القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الثورة التونسية  وفاعلية "العقل العملي"

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2015-10-15 12:57:00 | 117 مشاهدة
 مقدّمة:
تتضافر المؤشرات والأحداث الدالة على "خصوصية" ما للمسار الثوري في تونس، وعلى وجود "كيمياء"تاريخية جعلت من الثورة "بشارة" تونسية مضيئة في مفتتح قرن جديد من عمر إنسانية فقدت بوصلتها واستسلمت لقدر التدمير الذاتي بفعل استحكام حلقات الاستعمار المعولم. هذه الخصوصية ليست ادعاء تونسيا نرجسيا متاتيا من تهليل الصحافة العالمية بالثورة التونسية وتعميدها بثورة الياسمين وبفاتحة"الربيع العربي"  ، تهليل زرع الشكّ في قلوب قطاعات واسعة من نخبتنا المتحفّظة بالسليقة على كل ما يجد دعما من الغرب"الامبريالي"، شكّ تحوّل تدريجيا الى تحفّظ ثم الى يقين لدى البعض من أن الغرب هو صانع هذا الربيع .
 وها هي جائزة نوبل للسلام المسندة للرباعي الراعي للحوار الوطني تعيد اثارة هوية الثورة التونسية من جديد، وتضع تونس العربية الاسلامية والصغيرة جغرافيا والهامشية حضاريا في قلب الاهتمام الدولي. لكن هذه "الخصوصية " لا تبرر لنا استسهال الحديث عن "الدرس" التونسي في إبداع نظرية جديدة في الثورة ، إذ أن أول "درس" أبدعت تلاوته تونس على البشرية هو غياب "النموذج" التاريخي الجاهز في صناعة الثورات.  الثورة التونسية مفيدة منهجيا فقط للتدليل على بكارة الحدث التاريخي، وعلى "عبقرية" الانسان في مكانه الخاصّ (اقتباسا من "عبقرية المكان" للجغرافي العربي جمال حمدان).
هل نستطيع في خضمّ الحدث التاريخي المتفاعل الان في تونس وفي محيطها الإقليمي والدولي ، وفي غياب المقاربات التاريخية الأكاديمية العميقة، أن نرصد ملامح هذه الخصوصية التونسية ، ونتتبع منابعها ، ونفكك اليات اشتغالها، ونقدّر مدى فاعليتها وقدرتها على تأمين مسار ثورة قدحت شرارة التغيير في تاريخ عربي راكد ويائس، وألهبت خيال الحالمين بإمكانية الثورة في كل دول العالم دون استثناء...؟
(نقول العالم دون مبالغة بعد أن رفعت الجماهير المحتجّة على التوحّش الرأسمالي العالمي شعار"الشعب يريد"بالعربية الفصحى في ساحات "وال ستريت" وفي مدريد وفي بيكين، وبعد أن أشاد مفكرون كبار مثل شومسكي ودافيد قريبر بالثورة التونسية).
لا جدال في أن الثورة أعادت تونس والوطن العربي الى قلب العملية التاريخية بعد أن كاد يتوقف التاريخ في أرضنا بفعل قرون من الاستعمار  والاستبداد . أمّا تقدير الثمن الذي على شعوبنا أن تدفعه لتستعيد فاعليتها التاريخية ، والتحكم في مآلات المسار الذي افتتحته الثورات على أرضنا وفي محيطنا فهو أمر متروك لمستقبل بصدد التشكل والتفاعل بعيدا عن أوهام "الحتميّات" التي تدّعي العلمية .
 *كيف أصبحت الثورة حدثا ممكنا في تونس؟
العقل العملي في تونس اشتغل بفاعلية قصوى وتبدّى في كل مراحل الثورة ، وهو الذي صاغ ملامح فرادتها. فرادة تجلّت في فجئيتها وسلميّتها الواعية وجماهيريتها(ثورة فوق طبقية) واستغنائها عن القيادة السياسية والبرنامج الثوري والجهاز النظري السابق(الإيديولوجيا)، ثم في التزامها بنهج التوافق الوطني بين فصائل سياسية وحزبية ومدنية اجتمعت (فيما يشبه الاجماع) تحت مظلة "حوار وطني" نجح في بناء مؤسسات حكم منتخبة ديمقراطيا.
لم يستند "الاجتهاد العملي" التونسي الى تراث نظري في التغيير(رغم محاولات "تأصيل" المنحى السلمي والاصلاحي في جذور "الشخصية التونسية") . فقد استقرّت النظريات السياسية في كل الأدبيات "الثورية" على القول  بضرورة وجود نظرية في الثورة سابقة للفعل الثوري. نظرية يتم بمقتضاها تحديد طبيعة الصراع الذي يشقّ المجتمع المراد تثويره، وتحديد القوى الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير والقوى التي ستعمل على منعه . وعلى ضوء هذا التحديد النظري يتشكل الحزب الثوري الطليعي الذي يضطلع بمهمة بلورة ونشر "إيديولوجيا الثورة" وتهيئة مناخ الثورة بتوعية الجماهير وتأطيرها في تنظيم ثوري يعمل على هرسلة كيان النظام الحاكم بكل الوسائل السلمية حينا والعنيفة ايضا(كل التنظيمات اليسارية تؤمن بالعنف الثوري والحرب الشعبية المسلحة طويلة المدى على النمط الماوي، وبديكتاتورية البروليتاريا، وهي التنظيرات التي تبنتها التنظيمات القومية البعثية بالخصوص ).هذا التنظير الثوري استقرّ مع الفكر الماركسي أساسا منذ قيام الثورة البلشفية في روسيا (اكتوبر 1917) وتطور ضمن نفس المدرسة مع الثورة الصينية،وكل الأنظمة الاشتراكية في اوروبا الشرقية وجزء هام من امريكا اللاتينية ، بعد أن مر بنقاشات وصراعات بين "الاصلاحيين" و"الثوريين" ( الصراع بين لينين وتروتسكي ،والصراع بين روزا لوكسمبورغ وبرنشتاين...الأممية الثانية "الاصلاحية" والاممية الثالثة بزعامة لينين..الخ).
ونحن نذكر ببعض ملامح التنظير الثوري لنؤكد أن المخيلة والممارسة السياسية الحزبية في الوطن العربي ظلّت سجينة التراث النظري الماركسي عقودا طويلة، واستعادة شبابية  "طوباوية" للحلم الثوري على الطريقة "الجيفارية"،  حتى ان الانقسامات السياسية في اوطاننا كانت انعكاسا بافلوفيا مباشرا لانقسامات نظرية تحدث في سياقات تاريخية مغايرة وبعيدة عن واقعنا تماما. الامر الذي انتهى بنخبنا الحزبية الى الانفصال الكلي عن ثقافة وواقع المجتمع، وانتهى بالشعب الى اليأس من إمكانية التغيير ، وبالمفكرين (من ذوي الهوى الاستشراقي الذي يعتقد ان التاريخ يتجه نحو تكريس النموذج الحضاري الغربي كنمط وحيد للحضور التاريخي لكل شعوب الارض) الى تقرير "حقيقة" انتروبولوجية راسخة مفادها عقم التربة التاريخية العربية الاسلامية عن انتاج الديمقراطية والحرية، والى رسوخ جذور الاستبداد في ثقافتنا ولاوعينا الجمعي.
طبعا لسنا في حاجة للتذكير بانحياز التيارات الليبرالية في مجتمعنا الى خيار الامر الواقع، والذي انتهى الى قناعة لدى الطبقة السياسية الحاكمة وأحزمتها في المؤسسة الثقافية الرسمية مفادها عدم أهلية الشعوب العربية المسلمة للحرية وللديمقراطية بسبب قصور عميق فيه يحتاج زمنا طويلا(زمن بدون أفق) لتداركه وعلاجه.
قطعت الثورة التونسية جذريا وربما كل الفكر السياسي من بعدها مع هذه التهويمات النظرية المعطّلة للخيال السياسي وللمبادرة السياسية لدى النخب الحزبية "المؤدلجة" . فلم تنتظر موجة الاحتجاجات الشعبية، التي انتهت برحيل نظام سياسي قمعي قوي، قيادة احزاب سياسية ولا تنظيمات سرية ثورية ولا رموز وطنية شعبية ، ولم تحظ بدعم سياسي أجنبي (رغم إصرار القائلين بنظرية المؤامرة على ذلك ، في معاندة تصل حدّ الوقاحة السياسية للمعطى التاريخي )، ولم تستند الى نظرية في الثورة ، ولم تكن تمتلك برنامجا ثوريا وتصوّرا للنظام السياسي البديل . حدثت ثورة في تونس رغم أن المناخ السياسي السابق لقيامها كان مناخ يأس ، أو مقاومة شعبية "سلبية" صامتة. فقد استكانت النخب السياسية الى مطالبات "حقوقية" مناسباتية أقصى مداها المطالبة بتحسين ظروف الإقامة في ظل الدكتاتورية.في حين انصرف الشعب الى المقاومة الوجدانية والتندّر بفساد العائلة الحاكمة واستفراغ حكمة الصبر.
هل يعني هذا أن الثورة التونسية جاءت من عدم تاريخي ؟
القول بأن الثورة التونسية حدث "ميتاتاريخي" هو قول ميتافيزيقي لن يفيدنا في استقراء ما أزمعنا فعله من فاعلية "العقل العملي" لدى فاعلين تارخيين حقيقيين أنجزوا ثورة هي الان تشكل صيرورتها بقدر غير يسير من النجاح.  والذي يحصل منذ 17 ديسمبر 2010 الى اليوم الذيحصلت فيه تونس على جائزة نوبل للسلام يراكم عناصر الإجابة السوسيولوجية عن مصادر "خصوصية" الثورة التونسية.
عنصر المبادرة الشبابية المتحرّرة من سلطة الايديولوجيا الجاهزة والسابقة للفعل السياسي كان حاسما في التحرّر من عقدة الخوف من القمع البوليسي الذي استهدف أجيالا من السياسيين ونجح في محاصرتهم وتجريدهم من كل وسائل الفعل والتأثير. المبادرة الشبابية أبدعت في توظيف المعطى التكنولوجي الحديث والمستجدّ متمثّلا في وسائط التواصل الاجتماعي الجديدة (فايسبوك وتويتر) مما أسهم في تعميم التحركات الاحتجاجية وانتشارها في كل المدن في مدى زمني قصير فاجأ الأجهزة الأمنية  واحدث ارتباكا كبيرا في صفوفها وفي اوساط الحكم الذي افتقد اليات رد الفعل بحكم اطمئنانه الى وهم استحالة حدوث تحرّك احتجاجي مطلبي جزئي، فما بالك بتحركات عمّت كل أنحاء البلاد ورفعت شعارا راديكاليا تجاوز سقف الخيال السياسي المعارض والحاكم معا: "الشعب يريد اسقاط النظام". لم تستطع اجهزة السلطة التعامل مع الحدث المفاجئ لأنها كانت متمركزة حول شخص دكتاتور قضى على السياسة في البلاد وفي دوائر الحكم ، فوجدت هذه الأجهزة نفسها تنتظر قرارا سياسيا لن يجرؤ على اتخاذه اي طرف في ظلّ ارتباك ومحدودية الوعي السياسي لرأس النظام ثم غيابه.
ارتفاع سقف المطلب الشعبي الذي تصدّره الشباب أربك الجميع وفرض تحوّلات جذرية في المشهد السياسي التونسي بدء بفرض مطلب التأسيس الدستوري وحلّ الحزب الحاكم ومصادرة أملاكه واملاك رموز العائلة الحاكمة والمرتبطين بها. ولكن "التحويل" السياسي لهذه المطالب الراديكالية اصطدم بواقع معقّد ، أهم ملامحه غياب الانسجام بين القوى الجديدة التي صعّدتها الثورة وفسحت امامها مجال الحضور والتعبير في الشارع المحرّر كليّة. الطفح السياسي بعد الثورة كان "عجيبا" ، وامتدّ بين قوى شبابية يسارية ثورية  تطالب بتنصيب محاكم ثورية تصفّي رموز النظام القديم من جهة ، وقوى اصلاحية ترى ضرورة البناء على القديم ومعه بدعوى الحاجة الى استمرار المرفق العمومي المعتمد على الادارة القديمة بحكم كفاءتها في توفير الخدمات الضرورية لبقاء الدولة .
بين هذين التصوّرين المتقابلين تحرّكت قوى عديدة داخلية وخارجية لتأطير وتوجيه الحراك الثوري. وكان "الاتحاد العام التونسي للشغل" الأكثر جاهزية للقيام بهذه المهمة بحكم تقاليده العريقة في العمل النقابي والسياسي على امتداد تاريخ البلاد الحديث.
كان اتحاد الشغل يملك حضورا تنظيميا وميدانيا واسعا يغطّي كل انحاء البلاد بما يتجاوز قدرة كل الاحزاب السياسية مجتمعة بعد بعد عقود من غياب السياسة في البلاد. قامت الهياكل النقابية القاعدية باحتضان المظاهرات في الجهات دون موافقة القيادة المركزية المرتبطة حتى يوم 14 جانفي 2011 بالقصر بعد ان فقدت استقلال قرارها النقابي منذ مؤتمر سوسة (1989). ثم كانت عودة حركة النهضة الممثلة لتيار ما سمي ب"الاسلام السياسي"(...الى ان يتم مراجعة هذا المصطلح الاستشراقي ملتبس الدلالة، والذي أصبح يحيل على "الاسلام الجهادي" ومنه الى "الإرهاب الاسلامي" كما يرد في تقارير بعض وكالات الأنباء العالمية وعلى لسان بعض السياسيين الغربيين ) الى المشهد السياسي بحجم فاق توقعات كل الفاعلين السياسين المحليين والدوليين بفوزها الساحق بانتخابات المجلس التأسيسي  (أكتوبر 2011) بعد أن كانت في حكم العدم قبل الثورة. هذه العودة "الجارفة" أربكت حسابات النهضة نفسها(وقد وجدت نفسها مسؤولة عن قيادة ثورة في محيط وطني واقليمي ودولي متحرّك دون ادنى استعداد منها لهذه المهمة)، فما بالك بخصومها  من اليسار الماركسي المعادي "وجوديا" للتفكير الديني ، و"الحداثيين" المتجذّرين في هياكل الدولة والمتوجسين من "الحكم الديني" الذي لم تنجح كل نماذجه القائمة ( السعودية وإيران والسودان وافغانستان ) في أن تكون أمثلة مغرية بالاتباع. أنتجت الانتخابات التأسيسية مشهدا سياسيا مختلا لصالح "الحركة الاسلامية" . وانقسمت البلاد الى معسكرين ايديولوجيين بين اسلاميين وعلمانيين بعد أن لملم هؤلاء صفوفهم وأسسوا حركة "نداء تونس" (كان مبرر الباجي قائد السبسي في الدعوة الى تأسيس الحزب هو احداث التوازن السياسي والدفاع عن النمط الحداثي للمجتمع المهدد من طرف النهضة)،  ليسود البلاد مناخ حرب ايديولوجية بعد ثورة غابت فيها الايديولوجيا كلية. وهو أمر مثّل انتكاسة حقيقية للمسار الثوري وكاد يعصف به بعد ان دخل عنصر جديد وخطير في اللعبة السياسية.
* "الارهاب" وتحريف المسار الثوري :
لا يمكن أن نفهم معطى"الارهاب"( وهو ليس ظاهرة بالمفهوم السوسيولوجي بل معطى مستجدّ ومتغير سياسي وقع الدفع به في خضم الصراع السياسي الذي فجرته الثورة ، ليس بين انصارها واعدائها في الداخل والخارج فقط ، بل بين أنصارها انفسهم واعدائها فيما بينهم أيضا)، إلا إذا وضعناه في سياقه من الثورة.
الارهاب متغير محدث (ليس بمعنى الاصطناع والافتعال ، إذ لا شيء يصطنع في التاريخ ان لم تتوفر شروط نشأته) يستهدف الثورة كإنجاز ثقافي واجتماعي وحضاري. وهو يعمل على إفراغها من عوامل فرادتها التي صنعت قوّتها وامّنت استمرار فاعليتها.
كيف عمل الارهاب على ارباك المسار الثوري تمهيدا لاسقاطه واغراقه في الفوضى والدماء؟
- لمّا كان الطابع السلمي المدني للثورة التونسية مصدر قوتها وإضافتها النوعية والحقيقية للعمل الثوري الذي ارتبط كما قلنا سابقا في كل الأدبيات بالعنف والمقاصل والتصفيات(الثورة الفرنسية نموذجا)، فقد كان هدف "الارهاب" هو حرف الثورة عن سلميتها والزج بالجميع الى هوّة الفوضى المدمّرة والعنف الشامل .
فكانت عمليات اغتيال الرموز السياسية والجنود تهدف الى تدمير جسور الثقة – وقد كانت دائما هشة - بين الفاعلين السياسيين وبين الطبقة السياسية والمؤسسة العسكرية والأمنية اللتان لعبتا دورا هاما في الحفاظ على الطابع السلمي للثورة.
- معطى الارهاب أريد له أن يظلّ لغزا، ومختلفا حول تعريفه القانوني وهويته السياسية ومصادره وداعميه ومموّليه وأهدافه وخططه. هذا الالتباس في تعريف الارهاب أتاح للقوى الاستعمارية فرص التدخّل المباشر في الدول العربية ، مثلما يحدث بوحشية نادرة وبتواطؤ دولي اجرامي في سوريا وفي اليمن وفي العراق وفي ليبيا وفي مصر. في هذه الدول نجح الارهاب في حرف الثورات عن مسارها الوطني وخلق حالة من الدمار ارتبطت في وجدان الناس وخيالهم باسم الثورة، فكرهوها اسما ومسمّى وذْكرا واثرا.
- غيّر الارهاب أولويات الثورة في تونس من مهمّة ترسيخ الديمقراطية بما هي تحدّ ثقافي واجتماعي وحضاري فشلت في انجازه شعوبنا على امتداد تاريخها الحديث، و بناء اقتصاد وطني في بلد يتوفر على كل شروط النهوض الاقتصادي حتى ضمن ضوابط النظام الرأسمالي المعولم،الى مهمة تحقيق الحدّ الأدنى من الأمن ومنع عمليات الاغتيال والتفجير. أصبح شعار"مقاومة الارهاب" تميمة استعمارية تختفي وراءها مشاريع الهيمنة الاجنبية والدكتاتوريات المتحفزة للعودة مع اول فرصة.وانتهى هذا الشعار الملتبس الى اشاعة شعور عام من الخوف و"الرّهاب" حتى أصبح مطلب الامن مقدّما على الحرية والديمقراطية وشهدنا مقايضة علنية للشعب بين أمنه أو حريته (سمعنا منذ يومين فقط تصريحا لصحافي تونسي قديم يطالب فيه بحكم جنرال عسكري يعيد هيبة الدولة ويفرض الانضباط).
-الخطير أن الارهاب نجح في استهداف الثورة التونسية في عنصر اخر من عناصر قوتها وفرادتها،  إذ قام باستقطاب وتجنيد اعداد كبيرة من الشباب –الذين كانوا وقود الثورة – في مسار تدمير الثورة. فبعد ان أزاح الشباب صخرة الاستبداد عن صدر البلاد دحرجها بحماس أشدّ في اتجاه الراس ، وكاد يصيبه اصابات قاتلة لولا أن اتاح "العقل العملي" للتونسيين مرة اخرى فرصة جديدة لكبح جماح الاندفاع الاعمى من قبل البعض والدفع المبصر القصدي من قبل أخرين نحو هوّ الحرب الاهلية.
 * خاتمة :
رغم استمرار حضور الارهاب كمعطى سياسي شديد الحضور وشديد الغموض أيضا سيفا مسلطا على رقاب التونسين كسيف "ديموقليس"، ورغم عدم استقرار المشهد الحزبي والمدني، واشراف" نداء تونس" ، وهو الحزب الحاكم وصاحب الاغلبية البرلمانية ، على الانقسام وربما الانفراط بسبب احتداد الصراع بين اجنحته حول هوية الحزب وحول تحالفاته الحالية والقادمة واختياراته السياسية ، ورغم استعداد حركة النهضة لعقد مؤتمر مصيري تراجع فيه هويتها السياسية والفكرية بما سينعكس على علاقاتها الوطنية والدولية  وعلى مستقبل "الحركات الاسلامية" عموما، ورغم قرب انعقاد مؤتمر "الاتحاد العام التونسي للشغل" والذي سيفرز قيادة تنفيذية وامينا عاما جديدا ويراجع هيكلته التنظيمية ، ورغم ضبابية المشهد السياسي الوطني والاقليمي والدولي بما يعطي الانطباع بان تونس أصبحت جزيرة معزولة وربما محاصرة في محيط مضطرب لا يعرف احد أوان استقراره، رغم كل هذا فإن الشعور العام في تونس وفي الخارج ايضا (مثلما يدل على ذلك حدث اسناد جائزة نوبل للسلام لرباعي الحوار الوطني وموجة المباركة الدولية لهذا الحدث) يميل الى ترجيح قدرة "العقل العملي" التونسي على حماية مسار الانتقال الديمقراطي على هشاشته. مصدر هذا الاطمئنان الحذر ، هو الفاعلية العملية للعقل الجمعي التونسي وتخلّصه النهائي من  المصادرات والمسبقات النظرية المعطّلة للفكر والفعل التاريخيّين.     
 
 عن مركز الدرسات الاستراتيجية والديبلوماسية.
 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك