القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الثورة الثانية، النهضة، اليسار، والفرصة التاريخية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-11-01 13:42:00 | 236 مشاهدة

 

 

ملخص:

ظهرت الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة من حيث نتائجها بمظهر الموجة الثورية الثانية. وأكد الرئيس الجديد على أنها ثورة من داخل الشرعية والدستور. وهي فكرة تؤكد أن الثورة وعلى خلاف التصور الثبوتي الذي يحمله البعض عنها، فعل مستمر.

وإن أهم ما في الثورات هو الفرص التي تفتحها في واقع بلغ الانسداد. وأمام الجميع اليوم من الفرص ما يسمح له بتثبيت نفسه في المشهد الجديد، أو الاندثار إلى ما لا رجعة إن أفلتت تلك الفرص من بين يديه. وكثيرة هي الأطراف المدعوة إلى اغتنام هذه الفرص. لكننا نركز في مقالنا هذا على طرفين نعتبرهما من أسس الحياة السياسية في تونس: النهضة واليسار، الأولى وقد وضعها الشعب في صدارة المشهد الحزبي من جديد مع رسالة سماح أنقذها بها مما كان يتربص بها من مآلات، والثاني وقد وجد نفسه خارج اختيارات الشعب.

المقدمة

الآن وقد وضعت الانتخابات أوزارها ربما يكون من الممكن سبر أغوارها وقراءة بعض دروسها من أجل المستقبل.

من منظور تاريخي تبدو الانتخابات الأخيرة بنتائجها موجة ثورية جديدة. ومن منظور المستقبل تبدو فتحة أمل جديدة أمام من تخلفوا عن الموجة الأولى ليعدلوا أوتارهم على المستقبل بدل الحنين إلى الماضي.

الثورة مسار وليست محطة:

يسود لدى غير ذوي الاختصاص تصور ثبوتي عن الثورة مفاده أنها تعني سقوط رأس الحكم وحاشيته، وأنها تؤرخ بيوم وشهر وسنة، وأن ما يليها هو العصر الثوري الخالص. لكن المعرفة بالتاريخ تبين أن هذا النوع من التصور قاصر عن فهم كل من الحكم والثورة في آن: الحكم باعتباره منظومة وليس أشخاصا، والثورة باعتبارها مسارا يجمع بين الاجتثاث والتحويل أو التحول في نفس الوقت.

  • الحكم منظومة وليس أفرادا:

لا يستطيع الحاكم الذي يجسم السلطة أن يحكم إلا من خلال شبكة من العلاقات التي تتداخل فيها فضاءات سلطوية مختلفة تشرف عليها نخب متنوعة أبرزها نخبة المال ونخبة الدين ونخبة الحكم. وتتكفل تلك النخب بضمان شرعية الحكم لدى الجمهور كل بما يملك من أدوات (المال والدين والعنف الشرعي والخدمات...).ومن ثمة فإن أي ثورة لا تكتمل بعد إسقاط الحاكم إلا إذا طالت تلك الشبكة إما بإسقاطها أو استيعابها وتحويل ولائها من القديم إلى الجديد.

  • الثورة بين الميكرو والماكرو:

تبدأ الثورة عادة في المكان المهيإ لها محلية في كل الأحوال. ويكون مداها الزمني والمجالي لاحقا محكوما بما تهيأ لها منه. ومن هذا المنظور يمكن الحديث عن نوعين من الثورات: الأولى محلية (ميكرو) ينحصر تأثيرها بعوامل ذاتية أو مرتبطة بمحيطها غير المهيإ لتقبلها. ويمكن أن ندرج ضمنها قديما كل الثورات التي قلبت الحكم (أو فشلت في ذلك) وتوقف أثرها عند محلها (ويمكن أن نذكر أن تونس شهدت ثورة للجيش الانكشاري على قادته أفضت إلى تغيير حكم الجنرالات بحكم العرفاء (الدايات) ولم تتجاوز ذلك، وأنها شهدت ثورة لم تكتمل من القبائل ضد البايات (1864)...) وحديثا كل الانقلابات العسكرية التي شهدتها إفريقيا وارتبطت بالصراعات القبلية المحلية على السلطة والثروة. هذه الثورات المحلية لم يكن لها من تأثير خارج مجالها لأنها ارتبطت بعناصر محلية.

أما الصنف الثاني والذي يكتسي صبغة تاريخية فهو الذي يتجاوز مداه المحلي إلى الإقليمي وحتى الدولي. يكشف هذا النوع من الثورات الانفتاح الجغرافي المتزايد ونزعة من العولمة. لذلك يكاد يترافق مع العولمة الأوروبية التي بدأت منذ الفترة الحديثة وسريان أفكار النهضة ومن بعدها التنوير في جسد القارة الأوروبية وامتداداتها من العالم المكتشف حديثا. ولقد جسمت الثورة الفرنسية هذا المسار من الانفتاح وعمقته. فقد مثلت امتدادا لما سبقها من إرهاصات ثورية في إنجلترا مثلا (الثورة المجيدة التي وضعت وثيقة الحقوق سنة 1689)واستأنفت بعد مائة سنة المسار ووسعته عبر حروب نابوليون التي زعزعت الإمبراطوريات الوسطى وأطلعت الشعوب الأوروبية على مبادئ حقوق الإنسان والمواطن فامتدت ارتداداتها إلى أوروبا والعالم الجديد (وثيقة الحقوق بالولايات المتحدة في 1791). ويعد ربيع الشعوب (أو ربيع الثورات) الأوروبية الذي انطلق من فرنسا مرة أخرى منذ 1830 وشمل في 1848 كامل أوروبا تقريبا أبرز موجة ثورية تبنت أفكار الثورة الفرنسية وخاصة الحرية وسيادة الأمة (ما ترجمته نزعة الانفصال عن الإمبراطوريات الكبرى أو إسقاط الملوكيات الاستبدادية). يعكس التزامن بين هذه الثورات من ناحية وتشارك نفس الشعارات من ناحية أخرى نوعا من تشابه الواقع الذي انعكس تشابها في رد الفعل العابر للأقطار.

إن ما شهده العالم العربي منذ 2011، انطلاقا من تونس، ليستحق أن يطلق عليه توصيف الربيع العربي على غرار الربيع الأوربي في القرن 19. فقد صنعت وحدة الواقع العربي المتردي والمهين (تأبيد الحكم وتوريثه وإذلال الشعوب والرضوخ للصلف الصهيوني) هبة الشعوب العربية ووحدة الشعار: الحرية والكرامة. ولئن نجحت الموجة الأولى في استئصال عدد من رؤوس الحكم في العالم العربي فإنها واجهت استعصاء من منظومات الحكم التي لعبت على تعجيز القادة الجدد وترذيل الثورة والسعي إلى الارتداد بالوضع إلى ما قبل الثورة. وتشكلت جبهة مضادة للثورة لها امتداد إقليمي وحتى دولي تنسق سياساتها. واختارت الدول الداعمة لهذا المحور التحالف مع "الدول العميقة" في دول الثورات العربية وقوى الفساد فيها بشكل كشف سريعا أمام الشعوب مناورات الثورة المضادة ورفع الغشاوة عن عينيها.

من هنا جاءت الموجة الثانية من الثورة حاملة هذه المرة شعار "مقاومة الفساد" باعتباره معطل استرداد الكرامة واستكمال مسار التحرر من الاستبداد وتأبيد الفقر.في السودان، في الجزائر، وحتى في مصر، لتتوج في تونس المجيدة بثورة متحضرة على المنظومة القديمة باعثة أملا جديدا لدى الشعوب العربية على أنها "قادرة" على التغيير. وتسري روح الثورة من جديد في جسم الأمة في لبنان والعراق عابرة للطوائف التي قسمت الشعب الواحد عندما تجاوزت المطالب المفرقة إلى المطالب الاجتماعية الموحدة (الكرامة والعيش).

وهنا تفتح الثورة في موجتها الجديدة فرصا أمام القوى الفاعلة لتعدل أوتارها على مطالبها لا على ضغوط وإكراهات القوى المضادة لمسار التاريخ.

النهضة وفرصة التحرر من إكراهات المنظومة القديمة:

في 2011 أسند الشعب صدارة المشهد السياسي لحركة النهضة واضعا فيها الأمل في استكمال ما بدأه وتحقيق مطالبه الأساسية: الحرية والكرامة.

في 2014، وبعد ثلاث سنوات من التأسيس الأول،أعاد الشعب تشكيل المشهد السياسي تحت تأثير قصف مكثف تضافرت فيه قوى التعطيل والدعاية السوداء في استثمار مشهد صعب يلي كل ثورة. فتأخرت إلى الموقع الثاني واضطرت إلى التفاعل مع الواقع الجديد. واختارت أن تكون في مشهد الحكم لتفكك جبهة الرفض والمضادة بدل الارتداد إلى موقع المعارضة وما يعنيه ذلك من استقطاب خطير جهد أعداء الثورة في تضخيمه لتفريق صفوف الثوار وإحداث فرز جديد على أساس الإيديولوجيا بدل مطالب الثورة.

في 2019، وبعد خمس سنوات من نزيف الحكم وإكراهات الحفاظ على مسار التأسيس، يعيد الشعب مرة أخرى تشكيل المشهد السياسي، في رد فعل على ما اعتبره تحيلا على إرادته الأولى. أعاد وضع النهضة في الصدارة عندما آبت إلى شعارات الثورة المعلنة صراحة بلا مناورات لغوية (مقاومة الفساد والفقر) ورفض التحالف مع الفساد. وأردفها بقوى مضادة صراحة للفساد (الكرامة والتيار ما يعني قرابة نصف البرلمان إذا اعتبرنا المستقلين المستعدين للاقتراب منها وحركة الشعب) مقابل الحط من مكانة القوى القديمة التي أعادت التشكل والتخفي في أسماء جديدة.

هذه المرة يبدو التحدي المطروح على النهضة الجمع بين مسار أسست له طيلة السنوات الثماني السابقة وهو التشاركية في الحكم من ناحية والوفاء لشعارات المرحلة الجديدة (الحكم بقوة وضرب الفساد) من ناحية ثانية.

في الشق الثاني ظهر على خطاب قيادات النهضة، وقبل الدخول الفعلي مرحلة الحكم، هذا النزوع نحو القوة والثقة في النفس وكأنها تحاول أن تمحو صورة قديمة لطالما اتهمت بها وعبر عنها البعض بالأيادي المرتعشة. لكن من يفترض أن يكونوا ظهيرا لها في هذه المرحلة لهم بدورهم حساباتهم التي ظهرت في خطاب المقايضة الذي بادروا إليه سواء باشتراط وزارات معينة أو باستبعادها هي من مراكز القوة في الحكم الجديد. وهذا بذاته تحد لقدرتها على الحكم التشاركي وتجاوز وقائع نعدها مؤلمة في ذاكرة النهضة حينما كانت تتنازل من أجل الحفاظ على الاستقرار الحكومي ومن ورائه المسار الانتقالي. ومرة أخرى لا مناص من التنازل سواء بداعي كل حكم ائتلافي يفترض التنازل أو بحكم موقعها باعتبارها الحزب الأكبر.

لكن في المقابل تجد النهضة نفسها أمام تحد كبير في اقتحام مربعات لم تستطع أو لم ترد اقتحامها سابقا. تبدو بعض أدوات الحكم قد اكتسبت مسافة من الحياد والحرفية تؤهلها ليكون ولاؤها للدولة قبل أي قوة مضادة لها. فالأسلاك الحاملة للسلاح قد أثبتت في مختلف المناسبات أنها تتعافى بثبات من مخلفات الحقبة السابقة التي ربتها على عقيدة الولاء للشخص والحزب والعائلات ومراكز القوى الخفية. ووزارة الداخلية بدورها تتخلص تدريجيا من الضغوط الساعية إلى اعتمادها رأس حربة في معاركها الدونكيشوتية، والقضاء يثبت يوما بعد آخر أنه يكسب من الجرأة والقوة ما يجعله يصمد أمام حملات الضغط لتوظيفه من البعض في تصفية حساباتهم مع مخالفيهم. والإدارة بدأت تتقبل تدريجيا -وإن بشيء من البطء - فكرة الحياد عن الأحزاب لتضع نفسها على ذمة الدولة والشعب. والوعي الشعبي في أعلى درجات التحفز لدعم التوجه الجديد والتصدي لأي تعطيل. والإقليم والعالم يشهد من التحولات ما يسمح بقبول التكتل الحاكم الجديد.كل هذه التحولات ستكون عاملا مساعدا على التقدم في انتهاج سياسة جريئة توقف نزيف التنازلات تحت إكراهات المنظومة القديمة. وستكون حجة على التكتل الحاكم والنهضة قبل غيرها إن تردد أو تأخر في اقتحام قلاع الفساد.

لن تكون المعركة ضد الفساد المعركة الوحيدة لكنها ستكون الأشرس والأشد والتي تغطي على بقية المعارك ومقدمتها، معركة التنمية والتشغيل ودعم قدرات المجتمع على المساهمة في خلق الثروة وإدارتها بمبادرات تشريعية جريئة لكنها قد تفتح الفرصة أمام البعض لاستثارة الصراع الهووي من جديد (قانون الوقف الذي ينتظر منذ 2012 على رفوف المجلس النيابي وقانون الزكاة...).

أما في الشق الثاني فإن سقف الخطاب الانتخابي العالي ضد الفساد والمزاج العام المناهض لمكونات المنظومة القديمة والممثلة في المشهد الجديد بحزبين على الأقل (إذا ما استثنينا تحيا تونس المقبول في المشهد الجديد) وهما قلب تونس والحزب الحر الدستوري، يطرح تحديا كبيرا أمام النهضة في عدم السقوط في الإقصائية والوفاء لشعارها في العمل على التشاركية. من هنا فإنه مطروح على النهضة العمل من أجل استيعاب تلك القوى في التوجه الجديد وتحويل ولائها للمستقبل بدل الماضي والتخلي عن الخطاب الإقصائي. كيف يمكن الوفاء لشعار الحملة الانتخابية بالابتعاد عن المشبوهين بالفساد وذوي الخطاب الفاشي من ناحية والنجاح في "تطهير" المشبوهين و"تمدين" الفاشيين من الناحية الثانية؟

اليسار وفرصة المراجعة التاريخية:

يبدو اليسار الأكثر تضررا من الانتخابات الأخيرة. فقد مسح من المشهد السياسي. وهي نتيجة قاسية ولكنها في اعتقادنا ضرورية لينتبه من غفوة ألمت به عن تحولات الواقع وتخرجه من قوقعة الإيديولوجيا.

بنى اليسار، ذو المرجعية الستالينية خاصة، وفرض على قوى أخرى تحالفت معه، خطابا يقوم على جملة من المسلمات التي كشف الواقع وهنها، وأهمها أن النهضة قوة رجعية معادية للديمقراطية وتعلن استعدادها للديمقراطية لكنها تخطط في السر للانقلاب عليها – على طريقة الأحزاب الفاشية الأوروبية بين الحربين – بمجرد استلام السلطة. وتمترست وراء صورة عملت على بنائها منذ الثمانينات. وأرضعت تلك الصورة لشبابها حتى تكلس تفكير هذا التيار وانغلق على نفسه ومنع كل نفس نقدي لهذا التصور. ووجدت كل محاولة مراجعة له واقتراب من النهضة تفاعلا مع الواقع الجديد بنزعة براغماتية عنتا شديدا بلغ حد الشيطنة (يمكن الإشارة هنا إلى ما لقيه محمد الكيلاني مثلا). وانتهى الصراع داخل الجبهة الشعبية حول المشاركة في السلطة مع النهضة من عدمه إلى انفجارها. وأفقدها خطابها الاحتجاجي باستمرار صورة الحزب الجاد والمرشح للحكم وحشرها في صورة التيار الذي لا يستطيع إلا المعارضة.

انتهى هذا المسار إلى ما انتهى إليه. وقد يمني البعض النفس بالتعويض عن السقوط السياسي من خلال المواقع الموازية داخل المجتمع المدني ومفاصل الدولة والإعلام. لكن ليعلم هؤلاء أن الكلفة ستتضاعف. سيكون من السهل كشف ذلك إعلاميا. وقد ينجر الضرر على المواقع التي يتمترسون فيها. ولذلك فاعتقادنا أن السنوات الخمس القادمة ستكون فرصة لمراجعة جريئة على طريقة الأحزاب الشيوعية العربية التي اندفعت إلى نزعة براغماتية ومصالحة مع هوية شعبها. سيكون لهذا التحول فضل كبير في إعادة اليسار إلى الساحة والانخراط في الفعل الحكومي بدل التلذذ بموقع المعارضة. وسيكون، إن تخلى عن قوالب الإيديولوجيا، رافدا من روافد المستقبل ومقاومة الفساد.

سيكون محرارُ التحول لدى اليسار موقفَه من النهضة أساسا.

الخاتمة:

فتحت الانتخابات الأخيرة بما أفرزته من نتائج فرصا جديدة. ويبدو التياران السياسيان الأكثر فاعلية وتأثيرا في الساحة (النهضة واليسار) مدعوين أكثر من غيرهما إلى اقتناصها بالتدعيم للطرف الأول والمراعة للطرف الثاني.

إذا ما أحسن الطرفان الاستفادة من الفرصة سنجد أنفسنا قريبين من "توافق تاريخي" (compromis historique) على شاكلة ما وصل إليه ألدو مورو وأخرج إيطاليا من عنق الزجاجة في السبعينات.

 

دكتور عبد الرحمان الهذلي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك