;https://www.forbes.com 

ولكن ومنذ  الأزمة الماليّة الآسيويّة للعام 1997،و الجدل يدور حول الآثار السّلبية لهذه العلاقات المشبوهة بين المسؤولين الحكوميّين و مدراء الشّايبول ، خصوصا و انّ السّند الحكومي السّخي لم يحل دون افلاس كبرى المتكتّلات على غرار دايوو، وهانبو، و كيا...الخ، بعد ان ساد الاعتقاد لوقت ما انّها بمنجاة عن الانهيار(« too big to fail  »). 

وعموما و الى حدّ يوم النّاس هذا لازالت الشايبول تضطلع بدور اقتصادي بالغ الأهميّة ،فالثّلاثون الرّئيسيّة منها تحتكر 82 % من الصّادرات الكوريّة، وتتحكّم «الخمس الكبار»:سامسونغ، هيونداي، و اس كا،و ال جي،و لوط(Samsung, Hyundai, SK, LG et Lotte) بـ 41% من مبيعات الـ 500 مؤسّسة الأولى في البلد. 

وبحكم أجورها العالية، والامتيازات الاجتماعيّة التي تؤمّنها لمستخدميها ،تشكّل المتكتّلات الكبرى عامل جذب للعملة المختصّين من ذوي الكفاءات العالية .فعلى سبيل الذّكر لا الحصر: اتّبعت سامسونغ نهجا يستهدف تعزيز أواصر التّماسك الاجتماعي داخلها، فبنت الى جوار مصانعها الرّئيسية بسووان (Suwan) مدينة بأتّم معنى الكلمة لمشتغليها قادرة على ايواء 000 30 شخص، تضمّ كافة المرافق الحيويّة ،و شقق سكنيّة بيعت مقابل قروض تسدّد على أقساط معقولة، و مدارس، وثكنة لرجال المطافئ،  و مسرح، وقاعات للاحتفالات، و مستشفى ،وقاعات رياضة و سينما... 

أوليّة الدّور الاقتصادي للمؤسّسات الكبرى لا ينبغي ان يحجب الأنظار عن الدّور الحيوي المؤسّسات الصّغرى و المتوسّطة (من التّي تشغّل اقلّ من 299 عامل) في احداث فرص العمل (ثلث النّشيطين المشتغلين)،وتنشيط المنافسة ، وفي اعطاء دفع للبحث العلمي التّطبيقي و تطوير التّكنولوجيا المتطوّرة، ولدورها السّاند للشّركات الكبرى ،فقرابةنصف المؤسسات الصّغرى و المتوسّطة تعمل كمزوّد للشركات الكبرى في اطار عقود المناولة السّاندة.(14) 

  1. رأسمال بشري متميّز. 

أحد أبرز المؤهّلات الكوريّة المفسّرة للنّجاحات الباهرة التّي تحقّقت على مدى العقود الأخيرة ، تتمثّل في الاستثمار في الثّروة البشريّة. 

ويجمع الباحثون على جودة النّظام التّعليمي الكوري ،الذّي يتّسم بصرامة يقلّ نظيرها في بلدان "منظّمة التعاون و التّنمية الاقتصاديّة"، فحسب الاحصائيّات يقضّي الشّبان الكوريّون أبناء الفئة العمريّة 15 - 24 سنة ،في المتوسّط 7 ساعات و 50 دقيقة في اليوم للدّراسة سواء في المؤسّسات التّربويّة العموميّة او الخاصّة أين يتابعون الدّروس الخصوصيّة المنتشرة سوقها على نطاق واسع، مقابل 5 ساعات في بقيّة بلدان المنظّمة.      و لا يستغرق الوقت المخصّص لمشاهدة التّلفاز لدى الشّبان الكوريين أكثر من ساعة و 7 دقائق في اليوم ،مقابل ساعتين و 27 دقيقة كمعدّل وسطي لأقرانهم الألمان.  

وكنتيجة منطقيّة للانهماك في الدّراسة، تبدو النّتائج المدرسيّة ممتازة: فحسب البرنامج العالمي الموضوع من قبل منظمة التعاون و التنمية الاقتصاديّة من أجل متابعة المهارات المكتسبة (Pisa)،فانّ كوريا تتمتّع برابع أجود نظام تعليمي في العالم، فالمعدّلات الممنوحة للتّلاميذ الكوريّين في الرّياضيّات والعلوم  والقراءة  سنة 2012 ،كانت أعلى من المعدّلات في بقيّة بلدان المنظّمة. 

 ويحتلّ التّعليم مكانة لائقة ضمن المجتمع، ويقع في طليعة اولويّات كلّ أسرة ويستأثر بحصّة لا يستهان بها في ميزانيّتها، فإنفاق الأسر الكوريّة على تعليم أبنائها وما يستحقّه من تضحيات أحيانا جسيمة شكّل و لا يزال خصوصيّة كوريّة بامتياز. وتشيع داخل المجتمع الكوري تسمية «عائلة الاوزّ الوحشي»     (  famille d’oies sauvages) لوصف كلّ عائلة احد أوليائها وعادة ما تكون المرأة، يقيم بالخارج ،مصاحبا احد الأبناء كي يتيح له أفضل الظّروف لمزاولة دراسته الجامعيّة في الولايات المتحدة او كندا مثلا.ويبقى الأب عادة في كوريا للعمل و ارسال المال الكافي للوفاء بمتطلّبات الاقامة    و الدّراسة للابن أو البنت،وحسب المركز الوطني الكوري للإحصاء،10% من الأسر أي 000 150 1 زوجين،يعيشون بهذه الكيفيّة منفصلين عن بعضهما البعض سنة 2010.(15) 

ويظلّ الدّافع الأساسي لكلّ هؤلاء  « الآباء الاوزّ» هو ضمان سبل النّجاح لمعيليهم، حتّى و ان استوجب هذا الأمر لوعة الفراق ،واضطراب النّظام الأسري. فحسب دراسات اجريت حول الآباء الذّين ظلّوا في كوريا للعمل لأجل ابنائهم،تبيّن بانّ 8 من بين 10 يعانون من سوء التّغذية، و3 من بين 10 من الاضطرابات النّفسيّة و العصبيّة ،ونسب الانتحار بينهم هي الأعلى في كوريا و تفوق المعدّل الوطني ،الذي هو بدوره مرتفع قياسا بالمعدّلات المسجّلة في منظمة التعاون و التّنمية الاقتصاديّة، حيث تبلغ 24,7 حالة انتحار لكلّ 000 10 نسمة مقابل 2,9 في اليونان مثلا. 

انّ هذا الولع بالتّعليم الى حدّ الهوس يجد تفسيره في طبيعة البنى الذّهنيّة والأنماط السّلوكية السّائدة لدى الكوريّين، التّي اصطبغت و عبر احقاب تاريخيّة موغلة في القدم، بتأثيرات الثّقافة الكونفوشيوسيّة الوافدة من الصّين، تلك الثّقافة التّي تبجّل و تعظّم حملة الآداب    و رجال الفكر، وتحثّ على الكرع من مناهل الثّقافة، فمن الأقوال المأثورة عن  كونفوشيوس(16)لمّا سئل  "ما الذي يجب أن يكون عليه الرجل الأعلى؟" أجاب بقوله "أن يثقّف نفسه  بعناية ممزوجة بالاحترام".والعقليّة الكوريّة تمجّد النّجاح الفردي و تحثّ على التّنافس و البذل و العطاء، من اجل الأفضل: كالدّخول الى أرقى الجامعات، او تحقيق الارتقاء المهني، او تحسين الوضع المعيشي. 

وهذه العقليّة تفسّر طول ساعات العمل بكوريا، وتفاني العامل في العمل الذّي يؤدّيه، فبينما يشتغل العامل في بلدان منظمة التّعاون و التّنمية الاقتصاديّةفي المتوسّط 7631 ساعة في السّنة،و437 1 في فرنسا، ترتفع عدد ساعات العمل السّنوي الى 133 2 ساعة بكوريا(سنة 2013). ومن ايجابيّات هذا الارتفاع انّه أهّل كوريا كي تتصدّر بلدان العالم المصنّع المتقدّم في مستوى الزّيادة في انتاجيّة العمل (gain de productivité du travail) متقدّمة على السّويد، والمملكة المتّحدة ، واليابان،  و الولايات المتّحدة . 

انّ استبطان نظرة ملؤها تبجيل العمل و النّجاح، و الانضباط، وروح المبادرة، وروح الرّيادة...سمات مشتركة بين عامّة الكوريّين، وهذا كان لها الوقع الايجابي في التّصدّي و بنجاعة لفترات التّأزّم الاقتصادي . 

وقد تجلّى ذلك أثناء الأزمة الماليّة للعام 1997،فقد خلقت مخلّفات الأزمة الاقتصاديّة و الاجتماعيّة شعورا عميقا بالإهانة، وأثارت المخاوف من ان تضحيات الكوريين منذ الاستعمار الياباني ،وحرب التّقسيم، والانقلابات، والثّورات، والكوارث...في طريقها للتّبخّر، هذا الوضع حدا بالكوريّين الى التماس الحلول التّالية للخروج من الأزمة: 

خاصيّة اخرى للرّأسمال البشري الكوري تكمن في ارتفاع مستوى التّأهيل و التّكوين للعمالة الكوريّة. فالسكان النّشيطون (26 مليون نشيط قادر على العمل سنة 2015) تحسّنت مستويات مهاراتهم وحذاقتهم الصّناعيّة (Le savoir-faire Industriel)بفضل ارتفاع نسب التّمدرس في مراحل التّعليم الثّلاث، وبفضل المجهود الجبّار الذي بذل في مجال النّهوض بقطاعي البحث العلمي و التّطوير التّكنولوجيمن قبل القطاع العام، والمجمّعات الصّناعيّة العملاقة ( الشّايبول) والجامعات و مراكز البحوث. 

علما و انّ الدّولة ومنذ المراحل الأولى لمسيرة التّنمية ، و بالتّنسيق مع مراكز البحوث الاستراتيجيّة (Think Tanksكانت قد وضعت برنامجا قوميّا للتّطوير التّقاني. ومنذ البداية كان الهدف الرّئيسي للسّياسات التّقانيّة هو هضم و استيعاب و تطوير التّقانة الحديثة على مستوى المشروعات والمنشآت ،والتّي تتلاءم و المعطيات الطّبيعيّة للبلاد و تستجيب للحاجيّات الحقيقيّة للاقتصاد الوطني، واعتمادا على القوى الذّاتيّة ...ومن دون الرّكون الى نقل التّكنولوجيا واستيراد المصانع الجاهزة (Usines clés-en-mains). 

الوثيقة 15:الأقطار الخمسة الأكثر استثمارا في قطاعي البحث العلمي و التّطوير التّكنولوجي في العالم سنة 2014. 

نصيب نفقات البحث و التّطوير من ن ق خ  النّاتج القومي الخام(ن ق خ)  نفقات البحث و التّطوير بالمليار دولار امريكي  القطر  الرّتبة  القطرالقطر  الرّتبة 
2,8%  616 16  465  الولايات المتّحدة  1  الولايات المتّحدة  1 
2%  559 14  177,3  الصّين  2  الصّين  2 
3,4%  856 4  163  اليابان  3  اليابان  3 
2,9%  312 3  92  ألمانيا  4  ألمانيا  4 
3,6%  748 1  61  كوريا الجنوبيّة  5  ك.الجنوبيّة  5 

Images économiques du monde 2016. 

وفي هذين القطاعين الحسّاسين أي البحث و التّطوير مؤشّرات النّجاح حقيقة مبهرة ، فكوريا الجنوبيّة الآن: 

و في كوريا اليوم ينظر الى الرّغبة التّواقة في التّجديد كمسألة حيويّة لا غنى عنها اذا أراد البلد مواصلة تقدّمه بخطى ثابتة،وهذه الرّغبة تستشفّ مثلا من خلال ما صرّح به الرّئيس المدير العام لسامسونغ  Lee Kun-hee سنة 1993،حينما تبيّن له بانّ الشّركة قد تكون غير قادرة على اللّحاق بالشّركات العالميّة الرّائدة ذات الطّاقة التّنافسيّة العالية ،فما كان منه الاّ أن طلب من مستخدمي الشّركة  تغيير كلّ شيء... عدا زوجاتهم و أبنائهم.(18) 

الخاتمة: 

لا خلاف على أنّ هناك فشلا تنمويّا باديا للعيان في المنطقة العربيّة خلال العقود الماضية ،اذا ما قورن بحجم الانجاز التّنموي الهائل الذّي حقّقته كوريا خلال الفترة نفسها. وليس من باب التّلذّذ بجلد الذّات الاقرار بذلك الفشل، بل هو حقيقة واقعة في حال الرّكون الى الواقع المعاش للمواطن العربي. ولا يعزى الفشل الى انعدام الحظوة الطّبيعيّة و الفقر الى الموارد، بل الى تبديدها، وليس الى قلّة الاستثمارات، بل لسوء توظيفها، وليس الى ضعف رأس المال البشري، بل الى نزيف الأدمغة و تهجير السّواعد. 

ولعلّ السّؤال المركزي الذّي يشغل ذهن أيّ عربي قيّض له الاطّلاع على خفايا المعجزة الكوريّة ، يكمن في الآتي: هل يمكن اعتبار التّجربة التّنمويّة الكوريّة تجربة قابلة للتّكرار و الاستنساخ في ظلّ الظّروف الموضوعيّة الحاليّة للمنطقة العربيّة ؟ 

الاجابة قطعا لا، و للاعتبارات التّالية: 

اذا استحال تكرار التجربة الكوريّة، فما هي اذن الدّروس المستفادة منها حتّى نعيد تأسيس قضايا النّهضة و الانطلاق الاقتصادي و الانبعاث الحضاري؟ 

-أوّلا: انّ التّنمية في كوريا و في آسيا كانت من صنع الشّعوب في المقام الأوّل، التّي لم تجد غضاضة في الانفتاح على تيّارات الحداثة الوافدة، ولكن أبقت على منظومة قيمها المرجعيّة ،ووظّفتها في مجال البناء الاقتصادي. 

-ثانيا: ضرورة الابقاء على الدّور التّنموي للدّولة، كباعثة للمشاريع عبر مؤسّساتها العموميّة، ومموّلة لبرامج تطوير التّقانة الحديثة، وضامنة للتّشغيل ولمناخ استثماري مشجّع (الى حدّ ما) ، ومعدّلة للحيف في توزيع الدّخول...الخ . 

- ثالثا: تقاسم الأعباء بين الطبّقتين الشّغيلة و الوسطى من جهة  وأوساط رجال الأعمال من جهة أخرى، فالبقدر الذّي كان فيه الالحاح في الطّلب من الشّغالين بالبذل و العطاء و الرّفع في المردوديّة و التّضحية...كان ملقى على عاتق  أصحاب المال واجب المساهمة الجادّة في عمليّات الاستثمار والإنتاج، والبناء الوطني. 

- رابعا: النّجاح التّنموي في كوريا الجنوبيّة تأتّى بالأساس من نموذج قائم على الايمان بجدوى الاعتماد على الانتاج ودوره في خلق الثّورة و التّنويع في مصادرها، نموذج يثمّن الفاعليّة الفرديّة...و لم ينبع من التّعويل المفرط على الرّيوع المستمدّة من تصدير مورد طبيعي، و توزيع تلك الرّيوع اجتماعيّا في شكل عطايا، على شاكلة الأقطار العربيّة النّفطيّة ذات الاقتصاد الرّيعي.(19) 

الباحث حسين بن عيسى عن مركز الدّراسات الاستراتيجيّة والديبلوماسيّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

المصادر: 

  1. https://www.cia.gov 

 

  1. تنجستنمادّة اوليّة تستخدم في صناعة الأسلاك المتوهجة في المصابيح الكهربائية. 
  1. «معجزة النهر هان»"Le Miracle du fleuve Han"نسبة الى نهر هان الذّي يقطع مدينة سيول العاصمة ،والتّسمية تطلق اجمالا على المعجزة الكوريّة تشبيها لها بـ«معجزة نهر الرّاين » التّي تحقّقت في المانيا بعد الحرب العالميّة الثّانية. ويطلق الكوريّون على بلدهم تسمية  Hanguk»" أي بلد الهانيّين  نسبة للنّهر. 
  1. عبد الفضيل، محمود: العرب و التّجربة الآسيويّة الدّروس المستفادة/مركز دراسات الوحدة العربيّة بيروت نوفمبر 2000 الطّبعة الأولى  ص 55-75. 
  1. شبه الموصل أو نصف الناقل،  الأجهزة والمعدات التي يدخل في تصنيعها، أشباه الموصلات هي أساس الالكترونيات الحديثة والتي تشمل الراديووالكمبيوتروالهاتفوالتلفاز ،كما يشكل الجزء الحساس في الكاميرات الرقمية... اضافة الى  ألواح الطاقة الشمسيةوالصمامات الثنائية (Diodes)والثنائيات باعثة الضوء( diode électroluminescente)، والدوائر المتكاملة ( circuit intégré) التشابهية والرقمية. 
  1. التّقرير يصدر كلّ سنة منذ عام 2004 عن المنتدى الاقتصادي العالمي،ويصنّ فالدول حسب معيار التنافسية العالمي ،والذي يقوم بدوره على جملة من المقاييس الاقتصاديّة تكوّن الـ 12 قاعدة أساسيّة للتّنافسيّة وتقيّم الوضع الكلّي  لاقتصاد بلد ما ، من قبيل أداء المؤسّسات،نوعيّة البنية الأساسيّة، مدى استقرار المناخ الماكرو- اقتصادي، وحجم السّوق، ومستوى التطور التّكنولوجي و القدرة على التّجديد، والصّحة و التّعليم الابتدائي،و التّعليم العالي و التّكوين، أداء السّوق الماليّة...تقريرالمنتدى الاقتصادي العالمي:The Global Competitiveness Report 2015–2016 -...http://www3.weforum.org 
  1. Images économiques du monde 2016. 
  1. Les « dramas », moteur du soft power coréen-  

ARTICLE  par  Jennifer ROUSSE-MARQUET  Publié le 28.06.2012  ,,http://www.inaglobal.fr 

 

  1. -La vague coréenne s'abat sur le monde - Le Figaro 

www.lefigaro.fr › CULTURE › Culture28 déc. 2012 

  1. https://www.cia.gov 
  1. عبد الفضيل، محمود: العرب و التّجربة الآسيويّة الدّروس المستفادة/مركز دراسات الوحدة العربيّة بيروت نوفمبر 2000 الطّبعة الأولى  ص 129. 
  1. المصدر السّابق ص 65-68 
  1. RAPPORT D´INFORMATION FAIT au nom de la commission de l'économie, du développement durable et de l'aménagement du territoire sur le déplacement d'une délégation de la commission de l'économie, du développement durable et de l'aménagement du territoire en Corée du Sud, Enregistré à la Présidence du Sénat le 21 février 2012 ; https://www.senat.fr/rap/r11-388/r11-3881.pdf 
  1. موقع منظمة التّعاون و التّنمية الاقتصاديّة OCDE، معطيات احصائيّة :https://data.oecd.org/rd/researchers.htm#indicator-chart 
  1. KoreaAnalysis Juin 2014 ،http://www.centreasia.eu 
  1. كونفوشيوس( 551-479 ق.م)فيلسوف صيني يلقب بنبي الصين،فلسفته قائمة على القيم الأخلاقية الشخصية ، وعلى أن تكون هناك حكومة تخدم الشعب تطبيقاً لمثل أخلاقي أعلى. ولقد كانت تعاليمه وفلسفته ذات تاثير عميق في الفكر والحياة الصينية والكورية واليابانية والتايوانية والفيتنامية. 
  1. موقع منظمة التّعاون و التّنمية الاقتصاديّة OCDE، معطيات احصائيّة، 

-Études économiques de l’OCDE CORÉE JUIN 2014،/www.oecd.org 

  1. L’usine nouvelle : Corée du Sud, le pays qui veut inventer,http://www.usinenouvelle.com/l-usine-nouvelle-du-4-juillet-2013-n3338 
  1. برنامج الأمم المتحدة الانمائي: تقريرالتنمية الانسانية العربية لعام 2016،file:///C:/Users/ASUS/Downloads/AHDR2016Ar.pdf 
' />

القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التّجربة التّنمويّة الكوريّة و خفايا قصّة نجاح  

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-09-12 17:10:01 | 32 مشاهدة

المقدّمة : 

انّ ما تحقّق في كوريا الجنوبيّة من تقدّم اقتصادي و اجتماعي و في ظرف وجيز ،مدعاة للإشادة و التّنويه،ولكن في نفس الوقت مهماز للتّفكير العميق عربيّا ووطنيّا أيضا في واقعنا الحالي الموروث عن سياسات متعاقبة لم تفلح في تحقيق الاقلاع الشّامل و النّهوض الحضاري، وتركت اجيالا بأكملها تجترّ مرارة الخيبة من الفشل التنموي. 

لا احد من الخبراء بما فيهم الأكثر تفاؤلا مطلع السّتينات كان قادرا على التّنبّؤ بمستقبل مشرق لكوريا الجنوبيّة،بالنّظر الى كثرة العقبات في طريق التّنمية كحالة الدّمار و الانهاك الشامل النّاجمة عن سنوات الاحتلال الياباني، وحرب تقسيم شبه الجزيرة الكوريّة،وبالنّظر الى انعدام الحظوة الطّبيعيّة،وواقع الاحتشاد السّكاني وتبعاته. 

ولكنّ ارادة التّغيير و النّهوض لدى الكوريّين كانت أقوى من كلّ المثبّطات  و الضّغوطات، وما هو إلا ربع قرن حتّى تحقّق المستحيل :تنمية شاملة جعلت القطر في طليعة أكثر بلدان العالم النّامي تصنيعا ،ومن بين القوى الرّئيسيّة الماسكة بناصية التكنولوجيا العالية،وطرف له حضور قويّ في الأسواق العالميّة،ومن بين الدّول ذات أعلى مستوى عيش للسّكان...انّ هذه القفزة المشهودة حدت بالبعض عن الحديث على معجزة بأتمّ معنى الكلمة. 

فما هي العقبات التّي اعترضت المسيرة التنموية لكوريا الجنوبيّة ؟ و ما هي الأطوار الرّئيسيّة لمنوال التّنمية بكوريا الجنوبيّة ؟ و ما هي مؤشّرات المعجزة الكوريّة؟ وما هي العوامل المفسّرة لنجاحها؟ 

  1. تعدّد العقبات عند انطلاق التّجربة التّنموية. 
  1. تركة تاريخيّة معرقلة. 

منذ سنة 1910 تاريخ ضمّ و الحاق شبه الجزيرة الكوريّة بحظيرة الامبراطوريّة الاستعماريّة اليابانيّة، عمد المستعمر الياباني الى تحديث قسري ،تحديث تلازم مع قمع شديد، و كنتيجة لذلك لم تتأخر النّتائج السّلبيّة في الظّهور : 

- تعبئة الخيرات الوطنيّة الكوريّة لفائدة الاقتصاد الياباني: الاستحواذ على اموال و ممتلكات الامبراطور الكوري المخلوع Gojong،استغلال الغابات و الثّروة السّمكيّة، استعمار توطيني قريبا من  خطوط النّقل الحديدي، اطلاق يد الزّيباتسوات( مؤسسات عائليّة حلّت بعد الحرب العالميّة الثّانية بتهمة مؤازرة المجهود الحربي للعسكرتاريا اليابانيّة)في الاستفادة من السّوق الكوريّة، وتركيز نظام مصرفي يخدم المصالح اليابانيّة... 

-محاولات طمس مقوّمات الهويّة الثّقافيّة للكوريّين، عبر تحجير استخدام اللّغة الكوريّة، وإرغام النّاس على تبنّي أسماء و ألقاب يابانيّة. 

- تواصل تسخير امكانات البلد لفائدة عسكرة الاقتصاد  الياباني مع اندلاع الحرب العالميّة الثّانية : فإلى غاية يوم 5 اوت 1945 ،كان يمكن عدّ ما لا يقلّ عن 4 ملايين كوري أجبروا على العمل خارج وطنهم أي في المستعمرات اليابانيّة ،بينهم 1,2 مليون كوري رحّل للعمل في اليابان. 

نجم عن السّياسة الاستغلاليّة تلك ، تدهور مستوى عيش السكان في الأرياف و المدن ،فمستوى الأجور في كوريا لم يكن يمثّل سوى  نصف ما يتقاضاه اليابانيّون من اجور. 

وعقب هزيمة اليابان في الحرب العالميّة الثانية و بدل ان ينعم الكوريّون بالاستقلال، وجدوا انفسهم في مواجهة الحرب الكوريّة (50-1953)،التّي انتهت الى انقسام البلاد الى كوريّتين  متعاديتين يفصلهما خطّ العرض 38 درجة شمالا... 

وقد كرّس التّقسيم لا فقط محدوديّة مؤهّلات التّنمية الاقتصاديّة بكوريا الجنوبية حيث آلت النّسبة الأكبر من التّجهيزات الصّناعيّة (98% )الى كوريا الشّماليّة، بل و خلّفت الحرب حالة انهاك شاملة : 

- فداحة الخسائر البشريّة و الاقتصاديّة :ففي الجانب الكوري الجنوبي أدّت الحرب الى سقوط زهاء 000 150 ضحيّة، وربع المليون جريح،و3 مليون مفقود، وتحوّلت مدن بأكملها في الجنوب الى ركام من الحطام، وخسرت البلاد ما يزيد عن 50 % من منشآتها الصّناعيّة. 

- Le développement économique de la Corée du Sud depuis 1950,https://framespa.revues.org

- وجد الاقتصاد صعوبة في التّعافي بسبب التّضخّم المالي ،وتباطؤ اداء المؤسسات الصّغرى و المتوسّطة، وركود انتاج الصّناعات الثّقيلة، وانخرام ميزانيّة الحكومة، وتفاقم عجز الميزان التّجاري.  

وثيقة 1:نسبة دمار الجهاز الانتاجي للفروع الصّناعيّة الرّئيسيّة  بكوريا الجنوبيّة، جرّاء  حرب التّقسيم (50-1953) 

26%  الصّناعات التّعدينيّة 
32%  الصّناعات الميكانيكيّة 
24%  الصناعات الكيميائيّة 
67%  النّسيج 
20%  الخزف 
30%  الصّناعات الغذائيّة 
75%  الطّباعة 

 

- ما زاد الأوضاع تعقيدا النموّ الطبيعي السّريع الذّي نتج عنه ما يزيد عن 7 مليون مولود بين 1955   و 1963،وشكّل هؤلاء ومع عودة المرحّلين الى وطنهم الأمّ، وتيّارات الهجرة المكثّفة من الجارة كوريا الشّماليّة...شكّلوا ضغوطات اجتماعيّة هائلة. 

- دقّة الوضع الجيوسياسي بشبه الجزيرة الكوريّة، وحدّة التوتّرات مع الجارة الشّمالية  و ديمومتها ( لازال البلدان رسميّا في حالة حرب و لم يوقّعا سوى هدنة او وقف للعمليّات العسكريّة سنة 1953)،وكثافة الحضور الأمريكي على الحدود(ما يزيد عن 40 ألف جندي على طول المنطقة منزوعة السّلاح بين الكوريّتين و التّي تمتدّ على طول 237 كم و بعرض 3 كلم)...جميعها ظلّ ولردح طويل من الزّمن يلقي بظلاله القاتمة على التّوازنات الماليّة بالبلاد. فأعباء التّسلّح لا زالت ضخمة، فحجم الانفاق العسكري طائل شكّل مبلغ 33 مليار دولار سنة 2015،وهم ما بوّأ كوريا الجنوبيّة المرتبة العاشرة دوليّا. وتعدّ الخدمة العسكريّة الالزاميّة وللجنسين من بين الأطول في العالم، وتمتدّ بين 21 و 24 شهرا. 

وثيقة 2:بعض مؤشّرات التّخلّف في كوريا الجنوبيّة سنة 1962 

سنة52  أمل الحياة عند الولادة 
60‰  نسبة وفيّات الرّضع 
0,2%  نسبة المالكين للهاتف 
0,5%  نسبة المالكين لسيّارة 
 دولار87   النّاتج الوطني الخام للفرد 
35%  نسبة البطالة 

 

  • مصادر متنوّعة. 

       اذن كانت كوريا الجنوبيّة في مطلع السّتينات احد افقر بلدان العالم، حصّة الفرد من النّاتج الدّاخلي الخام تجعله ضمن البلدان الأكثر تخلّفا : المرتبة 71 خلف السنغال و السّودان و مدغشقر (وتونس طبعا)... وقد ترافق سوء اداء الجهاز الاقتصادي بتفشّي ظواهر الفقر و البطالة ومظاهر نقص التّغذية، الى حدّ التّسبّب في مجاعات: فمجاعة سنة 1960 ضربت بقوّة الأرياف  و افضت الى هلاك عشر سكّانها... لم يكن احد يؤمن آنذاك بإمكانية تحقيق التّنمية في كوريا. كانت كوريا فعلا بلدا منسدّ الآفاق! 

  1. مجال جغرافي ضيّق يفتقر للموارد الطّبيعيّة:  
وثيقة 3: خريطة التّضاريس 

كوريا الجنوبيّة تشكّل بحقّ مثالا نموذجيّا لبلد يشكو من « سوء الحظّ الجغرافي»، فلقد مثّل انعدام الحظوة الطّبيعيّة و ضغوطات مجال جغرافيّ ضيّق – ولا زال – أحد العناصر المعيقة لأنشطة السّكان  و لحركة التّنمية الاقتصاديّة، و في مقدّمة تلك المعوّقات: 

1- صغر المساحة ،فكوريا الجنوبيّة لا تمسح سوى 180 99 كم2  أي نسبة 44% من مساحة شبه الجزيرة الكوريّة، وهي بذلك أصغر من ولاية بنسلفانياالأمريكيّة مثلا(1) 

2- تمثّل المنحدرات و التّلال و المرتفعات الغابيّة 4/3 مساحة البلاد ، الجزء الأعظم منها أوساط منفّرة للاستيطان البشري وبالتّالي فهي غير آهلة بالسّكان. 

3- ضيق المساحة الزّراعيّة ،اذ لا يتجاوز اجمالي المساحة الفلاحيّة المستغلّة 19,4 % من مجموع المساحة أي 1,8 مليون هكتار، وتسود الضّيعات القزميّة الأرياف الكوريّة، حيث لا يتجاوز متوسّط مساحة 65% من المستغلاّت الفلاحيّة الهكتار الواحد...وهذا التّفتّت مردّه بالأساس ضيق المجال. 

المعطيات آنفة الذّكر تعسّر من مهمّة الفلاحة في تحقيق الاكتفاء الذّاتي الغذائي، والذّي لا تتجاوز نسبته في كافّة المحاصيل 30 % .لذا باتت كوريا الجنوبيّة من كبار مستوردي الغذاء في العالم، ولمواد غذائيّة أساسيّة من الحبوب و اللّحوم و منتجات البحر، وليس أدل على العجز الغذائي من  تفاقم عجز الميزان التّجاري الفلاحي- الغذائي   و الذّي فاقت قيمته سنة 2014  ،17 مليار يورو.

4- ضعف الموارد الباطنيّة :يفتقر باطن الأرض و تحت-التّربة في كوريا الجنوبيّة الى جلّ الموارد المعدنيّة و الطّاقيّة. ولا يوفّر النّشاط الاستخراجي إلا كميات محدودة من بعض المعادن كالرّصاص و الزّنك و الحديد، و التّنغستن (2) ، وكمّيات متناقصة من الفحم الحجري...لا تفي بالحاجات الصّناعيّة المتزايدة. ونسبة الاكتفاء الذّاتي من الطاّقة الأوليّة لا تتعدّى الـ4%لذا يعوّل البلاد على التّوريد المكثّف لمختلف المواد الأوليّة و في طليعتها الغاز الطّبيعي (تعدّ كوريا الجنوبيّة ثاني مورّد عالمي للغاز الطّبيعيالمسيّل في العالم بعد اليابان) والنّفط (زهاء 3 مليون برميل من النّفط في اليوم، وهي بذلك خامس مستورد لهذه المادّة الحيويّةفي العالم سنة 2014).  

  1. احتشاد سكّاني هائل : 

وثيقة 4: تزايد الازدحام السّكاني 

متوسّط الكثافة السّكانيّة(ساكن/كلم2)  السّنة 
205  1950 
254,1  1960 
328,2  1970 
385  1980 
427  1990 
476,5  2000 
507  2014 
  • -مصادر متنوّعة. 

يعمّر المجال الكوري الجنوبي الضّيق 51,4 مليون نسمة (سنة 2015)،وقد تولّد عن تضافر وفرة السّكان و فرط ضيق المساحة احتشاد سكاني شديد، يتجسّم في ارتفاع الكثافة السكانية الى 517 ساكن/كم 2  سنة 2014. 

وما فتئت الظّاهرة الحضريّة تنمو و تتدّعم  نتيجة تيّارات الهجرة الدّاخليّة و التّوسّع الصّناعي، فبات الوسط الحضري يأوي 82% من مجموع سكّان البلاد (سنة 2015).لكنّ التّراتب الحضري الحجمي الكوري من الصّنف متضخّم الرّاس، أي يتّسم بسيطرة واضحة لمدينة اوليّة على بقيّة مدن المجال القطري ألا و هي سيول العاصمة السياسية  و الاقتصاديّة التّي تضمّ ما يزيد عن 10 مليون نسمة أي خمس مجموع سكّان القطر، أي ثلاث مرّات الحجم السكاني للمدينة التّي تليها في التّرتيب بوزان (3,2 مليون نسمة) وتعدّ المنطقة الحاضريّة لسيول ما يزيد عن 25 مليون نسمة، وهي بذلك ثالث اكبر تجمّع حضري في العالم بعد طوكيو ومكسيكو ،متقدّمة على نيويورك.

نجم عن الاحتشاد السكاني مشاكل خانقة لعلّ أبرزها ندرة الأرض الحضريّة المعدّة للبناء، وغلاء القيم العقاريّة ، وتفاقم التّلوث الصّناعي. 

  1. «معجزة على النّهر هان» (3). 
  2. مراحل التّجربة التّنموية الكوريّة. 

وثيقة5:الصّناعات التّي حظيت بالأولويّة حسب مراحل التّصنيع الكوري 

المرحلة  الثّالثة  المرحلة  الثّانية    المرحلةالأولى  المرحلة 
منذ  سنة  2000  2000-1990  1989-1980  1979-1973  1972-1960  الفترة 
التّكنولوجيا الرّقميّة  الرّوبوطيّة  الطّاقات المتجدّدة  الاقتصاد الأخضر  معدّات الاتّصال  المعلوماتيّة  المكوّنات الالكترونيّة  شبه الموصلات  الطّاقة النّوويّة  التّكنولوجيا الاحيائيّة  صناعة الحديد  البتروكيمياء  الصّناعات الميكانيكيّة  صناعة السّفن  صناعة السيارات  الملابس       الصّناعات الغذائيّة  الاسمنت  الأسمدة  الكهرباء  تكرير النّفط  الصّناعات 

 

 

  1. مرحلة التّصنيع المعوّض للتوريد خلال الفترة (53-1960) : la politique de substitution aux importations 

هدف السّياسة التّصنيعيّة هذه تركيز صناعات خفيفة و استهلاكيّة  كثيفة العمالة كالصّناعات الغذائيّة و صناعة النّسيج ،من التّي توفّر انتاجا محليّا يحلّ محلّ ما كان مستوردا، في اطار خطط الدّولة لإعادة الاعمار قصد استيعاب المخلّفات النّاجمة عن حرب التّقسيم، بدعم مالي خارجي من قبل الوم ا و اليابان. فقد شكّلت المساعدات الأمريكيّة من اجل التّنمية والتّي قدّمت لكوريا بين  سنتي 1945 و 1961 ،8 % من ن ق خ و 64 % من القيمة الجمليّة للاسثمارات، ومكّنت من مجابهة 70% من نفقات التّوريد. 

  1. مرحلة التّصنيع الحاثّ على التّصدير (1960-1980) : 

منذ بداية السّتينات نلحظ تغيّرا جوهريّا في منوال التّنمية، حيث أقرّت السّلط استراتيجيا وطنيّة لتركيز صناعات تصديريّة...ملامح التّغيّر تتبدّى في الآتي: 

- اصدار الحكومة وفي جانفي 1960 القانون الخاصّ بتحفيز الاستثمارات الأجنبيّة. 

- محاولات جادّة لتعبئة الادخار الشّخصي و العائلي، وخلق التّراكم الرّأسمالي الضّروري لتمويل الأنشطة الاقتصاديّة لتمكين البلاد من وسائل التّمويل الذاتي. 

- بعث مكتب للتّخطيط الاقتصادي سنة 1961،يتركّب من الاقتصاديّين و كبار موظّفي الدّولة، أوكلت اليه مهام تحديد التّوجهات الاستراتيجيّة التّنمويّة العامّة، والتّصنيع السّريع للبلاد. 

- صياغة مخطّطين تنمويّين خماسيّين الأوّل (1962-1966) و الثّاني (67-1972) جدّدت فيهما الأفضليّة لتطوير الصّناعات الخفيفة و الاستهلاكيّة.

وقد شكّلت هذه السّياسة منطلق اقلاع اقتصادي تدريجي للقطر فقد نما النّاتج الدّاخلي الخام بنسبة 8,8 % بين سنتي 1962 و 1971، كما تراجعت حصّة الفلاحة في توليد الثّروة    و التّشغيل لفائدة الصّناعة، وبقي الميزان التّجاري يسجّل مزيدا من الفوائض بالرّغم من التّأثيرات السّلبية للصّدمتين النّفطيتين الأولى(73-1974) و الثّانية (1981).

وفي مطلع السّبعينات تمّ التوجّه الى صناعات اخرى كالأسمدة و الاسمنت و تكرير النّفط ،وجنحت الصّناعات القائمة نحو تسلّق عالية الانتاج، حيث أثريت صناعة الملابس الجاهزة مثلا بصناعة الألياف الاصطناعيّة ، وصناعة ماكينات النّسيج.

و خلال الطّور الثّاني من الحركة التّصنيعيّة (72-1979) منحت الدّولة الأولويّة للصّناعات الثّقيلة كثيفة الاستخدام لرأس المال(  secteurs à forte intensité capitalistique  )، وهي صناعات الحديد و المعادن و البتروكيمياء و بناء السّفن و الالكترونيّات و السيارات، التّي عوّلت عليها الدّولة كي يكون لها مفعول حثّ لتطوير باقي الفروع الصّناعيّة والقطاعات الاقتصاديّة الأخرى .

وقد تبنّت الحكومة  سياسة ضريبيّة محفّزة تجاه المصدّرين، وخفّضت من قيمة العملة الوطنيّة الوون ،ومنحت المصدّرين تسهيلات للحصول على القروض ،قصد الحثّ على مزيد التّصدير. 

ولضمان ديمومة الصّناعات النّاشئة و تطوّرها اتّبعت الحكومة الكوريّة، خلال حقبتي السّتينات و السّبعينات، سياسة حمائيّة صريحة و اتّخذت اجراءات صارمة بهذا الصّدد،وقد تمثّلت اهمّ تلك الاجراءات في ما يلي: 

  •  منع استيراد عدد من السّلع المهمّة على رأسها: المنسوجات، و السّيارات، وأجهزة التّلفاز، والثّلاجات، وغيرها من امتعة الاستهلاك الدّائم، وذلك حتّى يمكن حماية عمليّة تصنيعها محليّا. 
  • فرض غرامات ماليّة باهظة على الشّركات التّي تخالف القواعد.(4) 

ومع بداية الثمانينات توجّهت عناية السّلط الى القطاعات الجديدة :صناعات التّكنولوجيا العالية ،والتّي غدت خلال الفترة (80-1989) تحظى بالاهتمام الأوّل ،برز ذلك خلال المخطّط الخماسي السّادس (1987-1992) فعرفت نموّا محسوسا، وشمل النّمو بالأساس شبه الموصلات(5)، و الكيمياء الدّقيقة، و التّكنولوجيا الاحيائيّة، و الصّناعة الجوفضائيّة و الطّاقة النّوويّة في طور اوّل، وانضافت اليها في طور ثان معدّات الاتّصال و الصّناعة المعلوماتيّة.

  1. مرحلة بناء اقتصاد وطني (1990- ؟ ) 

في مطلع التّسعينات كان الاقتصاد الكوري يعيش على وقع نموّ اقتصادي ايجابيّ، مصحوب بفائض للميزان التّجاري، و أبدت الصّناعة الكوريّة قدرة على التجدّد و التّكيّف :حيث تراجعت اهميّة الصّناعات الخفيفة امام تصاعد وزن الصّناعات الثّقيلة، وتنامت مكانة صناعات الجيل الثّالث كالمعلوماتيّة و معدّات الاتّصال... 

ولكنّ الأزمة الماليّة التّي عصفت بآسيا الشّرقيّة سنة 1997 كان لها اوخم العواقب على كوريا الجنوبيّة، فكان أن دخل الاقتصاد في طور من الانكماش ،فسجّل النّاتج الدّاخلي الخام نموّا سلبيّا (-5,8 % سنة 1997) .وجرّاء تضخّم مديونيّتها افلست 8 متكتّلات عملاقة (من التّي تعرف بالشّايبول) من بين 30 الأولى من بينها دايوو و كيا و مجمّع هامبوفي صناعة الحديد.فتدخّلت المؤسّسات الماليّة العالميّة في أضخم عمليّات اقراض و انقاذ من نوعها  لاقتصادات وطنيّة في التّاريخ المعاصر.

وعلى الصّعيد الاجتماعي حلّت الكارثة: فكان تسريح آلاف العمّال (وهذا امر نادر الحدوث) فتصاعدت بالتّالي البطالة متضاعفة بثلاث مرّات في ظرف وجيز بين سنتي 1997 و 1998 منتقلة من 3 %لتبلغ 8,7 % من السكان النّشيطين ...ترافق ذلك مع انخفاض الأجور، وغلاء أسعار المواد الاستهلاكيّة التّي ازدادت بنسب تراوحت بين 20 و 100%... 

وللخروج من الأزمة عمد أصحاب القرار الى اتّخاذ التّدابير التّالية : 

- اعادة هيكلة المؤسسات الاقتصاديّة الخاصّة (الشّايبول)،ودفعها نحو مزيد من الشّفافيّة و تقليص الدّيون و التّركيز على عدد معيّن من الاختصاصات المربحة ،والحدّ من التّنويع المفرط للإنتاج.

- الاسراع في اعادة تنظيم النّظام البنكي.

- خوصصة المؤسّسات العموميّة التّي تشكو من صعوبات ماليّة.

- الرّفع من القدرة التّنافسيّة للفروع كثيفة الاستخدام لرأس المال على غرار صناعات الحديد و الانشاء البحري، والسّيارات، و الالكترونيك، وشبه الموصلات...

- اعطاء أهميّة متزايدة للسّوق الدّاخليّة . 

- التّنويع فأكثر فأكثر من اطراف التّبادل التّجاري بالتوجه نحو الأسواق الواعدة على غرار الصّين. 

 مجموع هذه الاجراءات آتت أكلها ،فأمكن تجاوز التّأزم الاقتصادي، واستعاد الاقتصاد حيويّته سنة 1999 اذ بلغت نسبة نموّ النّاتج الدّاخلي الخام 9,7 %،واستعادت البلاد نموّا ايجابيّا للإنتاج الصّناعي، وللصّادرات، و للاستهلاك الدّاخلي. 

كما اتّسمت مرحلة ما بعد الأزمة بتنمية السّوق الدّاخليّة بهدف ارساء اقتصاد وطني، فرفّع في الأجور، وشرع في توفير الخدمات الاجتماعيّة كالتّأطير الصّحي و التّامين على الشّيخوخة، فتحسّنت المقدرة الشّرائيّة و تزايد الاقبال على اقتناء مواد الاستهلاك العاديّة    و المعمّرة المصّنعة بالدّاخل، وذلك بصفة موازية للتّمادي في التّعويل على التّصدير. 

وتأكيدا للعناية بصناعات تكنولوجيا الاعلام، وعلى اثر الأزمة، اعلن الرّئيس الكوري Kim Dae-jung انطلاق برنامج «كوريا السّيبريانيّة للقرن 21»(« Cyber-Korea 21 ») ،وفيه تمّ اعتبار تكنولوجيا الاعلام و الاتّصال الجديدة technologies de l’information et de la communicationNouvelles، كأحد القطاعات الرّئيسية لنموّ الاقتصاد الوطني ،وكاختيار طريق جديد للتّنمية.

ومع مطلع الألفيّة الجديدة نحت الدّولة منحى جديدا بالتّركيز على الطّاقات البديلة للحدّ من الواردات الضّخمة من المحروقات. وفي الذّكرى السّتين لقيام الجمهوريّة يوم 15 اوت 2008 ،اعلنت السّلط العموميّة انطلاق العمل بمشروع «للنّموّ الأخضر ذي انبعاثات الكربون الضّئيلة» ،وتتمثّل اهدافه في حفز محرّكات النّمو الاقتصادي الجديدة المحافظة على البيئة، والضّامنة لجودة الحياة.

فوفق المخطّط الخماسي (2009-2013) برمج تخصيص 2% من النّاتج الدّاخلي الخام كاعتمادات ماليّة سوف ترصد لفائدة الاقتصاد الأخضر. ومن المفترض انّ جانبا هامّا من الاستثمارات قد ضخّ في الطّاقات العضويّة (bio-énergies)المتأتيّة من الكتلة الحيّة أي من معالجة النّفايات المنزليّة، و في انتاج السّيارات ذات الانبعاث الضّعيف لغازات الكربون، وتجميع ثاني اوكسيد الكربون، وتجويد نوعيّة المياه، والتّخفيض بالتّدريج من الاعتماد على النّفط الى مستوى معقول وتطوير المفاعلات النّوويّة...لذا وتناغما مع هذا التّمشّي وفي الوقت الحالي  و بـ 21 مفاعل نوويّ موضوع في الخدمة، أصبحت كوريا من اكثر بلدان العالم اعتمادا على الكهرباء النّووي .

  1. مؤشّرات الأداء التّنموي. 
  1. نسق سريع للنّمو الاقتصادي: 

حقّقت كوريا الجنوبيّة قفزة اقتصاديّة مشهودة و في وقت قياسي لم يتجاوز ربع القرن ممّا حدا بالبعض عن الحديث عن معجزة بأتمّ معنى الكلمة، تتجسّم مؤشّراتها: 

  • ارتفاع نسبة النمو السّنوي للنّاتج الدّاخلي الخام. 

وثيقة 6: متوسّط نسبة النّمو السّنوي للنّاتج الدّاخلي الخام (%) 

نسبة النمو  الفترة او السّنة 
9%  1963-1973 
9,3%  1973-1979 
8,2%  1979-1990 
12,9%  1987 
5,7%  1990-1999 
6.1%  2009 
3.4%  2014 
  • منذ سنة 2004 انضمّت كوريا الجنوبيّة الى النّادي الضّيق من الدّول التّي يفوق ناتجها الدّاخلي الخام 000 1 مليار دولار. 

وثيقة 7: الـ15 قوّة اقتصاديّة الأولى في العالم مرتّبة حسب قيمة ناتجها الدّاخلي الخام سنة 2016بحساب المليار دولار امريكي 

18 698  الولايات المتّحدة الأمريكيّة  1 
12 254  الصّين  2 
4 171  اليابان  3 
3 473  ألمانيا  4 
3 055  المملكة المتّحدة  5 
2 488  فرنسا  6 
 2 385  الهند  7 
1 868  ايطاليا  8 
1 673  البرازيل  9 
1 592  كندا  10 
1 450  كوريا الجنوبيّة  11 
1 265  اسبانيا  12 
 1 253  أستراليا  13 
1 187  المكسيك  14 
1 179  روسيا  15 

فبناتج داخلي خام قدره 400 1 مليار دولار سنة 2015، تكون كوريا الجنوبيّة قد تبوّأت مرتبة 11 قوّة اقتصاديّة في العالم. وقد اعترف بها العالم المصنّع كدولة قياديّة بعد انضمامها الى "منظّمة التّعاون   و التّنمية الاقتصاديّة"     (OCDE) سنة 1996،والتّي تضمّ 35 بلدا الأكثر تقدّما، كما دعيت للانخراط في مجموعة العشرين (G20).وبالنّظر الى التّراجع النّسبي لقارّتي امريكا و اوروبا من المنتظر ان تتجاوز الثّروة المولّدة كلّ سنة في كوريا الجنوبيّة كلاّ من ايطاليا و كندا خلال السّنوات القليلة القادمة.

وحسبتقرير التنافسية العالمي(  Rapport sur l’Indice Mondial de la Compétitivité (« Global Competitiveness Index », GCI)) ووفق تصنيف 2015 – 2016 احتلّت كوريا الجنوبيّة المرتبة 26 على صعيد العالم بين أكثر اقتصاديّات العالم تنافسيّة ،متقدّمة على اسبانيا و العديد من البلدان الصّاعدة كالصّين و الهند و روسيا...(6)

  1. تحسّن مؤشّرات التّنمية البشريّة  

تلازمت التّنمية الاقتصاديّة بتحوّلات متسارعة على الصّعيد الاجتماعي، لعلّ أبرزها الافلات من وضعيّات الفقر و حالات الاملاق القصوى و البؤس ...التّي وصمت حال الأهالي في بدايات المجهود التّنموي مطلع ستّينات القرن الفائت، و ليس أدلّ على التّطوّر الاجتماعي من: 

-1- نجاح كوريا الجنوبيّة في تحسين مستويات عيش السكان ... من ذلك ارتفاع حصّة الفرد الواحد من النّاتج الدّاخلي الخام و الذّي تضاعف بـ 400 مرّة منذ 1960 ،كي يفوق في الوقت الحالي مثيله بإسبانيا، وليعادل 10 مرّات ما هو مسجّل في نيجيريا التّي توفّرت على ايرادات ماليّة هامّة تأتّت من مبيعاتها البتروليّة.

وثيقة 8: حصّة الفرد الواحد من النّاتج الدّاخلي الخام للقوى الاقتصاديّة الـ 15 الأولى في العالم سنة 2015 بحساب الدّولار أمريكي 

55 904  الولايات المتّحدة الأمريكيّة  5 
8 280  الصّين  74 
32 481  اليابان  24 
41 267  ألمانيا  18 
44 118  المملكة المتّحدة  14 
27 827  فرنسا  20 
1 688  الهند  142 
29 847  ايطاليا  26 
8 802  البرازيل  69 
43 935  كندا  15 
27 513  كوريا الجنوبيّة  28 
26 327  اسبانيا  29 
51 624  أستراليا  7 
9 592  المكسيك  63 
8 447  روسيا  72 

الوثيقة 9:تطوّر عدد من المؤشّرات الاجتماعيّة بكوريا الجنوبيّة 

المؤشّر  1970  1997  السّنوات  كوريا الج.  الدّول العربيّة 
أمل الحياة عند الولادة(بالسّنوات)    59.9  67  2014  81,4  70,2 
عدد الأطبّاء لكلّ ألف ساكن    0.45  1  2003-2012  20,2*  13,7* 
نسبةوفيّات الرّضع    60  11  2012  2  28 
نسبة التّمدرس لفئة الأعمار 12-17 سنة    40%  85,5%  2003-2012  97%  76% 
مؤشّر التنمية البشريّة    -  -  2012  0,891  0,682 
معدّل البطالة    -  8,7%  2014  3.5%  10.4% 
مستخدمو الانترنت    -  -  2005-2015  98,5%  34,2% 
الشّعور بالرفاهة عن مستوى العيش    -  -  2007-2013  72%  39% 

لكلّ10 000 من السّكان. 

  • المصادر: تنظيم المجال العالمي(1995)،ملامح العالم الاقتصاديّة (98-1999)،برنامج الأمم المتحدة الانمائي :تقرير التنمية البشريّة للعام 2014. 

وبصورة موازية تحوّلت التّركيبة المهنيّة-الاجتماعيّة من تركيبة مميّزة للأقطار النّامية الى تركيبة تتميّز بأهميّة القطاعين الثّاني و الثّالث.

-2-  تحقيق تنمية بشريّة مرموقة، جعلتها تحتلّ المرتبة العالميّة 15 حسب منظمة الأمم المتحدة سنة 2014 وفق مؤشّر التنمية البشريّة، بمؤشّر تنمية بشريّة عال جدّا، متقدّمة على كثير من أقطار الشّمال.

- 3- تعدّ كوريا الجنوبيّة اوّل مجتمع في العالم ، من حيث ارتباط أسره و افراده بالشّبكات المعلوماتيّة كالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، عبر حواسيبهم الشّخصيّة او هواتفهم النّقالة او بواسطة مقاهي الانترنت التّي تعدّ بالآلاف ...اعتمادا على كابلات الألياف الضّوئيّةذات الدّفق العالي.ومن المفترض انّه ومع مطلع سنة 2012،تكون البلاد قد أتمّت تجهّزها بشبكة فائقة التّطور ذات دفق ثابت عال جدّاréseau à ultra-haut débit fixe،تعادل10 مرّات دفق اللّيف الضّوئيّ.لذا من المنطقي ان تبلغ نسبة نفاذ الانترنت ما يزيد عن 98%وهي من بين الأعلى في العالم. و تملك كوريا الرّقم القياسي العالمي في اشتراك السّكان في خدمات haut débit mobile (3G) (بنسبة 95 % من السّكان) علما و انّ محرّكات البحثالتّي تتولّى اسداء خدمة الانترنت، الأكثر استعمالا هي محليّة التّصميم ( و تتمثّل في Daum  أوNaver)  و بصفة مبكّرة و منذ 1999 و قبل ظهر الفايسبوك، كان للكوريّين شبكة للتّواصل الاجتماعي خاصّة بهم ألا وهي Cyworld.

سيول 

 

- المدينة باتت رابع اغنى مدينة في العالم بعد طوكيو، ونيويورك، ولوس انجلس، ومتقدّمة على لندن و باريس و شنغهاي... بن د خ بلغ 733  مليار دولار .

- تتميّز الحاضرة بناطحات سحابها الفخمة، وشبكات مواصلاتها الأكثر تطوّرا، التّي حلّت محلّ الأحياء القصديريّةالتّي كانت قائمة الذّات مع مطلع السّتينات.

- قلب المدينة يتكوّن من «اقليم الأعمال المركزي» (C.B.D) على طريقة الحواضر الأمريكيّة الكبرى، الذّي تتركّز فيه الخدمات النّادرة ،ويمثّله حي كانغنامGangnam-gu(الذّي يعني "جنوب النهر") و اكتسب شهرة بسبب أغنية الراب التى نالت شهرة واسعة للفنان "ساى"بعنوان ’ كانغنام ستايل’.التى تم إصدارها في 15 جويلية عام 2012 و وصل عدد مشاهدات الفيديو على موقع يوتيوب اكثر من ملياري مشاهدة.

الوثيقة رقم 11:مركز الأعمال بمدينة سيول : حيّ غونغنام 

- جودة الحياة في سيول تقارن بالحواضر العالميّة الكبرى كلندن و طوكيو ونيويورك. 

- تشكّل سيول القلب الاقتصادي لكوريا الجنوبيّة و مركز النّفوذ التّقريري و التسييري الأوّل، والمركز المالي الرّئيسي بالبلاد. 

وفيما يتعلّق بتوزيع الدّخل، الفارق بين الفئات الاجتماعيّة ليس بالكبير، والتّوزيع أقرب الى الاعتدال ،فمؤشّر جيني الذّي يقيس اللاّمساواة  في الدّخل يجعل كوريا الجنوبيّة تحتل مرتبة وسطى بين دول العالم :المرتبة 121 ،مقابل المرتبة 63 بالنّسبة لتونس. بمعنى أنّ النمو الاقتصادي لم يفض الى فجوة كبيرة كما هو موجود بالفعل في العديد من البلدان النّامية بين الفئات العليا و شرائح الطّبقة الوسطى التّي تمثّل قرابة ثلثي مجموع السّكان. 

ولمواجهة الانحرافات التّي طالت نظام توزيع الدّخل في السّنوات الأخيرة، وامام النّمو المحسوس للفقر      و خصوصا بين كبار السّن (من هم في حالة فقر مدقع -حسب التّعريف الحكومي هم من دخولهم تقلّ عن 40 % عن متوسّط الدّخل الفردي السّنوي- يمثّلون 7,8 % من السكان ،سنة 2013)...طبّقت الدّولة برنامجا لدعم العائلات الفقيرة عبر منح ماليّة و اعفاءات جبائيّة للتّكفّل بمصاريف الصّحة و التّعليم. 

  1. نتائج المجهود التّصنيعي. 

أسفر المجهود التّصنيعي عن : 

- الانتقال من بلد زراعي الى قطر صناعي جديد.

- تدعّم مكانة الصّناعة ضمن الاقتصاد الوطني من حيث اسهامها في توليد الثّروة، وبنسبة نزيد عن ثلث مكوّنات الناتج الدّاخلي الخام(37,6% سنة 2016، مقابل نسب لا تتعدّى الـ20% في أقطاب الثّالوث: الولايات المتّحدة، و الاتّحاد الأوروبي و اليابان). 

الوثيقة 13:بعض مؤشّرات المعجزة الصّناعيّة الكوريّة. 

المنتج  الوحدة  1958  1974  1997  2014 
الانتاج  الحصّة من الانتاج العالمي  الرّتبة العالميّة 
الكهرباء  مليار كيلوواط/ساعة  منعدم  1,9  77,1  130  -  5 
الفولاذ  مليون طن  ضئيل جدّا  1,9  42,5  71,5  4,3%  5 
الاسمنت  مليون طن  ضئيل جدّا  8,8  60,5  63,2  -  9 
الأنسجة الاصطناعيّة  مليون طن  منعدم  0,15  2,5  1,5*  2,8%  7 
السّفن  مليون برميل سعة خام**  ضئيل جدّا  0,56  12,7  21,8  34,4%  2 
السّيارات  مليون وحدة  منعدم  0,2  2,8  4,5  5,04%  5 
               

 

انتاج سنة 2012                                                                                                                            **برميل سعة خام او طنّة=2,832 م3 

نقلا عن مصادر مختلفة. 

- امتلاك قاعدة صناعيّة صلبة و نسيج صناعي متنوّع المكوّناتيضمّ مختلف الصّناعات سواء صناعات الجيل الأوّل، او صناعات الجيل الثّاني او صناعات الجيل الثّالث( التّكنولوجيا العالية)،والتّي كانت الى وقت قريب حكرا على الأقطار الأكثر تقدّما في الشّمال... 

- بعث جهاز انتاجي صناعي ديناميكي قادر على منافسة مصنوعات بلدان الشّمال، وبوّأ البلاد مراتب مرموقة على الصّعيد العالمي في عدد من المنتوجات، كالسّفن، و الالكترونيك، والسّيارات. 

وفي مجال صناعات التّكنولوجيا العالية : 

  • تتزعّم الشّركات الكوريّة الكبرى عددا من الفروع على الصّعيد العالمي كتصنيع معدّات تكنولوجيا الاعلام والاتّصال الجديدة،(وبالأخصّ الهواتف الذّكيّة(smartphones) ،وتستأثر بقرابة ثلث سوق الهاتف النّقال .
  • في انتاج التّجهيزات الالكترونيّة الدّقيقة، وفي ظرف وجيز قلّ عن عشرين سنة أضحت كوريا الجنوبيّة تستحوذ على 50% من السّوق العالميّة لشاشات العرض البلوري السائل écrans à cristaux أو إل سي دي(بالإنجليزية: LCD - Liquid Crystal Display)  liquides، وعلى نصف الانتاج العالمي لذاكرات الحواسيب mémoires d’ordinateur ،واكبر منتج في العالم لأشباه الموصلات.

- ارتقاء الاقتصاد الكوري الى مستوى تدويل الانتاج نتيجة تحوّل عدّة مؤسّسات وطنيّة الى شركات عبر قطريّة، بعثت فروعا لها في الخارج على غرار سامسونغ (تشغّل      000 235 عامل في 65 بلد)،وال جي،ودايوو،وكياموتورز،وهيونداي... وامتدّت الفروع الى بلدان متقدّمة أوروبيّة و امريكيّة والى بلدان نامية، وذلك بعد سنوات من التّعويل على السّوق الدّاخليّة. وشملت عمليّات اعادة التّوطين  الصّناعات كثيفة الاستخدام لليد العاملة وصناعة الالكترونيّات الموجّهة للاستهلاك الجماهيري العريض ( الالكترونيك الشّائع الاستعمال)الى الصّين و النّمور الآسيويّة.

وبرصيد تراكمي للاستثمارات الكوريّة المباشرة الصّادرة وصل الى   286 مليار دولار سنة 2015،باتت كوريا من أهمّ مصدّري رؤوس الأموال في العالم و تحتلّ المرتبة 23 عالميّا في هذا الميدان.

  1. النّجاح في اكتساح الأسواق الخارجيّة ،وضمان مزيد من التّأثير  الثّقافي : 

ما فتئ هيكل مبادلات السّلع و الخدمات حسب المواد و الأطراف بكوريا الجنوبيّة، تعتريه تغيّرات متسارعة خلال العشريّات الخيرة، يمكن اختزالها في الآتي: 

- تضاعف قيمة اجمالي المبادلات التّجارية مع الخارج بـما يزيد عن 100  مرّة بين 1975 و 2014،وبالأخصّ الصّادرات التّي يعكس نموّها السّريع الحيويّة التّجاريّة لكوريا الجنوبيّة، فقد مرّت من زهاء مليار دولار سنة 1962 لتشكّل مبلغ 509 مليار دولار سنة 2016. 

- تغيّر عميق للتّركيبة السّلعيّة للصّادرات :فبعد ان كانت تعتمد بالأساس على عدد من المواد الأوليّة (كخامات الحديد، و التّنغستن، و الفحم الحجري)والأسماك و المنسوجات الحريريّة الرّخيصة،سجّلت صادرات المنتجات المعمليّة باهظة الأثمان ارتفاعا مذهلا وباتت تمثّل ما يزيد عن 90% من قيمة الصّادرات،لا سيما من الالكترونيّات و معدّاتالمعلوماتيّة و الاتّصال و السّيارات و السّفن...ذات القيمة المضافة العالية. 

- توفّق الصّادرات الصّناعيّة في قيادة غزو سلعي منتظم لشتّى أسواق العالم،فلئن حافظت ك.الجنوبيّة على اوليّة التّصدير الى السّوقين الأمريكيّة و اليابانيّة،فقد نوّعت من تعاملاتها التّجاريّة مع البلدان الآسيويّة المجاورة كالصّين و التّنينات الأخرى و النّمور الآسياويّة ثمّ الاتّحاد الأوروبي. 

- في المحصّلة النّهائيّة و كنتاج للنّجاحات الاقتصاديّة المبهرة تحوّلت كوريا الجنوبيّة الى أحد أهمّ الأطراف التّجاريّة في عالم اليوم كسابع مصدّر للسّلع في العالم (بـ3,7% من قيمة الصّادرات العالمية للسّلع سنة 2014) و كـ 9 موردّ للسّلع في العالم ،ويسجّل الميزان التّجاري منذ سنوات فوائض ماليّة هامّة، بلغت رقما قياسيّا سنة 2015 شكّلت مبلغ 90 مليار دولار، وقد احتلّت المرتبة الثّالثة في العالم من حيث أهمية فوائض الميزان التجاري بعد الصّين و ألمانيا(7)

- منذ السّبعينات نمت بشكل ملفت للانتباه صادرات الخدمات العالية، وفي مقدّمتها، خدمات الهندسة    و البناء، كمشاريع البناء و التّشييد الكبرى الى ما وراء البحار(من امثلة والمحطّة النّوويّة التّي فازت بعقد انشائها سنة 2009 بالامارات ، شركة Kepco الكوريّة على حساب العرض المقدّم من طرف تحالف لشركات فرنسيّة...).وقد تمّيزت اعمال شركات البناء الكوريّة في الخارج بالانضباط الشديد لقوّة العمل، وسرعة الانجاز، و اختصار المدّة الزّمنيّة و التّسليم قبل المواعيد المقرّرة و بالجودة المطلوبة.

- خلال السّنوات القليلة الماضية ،تزايدت بشكل ملفت صادرات المنتجات الثّقافيّة من أفلام سينمائيّة،     و مسلسلات تلفزيونيّة ، وأغاني البوب الكوريّ K-pop .وهو ما امّن انتشارا محسوسا للثّقافة الكوريّة بالخارج وملّكها احدى ادوات القوّة النّاعمة Soft Power.

انتشار الثّقافة الكوريّة الذّي أصبح يعرف بـ Hallyu او «الموجة الكوريّة »، همّ في بادئ الأمر     و خلال التّسعينات الصّين، ثمّ امتدّ ليشمل شيئا فشيئا اليابان و أقطار آسيا الشّرقيّة، والآن بدأت تطرق أبواب امريكا و أوروبا. (8)وفي سنة 2011 تخطّت صادرات السّلع الثّقافيّة الكوريّة و منها أشرطة السّينما، و الصّور المتحرّكة ،وألعاب الفيديو رقما غير مسبوق :4 مليار دولار،وفي ذات السّنة قفز عدد مشاهدات فيديوهات البوب الكوري الى 2,3 مليار مشاهدة في 235 بلدا.(9)

-وبفضل تراكم أرباح التّجارة الخارجيّة وعائدات الاستثمار الخارجي ،فانّ المدّخرات النّقديّة بالعملات الأجنبيّة الصعبة المودعة في خزائن البنك المركزي (احتياطي الصّرف) أضحت طائلة  و شكّلت مبلغ 363 مليار دولار سنة 2015،المرتبة الثّامنة عالميّا قبل فرنسا و المانيا و ايطاليا و المملكة المتّحدة. (10)

وكانت الحكومة و لمدّة طويلة قد طبّقت نظاما صارما للرّقابة على النّقد الأجنبي، لمنع تسرّب حصيلة النّقد الأجنبي الى انشطة غير انتاجيّة في الدّاخل، او التّهريبالى الخارج لتزيد أرصدة الفراديس الضّريبيّة ضخامة. 

III-عوامل المعجزة الكوريّة : 

  1. العوامل الخارجيّة: 

ما تحقّق من تنمية في كوريا الجنوبية يعزى الى تضافر عوامل متداخلة، منها العوامل الخارجيّةو التّي يمكن اختزالها في الآتي:

- تواجد نواة صناعة حديثة كان قد نمّاها المستعمر الياباني.

- مساعدة امريكيّة و يابانيّة ثمينة في اطار الحرب الباردة.

- اعتماد كوريا على نموذج التّصنيع المنفتح على الخارج،تزامن مع تسارع نسق نموّ المبادلات التّجاريّة الدّوليّة،في ظلّ نزعة التّخفيض التّدريجي للمعاليم الجمركيّة على الواردات،التّي رعتها "الاتفاقية العامّة للتّعريفات و التجارة(G.A.T.T=الغات) منذ انشائها سنة 1947 .

- تنامي الاستثمار الأجنبي المباشر مع بدايات بروز مؤشّرات النّهضة الاقتصاديّة. 

- توسّع المؤسّسات الماليّة الدّولية وبنوك التّنمية الاقليميّة،و المصارف الخاصّة، والدّول الغنيّة،مستفيدة من تراكم الفوائض الماليّة لديها...في اقراض حكومات البلدان النّامية      و تمويل المجهود التّنموي بها...وهذا ما اتاح للدّولة الكوريّة التّوسّع في التّعويل على موارد القرض الأجنبي. 

- موقع  كوريا ضمن الحزام الهادي (L’aire Pacifique) نسبة الى المحيط، والذّي بات يشكّل قلب التّحولات الاقتصاديّة في عالم اليوم، وأكثر المجالات جذبا للاستثمارات، ومركز الثّقل في المبادلات التّجاريّة العالميّة.

و مع الاقرار بالتّأثيرات الايجابيّة للعوامل آنفة الذّكر ،فانّ العامل الدّاخلي كان أبلغ أثرا في مسار التّنمية بكوريا الجنوبيّة. ففيما يكمن دور العوامل فيما تحقّق من نجاحات ؟ 

  1. أوليّة اسهام العوامل الدّاخليّة في التّنمية 
  1. دور الدّولة المحوري في اسناد حركة التّنمية :  

من المفارقات المثيرة التّي لها دلالتها في النّموذج التّنموي الكوري انّ الخيارات اللّيبراليّة وإرادة بناء مقوّمات اقتصاد حرّ وإطلاق المبادرة الخاصّة كانت موجّهات سلوك الدّولة في المجال الاقتصادي، ولكنّ اوجه تدخّلها كانت و لا زالت متعدّدة حيث شمل المجالات التّالية : 

-العمل بتخاطيط اقتصاديّة مرنة (المخطّطات الخماسيّة) لتوجيه حركة التّصنيع، المخطّطات التّي تحدّد اولويّات التّصنيع و الفروع ذات الأولويّة، وتتولّى توزيع حجم الاستثمارات العموميّة.

- الاستثمار في البنية الأساسيّة. 

- تهيئة المناطق الصّناعيّة و بعث المناطق الحرّة. 

- تقديم الدّعم المالي للمؤسّسات الوطنيّة (منح، قروض...)فرغم خوصصة البنوك فقد مارست الحكومة تأثيرا قويّا على سياسة الاقراض لدى هذه البنوك، عبر دفعها الى تكثيف منح القروض الدّاعمة لسياسات الدّولة الاقتصاديّة و بأسعار فائدة منخفضة، وفي ذات الوقت حاولت الحكومة توجيه المجمّعات الصناعيّة الكبرى (الشّايبول)الى الصّناعات المستهدفة عبر اغرائها بتقديم الدّعم المالي لها. 

- تحفيز المؤسسات الصّناعية على تجديد هياكلها الانتاجيّة و مسايرة التحولات التّكنولوجيّة المتسارعة، مثال الدّعم المالي الذّي تسنّى للمؤسسات الحصول عليه ،للتّخلّص من الآلات المتهرّمةضعيفة الانتاجيّة. 

- وضع استراتيجيا وطنيّة للنّهوض بواقع البحث و التّطوير، وإرساء الهياكل العموميّة الكفيلة بذلك ، فكان على رأسها ("المعهد العالي الكوري للعلوم  و التّكنولوجيا،Korea Advanced Institute of Science and Technology (KAIST)) الذّي بعث العام 1971.

- العمل بسياسة اجتماعيّة حازمة تخدم أرباب الأعمال في مرحلة اولى، فلضمان استقطاب الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة ،مكّنت المستثمرين من الانتفاع من الضّغط على الأجور و حريّة توظيف اليد العاملة ،وتحجير العمل النّقابي ،اجهاد العمّال بفرض عدد كبير من ساعات العمل، وحرمانهم من التّغطية الاجتماعيّة... 

وفي مرحلة تالية و بالتّوازي مع المسار الدّيمقراطي الذّي انتهجته منذ التّسعينات، بادرت الدّولة برفع القيود على النّشاط النّقابي، والتّحسين من مستوى التّأهيل و التّكوين لدى العمّال، ورغبة منها في تنمية السّوق الاستهلاكيّة زادت في الأجور و حثّت على الادّخار...الخ 

-سياسة الدّولة في التّعاطي مع رأس المال الأجنبي : 

اضطلعت الدّولة بدور حاسم تجاه تدفّقات رؤوس الأموال الأجنبيّة .فكانت ان أصدرت في جانفي 1960 القانون المتعلّق بتحفيز الاستثمارات الأجنبيّة... 

ولكنّالدّولة و منذ 1973 ضبطت قواعد جديدة للاستثمار، فتراجعت عن سياستها المرنة تجاه المستثمرين الجانب، وأدخلت المزيد من القواعد الصّارمة. ولعلّ اهمّ ما تضمّنته هذه القواعد الجديدة، اعتبار مشروعات الاستثمار الأجنبي غير مرحّب بها ،اذا كانت:

  • تنافس الشّركات المحليّة في الأسواق العالميّة في النّوع نفسهمن المنتجات.
  • هدفها تحقيق أقصى ارباحيّة من استغلال الأرض في المضاربة العقاريّة(11)

وبالإضافة الى ذلك فقد قامت الحكومة أيضا، في محاولتها للحدّ من دور الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة، بوضع حدّ أقصى للمشاركة الأجنبيّة بنسبة 20% من جملة رأس المال المستثمر، وذلك باستثناء بعض الحالات منها : المشروعات التّي تنتج للتّصدير فقط ، و المشروعات ذات الكثافة التّكنولوجيّة العالية.

كما اقتضت السّياسات الحكوميّة المشاركة المحليّة بنسب تفوق 50% في المشروعات التّالية :

  • كثيفة العمالة.
  • ذات التّشغيل المحدود للخامات و السّلع الأوليّة.
  • الموجّهة للأسواق المحليّة.

و اخيرا وضعت هذه القيود حدّا ادنى للاستثمار في المشروع، وهذا التّقييد في حجم تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر نابع من رغبة الحكومة في تدعيم دور رأس المال الوطني في ملكيّة وحدات قطاع الأعمال الخاصّ.

وعندما أصبح صنّاع القرار على ثقة من أداء الاقتصاد الكوري ، قامت الحكومة بتعديل قانون تحفيز رؤوس الأموال الأجنبيّة عام 1984.وقد تضمّن هذا التّعديل التّقليل من عدد المشروعات غير المقبولة، كما انّ الشّروط التّي كانت تقيّد نسبة الملكيّة الأجنبيّة قد تمّ التخفيف منه أيضا...

لذا وفي حالة كوريا الجنوبيّة، لم يكن المصدر الرّئيسي لتمويل المشاريع هو تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر، كما هو الحال في سنغافورة، و ماليزيا ، و البرازيل ،والشّيلي،       و الأرجنتين ، بل لعبت تلك التّدفّقات دورا محدودا نسبيّا في مسيرة التّنمية الكوريّة، امام الدّور المركزي الذّي لعبته المجمّعات الكبرى العملاقة (الشّايبول).(12)

  1. المساهمة الفعّالة لرأس المال الوطني الخاصّ : 

هل استحالت كوريا الجنوبيّة  الى جمهوريّة سامسونغ ؟ سؤال طرحه بعض الباحثين، و يستمدّ السّؤال مشروعيته من العملقة التي بات عليها حجم  المؤّسسة  و تعاظم دورها  و تشعّب أنشطتها (للشّركة 70 نشاطا مختلفا يشمل الالكترونيّات، وتكنولوجيّات الاعلام و الاتّصال الجديدة، والإنشاء البحري ،والبناء و الأشغال العامّة، والتّأمين، و الفندقة، والتّرفيه...).فهذه المتكتّلة التّي أنشئت سنة 1938 من قبل Lee Byung-chulالذّي بدا نشاطه الاستثماري و هو شابّ سنّه لم تتجاوز 25 ربيعا في الاتّجار بمادّة الأرز، هي في الوقت الحالي اكبر المجمّعات  بالبلاد. بل و يعدّ فرعها Samsung Electronics أكبر مؤسّسة في العالم عاملة في مجال "تقنيّة المعلومات"، و شكّل رقم معاملاتها مبلغ 177 مليار دولار سنة 2016،ولوحدها تنفق سامسونغ على قطاعي البحث و التّطوير قرابة 9 مليار يورو، وتتبوّأ بذلك المرتبة الثّانية في العالم بعد فولكسفاغن. وحسب جهات رسميّة تنفرد سامسونغ الكترونيكس بـ 16 % من النّاتج الدّاخلي الخام  للبلاد، وتحقّق ربع أرقام معاملات الشّركات العشر الأولى في البلاد.(13)

الوثيقة 16:حصّة القوى الاقتصاديّة الرّئيسية في العالم من المؤسّسات الكبرى       الـ 500 الأولى سنة 2015. 

الحصّة  عدد المؤسّسات  القطر  الرّتبة  الحصّة  عدد المؤسّسات  القطر  الرّتبة 
3%  15  سويسرا  8  26.8%  134  الولايأت المتّحدة  1 
2.4%  12  هولندا  9  20.6%  103  الصّين  2 
2.2%  11  كندا  10  10.4%  52  اليابان  3 
1.8%  9  ايطاليا  11  5.8%  29  فرنسا  4 
1.%  9  اسبانيا  12  28%  28  ألمانيا  5 
1.6%  8  أستراليا  13  5%  25  المملكة المتحدة  6 
1.4%  7  الهند  14  3%  15  كوريا الجنوبيّة  7 
  • المصدر: الموسوعة الحرّة،www.wikipedia.fr 

انّ ضخامة هذه الأرقام لتعكس بجلاء الخصّوصيّات المميّزة للاقتصاد الكوري  ،والمتمثّلة في ثقل وزن عدد محدود من المتكتّلات الكبرى في الاقتصاد الوطني (30 شركة الكبرى الأولى)،و التّي تعتبر بحقّ قاطرة النمو الاقتصادي السّريع، والكامنة وراء عمليّات التّصنيع الحثيث. وهي في الأعمّ الأغلب مؤسّسات عائليّة بالأساس ،ومن هنا تسميتها بالشّايبول ، وهي لفظة منحوتة من مفردتين صينتين ( Chae) وتعني ملكيّة، و (Munbol) و تعني عائلة نبيلة، وهي شبيهة في هيكلتها بمثيلاتها اليابانيّة  "الزّيباتسوات "  (  zaibatsus )و التّي بعد ان حلّت من قبل سلط الاحتلال الأمريكي لليابان قبل ان تتنظّم من جديد و تظهر في شكل آخر تحت مسمّى "الكيريتسو" (keiretsus).

ويبدو انّه ثمّة قواسم مشتركة بين الشّايبول و الكيريتسو، من حيث خضوع حوكمتهما عادة لعائلة معيّنة ،والرّوابط الوثيقة بالحكومة، التّي عاملتها ومنذ عقود معاملة تفضيليّة، فأغدقت عليها القروض و المنح، وكانت مفضّلة لدى السّلط العموميّة في عقود البناء و التّشييد و التزوّد...سواء في اطار اشراف الحكومة على توزيع المساعدات العموميّة من اجل التّنمية التّي تدفّقت اثر الحرب الكوريّة ، أو في اطارمخطّطات التّنمية الاقتصاديّة التّي صاغتها الحكومة و راقبت تنفيذها ، أومن خلال تحكّم الأخيرة في الجهاز البنكي...  

العلاقات الوثيقة بين السّلطة التّنفيذيّة و الشّايبول ، وما ترتّب عنه من شبهات فساد، كرشى المسؤولين، و المحسوبيّة، و المحاباة، و الزّبونيّة...حدت بالبعض الى الحديث عن"رأسماليّة الحبايب" (capitalisme de connivence بالفرنسيّة، وبالانكليزيّةCronycapitalism).ولا زالت تلك العلاقات تجثم بثقلها على واقع البلاد الى يوم النّاس هذا، بدليل  اقالة رئيسة البلاد بارك غوين -هايمن منصبها في نوفمبر 2016من قبل البرلمانبعد انكشاف فضيحة تدخل تشوي سون - سيل، المقربة من الرئيسة في شؤون الدولة، القضيّة التّي أضحت تعرف في وسائل الاعلام بـ"تشوي- غايت" « Choigate ».كما يحتجز منذ شهر ديسمبر في مركز اعتقال مدير شركة سامسونج، لي جي-يونغ، أحد كبار رجال الأعمال، المتّهم برشوة صديق رئيسة كوريا الجنوبية،  نظير مساعدة الحكومة له في صفقة تجارية. 

الوثيقة 17: المؤسّسات الكوريّة العشرة الأولى ضمن الـ2000 مؤسّسة الأولى في العالم ،حسب تصنيف ”فوربس“2016. 

عدد الشّغالين  الأصول الماليّة   الأرباح  رقم المعاملات  النّشاط الرّئيسي  المؤسّسة 
(بالمليار دولار أمريكي) 
235 999  206  16,5  177,3  الكترونيك  Samsung Electronics 
68 383  141  5,7  81,3  سيّارات  Hyundai Motor 
20 603  149,5  11,7  52,1  كهرباء  Korea Electric Power 
37 902  31  0,110  49,9  الكترونيك  LG Electronics 
132 300  68,6  0,159  48  فولاذ  Posco 
44 542  39,2  2,3  43,8  سيّارات  KIA Motors 
1 839  26,7  0,720  42,7  طاقة  SK Innovation 
22 015  42,4  -1,2  40,8  صناعات ثقيلة  Hyundai Heavy Industries 
750  124,2  -0,252  36,6  تجارة  HanwhaCorp 
2 052  82,4  4,7  35  طاقة  SK Holdings 

-The World's Largest Companies 2016;https://www.forbes.com 

ولكن ومنذ  الأزمة الماليّة الآسيويّة للعام 1997،و الجدل يدور حول الآثار السّلبية لهذه العلاقات المشبوهة بين المسؤولين الحكوميّين و مدراء الشّايبول ، خصوصا و انّ السّند الحكومي السّخي لم يحل دون افلاس كبرى المتكتّلات على غرار دايوو، وهانبو، و كيا...الخ، بعد ان ساد الاعتقاد لوقت ما انّها بمنجاة عن الانهيار(« too big to fail  »). 

وعموما و الى حدّ يوم النّاس هذا لازالت الشايبول تضطلع بدور اقتصادي بالغ الأهميّة ،فالثّلاثون الرّئيسيّة منها تحتكر 82 % من الصّادرات الكوريّة، وتتحكّم «الخمس الكبار»:سامسونغ، هيونداي، و اس كا،و ال جي،و لوط(Samsung, Hyundai, SK, LG et Lotte) بـ 41% من مبيعات الـ 500 مؤسّسة الأولى في البلد. 

وبحكم أجورها العالية، والامتيازات الاجتماعيّة التي تؤمّنها لمستخدميها ،تشكّل المتكتّلات الكبرى عامل جذب للعملة المختصّين من ذوي الكفاءات العالية .فعلى سبيل الذّكر لا الحصر: اتّبعت سامسونغ نهجا يستهدف تعزيز أواصر التّماسك الاجتماعي داخلها، فبنت الى جوار مصانعها الرّئيسية بسووان (Suwan) مدينة بأتّم معنى الكلمة لمشتغليها قادرة على ايواء 000 30 شخص، تضمّ كافة المرافق الحيويّة ،و شقق سكنيّة بيعت مقابل قروض تسدّد على أقساط معقولة، و مدارس، وثكنة لرجال المطافئ،  و مسرح، وقاعات للاحتفالات، و مستشفى ،وقاعات رياضة و سينما... 

أوليّة الدّور الاقتصادي للمؤسّسات الكبرى لا ينبغي ان يحجب الأنظار عن الدّور الحيوي المؤسّسات الصّغرى و المتوسّطة (من التّي تشغّل اقلّ من 299 عامل) في احداث فرص العمل (ثلث النّشيطين المشتغلين)،وتنشيط المنافسة ، وفي اعطاء دفع للبحث العلمي التّطبيقي و تطوير التّكنولوجيا المتطوّرة، ولدورها السّاند للشّركات الكبرى ،فقرابةنصف المؤسسات الصّغرى و المتوسّطة تعمل كمزوّد للشركات الكبرى في اطار عقود المناولة السّاندة.(14) 

  1. رأسمال بشري متميّز. 

أحد أبرز المؤهّلات الكوريّة المفسّرة للنّجاحات الباهرة التّي تحقّقت على مدى العقود الأخيرة ، تتمثّل في الاستثمار في الثّروة البشريّة. 

ويجمع الباحثون على جودة النّظام التّعليمي الكوري ،الذّي يتّسم بصرامة يقلّ نظيرها في بلدان "منظّمة التعاون و التّنمية الاقتصاديّة"، فحسب الاحصائيّات يقضّي الشّبان الكوريّون أبناء الفئة العمريّة 15 - 24 سنة ،في المتوسّط 7 ساعات و 50 دقيقة في اليوم للدّراسة سواء في المؤسّسات التّربويّة العموميّة او الخاصّة أين يتابعون الدّروس الخصوصيّة المنتشرة سوقها على نطاق واسع، مقابل 5 ساعات في بقيّة بلدان المنظّمة.      و لا يستغرق الوقت المخصّص لمشاهدة التّلفاز لدى الشّبان الكوريين أكثر من ساعة و 7 دقائق في اليوم ،مقابل ساعتين و 27 دقيقة كمعدّل وسطي لأقرانهم الألمان.  

وكنتيجة منطقيّة للانهماك في الدّراسة، تبدو النّتائج المدرسيّة ممتازة: فحسب البرنامج العالمي الموضوع من قبل منظمة التعاون و التنمية الاقتصاديّة من أجل متابعة المهارات المكتسبة (Pisa)،فانّ كوريا تتمتّع برابع أجود نظام تعليمي في العالم، فالمعدّلات الممنوحة للتّلاميذ الكوريّين في الرّياضيّات والعلوم  والقراءة  سنة 2012 ،كانت أعلى من المعدّلات في بقيّة بلدان المنظّمة. 

 ويحتلّ التّعليم مكانة لائقة ضمن المجتمع، ويقع في طليعة اولويّات كلّ أسرة ويستأثر بحصّة لا يستهان بها في ميزانيّتها، فإنفاق الأسر الكوريّة على تعليم أبنائها وما يستحقّه من تضحيات أحيانا جسيمة شكّل و لا يزال خصوصيّة كوريّة بامتياز. وتشيع داخل المجتمع الكوري تسمية «عائلة الاوزّ الوحشي»     (  famille d’oies sauvages) لوصف كلّ عائلة احد أوليائها وعادة ما تكون المرأة، يقيم بالخارج ،مصاحبا احد الأبناء كي يتيح له أفضل الظّروف لمزاولة دراسته الجامعيّة في الولايات المتحدة او كندا مثلا.ويبقى الأب عادة في كوريا للعمل و ارسال المال الكافي للوفاء بمتطلّبات الاقامة    و الدّراسة للابن أو البنت،وحسب المركز الوطني الكوري للإحصاء،10% من الأسر أي 000 150 1 زوجين،يعيشون بهذه الكيفيّة منفصلين عن بعضهما البعض سنة 2010.(15) 

ويظلّ الدّافع الأساسي لكلّ هؤلاء  « الآباء الاوزّ» هو ضمان سبل النّجاح لمعيليهم، حتّى و ان استوجب هذا الأمر لوعة الفراق ،واضطراب النّظام الأسري. فحسب دراسات اجريت حول الآباء الذّين ظلّوا في كوريا للعمل لأجل ابنائهم،تبيّن بانّ 8 من بين 10 يعانون من سوء التّغذية، و3 من بين 10 من الاضطرابات النّفسيّة و العصبيّة ،ونسب الانتحار بينهم هي الأعلى في كوريا و تفوق المعدّل الوطني ،الذي هو بدوره مرتفع قياسا بالمعدّلات المسجّلة في منظمة التعاون و التّنمية الاقتصاديّة، حيث تبلغ 24,7 حالة انتحار لكلّ 000 10 نسمة مقابل 2,9 في اليونان مثلا. 

انّ هذا الولع بالتّعليم الى حدّ الهوس يجد تفسيره في طبيعة البنى الذّهنيّة والأنماط السّلوكية السّائدة لدى الكوريّين، التّي اصطبغت و عبر احقاب تاريخيّة موغلة في القدم، بتأثيرات الثّقافة الكونفوشيوسيّة الوافدة من الصّين، تلك الثّقافة التّي تبجّل و تعظّم حملة الآداب    و رجال الفكر، وتحثّ على الكرع من مناهل الثّقافة، فمن الأقوال المأثورة عن  كونفوشيوس(16)لمّا سئل  "ما الذي يجب أن يكون عليه الرجل الأعلى؟" أجاب بقوله "أن يثقّف نفسه  بعناية ممزوجة بالاحترام".والعقليّة الكوريّة تمجّد النّجاح الفردي و تحثّ على التّنافس و البذل و العطاء، من اجل الأفضل: كالدّخول الى أرقى الجامعات، او تحقيق الارتقاء المهني، او تحسين الوضع المعيشي. 

وهذه العقليّة تفسّر طول ساعات العمل بكوريا، وتفاني العامل في العمل الذّي يؤدّيه، فبينما يشتغل العامل في بلدان منظمة التّعاون و التّنمية الاقتصاديّةفي المتوسّط 7631 ساعة في السّنة،و437 1 في فرنسا، ترتفع عدد ساعات العمل السّنوي الى 133 2 ساعة بكوريا(سنة 2013). ومن ايجابيّات هذا الارتفاع انّه أهّل كوريا كي تتصدّر بلدان العالم المصنّع المتقدّم في مستوى الزّيادة في انتاجيّة العمل (gain de productivité du travail) متقدّمة على السّويد، والمملكة المتّحدة ، واليابان،  و الولايات المتّحدة . 

انّ استبطان نظرة ملؤها تبجيل العمل و النّجاح، و الانضباط، وروح المبادرة، وروح الرّيادة...سمات مشتركة بين عامّة الكوريّين، وهذا كان لها الوقع الايجابي في التّصدّي و بنجاعة لفترات التّأزّم الاقتصادي . 

وقد تجلّى ذلك أثناء الأزمة الماليّة للعام 1997،فقد خلقت مخلّفات الأزمة الاقتصاديّة و الاجتماعيّة شعورا عميقا بالإهانة، وأثارت المخاوف من ان تضحيات الكوريين منذ الاستعمار الياباني ،وحرب التّقسيم، والانقلابات، والثّورات، والكوارث...في طريقها للتّبخّر، هذا الوضع حدا بالكوريّين الى التماس الحلول التّالية للخروج من الأزمة: 

  • شنّ حملات منتظمة لتشجيع الأهالي لمقاطعة البضائع الأجنبيّة، الى الحدّ الذّي اجبرت فيه بعض الماركات المحليّة التّي تحمل أسماء انكليزيّة او فرنسيّة، تحت ضغط المقاطعة الى وضع علامة«100% منتوج كوري»، بل وقف نشطاء امام محلاّت بيع السّلع المستوردة ملوّحين بشعار «استهلكوا كوري». 
  • التّقشّف، الى الحدّ الذّي أصبحت مغادرة البلاد للسّياحة ينظر اليها كخيانة للوطن. 
  • حملة شعبيّة لإنقاذ العملة الوطنيّة (الوون)،استندت الى تحريض المواطنين على تقديم ما لديهم من حليّ و مجوهرات الى البنوك (الكوريّون أشدّ شعوب العالم ولعا بامتلاك الذّهب) مقابل وصول بالوون تصرف بعد أشهر. وهذا «التّليتون» مكّن من تجميع 50 طن بالتّمام و الكمال من الحليّ، تمّ صهرها، ثمّ بيعت في الخارج للحصول على العملات الأجنبيّة الصّعبة.  

خاصيّة اخرى للرّأسمال البشري الكوري تكمن في ارتفاع مستوى التّأهيل و التّكوين للعمالة الكوريّة. فالسكان النّشيطون (26 مليون نشيط قادر على العمل سنة 2015) تحسّنت مستويات مهاراتهم وحذاقتهم الصّناعيّة (Le savoir-faire Industriel)بفضل ارتفاع نسب التّمدرس في مراحل التّعليم الثّلاث، وبفضل المجهود الجبّار الذي بذل في مجال النّهوض بقطاعي البحث العلمي و التّطوير التّكنولوجيمن قبل القطاع العام، والمجمّعات الصّناعيّة العملاقة ( الشّايبول) والجامعات و مراكز البحوث. 

علما و انّ الدّولة ومنذ المراحل الأولى لمسيرة التّنمية ، و بالتّنسيق مع مراكز البحوث الاستراتيجيّة (Think Tanksكانت قد وضعت برنامجا قوميّا للتّطوير التّقاني. ومنذ البداية كان الهدف الرّئيسي للسّياسات التّقانيّة هو هضم و استيعاب و تطوير التّقانة الحديثة على مستوى المشروعات والمنشآت ،والتّي تتلاءم و المعطيات الطّبيعيّة للبلاد و تستجيب للحاجيّات الحقيقيّة للاقتصاد الوطني، واعتمادا على القوى الذّاتيّة ...ومن دون الرّكون الى نقل التّكنولوجيا واستيراد المصانع الجاهزة (Usines clés-en-mains). 

الوثيقة 15:الأقطار الخمسة الأكثر استثمارا في قطاعي البحث العلمي و التّطوير التّكنولوجي في العالم سنة 2014. 

نصيب نفقات البحث و التّطوير من ن ق خ  النّاتج القومي الخام(ن ق خ)  نفقات البحث و التّطوير بالمليار دولار امريكي  القطر  الرّتبة  القطرالقطر  الرّتبة 
2,8%  616 16  465  الولايات المتّحدة  1  الولايات المتّحدة  1 
2%  559 14  177,3  الصّين  2  الصّين  2 
3,4%  856 4  163  اليابان  3  اليابان  3 
2,9%  312 3  92  ألمانيا  4  ألمانيا  4 
3,6%  748 1  61  كوريا الجنوبيّة  5  ك.الجنوبيّة  5 

Images économiques du monde 2016. 

وفي هذين القطاعين الحسّاسين أي البحث و التّطوير مؤشّرات النّجاح حقيقة مبهرة ، فكوريا الجنوبيّة الآن: 

  • تحتل المرتبة الخامسةعالميّا على مستوى القيمة الاجماليّة للاستثمارات التّي ضخّت في مجالي البحث و التّطوير. 
  • المرتبة الأولى في العالم من حيث نصيب نفقات البحث و التّطوير من النّاتج القومي الخام. 
  • خامس بلد في العالم من حيث عدد الباحثين ، بـ 134 باحث لكلّ       000 10 من القوى العاملة سنة 2014  (بعد اسرائيل، وفنلندا، والدّانمارك         و السّويد) 
  • الرّابعة عالميّا من حيث عدد براءات الاختراع (106 3 براءة اختراع سنة 2013) مباشرة بعد الولايات المتحدة و اليابان و ألمانيا.(17) 

و في كوريا اليوم ينظر الى الرّغبة التّواقة في التّجديد كمسألة حيويّة لا غنى عنها اذا أراد البلد مواصلة تقدّمه بخطى ثابتة،وهذه الرّغبة تستشفّ مثلا من خلال ما صرّح به الرّئيس المدير العام لسامسونغ  Lee Kun-hee سنة 1993،حينما تبيّن له بانّ الشّركة قد تكون غير قادرة على اللّحاق بالشّركات العالميّة الرّائدة ذات الطّاقة التّنافسيّة العالية ،فما كان منه الاّ أن طلب من مستخدمي الشّركة  تغيير كلّ شيء... عدا زوجاتهم و أبنائهم.(18) 

الخاتمة: 

لا خلاف على أنّ هناك فشلا تنمويّا باديا للعيان في المنطقة العربيّة خلال العقود الماضية ،اذا ما قورن بحجم الانجاز التّنموي الهائل الذّي حقّقته كوريا خلال الفترة نفسها. وليس من باب التّلذّذ بجلد الذّات الاقرار بذلك الفشل، بل هو حقيقة واقعة في حال الرّكون الى الواقع المعاش للمواطن العربي. ولا يعزى الفشل الى انعدام الحظوة الطّبيعيّة و الفقر الى الموارد، بل الى تبديدها، وليس الى قلّة الاستثمارات، بل لسوء توظيفها، وليس الى ضعف رأس المال البشري، بل الى نزيف الأدمغة و تهجير السّواعد. 

ولعلّ السّؤال المركزي الذّي يشغل ذهن أيّ عربي قيّض له الاطّلاع على خفايا المعجزة الكوريّة ، يكمن في الآتي: هل يمكن اعتبار التّجربة التّنمويّة الكوريّة تجربة قابلة للتّكرار و الاستنساخ في ظلّ الظّروف الموضوعيّة الحاليّة للمنطقة العربيّة ؟ 

الاجابة قطعا لا، و للاعتبارات التّالية: 

  • لابدّ من الاتّفاق على أنّ الذّي أعطى الدّفعة الأولى للتنمية بكوريا و بالتّنينات الآسيويّة ككلّ، هي ظروف الحرب الباردة، وحالة الاستقطاب الثّنائي الذّي ميّز العلاقات الدّوليّة. وضمن هذه الظّرفيّة التّاريخيّة تقاطرت مساعدات و معونات القوى الرّأسماليّة الكبرى لها ، وشكّلت بالتّالي منطلق الاقلاع الاقتصادي. 
  • انّ جانبا هامّا من نهضة كوريا و تقدّم التّنينات الثلاثة الأخرى بصفة اجماليّة، كان   و لو جزئيّا من صنع الشّركات عبر القطريّة العالميّة ،التّي أعادت توزيع انتاجها على الصعيد الدّولي،وأفردت كوريا في المراحل الأولى لمسيرتها التّنمويّة بدور انتاج البضائع البسيطة ذات القيمة النّقديّة الضّعيفة، نظرا لرخص العمالة المحليّة. هذا الرّخص لم يعد المحدّد الرّئيسي لاستقطاب رأس المال الأجنبي. 

اذا استحال تكرار التجربة الكوريّة، فما هي اذن الدّروس المستفادة منها حتّى نعيد تأسيس قضايا النّهضة و الانطلاق الاقتصادي و الانبعاث الحضاري؟ 

-أوّلا: انّ التّنمية في كوريا و في آسيا كانت من صنع الشّعوب في المقام الأوّل، التّي لم تجد غضاضة في الانفتاح على تيّارات الحداثة الوافدة، ولكن أبقت على منظومة قيمها المرجعيّة ،ووظّفتها في مجال البناء الاقتصادي. 

-ثانيا: ضرورة الابقاء على الدّور التّنموي للدّولة، كباعثة للمشاريع عبر مؤسّساتها العموميّة، ومموّلة لبرامج تطوير التّقانة الحديثة، وضامنة للتّشغيل ولمناخ استثماري مشجّع (الى حدّ ما) ، ومعدّلة للحيف في توزيع الدّخول...الخ . 

- ثالثا: تقاسم الأعباء بين الطبّقتين الشّغيلة و الوسطى من جهة  وأوساط رجال الأعمال من جهة أخرى، فالبقدر الذّي كان فيه الالحاح في الطّلب من الشّغالين بالبذل و العطاء و الرّفع في المردوديّة و التّضحية...كان ملقى على عاتق  أصحاب المال واجب المساهمة الجادّة في عمليّات الاستثمار والإنتاج، والبناء الوطني. 

- رابعا: النّجاح التّنموي في كوريا الجنوبيّة تأتّى بالأساس من نموذج قائم على الايمان بجدوى الاعتماد على الانتاج ودوره في خلق الثّورة و التّنويع في مصادرها، نموذج يثمّن الفاعليّة الفرديّة...و لم ينبع من التّعويل المفرط على الرّيوع المستمدّة من تصدير مورد طبيعي، و توزيع تلك الرّيوع اجتماعيّا في شكل عطايا، على شاكلة الأقطار العربيّة النّفطيّة ذات الاقتصاد الرّيعي.(19) 

الباحث حسين بن عيسى عن مركز الدّراسات الاستراتيجيّة والديبلوماسيّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

المصادر: 

  1. https://www.cia.gov 

 

  1. تنجستنمادّة اوليّة تستخدم في صناعة الأسلاك المتوهجة في المصابيح الكهربائية. 
  1. «معجزة النهر هان»"Le Miracle du fleuve Han"نسبة الى نهر هان الذّي يقطع مدينة سيول العاصمة ،والتّسمية تطلق اجمالا على المعجزة الكوريّة تشبيها لها بـ«معجزة نهر الرّاين » التّي تحقّقت في المانيا بعد الحرب العالميّة الثّانية. ويطلق الكوريّون على بلدهم تسمية  Hanguk»" أي بلد الهانيّين  نسبة للنّهر. 
  1. عبد الفضيل، محمود: العرب و التّجربة الآسيويّة الدّروس المستفادة/مركز دراسات الوحدة العربيّة بيروت نوفمبر 2000 الطّبعة الأولى  ص 55-75. 
  1. شبه الموصل أو نصف الناقل،  الأجهزة والمعدات التي يدخل في تصنيعها، أشباه الموصلات هي أساس الالكترونيات الحديثة والتي تشمل الراديووالكمبيوتروالهاتفوالتلفاز ،كما يشكل الجزء الحساس في الكاميرات الرقمية... اضافة الى  ألواح الطاقة الشمسيةوالصمامات الثنائية (Diodes)والثنائيات باعثة الضوء( diode électroluminescente)، والدوائر المتكاملة ( circuit intégré) التشابهية والرقمية. 
  1. التّقرير يصدر كلّ سنة منذ عام 2004 عن المنتدى الاقتصادي العالمي،ويصنّ فالدول حسب معيار التنافسية العالمي ،والذي يقوم بدوره على جملة من المقاييس الاقتصاديّة تكوّن الـ 12 قاعدة أساسيّة للتّنافسيّة وتقيّم الوضع الكلّي  لاقتصاد بلد ما ، من قبيل أداء المؤسّسات،نوعيّة البنية الأساسيّة، مدى استقرار المناخ الماكرو- اقتصادي، وحجم السّوق، ومستوى التطور التّكنولوجي و القدرة على التّجديد، والصّحة و التّعليم الابتدائي،و التّعليم العالي و التّكوين، أداء السّوق الماليّة...تقريرالمنتدى الاقتصادي العالمي:The Global Competitiveness Report 2015–2016 -...http://www3.weforum.org 
  1. Images économiques du monde 2016. 
  1. Les « dramas », moteur du soft power coréen-  

ARTICLE  par  Jennifer ROUSSE-MARQUET  Publié le 28.06.2012  ,,http://www.inaglobal.fr 

 

  1. -La vague coréenne s'abat sur le monde - Le Figaro 

www.lefigaro.fr › CULTURE › Culture28 déc. 2012 

  1. https://www.cia.gov 
  1. عبد الفضيل، محمود: العرب و التّجربة الآسيويّة الدّروس المستفادة/مركز دراسات الوحدة العربيّة بيروت نوفمبر 2000 الطّبعة الأولى  ص 129. 
  1. المصدر السّابق ص 65-68 
  1. RAPPORT D´INFORMATION FAIT au nom de la commission de l'économie, du développement durable et de l'aménagement du territoire sur le déplacement d'une délégation de la commission de l'économie, du développement durable et de l'aménagement du territoire en Corée du Sud, Enregistré à la Présidence du Sénat le 21 février 2012 ; https://www.senat.fr/rap/r11-388/r11-3881.pdf 
  1. موقع منظمة التّعاون و التّنمية الاقتصاديّة OCDE، معطيات احصائيّة :https://data.oecd.org/rd/researchers.htm#indicator-chart 
  1. KoreaAnalysis Juin 2014 ،http://www.centreasia.eu 
  1. كونفوشيوس( 551-479 ق.م)فيلسوف صيني يلقب بنبي الصين،فلسفته قائمة على القيم الأخلاقية الشخصية ، وعلى أن تكون هناك حكومة تخدم الشعب تطبيقاً لمثل أخلاقي أعلى. ولقد كانت تعاليمه وفلسفته ذات تاثير عميق في الفكر والحياة الصينية والكورية واليابانية والتايوانية والفيتنامية. 
  1. موقع منظمة التّعاون و التّنمية الاقتصاديّة OCDE، معطيات احصائيّة، 

-Études économiques de l’OCDE CORÉE JUIN 2014،/www.oecd.org 

  1. L’usine nouvelle : Corée du Sud, le pays qui veut inventer,http://www.usinenouvelle.com/l-usine-nouvelle-du-4-juillet-2013-n3338 
  1. برنامج الأمم المتحدة الانمائي: تقريرالتنمية الانسانية العربية لعام 2016،file:///C:/Users/ASUS/Downloads/AHDR2016Ar.pdf 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك