القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التّهميش مدخلا لتفكيك ظاهرة الإرهاب

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-10-18 13:00:00 | 246 مشاهدة

التّهميش مدخلا لتفكيك ظاهرة الإرهاب

 

ملخص

يحاول هذا المقال الإجابة عن أسئلة جوهرية أهمها: من هم سلفيّو تونس الجهاديّون ؟ [1] على أننا لا نقصد بالسلفيين الجهاديين من بايعوا تنظيم الدّولة الإسلاميّة بالعراق و الشّام [2] على وجه حصري بل كلّ المجموعات الحركيّة التي تنتمي إلى التيار السلفي الجهادي سواء كانت مرتبطة بتنظيم القاعدة أو المجموعات التي تفرّعت عنه[3] ، حيث لا يُفرّق بينها إلا مسائل ترتيبيّة تتعلّق بزمان الإعلان عن الخلافة و من له شرعيّة الإعلان عن ذلك الحدث النوعي و من الأولى بمنصب الخلافة و من له الولاية الشرعيّة على الأقاليم و يقرّر وضع الجهاد فيها [4].

مقدمة:

لا بدّ من التّأكيد منذ البداية على صعوبة تحديد هويّة هذه الفئة حيث يجد الباحث والمتابع نفسه أمام ظاهرة مركّبة معقّدة على جميع المستويات تقوم على تعدّد الأبعاد والعناوين و الواجهات والمؤثّرات ، لفهم سرّ جاذبيّة الجماعات السلفيّة الجهاديّة لدى جمهور من الشّباب لا بدّ من معرفة هويّة هذه الفئة وفهم الأسباب الكامنة وراء انجذاب أفرادها أي قابليّة فئات بعينها من الشّباب لهذا الانجذاب دون غيرهم .

1  تنوّع الظاهرة من حيث مواردها البشريّة و مسارات منظوريها :

* مقاتلون قدامى على مختلف الجبهات العالميّة[5]

*مساجين قانون الإرهاب[6]

* مُسْتَقْطَبُون قبل الثّورة

*مُسْتَقْطَبُون جدد بعد الثّورة

*قاعدة مسجديّة [7]

*مساجين حقّ عامّ استُقطِبوا في السّجون

 *منحرفون تائبون توبة متشنّجة

*مهمَّشون وجدوا الكفالة والدّعم في ظلّ غياب الدّولة والمجتمع المدني لدى هذه المجموعات

*مهرّبون متخفّون أو وجدوا شرعيّة لسلوكهم من داخل الظّاهرة

*متديّنون يائسون من الخيار الدّيمقراطي

* أشخاص لديهم نزوع للقيادة والزّعامة

*أشخاص لديهم نزوع للبطولة والمغامرة

*أشخاص واقعون تحت تأثير معطيات موضوعيّة أو ذاتيّة مثل القرابة والصّداقة

 2 ظاهرة دينيّة مذهبيّة لها مرجعيّاتها العقائديّة والفقهيّة والمعرفيّة وسجلاتها اللغويّة المخصوصة المستَمدّة من المدوّنة التّراثيّة والمؤلّفات الحديثة والمعاصرة [8]

3  ظاهرة دعويّة تتبنّى واجب تصحيح العقائد الفاسدة والسّلوكات البدعيّة الشّائعة في المجتمع

4  ظاهرة سياسيّة مسكونة بهاجس تغيير شكل الانتظام السياسي والاجتماعي  بشكل جذري من خلال العمل العسكري تحت عنوان" الجهاد المسلّح "

5  ظاهرة اجتماعيّة تتركّز أساسا في المناطق المهمّشة" راجع الملحق رقم 1 و 4 "  وتتكوّن خاصّة من الفئات المحرومة التي  توفّر في ما بينها إطارا موضوعيّا للتّضامن والحماية والإحساس بالانتماء[9]

6 ظاهرة اقتصاديّة لا شكليّة موازية منفتحة على التّهريب[10] والأعمال الحرّة  لها سمة تكافليّة منفتحة على الفئات المهمّشة بقصد إعداد الحاضنة الاجتماعية للحراك الثّوري المسلّح

7  ظاهرة شبابيّة تتراوح غالبيّة الأعمار فيها بين سنّ المراهقة وسنّ الثلاثين مع امتداد طلابيّ ونسوي قائم على مبدأ التطوّع والتضامن العقائدي والاجتماعي"راجع الملحق رقم 2"

8 ظاهرة جمعويّة تتشكّل من خلال نسيج جمعياتي قانوني علني و غير قانوني سرّي يقوم بوظائف اجتماعية و خيرية و حقوقيّة و دعويّة و تعليميّة و اقتصاديّة.

9 ظاهرة لها واجهات قانونيّة من خلال الهيئات و المؤسّسات ذات الصفة القانونيّة التي تخوّل لها الاستفادة من التعامل القانوني و لها كذلك حراك غير خاضع للرقابة القانونيّة بعضه علني و بعضه سرّي.

10 ظاهرة إعلاميّة نشطة وكثيفة افتراضيّا ورقميّا وعلى درجة وافرة من التقنيات الحديثة تستفيد من توظيف كلّ الوسائط والمؤثّرات و المنابر والموادّ الإعلاميّة والثقافيّة ذات الجودة العالية في الصياغة و الإخراج الفنّي المؤثّر[11]

11 ظاهرة محليّة قطريّة ذات امتداد خارجي عميق وجدانا و فكرا و عقيدة و سلوكا الانتماء فيه للعقيدة الجهاديّة الممتدّة من حيث الجغرافيا إلى حيث تمتدّ مهامّ الجهادي الأممي

 12 ظاهرة تتوفّر على قابليّة كبيرة للاختراق العميق نظرا لهشاشة البنية النفسيّة والعاطفيّة والتربويّة و الذّهنيّة و المعرفيّة و التنظيميّة لأفرادها و لطبيعة المشروع الطّوباوي الجامع

13 ظاهرة متذبذبة بين السلميّة المؤقّتة[12] و العنفيّة المسلّحة تتنازعها ثنائيّات ضاغطة أهمّها :

 ( الجهاد المسلّح / الحاضنة الاجتماعيّة / صناعة الفوضى العارمة / إقامة البناء الجديد عبر تهديم القائم بالكليّة)

14 ظاهرة تستمدّ وجدودها الثّقافي و المعرفي من أدبيّات[13] صيغت خارج السّياق الثقافي والمعرفي التّونسي و لم تتمكّن من إنتاج ثقافة محلّية تتفاعل مع خصوصيّات الواقع التّونسي عدا بعض الخطاب الدّعوي و الفقهي المكرور و يبقى منظورو الظّاهرة عالة على ما يُكتب و يؤلّف خصيصا لتونس من طرف مشائخ و دعاة يجهلون واقع البلاد وخصوصياتها الدّينيّة و الثّقافيّة و المجتمعيّة "

 

*القابليّة للانجذاب[14]

من خلال التّواصل الميداني مع منظوري هذه الظّاهرة لاحظنا وجود عاملين يساهمان في توفّر حدّ كبير من القابليّة للانجذاب إلى " سرديّة " داعش"ذلك أنّ هذه الانتماء  ليس مجرّد انتماء لجماعة دينيّة أو تنظيم سياسي له أهداف و برامج و خطط ميدانيّة بل لسرديّة كاملة أي قصّة وحلم يقظة يتداخل فيه التعويض الاجتماعي والإشباع العاطفي بالبعد الثّقافي الدّيني و الإعلاء الأخروي، هذان العاملان هما التّهميش الاجتماعي والتّهميش الثّقافي

*التّهميش الاجتماعي

تشير كلّ المعاينات المباشرة أنّ خريطة الجهات التي يصدر عنها المنتمون لجماعات الإرهاب هي نفسها خريطة التّهميش الاجتماعي " انظر الملحق رقم 4 " والحرمان من التّنمية و خاصّة المناطق الحدوديّة التي يتقاطع فيها الإرهاب مع التّهريب إلى حدود التنافذ [15] حيث تتبادل شبكات الإرهاب و التهريب الخدمات وتقاسم المنافع و الأعباء"( تهريب السّلاح / تهريب الأشخاص / التّموين / الحماية / الرّقابة / الإعلام عن الأخطار/ الانتماء العضوي ...). وربّما انتهى الأمر ببعض المهرّبين إلى أن يصبحوا قيادات في تنظيمات الإرهاب مثل مختار بلمختار المكنّى سابقا بمختار مارلبورو لاختصاصه في تهريب هذا النّوع من السّجائر المقلّدة .وتبيّن دراسة هذه الفئة من الشّباب التي تعيش البطالة و الفقر و الحرمان والإقصاء من دورة التّنمية أنّها أكثر قابليّة للانجذاب وأكثر عرضة للاستقطاب من غيرها وذلك للأسباب التّالية :

1 الهشاشة النفسيّة[16] والعطوبة الاجتماعيّة[17] و اضطراب الشخصيّة و ما تسبّبه كلّ تلك الأعراض من ضعف المناعة الفرديّة و الحصانة الاجتماعية اللتين تحميان الأفراد من الانسياق وراء خطاب الاستقطاب و إغراءات شبكات الإرهاب و التّهريب التي تمثّل سوق منافع ماديّة و معنويّة و رمزيّة تفتح مزاداتها في غياب الدّولة والمجتمع المدني والطّبقة السياسيّة و النّخب الفكريّة المنشغلة بصياغة تعاقدات لا تزال هشّة حول شكل الانتظام السياسي الجديد و الانتقال الدّيمقراطي. 

2 الإحباط واحتقار الذّات بسب الإحساس بـ" الحقرة " أي احتقار الآخرين " والتفاوت الطبقي والجهوي و الاجتماعي.  

3 عدم الإحساس بالانتماء لدولة و وطن لا يقدّم كرامة العيش و العدالة الاجتماعيّة لمواطنيه حيث تغيب الدّولة في عدد من الجهات التي تفتقد للمرافق الأساسيّة والبنية التحتيّة و لا تحضر الدّولة إلا من خلال وحدات الحرس و الأمن و بقايا المنظومة القديمة

4 عدم الإحساس بالجدوى و افتقاد المعنى وهما أخطر ما يمكن أن يصل إليه الفرد في حالة الهشاشة و العطوبة الاجتماعية و الإحساس بالدونيّة حيث يستشعر الفرد أنّ وجوده لا معنى له وليس هناك ما يشدّه إلى الواقع و إلى المكان والزّمن الرّاهن وإلى المجموعة والدولة التي ينتمي لها قانونا[18]وتخلّف مبايعة دولة أخرى " داعش"حالة من الفصام  الحادّ ( هل نعتبر مثلا التّونسيين الذين بايعوا دولة أجنبيّة غير معترف بها دوليّا و لا يزالون يقيمون في بلدهم الأصلي مارقين أم متجنّسين أم رعايا أم جالية أجنبيّة أم مُهاجرين أم عملاء أم جواسيس؟) أمّا هم فيعتبرون أنفسهم الفاتحين القادمين لدولهم و شعوبهم

5  الرّغبة العارمة في التّدمير و الانتقام الرّمزي أو المعنوي أو المادّي من الذّات ومن الآخرين و هي نتيجة طبيعيّة لكلّ ما سبق من تشخيص، و تتجسّد هذه الرّغبة بأشكال مختلفة ( العنف الاجتماعي/ المخدّرات / الهجرة السريّة / فنّ الرّاب  العنيف ).  و ليس الانخراط في داعش إلا رغبة في تجسيد هذا الانتقام الجماعي بغطاء ديني من كامل المنظومة السياسيّة القائمة بالمعنى الأنطروبولوجي للسّياسة بما تعنيه من انتظام سياسي و اجتماعي شامل ، انتقام تحت عنوان(القضاء على الباطل،محاربة الطّاغوت، إقامة دولة الحقّ أي الخلافة على منهج النبوّة ). هو شكل من أشكال الانبعاث الجديد القائم على التّدمير الكامل للقديم.

*التّهمش الثّقافي

تُشير المعاينة المباشرة إلى أنّ مناطق التّهميش الاجتماعي هي نفسها مناطق التّهميش الثّقافي أي المناطق المحرومة من التّنمية الثقافيّة و الاستثمار في الثقافة من طرف الدّولة " أنظر الملحق رقم 5 " أو المجتمع المدني أو النخب الفكريّة و الثقافيّة حيث تفتقد هذه المناطق الشّاسعة إلى المرافق الثّقافيّة من مسرح و سنما ومكتبات و دور ثقافة ودور شباب و فضاءات للترفيه والرّياضة و الحوار والتّواصل بين الشّباب والنخبة الفكريّة و الثقافيّة .هذا التّهميش لا يمسّ المنقطعين عن التّعليم من سكّان المناطق الدّاخليّة فقط و لكن كذلك عددا من طلبة الكليات العلميّة و خريجيها الذين انقطعوا عن دراسة الأدب والفلسفة والإنسانيات منذ تعليمهم الثّانوي. في مقابل ذلك التّهميش يجد الشّباب أنفسهم وجها لوجه مع خطاب الاستقطاب الدّاعشي بمضامينه الدّينيّة و الثقافيّة و السياسيّة و رموزه و شيوخه و وسائله الإعلاميّة متعدّدة الوسائط و الأشكال والمؤثّرات الباهرة الآسرة و الخطاب الدّيني الوثوقي الدّغمائي الكلياني وشبكات الانترنيت و التواصل الاجتماعي و المادة المعرفية و الثقافيّة المتاحة للجميع دون حاجز

*استراتيجيا الاستقطاب

تتوافق المعاينة الميدانيّة المباشرة للظّاهرة المدروسة مع ما أقرّته مباحث علم اجتماع الظّاهرة الدينيّة من تصنيف للمؤثّرات والمعطيات التي تساهم في تشكّل الظّواهر الدّينيّة  وذلك من خلال قاعدة منهجيّة صاغها عالم الاجتماع الدّيني روبارت ميرتون في بحوثه عن " البنية الاجتماعية بين الانتظام والانحراف [19] حيث يقسّم العوامل المحدّدة في الظّاهرة السوسيولوجيّة إلى قسمين: قسم الانتماء المتعلّق بالانتماء الطبقي و الجهوي والعائلي ... وقسم المرجعيّة المتعلّق بالخلفيات الثقافيّة والمعرفيّة ويعتبر أنّ القسم الثاني محدّد في تشكّل الظّاهرة الدّينيّة سوسيولوجيّا. لذلك نميّز بين العوامل الاجتماعيّة و النفسيّة و الاقتصاديّة من جهة و بين العامل المرجعيRéférentiel  المتعلّق بكلّ ما هو مضمون فكري معرفي عقائدي، و في كلى المستويين هناك استراتيجيات للاستقطاب و الجذب الآسر ما قبل الالتحاق بالدّولة :

*على مستوى العامل الاجتماعي

توفّر هذه الجماعات لمن تستقطبهم جملة من الخدمات الاجتماعيّة الحيويّة التي تتفاوت من حيث قيمتها و لكن تكتسب أهمّيتها الماديّة و المعنويّة من غياب الدّولة و المجتمع المدني في عدد من المناطق و الفئات نذكر بعضها و نقيس أثرها :

1 إعادة إدماج فئات اجتماعيّة كانت تتردّد على السّجون في قضايا المخدّرات أو العنف أو غيرها وهي فئات تتّسم بشدّة الهشاشة لافتقادها أيّ مقوّم من مقوّمات إعادة بناء مسار حياة جديدة من قبيل " شهادة جامعيّة ، خبرة مهنيّة ،علاقات نافذة "لذلك يجدون أنفسهم بين مصير العود أو الهجرة السريّة أو تجارة البضائع الزّهيدة أو المهرّبة ، و تتمثّل إعادة الإدماج في توفير مورد رزق داخل منظومة الاقتصاد اللاشكلي informel أو الموازي وتسهيل أبواب الزّواج و تغطية بعض الحاجات،الأثر المباشر لهذه الخدمات هو إدماج المشمولين بها ضمن رابطة عاطفيّة تضامنيّة مغلّفة بالمشاعر الدّينيّة تمارس دور الإسناد العاطفي و الماديّ و توفّر شروط الانتماء العضوي لاحقا.

2  تحوّل العديد من الشباب من أرقام بشريّة محتقرة مهمّشة تائهة مطحونة على هامش المجتمع إلى شخصيّات اعتباريّة لها كنية ذات رمزيّة " أبو فلان " و لها مقام و احترام وعُصبة و أنصار و لها أهداف وغايات تجاهد من أجلها يهتمّ بها الإعلام و يتابع أخبارها وخطابها و يسعى لمحاورتها بعد أن كانت تستشعر اللاجدوى واللامعنى والاحتقار.

3 و لعلّ أهمّ ما يمكن تسجيله في هذا الصّدد أنّ من وقع استقطابهم أصبحوا ينتمون إلى سرديّة جديدة يتداخل يها الذّاتي الوجداني بالموضوعي، و الديني العقائدي بالاجتماعي والاقتصادي والسياسي، و المحلّي بالاقليمي والدّولي، والدّنيوي الزّمني بالأخروي الرّوحي ، الأكيد أنّها سرديّة بسيطة يغلب عليها الإنشائي و الوجداني التخييلي الطّوباوي، و هي ليست مادّة للتّفكير و الاقتناع بل للتقبّل العاطفي و الارتواء و التعويض. وهذا ما يفسّر سرّ تأثيرها و قدرتها على الاستقطاب و حجم انتشارها وغزوها للعقول والقلوب ، هذه السرديّة تجعل المنتمي إليها يستشعر أنّه مركز الكون ومصدر الخلاص البشري و النجاة في العالم الأخروي

*على مستوى العامل الثّقافي " المرجعي "

المنظومة السلفيّة الجهاديّة هي رؤية و تأويليّة و تصوّر و فكرة قبل أن تكون تنظيما ودولة،و قوّة هذه الرّؤية في بساطتها و سهولة تقبّلها فهي لا تحتاج الكثير من الجدل والجهد الذّهني لاستيعابها و هي ليست نخبويّة بل متاحة للجميع ضمن استراتيجيا تأوليّة تماميّة وثوقيّة مغلقة وقائمة على تقسيم مانوي إثنيي تبسيطي  للعالم والقيم والأفكار و البشر ،لذلك تتشكّل البنية الذّهنيّة و معجم الخطاب من ثنائيّات حادّة ( إيمان كفر/حقّ باطل/ دار إيمان دار كفر/ أرض دعوة أرض جهاد/ مقدّس مدنّس)[20]

هذه الاستراتيجيا تقوم على جملة من الأوهام المعرفيّة التي تعتبر سرّ قوّة هذه الجماعات و أساس الجذب و النّجاح في الاستقطاب و استنفار الأنصار ، و يمكن اختزال هذه الأوهام في النّقاط التّالية :

1 وهم المطابقة بين النظريّة و الواقع :

يفترض أنّ النظريّة هي نتاج استقراء للواقع حيث يفضي الاستقراء الجزئي أو الكلّي إلى استنباط قواعد عامّة أو منهج معياري لفهم حركة التّاريخ  تحليلا و استشرافا ويفترض تبعا لذلك تغيير النظريّة كلّما تغيّرات معطيات الواقع و الأفق المعرفي والمنهجي ، لكن في مقابل ذلك تتوهّم هذه الجماعات أنّ المعرفة الشرعيّة انغلقت في حدود رؤيتهم التي تحاكي الواقع محاكاة مطابقة

2  وهم المطابقة بين التّأويل و النصّ :

بخلاف الأمور التعبّديّة الشعائريّة التي تنحو نحو التّوقيف يفترض أنّ بقيّة المسائل في المنظومة التشريعيّة الإسلاميّة هي من دائرة التّأويل و الاجتهاد الذي لا يتطابق فيه المعنى التّأويلي مع النصّ لكنّ هذا الوهم يعطي الانطباع لمنظوري هذه الظّاهرة أنّهم في دائرة الإسلام الحقّ الذي يتطابق إلى حدّ التماهي مع النصّ.

3  وهم المطابقة بين التّأويل و مقصود صاحب النصّ :

إضفاء القداسة على التّأويل و اعتباره مطابقا لمقصود الله على وجه الحصر والقصر والإطلاق ، بل هو عين قصد الله ، لذلك من يمارس الذّبح فيعتقد أنّه يُنفِذُ إرادة الله في الواقع ، بل هو نفسه قدر الله و قضاؤه

4  وهم التّعميم : الانزياح بالخصوص إلى العموم :

الانزياح بدلالة الخصوص إلى العموم مثل قول النبيّ"جئتكم بالذّبح"حيث كان الخطاب مقصورا ومحصورا في من توجّه إليهم الخطاب في ذلك الزّمان و المكان والسّياق الخاصّ، لذلك تعميمها على دائرة أوسع زمانا و مكانا هو ضرب من تحريف المعنى حيث تصبح رسالة النبيّ لأمم العالم هي "جئتكم بالذّبح " أو " والصّلاة والسّلام على من بعثه الله بالسّيف رحمة للعالمين " حيث يصبح السّيف في حدّ ذاته وفصل الرّؤوس عن الأجساد رحمة !!!

5  وهم الانتقائيّة في فهم النّصوص :

و هي طريقة في الاحتجاج بتجميع الآيات التي تدعم التصوّر الذي تتبنّاه هذه الجماعات و استبعاد بقيّة النّصوص أو تأويلها من ذلك أنّ أكثر من خمسمائة آية في الرّحمة والعفو و عدم الإكراه والسيطرة و التجبّر و الدّعوة للسلم و الجدل بالتي هي أحسن جميعها تُلغى بآليّة النّسخ و تُحال على العطالة الدّلاليّة 

6  وهم التمثّل الحرفي للنّصوص :

و هو من أخطر الأوهام حيث يُختزل المعنى في حرف النصّ و ظاهره اللفظي في سياق تمثّل تذريري للآيات و الأحاديث النبويّة منفصلة عن بعضها البعض من ذلك قول النبيّ " أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلا الله " الذي يقتضي حسب الفهم الحرفي مقاتلة غير المسلمين بإطلاق حتّى يُسلموا و قوله " من بدّل دينه فاقتلوه " الذي يقتضي حسب نفس الفهم قتل كلّ من خرج عن عقيدة الإسلام بالحقيقة أو الشّبهة و التّأويل

7  وهم أحاديّة الحقيقة الدّينيّة :

كلّ ما سبق من مسارات مرجعيّة يكرّس مفهوما أحاديّا عن الحقيقة لا يتشكّل بطريق المواضعة و الإجماع و الجدل المعرفي و التّوافق و التّعاقد بين مكوّنات المجتمع بل بطريقة احتكاريّة تدّعي فيها مجموعة لنفسها النّطق باسم الحقيقة الربانيّة

8  وهم استشعار التكليف الإلهي المطلق :

 في مقابل التكليف في حدود المعلوم والمستطاع يقود أفراد هذه الجماعات وهم نابع من تضخّم استشعار المسؤوليّة المطلقة عن مآسي البشريّة و وجوب نقل النّاس من الظلمات إلى النّور ، هو ضرب من التلبّس العصابي بالشخصيّة المهدوية أو المسيانية ، هذا الشّعور هو الذي يضفي على الجهاد البعد العالمي المعولم [21] ويصنع شعور التضامن والترابط الوجداني رغم التباعد الجغرافي و هو دافع للنصرة والاستعداد للنفير العامّ

9  وهم مشروعيّة تجاوز الإرادة العامّة للمجتمع :

كلّ ما سبق من أوهام يسوّغ لأنصار داعش مشروعيّة إنفاذ ما يُفترض أنّه إرادة إلهيّة تتعلّق بالانتظام الاجتماعي و السياسي و السلوكي و القيمي دون المرور عبر اختبار الإرادة العامّة للمجتمعات ،

10  وهم النيابة عن الشريعة و الوكالة عن الله في إنفاذ أحكامه :

هو وهم متأتّ من الوهم السّابق حيث يكتسب الأنصار أفرادا و مجموعات صفة الوكيل عن الإرادة الإلهيّة النّاطق باسمه النّائب عنه الموقّع باسمه

11  وهم المطابقة بين الأمر اللغوي و الأمر الشرعي :

و هو وهم قائم على اعتبار كلّ صيغة لغويّة للأمر أيّ كلّ تصريف للفعل في صيغة الأمر يحيل على حكم شرعيّ بالوجوب أي أمر إلهي بالفعل و هو تصوّر سطحيّ للحكم الشرعي يكون فيه الحكم مطابقا للخطاب بينما المسألة على غير ذلك النّحور حيث يتشكّل الأمر الشرعي من النّظر العقلي الموضوعي في النصّ ضمن سياقه النصّي الأوسع المحدّد بمراتب البيان و ضمن سياقه التّداوليّ الواقعي المحدّد بأسباب النزول و تحقيق المصلحة

12  وهم استشعار الحقانيّة المطلقة " أهل الحقّ "

الانتقال من وضع وجداني و ذهني فردي يتوهّم امتلاك الحقيقة إلى وضع جماعي حركي انتظامي يحصر الحقانيّة بمعناها المعرفي و العقدي و الشرعي في طائفة بعينها هي أهل الحقّ و الحقيقة والشريعة الربانيّة ستتحوّل لاحقا إلى أهل الشّوكة [22]

13   وهم الغربة و القلّة التي لا يجب أن تستوحش طريق الحقّ :

يقوم هذا الوهم على اعتبار أهل الحقّ هم على الدّوام القلّة التي يجب أن لا تستوحش طريق الحقّ ولو قلّ سالكوه وهم الغرباء الذين يعيدون مجد الإسلام، و انطلاقا من فهم لا تاريخي للحديث النبوي " بدأ الإسلام غريبا و سيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء " وهو فهم يكرّس الانعزاليّة و التّمايز عن المجتمع في مقابل مبدأ التعارف القرآني و مبدأ المخالطة و التآلف النبوي

14   وهم احتكار الخيريّة :

حصر الخيريّة في فترة زمانيّة ومكانيّة محدودة و لدى فئة من البشر وجب الاقتداء بها للالتحاق بالمشمولين بالخيريّة و ذلك انطلاقا من فهم محدود للحديث النبويّ " خير القرون قرني ثمّ الذين يلونه ثمّ الذين يلونه ثمّ الذين يلونه " و هو فهم يكرّس التمثّل التدهوريّ للتّاريخ و الجمود على الطريقة التي فهم بها السلف الدين و طبقوه بها،وتتوقّف الخيريّة عندهم و تتناقص كلّما تقدّم مسار التّاريخ ثمّ تتوقّف من جديد و تنحصر عند أهل الاقتداء و الاحتذاء بالسلف الصّالح بينما المقصود في الحديث خيريّة السّبق وهي خيريّة اصطفائيّة غير مكتسبة

15  وهم احتكار طريق الخلاص الدّنيوي :

كلّ ما تقدّم ذكره يحقّق للأنصار شعورا عامّا مطّردا بالرّضى و الاطمئنان و الثّقة في أنّ هذا المسلك يحقّق الخلاص في الدّنيا من كلّ الشّرور و الآفات و الانحرافات و الضّلال والعراقيل التي وضعها طواغيت السياسة و الفكر في سبيل الموحّدين لإعاقتهم عن إنفاذ الإرادة الإلهيّة

16   وهم احتكار سبيل النّجاة الأخروي :

و هذا يمثّل أوج التألّي على الذّات الإلهيّة حيث يقرّر هؤلاء أنّهم باتّباعهم هذا النّهج ناجون في الآخرة بنصرهم على الطاغوت أو باستشهادهم ، فهم أهل الجنّة أو الموعودون بالجنّة و نعيمها الذي يقع إبرازه في أيقونة حور العين اللاتي يتجّهزن للمجاهدين منذ الأزل و هنّ " مقصورات في الخيام ، لم يطمثهنّ إنس قبلهم و لا جان "

17   وهم الخلافة كشكل أوحد للانتظام السياسي المشروع :

الانزياح بالخلافة من إمكانيّة تاريخيّة مضطربة و غير مكتملة للانتظام السياسي في فترة ما بعد النبي و العصر الوسيط إلى عقيدة دينيّة و حكم شرعي شريعي ملزم للمسلمين يجب أن يُخاض من أجله كلّ أصناف الجهاد " جهاد الدّفع و جهاد الطّلب و الجهاد القطري و العالمي "

18  وهم مشروعيّة العنف  :

العنف تحت غطاء الجهاد هو وسيلة لإقامة دولة الخلافة تحت عنوان الجهاد العالمي والقطري [23] هو عنف مقدّس يختزل بشكل مكثّف كلّ السرديّة الجهاديّة المشفّرة و المثقلة بكلّ المعاني و الرّموز و القيم سالفة الذّكر التي تحضر بشكل ضمني في أناشيد جهاديّة مصوّرة أنجزت بمؤثّرات و تقنيات فنيّة عالية

*استتباعات الأوهام :

هذه الأوهام التي تشكّل الأمثولة السّلفيّة الجهاديّة لها أوضاع تترتّب عنها بشكل تلقائي ضروري من أهمّها :

1  انغلاق الفئة المنصورة و الطّائفة النّاجية على ذاتها وحتّى إن تفرّق شملها يبقى أفرادها في رباط عاطفي ديني و تنظيمي " ذئابا منفردة "

2  إطلاق حكم التكفير و التّبديع و التّفسيق و الردّة على المخالف و نفي حرمة الدّم والمال و العرض عنه

3  المفاصلة مع المجتمع سلوكيا و وجدانيّا و ذهنيّا و اقتصار الانفتاح عليه على مقتضيات نفعيّة ذرائعيّة لا غير بقصد تشكيل الحاضنة الشعبيّة السّاندة

4  الولاء و البراء عقيدة و سلوكا و بناء نفسيّا : براء من الدّولة و المجتمع والمخالف وولاء حصريّ مقصور على الفرقة النّاجية و الطّائفة المنصورة

5  الانخراط في استراتيجيات العنف " المشروع " وفق تأويل هذه المجموعات

*الصورة الذهنيّة  المُتخيّليّة  للسرديّة السلفيّة الجهاديّة

هذه السرديّة في نظر المنتمين إليها هي الحلم الذي يتجسّد في الواقع و يحقّق الأحلام المرتجاة لمنظوريها و هي :

1 بشرى النبيّ و وعده بقيام دولة الخلافة على منهج النبوّة

2 عودة زمن الفتوحات و البطولات و الملاحم و الغنائم

3 قيام دولة جديدة تنتدب شعبا جديدا و حكاما و موظفين جددا دون المرور عبر المناظرات واختبار الكفاءة وفق المعايير المتعارف عليها

4 تشغيل عال الأجر في الدّولة الجديدة دون انتظار الدّور و المصعد الاجتماعي

5 مشاعر الفخر و الاعتزاز بالذّات و شرف الانتساب للقلّة التي تُعيد مجد الإسلام و ترفع راياته وتطبّق شرائعه و تقيم دولته

6 الانتقال من هامش الهامش " هامش المناطق المحرومة " إلى تأسيس مركز جديد " مركز الدّولة الجديدة / دولة الخلافة " هم فيه القادة و الحاكمون و المالكون

*خلاصة سرديّة الجذب و استراتيجياتها

كلّ ما ورد سابقا في العرض التّحليلي يمكن تلخيصه في ثيمة سحريّة آسرة هي الفوضى العارمة باعتبارها مدخلا أساسيّا لإقامة الخلافة الإسلاميّة و المقصود بالفوضى في أقصى مظاهرها انهيار كامل للدّولة و مؤسساتها و انتفاء لوظائفها الأساسيّة " الأمن / الغذاء / الخدمات الحيويّة " و الاقتصار على الوظائف الدّنيا في تكريس ضرب من نمط الحياة البسيطة و للفوضى دور بنيوي في جذب الشّباب إلى خطّة بناء الخلافة فهي بمثابة  طقس عبور من الفناء إلى الانبعاث الجديد على طريقة الحركات الخلاصيّة المسيانيّة والمهدويّة فبالإضافة إلى أنّها تُطهّر المنتمين إليها و تخلّص العالم و البشر من شرور الدّولة "الطّاغوتيّة" و رموزها فإنّها تفتح للمخلَّصين المجال لإظهار قدراتهم و مواهبهم في قيادة دولة الخلافة و يعتبر كتاب إدارة التوحّش لأبي بكر ناجي أهمّ نصّ أسّس للفوضى العارمة أو التوحّش [24] أساسا لقيام دولة الخلافة و قد ازدادت وتيرة الإيمان بثيمة الفوضى منذ ثورات الرّبيع العربي التي أسقطت انظمة استبداديّة خلخلت بناء دول كليانيّة و تركت الباب مواربا للفوضى .و يصنّف هذا الكتاب [25] ضمن الاجتهادات التي شهدتها أدبيّات تيّار القاعدة وخططه الاستراتيجيّة و قد ثمّنه الكثير من دعاة الجهاد العالمي من قيادات تنظيم القاعدة و تبنّوا ما فيه من تصوّرات و خطط

سرديّة " الفوضى المحمودة أو التوحّش هي إذا قلب استراتيجيا الجذب و الاستقطاب وهي التي تُدمج كلّ هذه الفئات غير المتجانسة و تصهرها ضمن مشروع جديد للانتظام الاجتماعي والسياسي و بناء الشخصيّة وجدانيّا و ذهنيّا و ثقافيّا. و تبقى كلّ الوسائل و الوسائط و تقنيات التواصل و الإعلام و الاستقطاب أدوات للتليغ والتّأثير والإقناع و صنع عوالم وجدانية مبهرة للجهاد و أبطال و إيقونات وأناشيد وقصائد و قصص للبطولة و النّصر و التّمكين و التغلّب على الأعداء تصوّر حياة المجاهدين في الجبال والوديان والمناطق الوعرة، ومشاهد القتال وإلحاق الخسائر بالعدوّ، وخاصّة لقطات الاستشهاد حيث تفيض الرّوح من وجوه مبتسمة وتدفن الأجساد بين الصّخور و الثّلوج على أرض المعركة، ليشكّل كلّ ذلك قصّة منسجمة متناسقة ضمن سياق سمعيّ و بصري يتراوح بين الأناشيد الجهاديّة والخطب التّعبويّة و مشاهد القتل والاستشهاد،

قصص تُروى و تَروِي ظمأ الشّباب المتديّن الباحث عن نموذجه وقدوته [26] ونجمه أمام فئات أخرى من الشّباب اختارت نجومها من مجالات الفنون والرّياضة والسّياسة.

قصص تُروى و تُنشد بتقنيات و فنيات عالية [27] و يتناقلها المجاذيب بشوق و حنين إلى النّصر والشّهادة وحور الطّين و حور العين كلّ ذلك في غياب التّأطير التربوي و الثّقافي والمعرفي للدّولة الوطنيّة ومؤسّساتها و هيئاتها و نخبها التي لم تعد تمثّل سرديّة جاذبة تحقّق الامتلاء و الارتواء والإحساس بالانتماء

بل يمكن القول أنّ الغياب شبه التامّ لرعاية الدّولة و مؤسّساتها و المجتمع المدني والنّخب الأكاديميّة و الثّقافيّة يجعل من هذه السرديّة استجابة طبيعيّة و ضروريّة " بالمعنى السوسيولوجي للضّرورة " لإخفاقات دولة الاستقلال في سياسة تأطير الشّباب ثقافيّا وتربويا وتعليميا و دينيّا حيث بقيت الثقافة مركزيّة في العموم بل لا تتوفّر حتّى لأبناء المدن إذ يُحرم منها أبناء الأحياء الشعبيّة المهمّشة في حزام العاصمة وضواحيها والمدن الكبرى و بقيت حكرا على فئات محظوظة أو نُخبويّة ، كما غابت مؤسّسات التّأطير و الجهات المرجعيّة المُحكَّمة في الشّأن الدّيني التي تجيب عن الأسئلة و التحدّيات التي تُواجه الشّباب. يمكن أن نعتبر نجاح استراتيجيات الاستقطاب على اختراق عقول و وجدان شباب تربّى في مدارس الاستقلال و جامعاتها  مؤشّرا خطيرا على ضعف مسارات التّحديث الذي انتهجته الدّولة الوطنيّة ونخبها في مجالات التربية و التعليم و الثقافة حيث فشلت في تبيئة الحداثة داخل ثقافة الشعب و هويّته، ممّا يدعو إلى المسارعة بتلافي ذلك عبر ضبط استراتيجيات شاملة لمقاومة التّهميش الاجتماعي و الثّقافي و التربويّ باعتبارها الإطار السّليم الذي يجعل الخطط الأمنيّة في مواجهة هذه الظّاهرة ذات مردوديّة ونجاعة وفاعليّة ، حيث لا يمكن في أيّ دولة مهما كانت سياساتها الأمنيّة محكمة أن تخصّص فريق حراسة أمنيّة في كلّ شارع و منعطف و زقاق و منشأة ومبنى و تتولّى حراسة كلّ مواطن على امتداد الليل و النّهار طول السّنة في الفضاءات العامّة و الخاصّة ، و حتّى إن تمكّنت من أقدار واسعة من الضبط والمراقبة فلن تتمكّن من اختراق العقول والوجدان لممارسة نفس دور الرّقابة  .لذلك لا بدّ من الاستثمار في الوعي المواطني العامّ : الوعي الثقافي و الدّيني والمعرفي والمنهجي والتربويّ ، هذا الاستثمار و إن بدا طويل المدى قياسا للمخاطر الآنيّة العاجلة الماثلة على الأرض ، فلا بدّ له من بداية ،  علما أنّ هذا الاستثمار استراتيجي و له أثر دائم و ناجع و ذو مردويّة مباشرة قد تطال حتّى ،و الأهمّ أنّه لا يقاس بالزّمن الرياضي، فيكفي مجهود وطني حقيقي و جدّي يشارك فيه كلّ الفاعلين المدنيين و الثقافيين و الدينيين والتربويين و الأكاديميين والإعلاميين لصنع حالة من الوعي الإنساني و اليقظة الوطنيّة المواطنيّة والصّحوة الرّوحيّة التي تنتصر لقيم الحياة و الحريّة و كرامة الإنسان و حرمته الجسديّة والمعنويّة والحقّ في الاختلاف و مبدأ التّعارف وحسن المعاملة وأعمال الخير باعتبارها قيما كونيّة حداثيّة وإسلاميّة في نفس الوقت ، يكفي هذا الجهد ليثمر في وقت قياسي وعيا جماعيّا و حدّا من الحصانة و المناعة التي تقي شبابنا من الانجرار الأعمى وراء خطاب الاستقطاب وحالة الانجذاب  و ربّما وفّر هذا الجهد مناخات ملائمة لإنجاز مراجعات لدى منظوري هذا التيّار تمكّن من مصالحتهم مع المجموعة الوطنيّة[28]   

 

 

سامي ابراهم ( باحث في الحضارة)

 

[1]  سبق أن تناولنا الظّاهرة السلفيّة الجهاديّة في سلسلة من المقالات نشرت بموقع الأوان ثمّ  أعيد نشرها بكتاب الدّين والسياسة منشورات كارم الشّريف ط 1 / 2012   :

الجذور الفكريّة للعنف السياسي لدى الشّباب السلفيّة الجهاديّة نموذجا صص  95 / 116

السلفيّة في مناخ تونسيّ صص 117 / 150

و كتاب السلفيّة الجهاديّة في تونس الواقع و المآلات من منشورات المعهد التّونسي للدّراسات الاستراتيجيّة 2014  :

السلفيّة الجهاديّة في تونس و فشل تجربة الانتظام صص 23 / 74

[2]  من أهمّ الكتب التي درست ظاهرة هذه الدّولة : "  تنظيم الدّولة الإسلاميّة الأزمة السنيّة و الصّراع على الجهاديّة العالميّة " حسن أبو هنيّة و د محمّد ابو رمّان منشورات مؤسّسة فريديريش إيبيرت ط 2 / 2015 دار الجيل العربي عمّان الأردن

[3]  من خلال اطلاعنا على أدبيّات الخلاف بين الفصائل الجهاديّة المنبثقة عن القاعدة يتبيّن أنّه لا يقوم على اختلاف في العقيدة الجهاديّة بل في مسائل ترتيبيّة و تنظيميّة

[4]  للتحقيق في الفروق و الخلافات بين الجماعات الجهاديّة خاصّة القاعدة و داعش انظر كتاب حقيقة دولة البغدادي  داعش لمحمّد بلقاسم الجلالي الدّار المتوسّطيّة للنّشر تونس ط 1 / 2015

[5]  راجع كتاب الهادي يحمد تحت راية العقاب سلفيّون جهاديّون تونسيّون ط المطبعة المغاربيّة تونس 2015 وقد استعرض عددا من السير الذّاتيّة لمسارات عدد من رموز هذا التيّار في جبهات القتال

[6] خصّص كتاب الجهاديّة " تأليف جماعي " فصلا مهمّا لتناول العلاقة بين التيّار الجهادي و السّجون  من تأليف :

 Farhad  Khosrokhavar la prison et le jihadisme pp 299 / 318 Le jihadisme le comprendre bien pour le combattre PLON 2015 Paris

 

[7]  انظر بحث معتزّ فطناسي حول الفضاء الدّيني بمنطقة سيدي حسين بكتاب السلفيّة الجهاديّة في تونس الواقع والمآلات مرجع سابق صص 182/187

[8]  انظر كتاب تشريح الفكر السلفي المتطرّف حسن محسن رمضان الفصل الثّالث " الطّاغوت و الولاء و البراء والعمليات المسلّحة صص 227 / 275  دار الحصاد  دمشق ط 1 / 2009

[9]  راجع دراسة محمّد الحاج سالم من أجل مقاربة نفسيّة اجتماعيّة للظّاهرة السلفيّة في تونس في كتاب السلفيّة الجهاديّة مرجع سابق صص 153 / 173

[10]  وضّح  ذلك التقرير  الذي عرضه مايكل العياري من الفريق العالمي للازمات عن التّهريب في تونس و ذلك في ندوة مركز البحوث والدّراسات الاقتصاديّة و الاجتماعية بتاريخ 10 ديسمبر 2014

International Crisis Group Update Briefing Briefing Moyen-Orient et Afrique du Nord N°41 Tunis/Bruxelles, 21 octobre 2014 La Tunisie des frontières (II) : terrorisme et polarisation régionale

[PDF]La Tunisie des frontières (II) - International Crisis Group

www.crisisgroup.org/.../Tunisia/b041-la-tunisie-des-frontières...le rapport Moyen-Orient/Afrique du Nord de Crisis Group N°148, La Tunisie des frontières : jihad et contrebande, 28 novembre 2013.

 

[11]  من أهمّ الدّراسات التي تناولت بشكل ضاف تأثير الوسائط الافتراضية في الاستقطاب والدّعاية  كتاب جماعي من تألي  مجموعة من الباحثين :

Dina Rieger . Lena Frichlich . Gray Bente .

In coorperation with the Terrorisme / Extremism Research unite ( FTE ) Germany 

Propaganda psychological effects of righ-wing and Islamic extremist internet videos

2013 Wolters Kluwer Deutschland Luxemburger

[12]  أعلن رموز هذه الظّاهرة أثناء بداية تشكّلها أنّ تونس أرض دعوة لا أرض جهاد ، وهذا إعلان عن سلميّة مؤقّتة في انتظار تشكيل حزام مجتمعي ساند من خلال الأعمال الدعويّة و الخيريّة و ذلك قبل إعلان تونس أرض جهاد و منطقة لإدارة التوحّش

[13]  *إدارة التوحش أخطر مرحلة ستمر بها الأمة تاليف أبو بكر ناجي نشر مركز الدراسات والبحوث الإسلامية بدون تاريخ ( المرجّح بعد ضربات 11 سبتمبر 2011 ) عدد الصفحات112صفحة

*  واقع ومستقبل التيّار الجهادي لأبي سعيد العاملي نشر منبر التوحيد والجهاد 2011 م 1432 هـ

  * العالم على أعتاب الفوضى لأبي عبد الله خالد العدم المكنّى بأبي عبيدة نشر مركز الفجر للإعلام كتب بتاريخ 14 ذو القعدة 1432

  * المذكّرة الإستراتيجية تأليف عبد الله بن محمد و قد نشرته الكترونيّا مؤسّسة المأسدة الإعلاميّة (صوت شبكة الشّموخ الإسلامي ) بتاريخ 2011 م/5 شوّال 1432 ه ويحتوي على خمس وخمسين صفحة الكترونيّة تشمل أربع مذكّرات إستراتيجية 

[14]  من الكتب المهمّة التي أجابت عن سؤال كيف يصبح الأشخاص العاديّون متطرّفين كتاب :

Gérald Bronner La pensée Extrême  éditions Denoël 2009 Paris

[15]  يمكن الاستئناس في ذلك بدراسة ميدانيّة أجراها المرصد الوطني للأمن الشّامل الذي تجمعه شراكة بمركز البحوث والدّراسات الاقتصاديّة و الاجتماعيّة  حول الشروخات المجالية والاجتماعية والأمنية للجهات الداخلية :

: La fracture territoriale sociale et sécuritaire des régions intérieures les solutions le cas de jendouba et kasserine  منشورات المرصد التّونسي للأمن الشّامل 2015   

و قد قامت الدراسة  بتشخيص واقع السياسات العمومية والتنموية المتعلقة بالتهيئة الترابية والمسألة الأمنية وببيان أهم ثغرات هذه السياسات ،وذلك من خلال دراسة حالة جهتي جندوبة والقصرين مع تقديم مجموعة من المقترحات والحلول الممكنة لمعالجة الإشكاليات المسجلة

[16]  من اهمّ الدّراسات الميدانيّة التي اشتغلت على البعد النفسي للظّاهرة في تونس دراسة الباحث في علم النفس العربي النفاتي  منشورة في كتاب جماعي " السلفيّة الجهاديّة في تونس الواقع و المآلات مرجع سابق 2014 صص 253 / 295

[17]  ن م س من الدّراسات الميدانيّة المهمّة التي اشتغلت على العطوبة باعتبارها مدخلا لفهم الظّاهرة دراسة الباحث جهاد الحاج سالم : الشّباب الجهادي في دوّار هيشر دراسة حالة اثنوغرافيّة  مرجع سابق صص 203/252

[18]  يعرض كتاب سيكولوجيّة الإرهابي مقاربة نفسية  تتضمّن تشخيصا للاضطرابات  النفسيّة للإرهابي قائمة على دراسات ميدانيّة و تحليل شخصيّة أفضى به الى تحديد ما اعتبره عقليّة الإرهابي ص 256  " سيكولوجيّة الإرهابي لأستاذ علم النّفس عبد الرحمان العيسوي  منشورات الحلبي الحقوقيّة  ط 1  بيروت 2005

[19]     Robert Merton structure sociale anomie et déviance

[20]  أنظر مقال تأصيل الخطاب السلفي الجهادي  مروان شحادة ضمن كتاب جماعي " السلفيّة الجهاديّة دار الإسلام ودار الكفر " صص 7 / 45 من منشورات مركز المسبار للدّراسات و البحوث ط 3 / 2011 دبي

[21]  الجهاد العالمي هو مصطلح جديد ظهر في منتصف التسعينات عندما أعلن أسامة بن لادن أن الولايات المتحدة الأمريكية و الغرب عموما هم أكبر أعداء المسلمين ، و حثّ أتباعه على مقاتلة هذا العدو بغض النظر عن المكان وطبيعته، و هذا التركيز عمل على الانتقال من العدو القريب (الأنظمة الكافرة) إلى العدو البعيد (الغرب أو الحلف الصّهيوصليبي )، الأمر الذي جعل مؤيدي هذا الجهاد العالمي  يبدؤون بضرب  المصالح الغربية الموجودة في العالم والعالم الإسلامي. و قد شهد تيّار الجهاد العالمي ما بعد ضربات سبتمبر 2011 جدلا حول العلاقة بين أمميّة الجهاد أو الجهاد المعولم الذي يهدف لمواجهة " الحلف الصهيوصليبي العالمي " و الجهاد القطري الذي يهدف لإسقاط من يُعتقد أنّهم وكلاء هذا الحلف العالمي و المسمّون " أنظمة الردّة

[22]  الشّوكة : المقصود بالشّوكة لدى صاحب نظريّة إدارة التوحّش الموالاة الإيمانية أي أنيحصل كل فرد في المجموعة أو في منطقة التوحّش مهما قل شأنه على الولاء من باقي الأفراد ومن ثم يعطي هو الولاء للباقين بحيث يكون هو فداء لهم وهم فداء له ، فتتكوّن على ذلك الأساس من الولاء رابطة جماعيّة من نوع خاصّ يختلط فيها العقدي بالوجداني و السّلوكي والتنظيمي تسمّى شوكة هدفها الذي نذرت حياتها له هو مواجهة الأعداء و يتحقّق  بذلك التضامن والثقة والقوة الجماعية التي لا تتم إلا عبر ما أطلق عليه المؤلف تحقيق الشوكة

[23]  الجهاد العالمي هو مصطلح جديد ظهر في منتصف التسعينات عندما أعلن أسامة بن لادن أن الولايات المتحدة الأمريكية و الغرب عموما هم أكبر أعداء المسلمين ، و حثّ أتباعه على مقاتلة هذا العدو بغض النظر عن المكان وطبيعته، و هذا التركيز عمل على الانتقال من العدو القريب (الأنظمة الكافرة) إلى العدو البعيد (الغرب أو الحلف الصّهيوصليبي )، الأمر الذي جعل مؤيدي هذا الجهاد العالمي  يبدؤون بضرب  المصالح الغربية الموجودة في العالم والعالم الإسلامي. و قد شهد تيّار الجهاد العالمي ما بعد ضربات سبتمبر 2011 جدلا حول العلاقة بين أمميّة الجهاد أو الجهاد المعولم الذي يهدف لمواجهة " الحلف الصهيوصليبي العالمي " والجهاد القطري الذي يهدف لإسقاط من يُعتقد أنّهم وكلاء هذا الحلف العالمي و المسمّون " أنظمة الردّة

[24]   التوحش:  عبارة استعملها مؤلف كتاب إدارة التوحّش ويقصد بها تلك الحالة من الفوضى التي ستدب في أوصال دولة ما أو منطقة بعينها إذا ما زالت عنها قبضة السلطات الحاكمة ويعتقد المؤلف أن هذه الحالة من الفوضى ستكون "متوحشة" وسيعاني منها السكان المحليون، لذلك وجب على القاعدة -التي ستحل محل السلطات الحاكمة تمهيدا لإقامة الدولة الإسلامية- أن تحسن "إدارة التوحش" إلى أن تستقر الأمور علما و أنّ التوحّش أفضل من الحكم الطّاغوتي في ظلّ الدّيمقراطيّة مهما كانت مساوئ التوحّش أي الفوضى العارمة

[25]  تناول الكاتبان حسن أبو هنيّة و محمّد ابو رمّان هذا الكتاب بالتحليل في كتابهما المشترك " تنظيم الدّولة الإسلاميّة  الفصل الخامس ص 178 ط دار الجيل العربي عمّان الاردن 2015 مؤسّسة فريدبريش ايبيرت

[26] وجد فئات من الشّباب التّونسي المتديّن في سنوات الألفين وما بعدها قدوته في شخصيّة سلفيّة جهاديّة باهرة، تختزل كلّ أشواق الشّاب المسلم المعاصر وتداوي جراحه الحضاريّة، وتجسّد بشكل لافت نموذج البطولة الإسلاميّة وقصص الشّرف والفتوّة والرّجولة والشّهامة والتّضحية في سبيل العقيدة، هذه المعاني والقيم التي اقتصر تجسيدها على شخصيّات التّاريخ الإسلامي الأوّل والوسيط شخصيّة سامر بن صالح بن عبد الله السويلم المشهور بـ: خطّاب الذي ورد اسمه في غالب وثائق البحث الابتدائي والتّحقيقات الخاصّة بموقوفي السلفيّة الجهاديّة، باعتبار أنّ الشّريط الذي يجسّد سيرته وجهاده " جحيم الرّوس " كان أداة أساسيّة للاستقطاب وللتّعبئة والشّحن العاطفي

[27]  من أشهر منشدي داعش أبو هاجر الحضرمي الذي تلهب أناشيده حماسة المقاتلين

 

 

[28]  تمكّن الباحث ماهر الزّغلامي من رصد بوادر مراجعة لدى أوّل مؤسّس للتيّار السلفي الجهادي في تونس " منير التّونسي المكنّى بأبي عبد الله المظفّر " في بحثه " السّلفي الجهادي في تونس المنشور بكتاب السلفية الجهاديّة بتونس مرجع سابق صص 330 / 333

يمكن الاستئناس بتجارب مشابهة وثّقها كتاب الباحث الأردني محمّد أبو رمّان بعنوان أنا سلفي بحث في الهويّة الواقعيّة والمتخيّلة لدى السلفيين منشورات فريديريش ايبيرت مكتب عمّان 2014 الفصل الثّاني " السلفيّة الجهاديّة الطّريق الشّائك إليها و الخروج الآمن منها " صص 127 / 145 و الفصل الرّابع " من قلب السلفيّة إلى الخارج " صص 199/227

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك