القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التفويض وامتحان الثقة بين الحكومة والبرلمان

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-04-24 14:29:00 | 1937 مشاهدة

المقدمة:
 تزامن تشكيل حكومة السيد إلياس الفخفاخ مع ظهور وباء الكورونا في الصّين وبداية انتشاره عالميا ليصل في بضعة أيام إلى المحيط القريب لبلادنا وبشكل خاص إلى إيطاليا وفرنسا وإسبانيا.لقد كان واضحا أنه لا مفر من وصول هذا الوباء إلى تونس كما هو شأن بقية دول العالم.ومنذ بداية تشكيل الحكومة، كان لهذا التزامن الأثر البالغ في طرح تحدّيات جديدة على الحكومة إضافة إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة أصلا منذ فترة تصريف الأعمال لحكومة السيد يوسف الشاهد بل وقبل ذلك بعدة أشهر.
أصبح تحدي الاستعداد لمجابهة ظهور الوباء ببلادنا وتوفير الظروف الملائمة لمقاومته والوقاية من انتشاره التدّي الأبرز، إلى جانب معالجة الصعوبات الاقتصادية والماليّة تحديدا والاحتقانات الاجتماعية الناتجة عن تلك الصعوبات بالإضافة إلى ما سوف يترتب عن ظهور الكورونا وانتشارها من آثار ومضاعفات اقتصادية واجتماعية، ولذلك كان لا بد من إجراءات استباقية ووقائية من نتائجها الحد من انتشار الوباء قدر الإمكان .. وفي ظل هذا المناخ تكونت حكومة السيد الفخفاخ .. وبالفعل سرعان ما جاءت الحالة الأولى الوافدة من الجارة إيطاليا ثم تلتها حالات أخرى أدّت إلى إصابات محلية نتيجة العدوى..وبالطبع لم يَخل هذا المناخ من تواصل أجواء التجاذبات السياسية والصّراعات الحزبية القائمة منذ إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 2019 والحسابات التي طغت على تشكيل حكومة السيد الحبيب الجملي إلى حين فشلها في الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب .. مع تواصل هذه التجاذبات والحسابات في تقاطع مع اختيار السيد الفخفاخ باعتباره الشخصية الأقدر ومع تشكيل حكومته إلى حين منحه الثقة في المجلس النيابي.
كل هذه المعطيات ألقت بظلالها عند تقدم الحكومة بطلب التفويض البرلماني لها بإصدار المراسيم.
ارتفعت عديد الأصوات المتسائلة عن حقيقة دواعي هذا الطلب وأهدافه البعيدة .. كما ارتفعت عديد الأصوات منبّهة من خلفيات هذا الطلب ومن تداعياته على العمل النيابي وعلى علاقة السلطة التنفيذية حكومة ورئاسة جمهورية مع السلطة التشريعية ..

غيمات التوتر:
كانت الأسئلة المطروحة حول دواعي التفويض وأهدافه القريبة والبعيدة كثيرة ومتراوحة بين المتفهمة والداعمة للطلب الحكومي وبين المشككة والمحترزة بل والمتخوفة من حسابات الالتفاف على مجلس نواب الشعب لسحب البساط منه خاصة بعد بروزه كمركز فاعل في الحياة السياسية الوطنية وما رافق ذلك من نجاح لرئاسة البرلمان ولكتلة حركة النهضة في التأثير على موازين القوى سواء داخل "الأغلبية الحكومية" أو في علاقة بالمعارضة .. وهو البروز الذي أهل رئيس مجلس نواب الشعب الذي هو في نفس الوقت رئيس حزب حركة النهضة للمطالبة بتشكيل حكومة وحدة وطنية لتتحمل كل القوى السياسية الوطنية المسؤولية والأمانة للإنقاذ والتنمية ومحاربة الفقر والفساد والإرهاب وإنجاز الإصلاحات المستوجبة .. مع ما أضيف إلى ذلك من ضرورة تجند لمحاربة الكورونا.لكل ذلك، فإن مطلب التفويض للحكومة يدخل عمليا وسياسيا في خانة التأطير العام للعلاقة بين السلطات الثلاث وخاصة بين السلطتين التنفيذية (بشقيها) والتشريعية.
نلاحظ أنه منذ اختيار رئيس الجمهورية لشخص السيد الفخفاخ باعتباره الشخصية الأقدر على تأليف الحكومة بدأت بعض التساؤلات والمخاوف تطرح بحدة حول حسابات ونوايا رئيس الجمهورية. فالسيد الفخفاخ كان عند اختياره ينتمي إلى حزب غير ممثل في البرلمان وقد سبق له الترشح لرئاسة الجمهورية وكانت نتيجته ضعيفة جدا، إلى جانب ترشيحه من طرف حزب تحيا تونس مع الدعم الضمني من حزب التيار الديمقراطي..
لقد كان هذا الاختيار بمثابة إرباك لحركة النهضة حيث تكون أمام خيارين لا ثالث لهما. إما منح الثقة للحكومة بالرغم من ملاحظاتها بشأنها وخاصة أنها لم تستجب لشرط الوحدة الوطنية، أو عدم منحا الثقة وإطلاق يد رئيس الجمهورية لحل البرلمان.
وازداد غموض العلاقة بين المجلس ورئاسة الجمهورية في كل مرة يتحدث فيها الرئيس عن الوضع السياسي والوضع الاجتماعي، إلى جانب بعض التصريحات من الأوساط الحكومية القريبة من قصر قرطاج على غرار تصريحات وزراء الدفاع والخارجية حول الشأن الليبي أو ممثلية تونس في مجلس الأمن بالأمم المتحدة أو استقالة المستشار العسكري إلخ ..
وجاءت مسألة التفويض في ظل وفي ضوء هذا المناخ من عدم وضوح الإطار العام للعلاقة بين السلط.
لقد سبق مطلب التفويض لإصدار المراسيم استعمال رئيس الجمهورية الفصل 80 المتعلق بالحالات الاستثنائية وبالتالي جاء مطلب التفويض وكأنه يعبر عن تنسيق بين رأسي السلطة التنفيذية لاعتماد الفصلين 80 و 70 في نفس الوقت لسحب السيادة من مجلس النواب .. إلى جانب رغبة الرئيس في عدم تحمل المسؤولية عما يمكن أن يحصل من تداعيات الكورونا وذلك عبر تشغيل الفصل 70 لتتحمل الحكومة أوزار ذلك إن كانت هناك صعوبات .. مع مشاركته إياها آثار النجاح في صورة التوفيق في اتخاذ الإجراءات المناسبة لأن الحكومة تبقى في الأخير محسوبة على الرئيس !
ولقد وافق المجلس النيابي على منح التفويض للحكومة دون أن يكون ذلك صكا على بياض. حيث صادق المجلس في نفس الوقت على حزمة من الإجراءات الاستثنائية تترك البرلمان في حالة اشتغال عن بعد بواسطة التطبيقات التكنولوجية الحديثة ... مع تحديد مجالات المراسيم ذات الصلة بالتفويض وهي مجالات مرتبطة بالحرب على الكورونا وما يمكن أن ينعكس عنها من تداعيات اقتصادية واجتماعية. وأكدت مسألة التفويض وجود أزمة توتر في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية متمثلة في اختلاف الرؤية واختلاف التوجهات .. وهي اختلافات سجلت امتدادا إلى مكونات الحكومة ومكونات المجلس .. ولا شك أن هذه الاختلافات سوف تظل مخيمة على العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل وداخل صفوف ومكونات الحكومة نفسها .. وهو الأمر الذي دفع برئيس مجلس النواب إلى التذكير بكل إلحاح بمطلب تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وبالتالي طلب تعزيز الحكومة الحالية بانضمام من يقبل من قوى المعارضة في البرلمان إلى الحكومة لتغليب البعد الوطني ولضمان أكبر ما يمكن من القدرات ولتوفير إكثر ما يمكن من الشروط لمحاربة الكورونا وانعكاساتها ولمعالجة الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية بكل نجاعة وفاعلية.
هذا ويبدو أن الحكومة ومجلس نواب الشعب اختارا طريق التعاون والتهدئة من أجل بث أجواء الطمأنة والتحمل المشترك للمسؤوليات كل في اختصاصه وفي مجالات صلاحياته فتم الاتفاق على إصدار المراسيم وتحديد المدة والمجالات .. مع بقاء المجلس النيابي في حالة اشتغال والقيام بأدواره التشريعية والرقابيةوالتمثيلية كاملة.
وقد أصدرت الحكومة قائمة المراسيم الأولى بعد أيام معدودة من المصادقة على التفويض في الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب:وهذه قائمة الـ12 مرسوما التي أصدرتها الحكومة:

  1. مرسوم يتعلق بتعليق الإجراءات والآجال
  2. مرسوم يتعلق بضبط أحكام استثنائية تتعلق بالتكفل بمصاريف دفن التونسيين المتوفين بالخارج خلال فترة انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19)
  3. مرسوم يتعلق بضبط أحكام استثنائية تتعلق بالأعوان العموميين وبسير المؤسسات والمنشآت العمومية والمصالح الإدارية
  4. مرسوم يتعلق بالنشرية الالكترونية للرائد الرسمي للجمهورية التونسية وبتحديد تاريخ نفاذ النصوص القانونية
  5. مرسوم يتعلق بسن إجراءات جبائية ومالية للتخفيف من حدة تداعيات انتشار فيروس كورونا “كوفيد 19
  6. مرسوم يتعلق بإعفاء الأدوية والمواد الصيدلية بالجملة والتفصيل من الأداء على القيمة المضاعفة
  7. مرسوم يتعلق بإحداث مساهمة ظرفية استثنائية بعنوان سنة 2020 لفائدة ميزانية الدولة
  8. مرسوم يتعلق بضبط أحكام خاصة للتوقي من انتشار الإصابة بفيروس كورونا “كوفيد 19
  9. مرسوم يتعلق بسن إجراءات اجتماعية استثنائية وظرفية لمرافقة المؤسسات والإحاطة بأجرائها المتضررين من التداعيات المنجزة عن تطبيق إجراءات الحجر الصحي الشامل توقيا من تفشي “فيروس كورونا” (كوفيد 19)
  10. مرسوم يتعلق بسن إجراءات اجتماعية استثنائية وظرفية لمرافقة بعض الأصناف من العاملين لحسابهم الخاص المتضررين من التداعيات المنجزة عن تطبيق إجراءات الحجر الصحي الشامل توقيا من تفشي “فيروس كورونا” (كوفيد 19)
  11. مرسوم يتعلق بضبط أحكام خاصة لزجر مخالفات قواعد المنافسة والأسعار
  12. مرسوم يتعلق بمراجعة الاداءاتوالمعاليم المستوجبة على منتجات الوقاية الذاتية للتوقي من انتشار الإصابة بفيروس كورونا “كوفيد 19

كما أصدر مجلس الأمن القومي القرارات التالية:

  • مواصلة الحجر الصحي و حظر الجولان إلى غاية يوم 3 ماي القادم مع النظر في رفعه أو تخفيفه انطلاقا من موفى الشهر الحالي.
  • تأمين المرافق العمومية والخدمات الأساسية للجميع وتأمين الأغذية لفئة من التونسيين ممن حياتهم مرتبطة بالعمل اليومي.
  • دعوة أطباء القطاع الخاص بمختلف اختصاصاتهم إلى الالتحاق بالمستشفيات العمومية و التطوع لخدمة الشأن العام مع احالة ملف كل من يرفض إلى العدالة و الأداءات مع تسخير كل أسرة الانعاش بالمصحات الخاصة للقطاع العام تحت أشراف الصحة العسكرية.
  • تأميم بيع الكمامات و توزيعها بمعلوم رمزي على المواطنين.
  • إقرار عطلة أسبوعية طيلة فترة الحجر الصحي لمدة ثلاثة أيام من يوم الجمعة إلى يوم الاثنين.
  • وضع القاعات الرياضية و المعاهد الثانوية و المدارس الابتدائية على ذمة وزارة الصحة.
  • تركيز وحدة صحية عسكرية متطورة بجزيرة جربة مجهزة بطائرة عسكرية.
  • الإبقاء من حد أدنى من التنسيق على المستوى العالمي حتى لا يبقى المواطنون عالقين حتى الساعة بعد قرار غلق الحدود.
  • شكر القوات المسلحة والأمن والديوانة وأعوان الطيران وكل الشباب المتطوعين على الاستماته في التصدي للجائحة.
  • لا مجال لأخذ قرارات من اي سلطة محلية أو جهوية دون الرجوع إلى السلطة المركزية والتنسيق معها

التفويض بين الضرورة وانعدام الثقة:
لم يكن مطلب تفويض مجلس النواب للحكومة بتمكينها من إصدار المراسيم مطلبا جديدا .. فقد تم تقديمه في تجارب حكومات المرحوم الباجي قايد السبسي والحبيب الصيد والمهدي جمعة ويوسف الشاهد .. لكن السياق الذي جاء فيه مطلب التفويض الحالي خلق نوعا من الضبابية .. فمن ناحية هناك فعلا ضرورة لذلك في علاقة بالأوضاع الصحية أساسا حيث أن البلاد في حالة حرب حقيقية ضد هذا الوباء "العالمي" مما يجعل السير العادي للسلطة التشريعية صعبا.

كذلك هناك أزمة مالية خانقة في البلاد في علاقة بميزانية 2020 وبالمديونية العمومية وعدم إنجاز ميزانية تكميلية تعديلية. كما توجد اليوم أولويات اقتصادية واجتماعية مستجدة ويبدو الوضع الاجتماعي خاصة معقدا. ومن ناحية أخرى فإن المنظومة الصحية بالبلاد هشة وتستحق دعما ماليا ولوجستيا مهولا. وتتحدث بعض الأوساط النقدية الدولية وحتى الوطنية عن خطر انكماش اقتصادي خطير قد يجعل النمو يتراجع إلى ما دون 4 أو 5%تحت الصفر مما يتطلب حوالي 10% من الناتج الخام الداخلي (أي حوالي 12.7 مليار دينار، مما يقدر بحوالي 5 أضعاف المبلغ الذي خصصته الحكومة البالغ 2.5 مليار دينار لإعادة النمو إلى النقطة الصفر. أي لا نمو !!وإذا أضفنا إلى هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي، ما نلاحظه سياسيا من غياب الوضوح في الأغلبية حكوميا أو برلمانيا، فإن مسألة التفويض تبدو ضرورية ولا مفر منها.
وبالرغم من هذه الضرورة التي قد لا يختلف فيها إثنان، نلاحظ وجود أجواء من عدم الثقة وسيطرة التجاذبات والمخاوف والشكوك حول نوايا رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية وبعض الأطراف الحكومية من المطالبة بالتفويض عمليا كأـول طلب حكومي من المجلس تقريبا فور تكوينها؟ !
ومع ذلك اتحدت أكبر أغلبية في تاريخ المجلس للتفويض بأكثر من 170 نائبا .. وهذا بدا غريبا عندما كانت المصادقة على الحكومة ب 129 نائبا فقط .. وهذا يعني تصويت الجزء الأكبر من المعارضة لصالح التفويض اقتناعا بضرورته ..
لكن أجواء انعدام الثقة بقيت مع ذلك هي السائدة .. ولعل تفسير ذلك يعود إلى هذه التجاذبات التي لم تنقطع بل ربما ازدادت حدة بين حركة الشعب والتيار الديمقراطي من جهة وبين حركة النهضة من ناحية أخرى رغم تشاركهم في الحكومة ..
وقد تم في المجلس بتاريخ 14 أفريل 2020 التصويت لفائدة مشاريع حكومية بأغلبية متكونة من النهضة والإصلاح وقلب تونس وائتلاف الكرامة وكتلة المستقبل في حين عارضتها الكتلة الديمقراطية المتكونة من حركة الشعب والتيار الديمقراطي؟ !
هكذا تبدو الأغلبية الحكومية هشة ومهددة لولا دعم المعارضة التي أبدت روحا وطنية عالية مما يزيد مطلب الوحدة الوطنية إلحاحا لضمان الاستقرار الحكومي والفاعلية الحكومية ..
وحتى ترجع الثقة بين مكونات القيادة السياسية للبلاد رئاسة وحكومة وبرلمانا، وهي الثقة التي قد تفتح آفاقا لتوافقات مهمة على غرار تكوين المحكمة الدستورية ..

تحدي البناء والإنجاز والعودة إلى الدولة القوية:
ليس أمام الحكومة من خيارات إلا معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والخروج بأخف الأضرار من آثار "الكورونا" على الحياة وعلى الاقتصاد وعلى المجتمع..
ليس أمام حكومة الفخفاخ سوى تحدي البناء والإنجاز واتخاذ كل الإجراءات من التصدي لخطر الانكماش الاقتصادي المهول الذي يهدد عمليا كل دول العالم ..
إن أيام "الكورونا" صعبة ومعقدة ولكن أيام ما بعد الكورونا تبدو غامضة ولن تكون بأية حال "أياما سمانا" على حد قول بعض الملاحظين !
الخطر كل الخطر في أن يخرج الأثرياء أكثر ثراء والفقراء أكثر فقرا جراء ما قد تتخذه الحكومة من إجراءات دعم ومساندة لأطراف وتجاهل لأطراف أخرى مع التوظيف "الإجرامي" للبعض للكورونا على غرار تجار الحروب والكوارث؟ !
لقد كان تحدّي البناء والإنجاز والنجاح هو التحدّي الطاغي على الحملة الانتخابية رئاسيا وتشريعيا .. وعلى عناوين التشكيل الحكومي سواء لحكومة الجملي أو لحكومة الفخفاخ .. ولكن ها أننا بعد ستة أشهر نجد البلاد أمام تحدي وقف الانكماش ومنع الانهيار .
وقد بدأت الشكوك يسيطر منذ إسقاط حكومة الحبيب الجملي مع بروز صراعات بين أطراف كانت لها تجربة عمل مشترك في جبهة 18 أكتوبر. وقد خيم هذا الصراع على أجواء تكوين حكومة الفخفاخ.
اليوم هناك أزمة ثقة بين جماعات النظام القديم والنظام الجديد، وكأن فترة التوافق التي سادت علاقة النهضة ونداء تونس برعاية الشيخين راشد الغنوشي والمرحوم الباجي قايد السبسي كانت مجرد قوس في العلاقة وكأننا الآن عدنا إلى حالة التجاذب حتى أنه هناك من يتحدث اليوم عن حالة التوافق "المغشوش" في تركيبة حكومة الفخفاخ؟ !
مازال هناك مراهنون على تقسيم مكونات النظام الجديد وخلق هوة بين الإسلاميين (النهضة)، وبين القوميين العلمانيين (حركة الشعب والتيار .. وحتى التكتل الحزب السابق لرئيس الحكومة الحالي ..).. وهناك لوبيات وأطراف من رجال الأعمال الكبار للضغط لتسوية قضاياهم عن طريق القضاء بطرق مختلفة .. وهذا اللوبي مازال يشتغل لإشعال الفتيل ضد النهضة وضد الرئيس قيس سعيد ويسعى إلى توتير العلاقة بينهما وكذلك توتير علاقة النهضة ورئاسة المجلس النيابي برئيس الحكومة .. ويعمل لإعداد ما يشبه الانقلاب الأبيض على النظام السياسي بتحريض جماعات 18 أكتوبر ضد بعضهم البعض لفائدة أنصار ومجموعات النظام القديم.
إن الحل لضمان البناء والإنجاز يتمثل في العمل المشترك والثقة والتوافق والوحدة الوطنية والمحاربة الحقيقية للفساد وليس مجرد فرقعات إعلامية واهية ..
طبعا هناك من هم ضد الوحدة الوطنية بل ويسعون إلى تهميش النهضة وإضعافها بهدف إقصائها .. والعجيب أن يكون التيار الديمقراطي في مقدمة القوى الرافضة لحكومة الوحدة الوطنية !!
إن هذا التوجه التقسيمي والمنغلق هو الخطر بعينه على الاستقرار وعلى البناء والإنجاز .. وهو البوابة المؤكدة للانهيار لا قدر الله.

الخاتمة:
هذا هو المناخ العام الذي رافق تمكين الحكومة من التفويض لإصدار المراسيم. لقد كان هذا التفويض بحكم الضرورة، لكنه مازال يفتقر إلى إرساء مناخ من الثقة والعمل المشترك بين أطراف الحكومة ذاتها من ناحية وبين الحكومة والبرلمان من ناحية أخرى.
لقد كان هذا التفويض على أساس متطلبات الضرورة الوطنية الصحية والاقتصادية والاجتماعية، ولكنه ليس لتعويض مجلس نواب الشعب ولا لتهميشه. لقد رافق التفويض اتخاذ إجراءات استثنائية لضمان عمل المجلس رئاسة ومكتبا ولجانا وجلسات عامة مع المحافظة على دور النواب التشريعي والرقابي والتمثيلي وعلى أنشطتهم واتصالاتهم مركزيا وجهويا. هذه المعادلة هي الكفيلة بضمان قيام كل طرف بدوره وتحمل كل سلطة مسؤولياتها في نطاق احترام العلاقة بين المؤسسات وضمان الفاعلية لاشتغالها وتوفير أفضل الشروط والأسس لتحقيق البناء والإنجاز والنجاح في محاربة الكورونا والفقر والفساد والإرهاب.

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك