القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التوافق الوطني:  الاستثناء التونسي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-09-21 11:24:00 | 91 مشاهدة

ملخّص:

دخلت التجربة الديمقراطية التونسية عامها العاشر، وحكومتها العاشرة. وسط انبعاث مُتجدّد لخطابات متطرّفة قُصووية، تكشف رغبات شرائح كبيرة من النّخب الحزبية والسياسية والإعلامية والمثقفين وحتى من مسؤولين كبار في الدولة والبرلمان، في إعادة إنتاج مناويل الإقصاء وتجربة الاستبداد الشمولي الذي أنبنى على الإقصاء والتنافي و سحق قيم المواطنة بما فيها من حريات عامة وخاصة.

مقدّمة:

يأتي كل ذلك وتونس مازالت تواجه عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتجد نفسها أمام تحديات كُبرى، ليس أقلّها حالة "الإفلاس" غير المُعلن وارتفاع نسب المديونية التي بلغت معدلات قياسية وتراجع نسب النمو إلى أكثر من21.6 %سلبي. مع توترات اجتماعية و"تمرّد" جهوي أوقف الإنتاج في مناطق استخراج الثروات الباطنية، الفسفاط في ولاية قفصة بجنوب غرب البلاد والنفط والغاز بصحراء تطاوين جنوب شرق البلاد. ورغم أن خبراء الانتقال الديمقراطي يؤكدون على أن تجارب الانتقال الديمقراطي تترافق، عادة "مع عدم استقرار سياسي وانهيارات اقتصادية وتواصل للانفجارات الاجتماعية" فإنهم يؤكدون أيضا على أن "بناء التوافق العام في مراحل الانتقال إلى الديمقراطية وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، من الأهمية بمكان بناء التوافق الاقتصادي والاجتماعي حول الرؤية المستقبلية والإصلاحات اللازمة."[1].

التوافق الوطني: في التاريخية

ليست قيمة "التوافق الوطني"، أمرا جديدا في تونس، وليس على النّخب إعادة خلقه، فكل ما في الأمر هي تغيّر في التسميات. إن مسالة "التوافق" رافقت في الحقيقة التاريخ الحديث لتونس، وإن اتخذت لنفسها تسميات عديدة. فقد قامت الحركة الوطنية على "التوافق" بين النّخب الحديثة/العصرية التي تلقت تعليمها في الجامعات الفرنسية مثل الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف والنخب التقليدية التي تخرجت من جامع الزيتونة مثل الطاهر بن عاشور وغيره، كما إن حزب الدستور قام رئيسيا على فكرة "الوحدة القومية" ضد الاستعمار وحتى من بعده، في سبيل بناء الدولة، قامت على ذلك التحالف بين الحزب والمنظمات الوطنية وهي الوحدة التي ظلت قائمة حتى نهاية السبعينات، حيث انشق عليها اتحاد الشغل تدريجيا. وليست "الوحدة القومية" غير تسمية أخرى "للتوافق الوطني" خاصة وأن مضمونها كان قائما على مشروع وطني جماعي، تم الاتفاق على ملامحه العريضة، ويكفي أن نُذكّر بأن أول مشاريع دولة الاستقلال قامت فعليّا على "التقرير الاقتصادي والاجتماعي" للاتحاد العام التونسي للشغل، والذي كان دوره محوريا ليس في بناء الدولة فقط بل في تغليب كفة الحبيب بورقيبة على خصمه صالح بن يوسف، وصعد إلى قيادة الحزب والدولة.

وتجلى هذا "التوافق الأول" في قائمات الوحدة القومية لانتخابات المجلس التأسيسي، وحتى في مجريات النقاش حول الدستور الأول، والذي يُمثّل فصله الأول خلاصة "إبداع العقل التوافقي التونسي". إبداع وجدنا أنفسنا في حاجة إليه، فاستعدناه في دستور الجمهورية الثانية في جانفي/ يناير 2014، لحسم حالة الاستقطاب الشديدة بين الحركة الإسلامية ممثلة في حركة النهضة وحلفائها الذين يمثلون الأغلبيّة في المجلس التأسيسي، والأحزاب والنخب ومنظمات المجتمع المدني ذات الخلفيات "العلمانية" التحديثية التي كانت تُمثّل ثقلا اجتماعيا وسياسيا دون وزن نيابيّ داخل المجلس، وبعد جدل حول الشريعة والهوية تم الحفاظ على الفصل الأول من دستور الجمهورية الأولى ليظل رمزا حيّا على أهمية التوافق الوطني "تونس دولة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينُها والعربية لُغتُها والجمهورية نظامُها". وقد عرفت تونس قبل الثورة محاولات أخرى لبناء صيغ مختلفة من "الميثاق" أو "التوافقات" فشلت بفعل رهانات السلطة وصراع إرادات الهيمنة، بل إن المُعارضة الديمقراطية لم تستطع أن ترفع صوتها إلا من خلال ما أحدثته "هيئة 18 أكتوبر" من اختراق أثناء "قمة المعلومات" وهي الهيئة التي "توافقت" فيها تيارات علمانية وإسلامية وحقوقية لبرالية، على قاعدة أساسية تُقدّم النضال ضد نظام بن علي الاستبدادي على كل نقاط الاختلاف الأخرى، رغم أن مناقشات جانبية مهمة جرت بين هذه التيارات، وأنتجت نصوصا شملت توافقات كبيرة تتعلّق بمسائل الحريات ومجلة الأحوال الشخصية وحرية المرأة والنمط المجتمعي والديمقراطية والتعددية ..

التوافق بعد الثورة... قاعدة الديمقراطية:

عرفت تونس طيلة شهرين بعد مغادرة بن علي، وانهيار رأس النظام، حالة من الانفلات الأمني والاجتماعي والسياسي، ميّزه اعتصاما "القصبة 1، و2" في ساحة الحكومة بالعاصمة، حيث تدفق الشبان الغاضبين الثائرين من المحافظات الداخلية لمحاصرة قصر الحكومة وتعطيل أشغال حكومة الوزير الأول الأسبق محمد الغنوشي في حكم بن علي. وكان هذان الاعتصامان مؤطرين ومسنودين جزئيا خاصة من الاتحاد العام التونسي للشغل والمحامين ورابطة حقوق الإنسان علاوة على بعض التيارات اليسارية وحتى بعض الإسلاميين. ومع تعطّل كل شيء، بدأ الاشتغال على ابتداع آليات جديدة للخروج من هذا المأزق الدستوري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. فتم الدفع بــورقة "التوافق الوطني" من جديد. وشكّل مجلس حماية الثورة في صيغته الأولى التي اشرف عليها اتحاد الشغل اللبنة الأولى التي صاغت الميثاق السياسي الجماعي، وكان وراء إصدار المراسيم الأولى لبدايات المرحلة الانتقالية مثل مرسوم العفو التشريعي العام، ومرسوم المصادرة، وأطر فيما بعد ما سيُعرف لاحقا بهيئة العميد عياض بن عاشور أي "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" التي كانت هيئة توافقية في اختيار أعضائها الذين كانوا ممثلين لكافة النّخب والأطياف والتيارات السياسية والاجتماعية والمهنية والحقوقية علاوة على ممثلي الجهات الداخلية.

وقامت مداولات هذه الهيئة داخليا على مبدأ التوافق والمشاركة العامة في اتخاذ القرارات، وتحولت بفعل "مقبوليتها العالية" إلى "برلمان تونسي متنوع" دون أن يكون ثمارا لانتخابات أو إرادة شعبية مباشرة. ومن لجنة الخبراء التي كانت تعرض أشغالها ومقترحاتها تمكنت هذه الهيئة من تنظيم "الفوضى" العامة عبر إصدار المراسيم التي تُنظّم وتؤطّر عملية الانتقال الديمقراطي.

ينسى الكثيرُ من التونسيين اليوم، وخاصة الفاعلين السياسيين وأعضاء الأحزاب ومجلس نواب الشعب، أن كل المنظومة السياسية القائمة في تونس إلى حدّ اليوم هي نتيجة مباشرة للتوافق الذي حصُل في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي. مرسوم الأحزاب عدد 87 لسنة 2011، ومرسوم الجمعيات عدد88 لنفس السنة والنظام الانتخابي القائم على "أفضل البواقي" والمراسيم 115 و116 المتعلقة بتنظيم المشهد السمعي والبصري والإعلامي ومراسيم أخرى عديدة تمت عبر آلية التوافق، بل إن التوافق نجح في تركيز "النيابات الخصوصية" في المناطق البلدية، مكان المجالس المحلية التي تم حلّها، وستبقى هذه النيابات الخصوصية تؤمّن الخدمات الأساسية لعموم المواطنين رغم المشاكل والعراقيل إلى حين انتخاب مجالس محلية صيف 2018. ولولا توافق الفُرقاء ساعتها – في غياب أية سلطة دستورية تتمتع بالشرعية والمشروعية- لما أمكن التقدم في تجربة الانتقال نحو الديمقراطية.

 ولذلك كان رئيس الحكومة المُخضرم الذي جيء به "من علبة الأرشيف" لقيادة تلك المرحلة الصعبة، الباجي قائد السبسي يؤكد دائما على الاستثناء التونسي، وكان يحلو له القول "ليس هناك ربيع عربي، بل ربيع تونسي". ونجح الباجي قائد السبسي وعياض بن عاشور في قيادة تلك المرحلة والوصول بالبلاد إلى تنظيم انتخابات لمجلس تأسيسي، قبل الجميع بنتائجها، وهو ما يُعدّ لحظة مفصلية في تاريخ الديمقراطية الجديدة، وذلك بالخروج من الوضع التوافقي إلى الوضعية التأسيسية، التي صار فيها المجلس التأسيسي مُعبّرا وبطريقة شرعية على الإرادة الشعبية للتونسيين. و"ينظر المراقبون بشكل عام تقريبًا إلى التوافق التونسي على أنه السبب وراء بقاء تونس على المسار الديمقراطي، بينما انهار جيرانها في حرب أهلية أو ديكتاتورية عسكرية."[2]

المجلس التأسيسي: فشل المغالبة:

قبل انتخاب المجلس التأسيسي انفجر في تونس نقاش دستوري مهم، تعلّق بطبيعة هذا المجلس وطبيعة مهامه وحدود ذلك زمنيا. وبينما أكّد الكثيرون أن "المجلس التأسيسي سيد نفسه" يفعل ما يشاء، باعتباره المُعبّر الوحيد على الإرادة الشعبية، فإن آخرين أرادوا ضبط مهام ومدة المجلس في جوانبه التأسيسية. بمعنى أن هذا المجلس التأسيسي يكتفي بكتابة دستور جديد للجمهورية الديمقراطية الثانية لتونس في مدة سنة، وأن يكون الحُكم / السلطة بمعزل عنه. ولذلك قام السيد عياض بن عاشور بتحرير وثيقة، عُرفت ب"العهد" أمضت عليها القوى السياسية المُمثّلة في الهيئة العليا لحماية أهداف الثورة في ماي/مايو من سنة 2011، بما في ذلك حركة النهضة والأحزاب اليسارية والقومية والليبرالية في حين رفض حزب المؤتمر من أجل الجمهورية لزعيمه الدكتور المنصف المرزوقي ذلك.

تسلّم المجلس مهامه وشكّل حكومة أولى، واقتسم الفائزون الرئاسات الثلاث، وتم توزيع المناصب العليا والوسطى في الدولة على الأنصار والمريدين. ودخل الفائزون في عملية مغالبة شديدة القسوة والتطّرف، انخرط فيها حتى بعض قيادات النهضة الأكثر "لبرالية" مثل السيد لطفي زيتون. ويتذكر الجميع حملات "اكبس" التي كانت تدعو إلى تطهير الإدارة من "الأزلام" واعتصام التلفزة الوطنية الذي قاده نجل زعيم النهضة علي لعريض، والذي عُرف باسم "اعتصام إعلام العار" وقد امتد لأكثر من شهرين. هذا إضافة إلى استقواء المجلس ورئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة بالشرعية "التأسيسية" لصياغة شكل الدولة الجديد والدستور الجديد وفق نتائج الانتخابات.

وسرعان ما واجه ذلك حركة "تمرّد" مدني، ظهر في مسيرة نسائية ليلية احتجاجا على "استهداف حرية المرأة" وفي حال القطيعة الكبيرة بين "الحُكّام الجدد" والنخب الإعلامية والمالية والفاعلين الاجتماعيين والأحزاب والحركات الشبابية، وبدل تفهّم مشروعية هذه الاحتجاجات كان أنصار الفريق الحاكم يكتفون بالحديث على "المؤامرات" والثورة المضادة، حتى إن الشيخ الصادق شورو طلب إقامة حد الحرابة عليهم. وفي هذه الأجواء المشحونة بالاستقطاب الحاد غابت لغة "التوافق" وحلّ محلها خطاب التكفير والإقصاء، ليصل الأمر إلى اغتيال الشهيدين شكري بلعيد احد زعماء اليسار والحاج محمد الابراهمي زعيم التيار القومي.

فجّر اغتيال الحاج الابراهمي يوم عيد الجمهورية 25 جويلية/يوليو، غضبا شعبيا ونُخبويا عارما، واحتشد الآلاف طيلة أكثر من شهر في ساحة باردو ليتم تعطيل أشغال المجلس التأسيسي، وقرر رئيس المجلس تعليق المداولات ليلتحق النواب "الديمقراطيون" بساحة الاعتصام، وبدأ الدفع بالبلاد نحو مصير مجهول من الاحتراب والانقسام الحاد، وسط مطالبات بتعليق كامل المسار وبتدخل الجيش وبالزحف على المؤسسات والإدارات الشرعية والرسمية. وزادت الأحداث التي حصلُت في مصر وانقلاب المشير عبد الفتاح السيسي على محمد مرسي وتعليقه العمل بالدستور وحل الهيئات المنتخبة في تغذية هذه المخاوف عند أنصار النهضة من جهة، وفي تشجيع خصومها المتمردين على الإيغال في التطرف والإقصاء.

في تلك اللحظة الحاسمة بادر السيد الباجي قائد السبسي، الذي صار زعيما لأكبر حزب معارض "نداء تونس" بمدّ يده لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي. صرح الباجي بأن شرعية المجلس التأسيسي انتهت، وان لا بديل عنها إلا بناء شرعية جديدة قائمة على التوافق حماية للدولة ولمؤسساتها وللتجربة الديمقراطية. وكان لقاء باريس الشهير، فاتحة لمرحلة جديدة، أنهت حالة التعادي والمُغالبة لتمنح من خلال الحوار الوطني أفقا جديدا للتجربة الديمقراطية الوليدة، بعد أن  كانت مهددة في وجودها.

الحوار الوطني: عودة التوافق:

دفع اتفاق الشيخين بالمسار الانتقالي المتعطّل للتقدّم. وكان الباجي قائد السبسي وراء المُصالحة المهمة بين حركة النهضة والاتحاد العام التونسي للشغل، وتمّ تشكيل الرباعي الذي سيُشرف على "الحوار الوطني" من منظمات وطنية تحظى بالمقبولية من لدن القوى السياسية في الداخل ولها حظوة لدى القوى الخارجية، وتتمتع بالاستقلالية والحياد.

قاد الحوار الوطني المرحلة، وفق رؤية توافقية للأمور، ونجحت القوى السياسية في مراجعة النسخة الأولى للدستور نحو مزيد الحريات العامة والخاصة، فتم حذف المسائل المتعلقة بالشريعة أو "دونية المرأة" أو تسقيف الترشح، مقابل التنصيص على حرية الضمير والمعتقد وحماية المقدسات وبيوت العبادة، وأمكن لتونس الحصول على دستور توافقي يجعلها من أكثر البلدان العربية ديمقراطية ومراعاة لقيم الدولة المدنية والمواطنة والحريات بمختلف أنواعها.

شكّل الإمضاء على الدستور بتاريخ 26 جانفي/يناير بأغلبية مطلقة فرصة كبيرة لإعلاء قيمة التوافق في حماية المسار الديمقراطي. وترافق هذا التوافق الجماعي مع نجاح مخرجات الحوار الوطني في تشكيل حكومة كفاءات مستقلة بقيادة المهدي جمعة، تعهد أعضاؤها بإنجاح الانتخابات نهاية السنة مع الالتزام بعدم الترشح ومعاملة كل القوى السياسية على قدم المساواة، وتم التأكيد عليها بمراجعة بعض التعيينات في المناصب العليا التي تمسّ من نزاهة والانتخابات وحريتها.

كما توفق الفُرقاء عبر التوافق إلى سنّ قانون انتخابي عوّض المرسوم 35 لسنة 2011، لتنظيم الانتخابات مع انتخاب هيئة مستقلة جديدة للإشراف عليها. وانصرفت جموع المعتصمين إلى شؤونها، وانطلق الخصوم السياسيون في الاستعداد لحملاتهم الانتخابية، ليخْفُت تدريجيا صوت "الإقصاء" ويحل بدله صوت التنافس الانتخابي في ظروف بدت مناسبة، لم يكن من المُمكن إدراكها دون "فلسفة التوافق".

توافق الشيخين..

قادت انتخابات 2014، الباجي قائد السبسي الرجل الثمانيني القادم من أرشيف الأنظمة السابقة، وحزبه نداء تونس الذي ضم "روافد" أو تيارات علمانية، فقد تشكّل الحزب في بداياته من "خصوم" للنهضة والإسلام السياسي من تجمعيين ويساريين ونقابيين ولبراليين، ورغم أن الانتخابات قامت على مخرجات الحوار الوطني وعلى توافق الشيخين، فإن الحملة الانتخابية قامت على "إعادة إنتاج حالة من الاستقطاب الثنائي الحاد" ناهيك أن الباجي قائد السبسي أكد في ختام حملته الانتخابية أن "نداء تونس والنهضة خطان متوازيان لا يلتقيان إلا بإذن الله". ومباشرة بعد صدور نتائج الانتخابات شرع الباجي قائد السبسي في "ترويض" صقور حزبه تدريجيا، لبناء "شراكة" في الحكم مع خصم الأمس حركة النهضة، التي قبلت بمساهمة رمزية في حكومة السيد الحبيب الصيد الأولى بدل قيادة المعارضة. ولقد نال هذا التمشي قبول الجهات المانحة والشريكة للتجربة الديمقراطية التونسية، لأنه أكد طبيعة الاستثناء التونسي، في صيانة سلمية الانتقال مقابل الصراعات الدموية والحروب في البلدان العربية الشبيهة بها.

هذا التوافق الذي رعاه الشيخان سرعان ما تحوّل تدريجيا إلى خيار استراتيجي لإنجاح العهدة الانتخابية والقيام بالإصلاحات الضرورية إن في المستوى الاجتماعي والاقتصادي والتشريعي. ورغم حالة الرفض الواسعة التي واجهها هذا الخيار التوافقي من أنصار الحزبين وقيادتهما، فإن الشيخان وطّدا بينهما علاقة ثقة نادرة، أسهمت في توفير مناخات من الهدوء النسبي للعمل الحكومي. ويكفي ان نتذكر مشاركة الشيخ راشد الغنوشي سنة 2015 في افتتاح مؤتمر نداء تونس الاول بسوسة، حيث قال فيه "نرى في تونس طيرا يُحلّق بجناحين، هما النهضة والنداء"

وأكد زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي في كلمته أن "نداء تونس حزب ديمقراطي متأصل في الحركة الإصلاحية وقال إن عقد النّداء لمؤتمره فيه مصلحة لتونس وأيضا مصلحة للنهضة." وعاد للتذكير بمسألة التوافق الوطني وأهميته في التجربة الديمقراطية، إذ "أنه لا ديمقراطية دون توازن، ولا شك بأن النّداء صنع توازنا في الحياة السياسية" مُذكّرا بكون حضوره في مؤتمر نداء تونس يأتي "للتعبير عن تقدير النهضة لشريكها في الحكم ولتأكيد دعم لسياسة التوافق التي يقودها الباجي قائد السبسي منذ لقاء باريس."

 وكان الردّ على "إحسان الغنوشي للباجي وحزبه في مؤتمره، مقدمة للاحسان الذي سيقوم به الباجي قائد السبسي في مؤتمر حركة النهضة، حيث أكد الباجي قائد السبسي بعد سنة في افتتاح مؤتمر النهضة العاشر حين قال: "أتيت لمؤتمر حركة النهضة تقديرا مني لجهود الحزب في دعم المصالحة الوطنية ومشاركتها في الحكومة".وأضاف الباجي قائد السبسي "أحيي راشد الغنوشي على المسار الذي اتخذناه لتشريك كل التونسيين دون إقصاء من اجل تونس....حضوري يدل على أن التونسيين يستطيعون حسن إدارة الاختلافات بينهم وفق دستور لدولة مدنية ولشعب مسلم وليس من خيار سوى ذلك". وأثنى الرئيس الباجي على " النهضة التي عرفت تطورا برئاسة الغنوشي الذي أقرّ انتقال الحزب للعمل المدني والقطع مع الجانب الدعوي، النهضة أصبحت حزبا مدنيا قلبا وقالبا وإن الإسلام لا يتناقض مع الديمقراطية" .

 لقد أدار الشيخان عملية التوافق طيلة المرحلة الأولى من العهدة الانتخابية، ولئن أدى ذلك فعلا إلى هدوء سياسي واستقرار، فإن الصراعات التي انفجرت حول "التوافق" داخل حركة نداء تونس، ورفض الكثير من قياداته الانخراط في هذا التمشي التوافقي أثر سلبا في الحزب وفي الحياة العامة وحتى على مؤسسات الدولة. ولقد انخرطت نُخبٌ عديدةٌ إعلامية وثقافية وسياسية في حملات شيطنة للخيار التوافق، بشكل عطّل فعليا نتائجه الايجابية. بل أضحى "التوافق" عند البعض سببا لكل المعايب التي طالت عملية الانتقال الديمقراطي وتم تحميله كل الشرور وكل المظاهر السلبية. لقد صار التوافق عند البعض "موتا للسياسة، لأنه قتل لما فيها من روح التنافس، وهو عندهم نهاية الأحزاب"، متجاهلين أن مراحل الانتقال الديمقراطي، تُقاد بمنطق "الإجماع الوطني" لا بمنطق الغلبة الانتخابية.

لقد نجحت حملات شيطنة التوافق الداخلية وحتى الخارجية في ترذيل العملية الديمقراطية في كليتها، إذ بات من الشائع اتهام الشيخين بخيانة ناخبيهم والانقلاب على برامجهم الانتخابية بل وحتى تهديد الديمقراطية. وقد انخرطت فئات واسعة من "النّخب" التي لم تجد لنفسها موقعا في "خريطة السلطة" الجديدة في تهديم هذه التجربة، مستغلة ضعف نداء تونس وصراعاته الداخلية وتوجس حركة النهضة، التي لم تطمئن بعد، وبقي الخوف من الإقصاء وعودة التضييق عليها ماثلا عند مناضليها وقادتها.

لقد أحسن الشيخ عبد الفتاح مورو الرجل الثاني في حزب حركة النهضة وأحد مؤسسيها ونائب رئيس مجلس النواب، عندما أكد أن "التوافق ظل بين الشيخين فقط وشفويا وقائما على الثقة الشخصية بينهما، ولم تتم مأسسته وتنزيله في  وثائق، يتم تعميمها على الحزبين المعنيين" ونعتقد أن إحدى عوامل فشل التوافق هو اقتصاره على الحزبين الأولين فقط، فيما بدا لبقية الأحزاب والفاعلين محاولة جادة لاقتسام السلطة بينهما للأبد. وكان ذلك إحدى العوامل الرئيسية التي جعلت قوى عديدة كان يُمكن دفعها وإغراؤها بالانخراط في التمشي التوافقي، عبر توسيع دائرة المشاركة في السلطة، وامتيازاتها، تعمل على إفشال التجربة. وهو ما تجلى بصورة واضحة في انتخابات 2019، التي سيطر عليها خطاب الإقصاء والتطرف والشعبوية.

انتخابات 2019...الردة الديمقراطية:

لقد دخلت البلاد انتخابات جديدة، كرّست العملية السياسية نهائيا في علاقة بدورية الانتخابات وحرية المشاركة السياسية والتداول السلمي على السلطة والقبول بنتائج الانتخابات، فإنها شكّلت تهديدا جديدا للتجربة الديمقراطية.  فقد أكدت خطر بناء ديمقراطية "جوفاء" أي دوامة التنافس الحزبي فقط للحصول على الأصوات وحيازة أكبر التمثيليات النيابية للوصول إلى السلطة دون برامج اجتماعية واقتصادية حقيقية، ودون تبيان لإجراءات واضحة وبسيطة من شأنها تغيير حياة الناس، الذين بدؤوا تدريجيا في فقدان الثقة في الحرية والديمقراطية والأحزاب، تبعا لما يشعرون به من تدهور في وضعياتهم الاقتصادية وانهيار لمقدراتهم الشرائية وأمنهم وغذائهم ونقلهم وصحتهم.

لقد كان هذا الوضع مناخا مناسبا لتنامي خطابات متطرفة وشعبوية، التي لم تكتف بالتشكيك في جدوى التوافق فقط، بل إلى الدعوة الصريحة للتراجع على كل المكاسب الديمقراطية في حنين مرضي لمراحل الاستبداد المنصرمة.

التوافق... تجارب مقارنة

لم تكن تجارب الانتقال الديمقراطي متشابهة في جميع البلدان التي عرفت خروجا من أنظمة شمولية أو استبدادية نحو الديمقراطية وتوسيع دائرة المشاركة. ولكن المُلفت للانتباه أن هذه الفترة تميزت بكونها مرحلة طويلة، قامت رئيسيا على فرض تسويات مهمة. بين مُمثّلي الأنظمة القديمة و"القوى الثورية" الجديدة، كان هذا الأمر في اسبانيا وفي البرازيل والشيلي وجنوب إفريقيا. فقد واجهت الديمقراطيات الناشئة وقواها الإصلاحية حقائق ثابتة "إذ كانت الأنظمة الاستبدادية، ناجحة إلى حد معقول في تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز الرفاهية الاجتماعية وحماية الأمن القومي وأمن المواطنين، على الأقل بالنسبة إلى القطاعات المهيمنة من المواطنين"[3].

وثمة دروس مستفادة من كثير من التجارب، تُعيد تونس الخوض فيها، فليس ثمة "ضمان بأن الذين سيتلون المناصب بعد الانتقال، سيكونون مؤهلين، بصورة وافية من الناحية التقنية أو السياسية، لتسلم مسؤوليات الحُكم الجديدة... لذلك لا بد من استقطاب واجتذاب المسؤولين السابقين ممن توفر لهم تلك المهارات"[4]

ولكن المؤكد أن كل عمليات الانتقال الديمقراطي الناجحة قامت على مدى القدرة على إدارة لحظة غير مستقرّة بأدوات قائمة على التوافق بين مختلف القوى الفاعلة، من نقابات وأحزاب وحركات شبابية وطالبية ونسوية، و كان تعثّر بعض التجارب ناشئا على عدم قدرة النّخب على الدخول في مثل هذه المفاوضات التي من شأنها بناء الاطار العام الدستوري والحقوقي والاقتصادي للتجربة الجديدة.

التجربة الاسبانية... المواثيق

تُعتبر التجربة الاسبانية في الانتقال الديمقراطي اليوم من بين التجارب الناجحة. وهي تجربة انطلقت منذ بدايتها بالتفاوض/التوافق بين قادة النظام القديم، جنرالات فرانكو وقادة المعارضة الاسبانية الشيوعيين والاشتراكيين والديمقراطيين والنقابيين. وترافقت مرحلة الانتقال الديمقراطي السياسية بإصلاحات اقتصادية كانت كلها حصيلة لتوافق مجتمعي قوي في بات يُعرف ب"مواثيق المونوكلوا" ساهمت فيها كل الأحزاب الاسبانية في أكتوبر 1977، وشملت:

  • وضع حد لزيادات الأجور للتحكم في التضخم بالاتفاق مع النقابات
  • تعميم مجانية التعليم تدريجيا
  • اعتماد الضريبة التصاعدية على جميع الشرائح الاجتماعية
  • تخفيض قيمة سعر الصرف لزيادة القدرة التنافسية تلقائيا
  • توسيع نطاق شبكات الأمان الاجتماعي

وكان على الحكومة، اعتماد سياسة اتصالية واضحة قائمة على كشف الحقائق للشعب، ومُصارحته بحقيقة الأوضاع ومدى تقدمها والنتائج المِمّل إدراكها، تبعا للتضحيات التي كان الناس يُقدمونها. ومكّن ذلك من بناء "إجماع" وطني في المراحل الأولى ترك هوامش المعارضة مقبولة بشكل لم يُعطّل عملية الانتقال التدريجي. لتستقر الأوضاع مع الانتهاء من مسارات الإصلاح السياسي وبدايات التعافي الاقتصادي. وتدفعُنا التجربة الاسبانية إلى حتمية "بناء التوافق لمواصلة عملية التغيير السياسي، وكذلك التوافق على النظام الاقتصادي الذي سيتم اعتماده في البلاد.

 

2- تجربة جنوب إفريقيا...الديمقراطية التوافقية

تبلور مع بداية تجربة الانتقال الديمقراطي في جنوب إفريقيا وتصفية نظام الميز العُنصري مفهوم جديد للديمقراطية، بات يُعرف اليوم بالديمقراطية التوافقية، حيث تُمارسُ السلطة بشكل تشاركي في اتخاذ القرارات في البلدان التي تعرف تنوعا عرقيا ودينيا واثنيا ولغويا، دون الخضوع للقواعد الديمقراطية القائمة على منطق الأغلبية والأقلية، ضمانا لحقوق الجميع وتكريسا لمبدأ يقوم على كون توسيع المشاركة الشعبية في العملية السياسية، من شأنه بناء جسور الثقة بين هذه المكونات بما يضمن عدم انزلاقها إلى العنف.

يؤكد احمد الشيخاوي في دراسته حول التجربة التوافقية في جنوب إفريقيا على مبادئ رئيسية أربعة، نراها مهمة، ويُمكن أن تُساعد النّخب التونسية في تجاوز حالات الاستقطاب الحادة فيما بينها للدخول في مرحلة بناء ديمقراطية حقيقية. فلا بد بحسب الباحث من:

  1. ائتلاف موسع في الحُكم، بما يعني بناء أوسع تحالفات برلمانية مُمكنة لتمكين مختلف الفاعلين السياسيين من المشاركة في أخذ القرار، على أساس مبدأ "الإجماع الوطني" وليس وفق المعايير الديمقراطية التقليدية أغلبية/أقلية
  2. تمكين الأقليات من آليات وضمانات للاعتراض على قرارات "الإجماع" بشكل يضمن لها عدم الإقصاء
  3. قانون انتخابي قائم على النسبية يضمن للجميع التواجد في كل الهياكل والمؤسسات المُنتخبة
  4. الاستقلال الذاتي في الأقاليم، ويُمكن أن نقول إنه شكل من أشكال الحكم المحلي الذي يقطع مع مركزية الدولة ويضمن عدم عودتها للتسلط

لقد كانت السلطة في جوهر التجربة الانتقالية في جنوب إفريقيا، لذلك قام كل النقاش من أجل صياغة توافقات وتسويات حولها وفق ثلاث مبادئ "التسوية، وتبني حلول وسط في تقاسم السلطة، والتوافق والتحكم في كيفية التقاسم"[5]

ورغم كل الانتقادات التي تُواجه التجربة الجنوب افريقية، خاصة أمام هيمنة حزب المؤتمر على السلطة وعلى الأغلبية البرلمانية، فإن تصفية الإرث العنصري وبناء تجربة ديمقراطية قامت على نموذج مثالي للعدالة الانتقالية وعلى ضمان أوسع التوافقات ضمن حكومات "الوحدة الوطنية" مع حكم محلي واسع مكن الأقليات الإثنية من إدارة شؤونها المحلية، مثّل قاعدة سياسية مهمة بنت عليها دولة جنوب إفريقيا نهضتها الاقتصادية وجعلتها في مقدمة البلدان ذات الاقتصاديات الصاعدة.

وإذا كان ذلك مُمكنا في دولة بها مئات الأعراق والأجناس واللغات والديانات، وتتميز بمساحة شاسعة، وتحمل تاريخا بشعا ودمويا من الاستعمار البريطاني البغيض والميز العنصري الوحشي، فكيف لا يُمكن بناء توافقات اقل منه عمقا وأكثر منه نجاعة في بلد مثل تونس، موحد الدين والمذهب والعرق واللغة والتاريخ، ويرتبط اغلب سكانه بعلاقات قرابة دموية مباشرة.

إن تجربة التوافق في اسبانيا وجنوب إفريقيا نموذج لتجارب عديدة في الانتقال الديمقراطي، نجحت فيها النخب السياسية في إدارة خلافاتها السياسية نحو تكريس أرضية مناسبة لتوسيع دائرة المشاركة السياسية والقيام بالإصلاحات الضرورية سياسيا ودستوريا واقتصاديا لتوفير ضمانات الانتقال إلى ديمقراطية الرفاه. فلا ديمقراطية مستدامة دون توفير شروط العيش الكريم للجميع، بما في ذلك حقوق الأقليات السياسية وكل الأحزاب على حقها في المشاركة في السلطة والثروة. كان هذا حال دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الشيوعية ودول أمريكا اللاتينية. لكن تجارب أخرى قريبة من تونس، تكشف النتائج المدمرة لغياب ثقافة الحوار والتوافق. نستحضر ما يحصل في ليبيا على حدودنا الجنوبية حيث يتقاتل الليبيون منذ تسع سنوات، مدمرين كل شيء، ومُفوتين على الشعب الليبي التمتع بثمار ثورته وثرواته الطبيعية. بل إن ليبيا وتبعا لهذا الصراع بين نُخبها المختلفة تحولت إلى مسرح للصراعات الدولية التي لا هم لها غير الهيمنة على مقدرات الليبيين وثرواتهم. نفس الأمر تعيشه اليمن، حيث تحلّ لغة السلاح، محلّ الحوار، والصراع والقتل على الهوية بدل التوافق والإجماع الوطني.

ولا ندري حقيقة، ما ترومه بعض التيارات السياسية، بل وحتى بعض أحزاب مُمثلة في البرلمان من دعوتها الدائمة إلى "إنكار" قيمة التوافق، والدعوة للاستئصال، والتكفير والتنافي. والخطير إن جزءا من هذه النّخب تجد لنفسها صدى في وسائط التواصل الاجتماعي ولدى بعض المنابر الإعلامية الداخلية والخارجية. ولذلك نلاحظ منذ مدّة عودة قوية لخطابات تقوم على التهديد بالملفات والحديث على "المؤامرات والمكاتب المُغلقة" ومنصات الصواريخ الجاهزة للإطلاق.

تونس اليوم...لا بديل على التوافق

لقد حسم دستور الجمهورية الثانية بداية سنة 2014، المسائل الخلافية الجوهرية بين المكونات الحزبية، ولم يعد من مجال لإعادة طرح المسائل المُتعلّقة بالهوية والشريعة والحريات العامة وحرية الضمير والمعتقد وحماية ممارسة الشعائر والمقدسات. إننا في دستور مدني ديمقراطي لشعب مُسلم. ونعتقد أن عودة بعض الخطابات المتطرفة لإحياء هذا الجدل مسألة مؤقتة وعلى علاقة بحسابات انتخابية سيظهر سريعا خطأها.

إن المطروح اليوم على الأحزاب، هو الخوض في البرامج الاقتصادية والإصلاحات التي تنفع الناس. ولذلك فلا وجاهة لإعادة إحياء منطق المغالبة والإقصاء، لأن الديمقراطية التي بدأت في الترسّخ في تونس، حسمت المسألة، وجعلت السلطة وتقسيمها نتاج حصري للانتخابات المُعبّرة على الإرادة الشعبية للتونسيين. وبينت انتخابات 2019، إن الوصول إلى السلطة مسألة مؤقتة وعرضيه، فقد اختفت منذ سنة 2011، أحزاب وشخصيات سياسية احترفت الضوضاء والجدل العقيم للتغطية على عجزها في معالجة القضايا الحقيقية المتعلقة بالتنمية وخلق الثروة وبناء دولة الرفاه. فلا المؤتمر من أجل الجمهورية بقي، وهو الذي أسس كل مشروعه على "إقصاء الأزلام" ولا الجبهة الشعبية بقيت وهي التي بنت مشروعها على "معاداة النهضة" ولا حتى نداء تونس الذي حاول استعادة خطاب الاستقطاب بدلا على التوافق الذي كرّسه رئيسه المؤسس ظل موجودا.

 إن بعض المحاولات القائمة اليوم من خلال الحزب الدستوري الحرّ وائتلاف الكرامة، وحتى بعض تلميحات رئيس الجمهورية، التي تروم دفع البلاد الى انقسام حاد، يعكس عجز النّخب على تمثّل القيم الديمقراطية وعدم قدرتها على القطع مع "ذهنيات" الاستبداد، إن منطق القطيعة عنصر نزاع يعوق بناء توافقات من أجل إصلاح الدولة وتحديد دورها "الجديد" في ظل نظام ديمقراطي. وبات من المؤكد اليوم بعد عشر سنوات من الانتقال الديمقراطي انه لم يعد مُمكنا فرض إصلاحات فوقية، لا على الفاعلين السياسيين ولا الاجتماعيين ولا الاقتصاديين بل وحتى على الشباب الغاضب في الجهات، لذلك لا بد من توسيع دائرة المشاركة والتوافق.

تتقدم الإنسانية اليوم نحو مفاهيم جديدة، مثل مفهوم المواطنة العالمية، الذي طوّره الفيلسوف الألماني  يورغن هابرماس حيث أكد على قيام مواطنة عالميّة تحقق اتحاد الأفراد وقيام "الحق الدولي الذي يستطيع كل شخص المطالبة به، بما هو كائن إنساني" . ومن هذا المنطلق، كان سؤال الديمقراطية ومدى تحققها سؤالا حاضرا باستمرار في أغلب نصوص هابرماس، وذلك لارتباطه بصورة مباشرة بسؤال المواطنة وتطبيقاتها على أرض الواقع، وأيضا من خلال تكريس مبدأ المساواة والحرية والتوزيع العادل للحقوق والواجبات.

ومن ثمّ كان الفضاء العمومي هو الميدان الأمثل لتكريس مبدأ الشرعية والسيادة الشعبية وتحقيق التقارب بين السلطة السياسية والسلطة المدنية من خلال الاعتماد على سياسة الحوار المفتوح المتاح لجميع أطياف المجتمع دون إقصاء لأي طرف كان ودون توجيه من السلطة. لكن في المقابل، لا تعني حرية التعبير والمناقشة العمومية الفوضى، بل هي حرية مقنّنة في إطار قوانين معيارية تمكّن النقاش من بلوغ أهدافه المرجوّة، ومن ثم التقليص من دائرة الخلاف والنزاع، عبر قيم التوافق[6].

إن النتائج الايجابية التي تحققت في المراحل الأولى من عمر التجربة الانتقالية الديمقراطية في تونس، لا يجب أن تُخفي عنا أسباب تعثّر "منوال التوافق" وعودة الخطابات الإقصائية. فالتوافق تم بين النخب السياسية التقليدية أحزاب ومنظمات ومعارضات ولم تنفتح على "القوى الجديدة" لذلك نعتقد أنه لا مناص اليوم من توسيع دائرة التوافق، عبر صياغة تعاهدات بين تطلعات الشباب والوافدين الجدد على الفعل السياسي والنّخب التقليدية. ان الامر يتعلق رؤية جديدة لعملية المشاركة السياسية برمّتها، تُراعي التحولات الاجتماعية والثقافية التي تؤثر على الشباب التونسي خاصة وعموم المواطنين عامة. لا بد من إعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل الذي يُشارك فيه المواطنون سواء المنتمون إلى أحزاب سياسية أو جمعيات مجتمع مدني أو حتى مستقلين. ويكون ذلك عبر صياغة توافقات وطنية كبيرة ترفع من "الثوابت المشتركة" وتجعلها فوق الصراعات الحزبية والسياسية وخارج دائرة التنافس على السلطة. هو أمر حصل في ألمانيا وفي بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية. قيم مشتركة تؤسس للمشروع الوطني التوافقي وهو إطار يُدار داخله التنافس. وتضمن ان هذه "التوافقات" هي توافقات مجتمعية وليست سياسية أو حزبية. ومن شأن ذلك ضمان اتفاق على منوال التنمية وعلى الإصلاحات الاقتصادية ودور المؤسسات العمومية ودور الدولة والقطاع الخاص. يحدث بشأنها توافق بين مختلف المكونات المُشكِلة للمجتمع. وتلك الأُسس ليست برامج حزبية أو سياسية، ولكنها القواعد العامة التي يتفق عليها المجتمع، ويُبنى عليها النظام السياسي، والتي يتوافَقَ عليها المجتمع في الخيارات الكبرى مثل الدستور، وهوية الوطن وطبيعة النظام السياسي والوحدة الوطنية والتسامح وضمان الحرية والديمقراطية والعدالة والشفافية والمشاركة في الحياة السياسية لجميع المواطنين والمواطنات على قدم المساواة[7].

على الرغم من ضمور جبهة أنصار "التوافق" وخفوت صوتها أمام ضجيج الخطابات الإقصائية والشعبوية الفوضوية، فإن قيم التوافق التي ما تزال تتحكم في العملية السياسية ستعود الى الواجهة. ولعل ضعف المُنجزات الاقتصادية وتردي الحالة الاجتماعية للكثير من التونسيين واتساع دائرة الفقر، تُفسّر بعضا من غضب الكثيرين على الأحزاب والنّخب وتُحمّل سياسة التوافق في المدة النيابية السابقة مسؤولية تدهور الأوضاع. لكن طبيعة المواطن التونسي الميالة بطبعها الى "المُسالمة" وهوامش الحريات الكبيرة التي ينعم بها، سيكون لها تأثيرها في "مُحاصرة" خطابات الإقصاء والحنين إلى الاستبداد. لقد بينت التجارب ان الديمقراطية والحرية هما الشرطان الضروريان للإبداع. وانه لا تنمية مستدامة وموزعة على الجميع الا بهما. ان كل الظروف التي أدت الى سياسات التوافق منذ الثورة الى اليوم ما تزال هي نفسها.والتحديات المطروحة على مختلف الأحزاب والتيارات والمنظمات والجمعيات هي نفسها، من المصالحة الوطنية الشاملة التي طال انتظارها، الى تصفية تركة الاستبداد وإغلاق الملفات التي استهلكت طيلة عشر سنوات صحة وأعصاب كفاءات وطنية لم يثبت عليها فساد أو تجاوز، عدا تُهم واهية بالانتماء إلى المنظومة السابقة. وما تزال هناك حاجة إلى توافق وطني واسع لاستكمال تركيز الهيئات الدستورية وفي مقدمتها المحكمة الدستورية، علاوة على "توافق وطني" حول قانون انتخابي جديد، وحول قوانين دائمة من شأنها إعادة تنظيم الحياة الحزبية والجمعياتية والإعلامية وتمويل الأحزاب والجمعيات، التي ما تزال تُنظّمها المراسيم التوافقية التي أصدرتها الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة. نحتاج الى التوافق اليوم لصياغة عقد اجتماعي جديد، والاتفاق على برنامج اقتصادي للإنقاذ، لما في ذلك من إجراءات قد تكون مؤلمة، فلا بد من تقاسم أعبائها، ومن صياغتها ضمن عقد أهداف وطني محدد الآجال ومعلوم النتائج من اجل بناء الثقة بين النّخب والشعب، وبين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين، وبين الأحزاب السياسية نفسها. فالمسالة اليوم في تونس تتجاوز حوارا بين الأحزاب، لتتعلق بمسألة الاعتراف وبناء الثقة، من أجل توافق وطني شامل وواسع وعميق، يشمل الذاكرة الوطنية ويقوم بتنقيتها من السرديات الخاطئة ويُفكّك منسوب الأحقاد الإيديولوجية التي استثمر فيها النظام الاستبدادي والتيارات المُختلفة. فقد منع الاستبداد وغياب الحرية كافة المدارس الفكرية يمينا ويسارا من تطوير نفسها وبناء جسور التبادل المعرفي والفكري لبناء الثقة. ويُمكن اليوم لمجلس نواب الشعب بما فيه من تنوع، مضافا إليه المنظمات الوطنية والحركات الشبابية ومنظمات الأعراف أن يكون فضاء مناسبا لإطلاق حوار وطني شامل، يصوغ "مشروعا وطنيا" جامعا. فلا مجال لترسيخ الدولة الديمقراطية التونسية الجديدة، دولة تضمن الحرية والسلامة والنماء لكل أبنائها دون بناء الثقة. وهي ثقة نعتقد أنها تآكلت اليوم بفعل المعارك السياسية الصغيرة، ولكنها مرحلة عابرة، أمام وعي النخب التونسية بحتمية التوافق، ولها فيه تجارب فصلنا فيها القول.

المهدي عبد الجواد (باحث تونسي)

 

[1]  تقرير للأمم المتحدة حول الانتقال إلى الديمقراطية، التحديات والفرص بعيدا على الشعبوية، الرباط 5/6 فيفري 2013

[2]Sharan Grewal and Shadi Hamid، The darkside of consensus in Tunisia: Lessons from 2015-2019

تم نشر تعريب للمقال عبر مركز "بروكنجز" بموقع صحيفة "ساسه بوست" بتاريخ 19 فيفري 2020

 

[3]  أبراهام ف لونثالAbraham F.Lowenthal، التحول من الحكم الاستبدادي الى الحكم الديمقراطي، دروس مستفادة، الفصل الحادي عشر، ص 625

[4]  نفسه، ص 632

[5]  أحمد شيخاوي، الديمقراطية التوافقية في دولة جنوب افريقيا، قراءات افريقية، 27.7.2016

[6]  فوزية شراد، الدين وقضايا المجتمع الراهنة، موقع مؤمنون بلا حدود، 9 اكتوبر 2018

[7]  كمال كركوكي، التوافق السياسي والتوافق الوطني المفاهيم ووسائل التطبيق، موقع التآخي، 11.07.2013

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك