في ظلّ أجندات متضاربة بين الداعمين والمناهضين له.
تحوير وزاري بين الازمة والسّير الطبيعي للحكم    
 في الوقت الذي تبدو فيه البلاد في حاجة ماسّة إلى الاستقرار السياسي لإعطاء الزّخم اللازم للحرب المعلنة على الفساد التي تتواصل وتلقى استحسانا شعبيا ودعما معلنا متزايدا من الأحزاب والمجتمع المدني، وللمضيّ في الإصلاحات الاقتصادية الكبرى ودعم المؤشرات الايجابية المسجلة خلال الثلاثية الأولى من العام، وتهيئة الأجواء للاستحقاق الوطني الهام المتّصل بالانتخابات المحلية لأوّل مرّة، في هذا الوقت تجتمع مؤشرات عديدة خلال الفترة الأخيرة تحيل على بوادر أزمة سياسية . إذ تستمرّ أزمة نداء تونس، الحزب الأول الفائز في الانتخابات وتتراجع تمثيليته بالبرلمان، بما يخلّ بتوازنات الحكم الحالي ويؤثر عليه سلبيّا.  وتزداد الأمور تعقيدا ببوادر توتّر لم تعد خافية  بينه وبين السيد يوسف الشاهد، الذي رشّحه قبل ذلك لرئاسة الحكومة وتمّ اقتراح رئاسته للحزب في وقت لاحق، وهذا ما يستشفّ من خلال تصريحات  متصاعدة لبعض قيادات النداء في انتقاد الشاهد إلى حدّ اتّهامه باستهداف الحزب أو الانحياز ضدّه. كما تتأكّد علامات التفكّك في الائتلاف الحاكم بعد إقالة عدد من الوزراء وتقديم قضية في حقّ آخر، ومن خلال ما يحصل بين بعض مكوّناته، على غرار انتقاد حادّ لحزب آفاق تونس للسيد المهدي بن غربية أحد وزراء الحكومة واتهامه بالفساد والمطالبة باستقالته، وفي نفس الوقت انتقاد التنسيق بين حزبي النداء والنهضة والبيان المشترك بين كتلتيهما والتشكيك في أهدافه. كما تتعالى الأصوات من "أطراف وثيقة قرطاج" من أحزاب ومنظمات، وخاصّة الاتحاد العام التونسي للشغل، مطالبة بتعديل عاجل في تركيبة الحكومة وتتكثّف الضغوط  في هذا الاتّجاه، بالتزامن مع نهاية عمرها الافتراضي المقدّر بسنة تقريبا مقارنة بالحكومات السابقة بعد الثورة.
ومع عودة الحديث في الأوساط السياسية والمنابر الإعلامية عن تحوير وزاري مُرتقب، يضيق أو يتّسع بحسب الأجندات، يعود الحديث عن الكفاءات والمتحزبين والمستقلين، وعن إعادة هيكلة الحكومة والحزام المطلوب لدعمها.. ولم يعد سرّا استهداف  الشاهد وحكومته في بعض الأجندات، ومحاولة إنهاء التحالف بين حركتي النداء والنهضة في أخرى، والسعي المحموم للتموقع الشخصي أو الأيديولوجي أو الحزبي للبعض الآخر والعمل على استبعاد بعض الأطراف من الحكم تنفيذا لأجندات أجنبية أحيانا. وإذا أضفنا إلى رهانات التغيير الحكومي كما بيّنا بعضها، تداعيات الصعوبات الاقتصادية، لا سيما توازنات المالية العمومية التي تزداد تدهورا لترتفع صيحات الفزع أمام مخاطر اقتصادية وأوضاع اجتماعية صارت جديّة أكثر من أيّ وقت مضى، بسبب عجز إضافي متوقع للميزانية يقدّر ب 2 مليار دينار سنة 2018 واستمرار تدهور قيمة الدينار وعدم استكمال شروط تسديد القسط المتبقي من قرض صندوق النقد الدولي. وليس أكثر دلالة على الأزمة الاقتصادية  من تصريح وزير المالية بالنيابة يوم 27 جويلية 2017 بوجود مخاطر حقيقية في عجز الدولة عن صرف أجور الموظفين بعد شهرين. وأمام هذه المؤشرات لا نستبعد حصول أزمة سياسية  في الأفق، والتي دلّت التجربة على أنّ تأثيرها أشدّ على البلاد والعباد من أيّة أزمات أخرى. وإذا كان التحوير من ناحية الصلاحيات الدستورية يعود لرئيس الحكومة وحده، والذي يبدو راغبا في تأجيله وجعله محدودا جدا ويستأثر بتحديد موعده، فإنّ ذلك لن يعفه من المشاورات اللاّزمة مع الكتل الكبرى في البرلمان والشركاء في الحكومة، والخضوع لبعض طلباتهم  من أجل ضمان تزكية التحوير وتمرير القوانين المقترحة من الحكومة لاحقا . لذلك يرى بعض المتابعين في دعوة حزب نداء تونس على سبيل المثال إلى التغيير الحكومي أنواعا من الضغوط التي تمارس على الشاهد ورغبة في تعزيز مواقع الحزب. ويرى آخرون في ضعف تشاور رئيس الحكومة مع أحزاب الائتلاف الحاكم لاسيما في الخيارات الحاسمة والقرارات ذات الأثر الاجتماعي أو السياسي المباشر، نوعا من الانفراد والإخلال بمقتضيات الحكم في نظام شبه برلماني. فرئيس الحكومة ليس منتخبا مباشرة من الشعب مثل رئيس الجمهورية وهو مقترح ومزكّى من أحزاب بعينها، ولذلك لا يصحّ منه القول على غرار رئيس الجمهورية بأنّه يقف على الحياد وبنفس المسافة من جميع الأحزاب في الحكم أو المعارضة. ومهما كان حجم التحوير وموعده، فمن المهم التنبيه إلى أنّ تغيير الحكومات باستمرار خلال ستّ سنوات ونيف بعد الثورة، لم يغيّر المسارات ولا النتائج ولم يفض إلى الحلول المرجوّة للمشكلات. لأنّ كثرة التغيير أعطى الانطباع بعدم الاستقرار السياسي. ومن ناحية أخرى فإنّ بعض دعوات التغيير تعبّر عن استخفاف بمقتضيات الديمقراطية التي ترسي دعائمها بصعوبة، وستكون لها تداعياتها السلبية على المستقبل. ففي كل مرة تجري انتخابات يقرّ الجميع بنتائجها ثم يتمّ الانقلاب عليها عمليا بمنع من تمّ انتخابهم من الحكم تحت مسوّغات لا أساس ديمقراطيّ لها، وإفساح المجال  لحكم من لم تفرزهم صناديق الاقتراع ولا تعويل لهم على ذلك. وهنا تتمّ المغالطة بالخلط المتعمّد بين مقتضيات مرحلة انتقالية لم يكن بها دستور وسادها التنازع بعد 2011، وبين مرحلة مستقرّة محكومة بآجال وآليات ينظّمها دستور الثورة بعد 2014.
حمّى  الاستعداد لبلديات2017
 حدّدت الهيئة العليا للانتخابات شهر سبتمبر  لتقديم قائمات  المترشّحين للانتخابات البلدية المقرّرة ليوم 17 ديسمبر 2017، ممّا يجعل شهر أوت،  فترة تشكيل قائمات الأحزاب والمستقلين المعنيين . وبالعودة إلى مقتضيات القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات والاستفتاء المؤرخ في 14 فيفري2017، لا سيما ما يتصل  بشروط الترشّح وتقديم الترشّحات، نتبيّن ما يسبّبه تشكيل القائمات من  صداع للبعض و صراع للبعض الآخر.  فقد ازداد عدد البلديّات ليبلغ 350 بلديّة بمقتضى الفصل 131 من الدستور الذي اشترط أن تغطّي أصناف الجماعات المحلية كامل تراب الجمهورية. ويقدّر عدد المستشارين للمجالس التي سيتمّ انتخابها بما يزيد عن 7000 مستشار. ويتراوح عدد المترشّحين بالقائمة الواحدة ما بين 12 في الحدّ الأدنى و60 على الأقصى بحسب عدد السكان بالبلدية. وينصّ القانون الانتخابي على ضرورة التقدّم بقائمة تكميلية لا يقلّ عددها عن ثلاثة ولا يزيد عن القائمة الأصليّة. بما يرفع عدد المترشّحين المطلوبين. كما ينصّ على "مبدأ التناصف بين النساء والرجال وقاعدة التناوب بينهم داخل القائمة"  ويشترط على القائمات الحزبية والائتلافية التي تترشّح في أكثر من دائرة "التناصف بين النساء والرجال في رئاسة القائمات". و"يتعيّن على كل قائمة مترشّحة  أن تضمّ من بين الثلاثة الأوائل فيها مترشّحة أو مترشّحا  لا يزيد سنّه عن خمس وثلاثين سنة" و"أن تضمّ من بين كل ستّة مترشّحين تباعا في بقية القائمة، مترشّحة أو مترشّحا  لا يزيد سنّه عن خمس وثلاثين سنة" وتسقط القائمة التي لا تحترم هذه الشروط، أما تلك التي لا تضمّ "من بين العشرة الأوائل مترشّحة أو مترشّحا ذا إعاقة جسدية وحاملا لبطاقة إعاقة" فتُحرم من المنحة العمومية. والتي لا تُصرف إلا للقائمة المتحصّلة على أكثر من 3% وبعد الإعلان عن النتائج النهائية. وهذه الشروط، تبدو عسيرة في المشهد السياسي التونسي الحالي، خاصّة إذا أضفنا إليها أن يكون المترشّح مسجّلا بالدائرة المعنية، خلافا للتشريعية. فالأغلبية الساحقة من الأحزاب التي يتجاوز عددها الرسمي المائتين تبدو عاجزة تماما  اليوم عن الإيفاء بمتطلبات المشاركة التنافسية الدنيا في بلديات 2017 استنادا إلى الشروط سابقة الذكر. لذلك يشعر القائمون عليها بالحرج وبعبء الاستحقاق ممّا يرفع حمّى الصداع لديهم، فيحاولون التغطية عن العجز الذاتي بخلق أعذار موضوعية  للتشكيك في الموعد المقرّر والمطالبة بمزيد التأجيل،  أو الدعوة إلى المقاطعة أو التلويح بها على غرار بعض الأحزاب والجبهات.
 وبالتوازي مع حمّى الصّداع في أغلب الأحزاب كما بينّا، ترتفع حمّى الصّراع في الأحزاب والقائمات المستقلّة ذات الرهانات التنافسية مهما كان حجم الرهان. فاعتماد الاقتراع على القائمات دون الأفراد، في دورة واحدة، وتوزيع المقاعد في مستوى الدوائر على أساس التمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا، كما حصل في الانتخابات التأسيسية والتشريعية الماضيتين، سيجعل الصراع محتدّا في ترتيب المترشّحين على القائمة. فالأوائل هم الأكثر حظا ولا يمكن في كل الأحوال التنافسية فوز قائمة مهما كانت بجميع المقاعد. ولهذه الاعتبارات تبدو الأجواء ساخنة جدّا وترتفع حمّى الصّراع بين المترشّحين المفترضين ويخيّم على الأحزاب شبح الانقسامات.
 خاتمة
 كان الصراع قويّا بعد14جانفي 2011 بصور معلنة وأخرى مخفيّة، حول تحديد وجهة الثورة التونسية، بين مساري التغيير الجذري وتصفية المنظومة القديمة للحكم بأشخاصها وممارساتها (المصادرة والمحاكمات والعزل وتجريم مدح النظام القديم والتأسيس...)، والانتقال الديمقراطي وما يفرضه من معجم مخصوص وتسريع للإصلاح وتسوية سياسية بين القديم والجديد (الحوار والتوافق والمصالحة...). وقد حسم الأمر بوضوح لصالح المسار الثاني، لكن دون أن يسلّم أطراف المسار الأوّل، ودون أن تتوضّح عناصر التسوية الشاملة أو تحسم بين من ينخرطون في المسار الثاني. وتبدو المصالحة ممرّا لا غنى عنه في أيّ مسار انتقالي. مصالحة تشمل المسؤولين السابقين في الحكم والمنتفعين منه، مهما كان حجم  التهم الموجهة إليهم، كما تستلزم إنصاف ضحايا الحكم السابق وجبر أضرارهم. وهي مصالحة سياسية في المقام الأول وتسوية لا تلتزم ضرورة بمقتضيات القانون والعدل، دون أن تسقط الحق الشخصي في التقاضي، لأنها تقوم أساسا على التراضي والرغبة في التجاوز وعدم العودة لما كان. ولذلك يظلّ موضوع المصالحة الإشكالية الرئيسية التي تدور حولها مختلف عناوين الصراع الظاهر والخفي بتونس ما بعد الثورة، ويظلّ الانتقال الديمقراطي متعثّرا ما لم يتمّ تفكيك عناصرها وحلّها جميعا ونهائيا.
 
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك