%   . [6] لقد عبرت هذه النتيجة عن قبول غالبية الشعب الجزائري ببرنامج الرئيس الانتخابي الرامي إلى وضع حد للحرب الأهلية. بالفعل لقد تم على عجل عرض القانون المتعلق بالوئام المدني على الاستفتاء الشعبي يوم  16 سبتمبر 1999 و حضي بالقبول  بنسبة تزيد عن 98 %  و تاليا أعلن عن  ميثاق السلم والمصالحة الذي تم عرضه على الاستفتاء  الشعبي سنة 2005  و قُبل بنسبة تزيد 97 . هكذا عمل بوتفليقة على استعادة الجزائر لصورتها الأولى : دولة موحدة  و متماسكة . إلا أن الحقيقة يجب أن تقال فالجزائر لم تُواجه حربا طائفية و لا عرقية يمكن أن توصف بالانفصالية بل عاشت حربا موضوعها الأساسي من يحكم خصوصا بعد أن بلغ أغلب قادة جبهة التحرير أرذل العمر.
 الخاتمة :
 بناء على ما سبق يمكن القول أن الجزائر لم تعش  أزمة اندماج أو هوية كما يُروج البعض بقدر ما عانت أزمة "انتقال السلطة "من جيل لآخر. لقد أدرك  الرئيس بوتفليقة هذا الأمر جيدا  فحرص على أجراء إصلاحات سياسية و دستورية  تمكن الجزائر من تجنب الوقوع مجدا فيمثل هذه  أزمة.   و لقد تم القبول بجميع اقتراحاته احتراما  لتاريخه النضالي  و وعيا بأهميتها أيضا. و نجح الرئيس في إعادة الهيبة لمؤسسة الرئاسة و للدولة عموما، إلا أن هذا لم يحل المشكلة من جذورها ، فالأحزاب السياسية المؤهلة للحكم لا تزال تعيش أزمة قيادة حقيقية . ينطبق هذا الأمر على كل الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي كجبهة التحرير الوطني و الأحزاب الديمقراطية العلمانية و الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية. إن استمرار  مثل هذه الأزمة هو الذي  سيجعل الجزائر مهددة بعودة العنف الداخلي  من جهة، و يشجع المؤسسة العسكرية أو يضطرها للدخول مجددا في الحياة السياسية  من جهة ثانية.[7] سيعطل الأمران من سرعة الانتقال الديمقراطي في الجزائر، و سيجعلها في حاجة في كل مرة إلى من يتولى إنقاذها لا من مخاطر التقسيم بل من مساوئ عنف ناتج عن غياب تقاليد الانتقال السلمي و الديمقراطي للحكم .
 
شفيع بومنيجل
عن مركز الدّراسات الاسترتيجية والديبلوماسية 
 
الهوامش
[1] علي الكنز .المغرب العربي من أسطورة إلى أخرى .ضمن كتاب المجتمع و الدولة في الوطن العربي في ضل السياسات الرأسمالية الجديدة . مركز البحوث العربية و الإفريقية . الجزء 4 المغرب العربي القاهرة .1997 صفحة 28
راجع أيضا عبد الاله بالقزيز  و آخرون . الجيش و السياسة في الوطن العربي . مركز دراسات الوحدة العربية .بيروت 2002
[2 ]على الكنز .نفس المصدر السبق  صفحة 30
[3] راجع وثيقة الميثاق الوطني الجزائري الصادر عام 1976.
[4]علي الكنز و عبد الناصر جابي . الجزائر .البحث عن كتلة تاريخية جديدة  . المجتمع و الدولة في الوطن العربي . مصدر سابق صفحة 45
[5]  نفس المصدر صفحة 42
[6]يمكن الرجوع إلي رياض الصيداوي . الانتخابات و الديمقراطية و العنف في الجزائر .المستقبل العربي عدد 245 جويلية  1999 .
 [7 ] راجع في هذا الصدد. إسماعيل قيرة و آخرون مستقبل الديمقراطية في الجزائر .مركز دراسات الوحدة العربية .بيروت 2002

 

' />

القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الجــزائر:  رُسوخ  الدّولة  وعُسر  مسارَات الحُكم

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-04-29 11:40:20 | 89 مشاهدة
 
المقدّمـــــــــة: 
 عرفت الجزائر منذ القرن التاسع عشر عديد المحن المؤلمة بدأت بغزوة فرنسية عام (1830)، تلتها ممارسات استعمارية فيها الكثير من العنصرية و شتى أنواع الظلم و القهر والاستغلال المقيت. كما لم تخل مرحلة الاستقلال من محن أخرى ـ و إن كانت أقل وطأة على الجزائريين ـ أسالت الكثير من الدماء و خلفت ألاما و أضغانا لا تكاد تُنسى . غير أن مثل هذه المحن ـ و على عكس العديد من الحالات  الاخرى ـ لم تدفع الجزائر نحو حافة  الانهيار و التفكك إذ بقيت دولة موحدة بشريا و سياسيا.  لقد دفع هذا الوضع الكثيرين ،خصوصا أولئك الذين تحدوهم رغبة في تفكك الجزائر ، إلى التساؤل عن جملة العوامل التي حالت دون انهيارها على الرغم من تنوعها اللغوي و اتساع رقعتها الجغرافية . غير أن طرح مثل هذه الأسئلة ليس دائما من باب خيبة الأمل، فمعرفة عوامل استمرار الجزائر موحدة  قد يساعد العديد من الدول العربية على تجنب الوقوع في ويلات الانقسام و التفكك. و بقطع النظر عن خلفيات تناول هذه المسائل و دوافعه فإن النجاحات التي حققتها الجزائر و الصعوبات التي تواجهها لا تمثل استثناء في الوطن العربي فأغلب الدول العربية حققت نجاحات و اعترضت مسيرتها صعوبات شتى. غير أن الانحدار السريع الذي تشهده اليوم أكثر من دولة عربية نحو التفكك السياسي و البشري هو الذي يجعل استقرار الجزائر حالة استثنائية بالفعل.   فهي من هذه الزاوية يمكن اعتبارها ا من الدول  المُوفقة على الرغم من كل المحن التي مرت  بها . إلّا أن التوفيق  أو الفشل   يبقى من الأمور النسبية كغيره من المفاهيم التي يمكن قراءتها من أوجه مختلفة.  لقد درجت المحاولات الرامية إلى الكشف عن الأسباب التي مكنت الجزائر من الحفاظ على وحدتها السياسية و البشرية على السعي إلى معرفة المسارات السياسية و الاقتصادية و الثقافية التي اتخذتها الدولة الجزائرية منذ الاستقلال إلى اليوم و مكنتها من التقليص من أثر العوامل المساعدة على التفكك والانحلال.هذا تقليد مهم  غير أن وحدة الجزائر ليست ناتجة عن مزايا الاستقلال  فقط،  بل أيضا بسبب المحن التي مر بها الشعب الجزائري  خلال الفترة الاستعمارية و من  بعدها. بهذا المعنى فإن وحدة الجزائر لم تكن مرتبطة بقدرة الدولة  على الإيفاء باحتياجات مواطنيها المادية فقد ، وإن كان هذا من مهامها المؤكدة ، إذ علينا أن نأخذ بعين الاعتبار مشاعر الوحدة التي تجمع الشعب الجزائري النابعة من تاريخ نضالي ضد الاستعمار و التبعية بمختلف أشكالها .
أولا:  بناء الدّولة و ترسيخ قواعدها:
 لقد قوّت المحن المُؤلمة التي عرفتها الجزائر شعور مواطنيها  بالانتماء إلي دولة  مُوحّدة  سياسيا و بشريا و جغرافيا و أنستهم  ثورتهم الملهمة  ـ ثورة المليون و نصف  شهيد ـ اختلافاتهم العرقية و اللغوية  و الجهوية . بالفعل فكما يُصقل الحديد بالنار والطرق الشديد عززت محنة الجزائريين أثاء فترة الاستعمار و من بعدها مشاعر الوطنية لدى أغلب أفراد الشعب. إن توقهم للحرية و المساواة جعلت اهتماماتهم تترفع عن خدمة  انتماءاتهم  الضيقة.  لم يكن هذا  مجرد مصادفة حسنة بل نتيجة لعمل واع و مدروس فبيان الفاتح من نوفمبر1954 أكد  على أن الهدف من الثورة هو: أولا إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية و ثانيا  احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني. ولقد أثبتت الأحداث أن الانخراط في تجسيد هذين الهدفين كان بمثابة الرابطة الموحدة لجميع الجزائريين.  بهذا المعنى صار الجهاد ضد الاستعمار و لاحقا ضد  التبعية بمثابة الهوية الجامعة والموحدة  للجزائريين  ومصدر فخرهم المشترك . وفضلا عن كل هذا  حرص القيادة  الجزائرية على  تأكيد أن هوية الجزائر هي تحديدا  الإسلام و العروبة و الأمازيغية. و ربما بسبب هذا الحرص ،و على عكس الكثير من الدول العربية ، لم يُتخذ هذا التنوع  خلفية للصراع السياسي، فلم يحدث أن رُفعت في الجزائر شعارات سياسية ذات مضمون عرقي أو قومي أو جهوي...حتى أثناء أكثر الصراعات عنفا.  إن فهم الاستثناء الجزائري ، إن صح وصفه بهذا الوصف ،  يفترض أن نضع في الحسبان حقيقة أن لا أحد في الجزائر يعتبر نفسه أكثرية أو أقلية فجميع شرائح المجتمع تقدم نفسها على أنها جزائرية أولا و أخيرا . لقد أبقت هذه الحقيقة الصراع السياسي في الجزائر صراعا سياسيا محضا و منعت انزلاقه إلى صراع عرقي أو ديني .... لقد عملت الدولة الجزائرية على أن تكون مستقلة عن المجتمع و حرصت على أن تستمد قوتها من مؤسساتها الرسمية لا من قوة اجتماعية عرقية كانت أو جهوية أو دينية  . و ربما و بسبب هذا الاختيار كان للمؤسسة العسكرية و الاقتصادية الدور البارز في الحياة السياسية في الجزائر منذ استقلالها إلى اليوم. و على الرغم من أن الصراع السياسي حول السلطة بين أقطاب الحركة الوطنية ( العسكرية و المدنية ) احتد مع بداية الاستقلال  و أتى على العديد من الرموز ، فإن  التنوع القبلي و العرقي و الديني لم يُتخذ رهانا و لا خلفية لهذا الصراع الذي ظل محكوما بفكرة أي من مؤسسات الدولة أجدر باختيار من يحكم لا أي تشكيل اجتماعي عرقي أو ديني. و لقد أثبتت الأحداث أن المؤسسة العسكرية كانت هي الأقدر على تمرير اختياراتها في كل مرة  مما سمح للدولة بأن تكون شبه مستقلة عن المجتمع . إذ و على الرغم من بعض الانتقادات الداخلية و الخارجية المتصلة بموضوع الأقليات و احترام التنوع لم تخضع الجزائر للابتزاز و نجحت في كل مرة في تجنب الوقوع في أي نوع من أنواع المحاصصة العرقية .
 لم تساوم  الدولة الجزائرية في مسألة وحدتها و كافحت من أجل أن تبقى  هوية جامعة و موحدة لجميع مواطنيها بقطع النظر عن انتماءاتهم السابقة لظهور الدولة المستقلة ، و نجحت على ما يبدو ، في إبقاء  تنوع مجتمعها خارج الصراع السياسي و الاجتماعي . بينة ذلك أنها  و على الرغم من انخراطها  زمن بن بلا في الدفاع عن فكرة الوحدة العربية كأداة للتقدم و التحرر فإن مكونات الشعب الجزائري غير العربية لم تر في ذلك تهديدا لوجودها . هكذا يمكننا القول أن الجزائر نجحت في ترسيخ علمانية من نوع خاص قوامها الفصل بشكل واضح بين الدولة و التنوع العرقي و اللغوي. إن نجاح الجزائر يبقى استثنائا في محيطها العربي و الإفريقي ، فالعديد من الدول  العربية و الإفريقية  التي تعرف تنوعا عرقيا  فشلت في الحفاظ على وحدتها الجغرافية و البشرية ،أو أنها دخلت في أتون حرب أهلية قد تُقوض لاحقا  هذه الوحدة.  أما معرفة سبب نجاح الجزائر، في الوقت الذي فشلت فيه الدول الأخرى، فتفترض العودة إلى الخيارات التي رسمتها حركة التحرر الجزائرية، المدنية منها و العسكرية منذ بداية مواجهتها للاحتلال وتفكيرها الجدي في بناء دولة حديثة. لقد تأسست هذه الخيارات على أساسين اثنين :  الأول  عاطفي / روحي  جعل من  كفاح الشعب  الجزائري بمثابة الفعل الإنساني  المتعفف من الحسابات الفئوية الضيقة. إن حجم التضحيات التي قدمها  الشعب بجميع مكوناته من أجل تحرير الجزائر و تقدمها  هي التي أطفأت  بالتأكيد وهج الشعور بالانتماء لهويات جزئية و دعمت ، في مقابل  ذلك ، مشاعر الانتماء للجزائر. وليس من المستبعد أن تكون هذه التضحيات هي التي جعلت وعي المواطن الجزائري بهويته الوطنية بالغ الحساسية إلى درجة أن العلاقة بفرنسا بقت متوترة ومشوبة بالكثير من الغموض إلى يومنا هذا. لقد أدرك الجزائريون أن ثورتهم ملهمة لجميع الشعوب، وهذا ليس من باب النرجسية الوطنية، فالكثير من شعوب العالم لا تنكر ذلك و تعتبر الجزائر نموذجا يجب النسج على منواله. ولعل إدراك عميق كهذا سيجعل من الصعب على الجزائريين الارتداد إلى النزعات العرقية أو الدينية الضيقة بعد أن دفعتهم ثورتهم الملهمة نحو أفق الإنسانية الرحب.و الأساس الثاني: اقتصادي / اجتماعي،فلقد اختارت الجزائر منذ السنوات الأولى للاستقلال، كأغلب دول العالم الثالث، الاشتراكية كنموذج اقتصادي واجتماعي لتحقيق التقدم و التنمية. وبقطع النظر عما إذا كان هذا الخيار ناتجا عن ضعف البرجوازية و كبار ملاك الأرض كما يرى علي الكنز [1] فإن هذا الخيار كان على ما يبدو واعيا فالكنز نفسه يشير إلى أن "عملية البناء ستنطلق من خلال التركيز على مفهومين محوريين ...الاشتراكية و التنمية في ظل تحالف سياسي شعبي معتمدا أساسا على جيش التحرير باعتباره القوة الوحيدة المنظمة بعد حرب التحرير.[2] و مهما تكن الدوافع فإن ميثاق 1976 أشار بوضوح إلى أن " غاية الاشتراكية هي أن تضمن لكل مواطن نمطا من الاستهلاك يتماشى و مقاييس الحياة الكريمة من مسكن و غذاء و لباس و صحة و تعليم " [3] . إن ما نريد الوصول إليه من كل هذا هو أن الخيارات الاقتصادية و الاجتماعية المتبعة في الجزائر جعلت الدولة أكثر قبولا لدى أغلب أفراد الشعب بل و مُرحب بدورها القيادي سواء السياسي منه  أو الاجتماعي  أو الاقتصادي. بهذا المعنى يمكن القول أن مفاهيم التقدم و التنمية و التحرر من التبعية صارت بمثابة العقيدة الشعبية ، توحد المواطنين و تصهرهم في بوتقة الدولة ، وتعطي معنى إنساني لاجتماعهم السياسي يترفع عن انتماءاتهم  الضيقة . و إلى جانب هذين الأساسين يحرص البعض على إضافة مصدر ثالث لمشروعية الدولة الجزائرية يكتب أحدهم في هذا الصدد " لقد لعبت مساهمة جمعية العلماء في السلطة و جعلهم للموروث الديني في دعم مشروعية الدولة  فقد دافعت عن مشروع الاشتراكية الخصوصية و التي تعتمد و تحاول التوفيق بين مبادئ العدالة ، التنمية الاقتصادية ، ومبادئ و تعاليم الإسلام حسب الفهم التقليدي و المحافظ لجماعة العلماء " .[4] لاشك في أن الاستقرار الذي عرفته الجزائر المستقلة إلى حدود ثمانينات القرن العشرين، و الذي تخلله بالتأكيد بعض الأزمات، كان بسبب التوافق حول اعتماد الأسس المُشار إليها أعلاه. سنلاحظ لاحقا كيف سيُؤدي تحلل هذه الأسس  إلى تردي الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية.إلا  أنه يجب التأكيد على   أن احتدام الصراع السياسي في الجزائر ، و الذي ينسبه البعض إلى  تعثر مسيرة التنمية و الاستبداد ، لم يثر في أي لحظة الهواجس العرقية أو الاثنية . لقد بقي  هذا الصراع  محكوما بخلفيات سياسية محضة تتصل بالحريات و العدالة الاجتماعية و التنمية و حتى باعتبارات  شخصية ، وعبثا حاول البعض البحث عن  دوافع جهوية وعرقية له [5]. إن وحدة الجزائر تبدو لنا راسخة غير أن هذا لا يعني أنها عصية فالجزائر  ، كغيرها من الدول العربية ، ليست في مأمن من مخاطر التقسيم على أساس عرقي أو جهوي أو قبلي سواء لرغبة خارجية أو لأسباب محض  داخلية .
 ثانيا . تشظّي القيادة :
 إن نجاح الدولة في إعادة توحيد الشعب يثبت مدى  فاعلية  الطرق و الوسائل التي اعتمدتها القيادة منذ فترة الاستعمار إلى اليوم في لحم الشروخ  العرقية واللغوية و الجهوية التي حرص الاستعمار على إحداثها في جسد المجتمع الجزائري  .غير أن هذا النجاح لا يجب أن يُخفي حقيقة  أن القيادة السياسية  شهدت في أكثر من مرة تصدعا  ذهب بوحدة مكوناتها و هدد الاستقرار السياسي و الاجتماعي في الجزائر  . و المثير للانتباه أن هذه الظاهرة شملت كذلك الأحزاب السياسية المعارضة سواء اليمنية منها أو اليسارية.  إن الهدف من هذه الإشارة  هو تحديدا بيان أن المخاطر المحدقة بالدولة الجزائرية  ليس مصدرها التآمر الخارجي  فقط ، بل أيضا و ربما أساسا الصراعات السياسية الداخلية . و مع أننا سبق أن بينا أن وحدة الدولة الجزائرية راسخة فإن تشظي القيادات السياسية الحاكمة منها و المعارضة قد يُزعزع هذا الرسوخ من خلال إعطاء الاختلافات السياسية  أبعادا عرقية أو لغوية ...
 لقد بدأت ظاهرة تفكك القيادة في الجزائر مع جبهة التحرير منذ اللحظات الأولى للاستقلال . فالجميع على علم بأن حسين آيت أحمد و محمد بوضياف  مثلا  اعترضا بشكل رسمي على تولي بن بلا رئاسة الجزائر و ادعى كل  واحد منهما أحقيته  بالحكم فساهم  الأول في تمرد عسكري ضد الدولة في حين اعترض الثاني على حكم جبهة التحرير . وللحقيقة لم تفلح المحاولات لرأب الصدع إذ أتت حكومة الاستقلال على العديد من رموز الثورة الجزائرية فسجن البعض و هاجر البعض الآخر . وهنا حصل  تصدع جبهة التحرير بتضارب المصالح الشخصية لبعض قياداتها. هذا تفسير أقرب للتبرير و هو على ما يبدو محاولة لتلطيف من حدة هذه الانشقاقات و الايحاء بأنها لا تشكل خطرا على وحدة الدولة . من زاوية تاريخية صرفة  لم  تكن  السياسات الاقتصادية و الاجتماعية التي اتبعها بن بلا  هي السبب المباشر الذي دفع آيت أحمد و بوضياف لشق عصا الطاعة وكذلك الأمر بالنسبة  لبومدين الذي أزاح  في النهاية بن بلا . لذلك كان احتكار الرئيس  بن بلا للسلطة و استبعاده لرفقاء الدرب الحجة لمقدمة للخروج عليه بما يفيد  أن المشكلة في الجزائر تتعلق بموضوع المشاركة السياسية و طريقة ادارة الشأن العام أي بموضوع الديمقراطية . بالفعل لقد اعترض بوضياف على سبيل المثال صراحة على استمرار جبهة التحرير بحجة على أن مهمتها انتهت بخروج الاستعمار و دعا في مقابل ذلك إلى اعتماد التعددية السياسية.  لقد اتهم بن بلا بالاستبداد أو بالأحرى بإقصاء رفقاء دربه النضالي ، و تعززت القناعة بأنه يرغب في الانفراد بالسلطة  حتى لدى شريكه  في الحكم : هواري بومدين . بالفعل تشير العديد من الدراسات إلى  أن الأسباب التي دفعت الجيش إلى عزل بن بلا عام 1965  تتلخص في احتفاظ  الرئيس بتسيير العديد من الوزارات  كالإعلام و الداخلية و المالية ... وبقطع النظر عن وجاهة مثل هذه التهم فإن فترة حكم بن بلا لم تدم طويلا ،وإن كانت مليئة بالأحداث، لذلك سيكون من الصعب تقييمها تقييما موضوعيا . و مع ذلك كانت  الأهداف الكبرى لسياسته الاقتصادية و الاجتماعية واضحة : اشتراكية وتنمية وتطور على جميع الأصعدة و غلبت مثل هذه الأهداف على مطلب الحرية و المشاركة و التعددية  . و كغيرها من دول العالم الثالث لم يكن من المتوقع أن تنتهج الجزائر سياسية  لبرالية   فكان مصير من دعا إلى ذلك الإبعاد والتهميش  وذلك تحديدا ما حصل لفرحات عباس. ستمكننا فترة حكم بومدين (1965_ 1978) من تحديد التوجهات الكبرى للدولة الجزائرية . ففي هذه الفترة صدر قانون التأميم ور الميثاق الوطني ثم الدستور كما وجدت القيادة السياسية الموارد المالية الكافية لانجاز العديد من المشاريع الضخمة  .و مع أن  بومدين برر انقلابه على بن بلا  بانفراد هذا الأخير بالسلطة فإن توجهاته السياسية لم تكن منفتحة لدرجة تسمح لنا بالقول أنه كان  ديمقراطيا . لقد أفضت المحاولات الرامية إلى تحقيق العديد من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية بالاعتماد كليا على الدولة إلى خلق مركزية شديدة تتعارض مع مبدأ المشاركة و التنوع و الاختلاف وهكذا انحرفت الأوضاع في الجزائر شيئا فشيئا إلى " مركزية تتجه نحو البيروقراطية مع كل لوازمها من عرقلة و تكبيل و تبذير. .. و مع هذه السلطوية كان الانحراف نحو الديكتاتورية و التعسف بأشكاله المتعددة " [5].  و مع أواخر حكم بومدين الذي ستغيبه الموت عام 1978و طيلة حكم الشاذلي بن جديد  ستعرف الجزائر العديد من التوترات خصوصا مع تقلص عائدات النفط و الغاز بفعل تراجع الأسعار .
ثالثا . الحياة السياسية  في الجزائر، من الأُحادية الحزبية  إلى الديمقراطية المتعثّرة:
 كانت الأوضاع السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية السائدة  في الجزائر خلال عشرية الثمانينات  تشي بأن تغيرا ما سيحدث .فالدولة فقدت الكثير من هيبتها، و أدواة الضبط  التي كانت تعتمدها صارت غير ناجعة ، و قيم الخضوع و الطاعة العمياء وضعها الشعب الجزائري وراء ظهره . و لقد مثلت أحداث أكتوبر 1988 المرعبة علامة قاطعة على بداية هذا التغيير، إذ دفع عدد الضحايا الكبير( 169 حسب إحصائيات رسمية و أكثر من 500 حسب إحصائيات المعارضة ) الرئيس بن جديد إلى دعوة الشعب إلى الهدوء و وعده بإحداث تغيير جذري. هذا ما تم فعلا حيث حصل تغيير في قيادة جبهة التحرير و أعلن دستور جديد (1989) أقر التعددية السياسية و حرية الإعلام و حق التعبير كما أعلن عن بداية  انفتاح الاقتصاد على القطاع الخاص  بما يفيد تخلي الدولة عن نزعة الهيمنة باسم  الاشتراكية و تحقيق التنمية و التقدم .لقد  أدى  تخلي  الجزائر عن الأحادية الحزبية إلى ظهور عديد الأحزاب  زاد عددها بين 1989 و 1990 عن الستين . و لئن عبرت هذه الوفرة الحزبية، بالمقارنة بعدد السكان ، على رغبة الجزائريين الجامحة في المشاركة في صياغة حاضر الجزائر و مستقبلها فإنها كشفت أيضا عن تشتت مخيف في  الفكر و الثقافة و ربما في القيم أيضا . فالتعديدية السياسية صارت أقرب للفوضى ، بمعنى أنها لا تُجسد تعدد في الفكر و الرؤى و التصورات بل تكشف عن تشظى النخبة السياسية  و فقدانها لحد أدنى من القيم و المبادئ المشتركة .  للحقيقة تشترك أغلب الدول العربية في هذه الخاصية غير أن الجزائر تعتبر مثالها النموذجي. فما إن كشفت نتائج أول انتخابات تعددية في الجزائر عام 1990 على تراجع مكانة جبهة التحرير و  نجاح الحركة الإسلامية  في اكتساح الساحة السياسية الجزائرية (حصلت جبهة التحرير الوطني في أول انتخابات محلية تعددية على 17.49من المقاعد في حين حصلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على  33.73 % .  أما في الانتخابات النيابية  في مرحلتها الأولى فقد حصلت في الانتخابات التشريعية التي جرت في 26 ديسمبر 1991 وفازت بها بأغلبية ساحقة وصلت إلى 82% بـ 188 مقعد من اصل 231 وهو ما جعلها تصل إلى أحد مراكز صنع القرار. إلغاء الانتخابات، حتى تدخلت المؤسسة العسكرية و وضعت حدا للمسار الانتخابي . لقد كانت نتائج هذا التدخل مفجعة و دلت على مدى تفكك القيادة السياسية  و اتساع الهوة بين الجزائريين و ربما أيضا على حجم الكره و البغض الذي يتقاسمه الجزائريين.  وعمليا حرصت المؤسسة العسكرية على مجاراة الواقع الجديد وفق وجهة نظر ترى أن الإسلاميين يمثلون خطرا على الدولة الجزائرية  لذلك كانت لها اليد العليا في الأحداث التالية :
- إعلان  استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد 1991
- حل المجلس الشعبي الوطني  1991
- تشكيل المجلس الأعلى للدولة الذي سيتولى السلطة المخولة لرئيس الجمهورية >>
- تعيين محمد بوضياف رئيسا للمجلس الأعلى للدولة عام 1992 . تم اغتياله في نفس السنة
-  تعيين علي الكافي رئيسا للمجلس إلى حدود 1994.
-  تعيين اليمين زروال رئيسا للمجلس الأعلى ثم انتخابه رئيسا للجزائر عام 1995 .
 لقد كشفت هذه الأحداث المتعاقبة على حجم صعوبة إدارة الوضع  في الجزائر. و كان هذا أمرا متوقعا فالقتل كان على أشده و الجرائم المرتكبة بين الجزائريين غير مسبوقة. و نظرا لحجم الكارثة عملت الأطراف'المتصارعة ( الجيش ، المعارضة الإسلامية ، المعارضة الديمقراطية  ..) على إعادة النظر في الكثير من مواقفها وبدت و كأنها جميعا تجنح للسلم . و ربما لهذا السبب  لم يواصل الجيش دعمه لزروال و فضل قدوم شخصية  مدنية لها رصيد تاريخي و قادرة على التجميع الجزائريين  و إعادة  السلم و الأمن:  إنه عبد العزيز بوتفليقة  الذي سيتم انتخابه  1999 رئيسا جديدا للجزائر بنسبة تصويت تزيد عن 73%   . [6] لقد عبرت هذه النتيجة عن قبول غالبية الشعب الجزائري ببرنامج الرئيس الانتخابي الرامي إلى وضع حد للحرب الأهلية. بالفعل لقد تم على عجل عرض القانون المتعلق بالوئام المدني على الاستفتاء الشعبي يوم  16 سبتمبر 1999 و حضي بالقبول  بنسبة تزيد عن 98 %  و تاليا أعلن عن  ميثاق السلم والمصالحة الذي تم عرضه على الاستفتاء  الشعبي سنة 2005  و قُبل بنسبة تزيد 97 . هكذا عمل بوتفليقة على استعادة الجزائر لصورتها الأولى : دولة موحدة  و متماسكة . إلا أن الحقيقة يجب أن تقال فالجزائر لم تُواجه حربا طائفية و لا عرقية يمكن أن توصف بالانفصالية بل عاشت حربا موضوعها الأساسي من يحكم خصوصا بعد أن بلغ أغلب قادة جبهة التحرير أرذل العمر.
 الخاتمة :
 بناء على ما سبق يمكن القول أن الجزائر لم تعش  أزمة اندماج أو هوية كما يُروج البعض بقدر ما عانت أزمة "انتقال السلطة "من جيل لآخر. لقد أدرك  الرئيس بوتفليقة هذا الأمر جيدا  فحرص على أجراء إصلاحات سياسية و دستورية  تمكن الجزائر من تجنب الوقوع مجدا فيمثل هذه  أزمة.   و لقد تم القبول بجميع اقتراحاته احتراما  لتاريخه النضالي  و وعيا بأهميتها أيضا. و نجح الرئيس في إعادة الهيبة لمؤسسة الرئاسة و للدولة عموما، إلا أن هذا لم يحل المشكلة من جذورها ، فالأحزاب السياسية المؤهلة للحكم لا تزال تعيش أزمة قيادة حقيقية . ينطبق هذا الأمر على كل الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي كجبهة التحرير الوطني و الأحزاب الديمقراطية العلمانية و الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية. إن استمرار  مثل هذه الأزمة هو الذي  سيجعل الجزائر مهددة بعودة العنف الداخلي  من جهة، و يشجع المؤسسة العسكرية أو يضطرها للدخول مجددا في الحياة السياسية  من جهة ثانية.[7] سيعطل الأمران من سرعة الانتقال الديمقراطي في الجزائر، و سيجعلها في حاجة في كل مرة إلى من يتولى إنقاذها لا من مخاطر التقسيم بل من مساوئ عنف ناتج عن غياب تقاليد الانتقال السلمي و الديمقراطي للحكم .
 
شفيع بومنيجل
عن مركز الدّراسات الاسترتيجية والديبلوماسية 
 
الهوامش
[1] علي الكنز .المغرب العربي من أسطورة إلى أخرى .ضمن كتاب المجتمع و الدولة في الوطن العربي في ضل السياسات الرأسمالية الجديدة . مركز البحوث العربية و الإفريقية . الجزء 4 المغرب العربي القاهرة .1997 صفحة 28
راجع أيضا عبد الاله بالقزيز  و آخرون . الجيش و السياسة في الوطن العربي . مركز دراسات الوحدة العربية .بيروت 2002
[2 ]على الكنز .نفس المصدر السبق  صفحة 30
[3] راجع وثيقة الميثاق الوطني الجزائري الصادر عام 1976.
[4]علي الكنز و عبد الناصر جابي . الجزائر .البحث عن كتلة تاريخية جديدة  . المجتمع و الدولة في الوطن العربي . مصدر سابق صفحة 45
[5]  نفس المصدر صفحة 42
[6]يمكن الرجوع إلي رياض الصيداوي . الانتخابات و الديمقراطية و العنف في الجزائر .المستقبل العربي عدد 245 جويلية  1999 .
 [7 ] راجع في هذا الصدد. إسماعيل قيرة و آخرون مستقبل الديمقراطية في الجزائر .مركز دراسات الوحدة العربية .بيروت 2002

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك