القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التعديلات الدستورية في الجزائر في المجال الديبلوماسي وانعكاساتها على أمنها القومي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-06-16 14:41:00 | 1334 مشاهدة

المقدمة:
قدمت اللجنة الدستورية التي تم إحداثها في الجزائر بعيد انتخاب الرئيس الجزائري الجديد السيد عبد المجيد تبون مقترحات بعدة تعديلات دستورية سوف يكون لها الأثر الكبير على الحياة السياسية الجزائرية وعلى دور الجزائر خاصة إقليميا. وقد كان للحراك الجزائري الذي أفضى إلى إنجاز الانتخابات الرئاسية الجزائرية الأخيرة في ديسمبر 2019 وكذلك ما كان يجري في جوار الجزائر وتحديدا في ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي الدور البارز في تقديم هذه التعديلات.
لقد تناولت هذه التعديلات ستة محاور هي "الحقوق الأساسية والحريات العامةّ" و "تعزيز الفصل بين السلطات وتوازنها" و "السلطة القضائية" و "المحكمة الدستورية" و "الشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته" و "السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات" إلى جانب مقترحات أخرى من أهمها "دسترة الحراك الشعبي ليوم 22 فيفري 2019 في إطار ديباجة الدستور" و "دسترة مشاركة الجزائر في عمليات حفظ السلام تحت رعاية الأمم المتحدة"و"دسترة مشاركة الجزائر في المنطقة على استعادة السلم في إطار الاتفاقيات الثنائية مع الدول المعنية"، وهي دسترة تترجم بالسماح بالتدخل العسكري للجيش الجزائري خارج حدود التراب الجزائري ...
لكن ما نريد لفت الانتباه إليه في هذا التقدير هو ذلك الجانب المتعلق بالعلاقات الخارجية والديبلوماسية الجزائرية.
وفي هذا المجال يبرز التعديل الخاص بفسح المجال للجيش الجزائري للتدخل خارج حدود التراب الوطني الجزائري للدفاع عن المصالح الاستراتيجية الجزائرية وحماية الأمن القومي الجزائري وتحديدا في المنطقة التي تمثل الفضاء الجغراسياسي للدولة الجزائرية.
ما هي أبعاد هذا التعديل؟ ماذا يضيف لدور الجزائر مغاربيا وعربيا وإفريقيا؟ وهل سيكون لذلك تأثير على التحركات والتحولات التي تشهدها المنطقة؟

السياق السياسي الوطني والإقليمي:
يعرف الجميع أن الجيش الوطني الشعبي الجزائري كان منذ استقلال الجزائر ولايزال أحد أركان الحكم وربما أبرز مكون في الحياة الوطنية الجزائرية.
إنه يعتبر بحق لسنوات طويلة المؤتمن الأول على رصيد الثورة الجزائرية والحارس الأمين لسلامة الدولة وأمنها واستقرارها.. وقد برز خلال أهم المنعطفات التي عرفتها الجزائر الشقيقة باعتباره الرقم الأصعب في الحياة السياسية الجزائرية والقوة الفاعلة والمؤثرة الأهم في القرارات الكبرى .. وكان رئيسالجمهورية  دوما ابن المؤسسة العسكرية والمؤتمن الأول على شؤونها باعتباره القائم بوزارة الدفاع باستثناء حالات نادرة وعابرة اقتضتها ملابسات سد الشغور بعد وفاة الرئيس المباشر .. كما بدا أثناء الحراكالشعبي الأخير كأنه تحول من حارس الثورة والدولة إلى حارس الشعب والدولة نظرا لتحولات المشهد الوطني الجزائري بفعل المتغيرات الزمنية والاجتماعية بالخصوص وبروز جيل ما بعد الثورة وما يتطلبه من استحقاقات وماله من تطلعات.
غير أنه من جهة أخرى يلاحظ المتابعون أن الجزائر لم يكن لها عسكريا أي تدخل خارج الحدود باستثناء المشاركة في حرب جوان 1967 و أكتوبر 1973 بناء على اتفاقية الدفاع العربي المشترك..

لكن الجزائر لم تكن أبدا بعيدة عن الفعل والتأثير سياسيا وأمنيا في محيطها الجغرا-سياسيمغاربيا وعربيا وإفريقيا بما تمثله من ثقل حضاري وسكاني وتاريخي .. لكن الأحداث من حولها لم تكف أبدا عن التطور نحو الصدامات والنزاعات المسلحة والتدخلات العسكرية الأجنبية وبروز المجموعات الإرهابية خاصة في منطقة الساحل الإفريقي (مالي والنيجر والتشاد) وفي ليبيا..
ورغم ما عاشته الجزائر من حراك فإن مؤسستها الأمنية لم تكف أبدا عن المشاهدة والمتابعة لما يجري في محيطها إفريقيا ومغاربيا وكان هاجس الحفاظ على أمنها القومي مستيقظا باستمرار بالرغم من انشغالها شبه الكامل بأوضاعها الداخلية التي كانت تهدد استقرارها ونظامها السياسي ومؤسسات الدولة ووحدة الشعب ..
إن كل التفاعلات الداخلية المتعلقة خاصة بالحراك والخارجية المرتبطة في المقام الأول بالمجموعات الإرهابية والنزاعات المسلحة في ليبيا وفي منطقة الساحل الإفريقي والتهديدات الإرهابية على حدودها الشرقية في كل من الشقيقتين تونس وليبيا، قد أثر إلى حد كبير في اقتناع الجزائر بمراجعة سياساتها الخارجية ومقومات ديبلوماسيتها وعززت الاقتناع بأن ما تشهده المنطقة من تنامي الإرهاب والتدخلات العسكرية الأجنبية أصبح يهدد إلى حد كبير المصالح الاستراتيجية الجزائرية ويمثل خطرا على أمنها القومي وعلى الاستقرار في كامل المنطقة.
بعد إجراء الانتخابات الرئاسية الجزائرية الأخيرة في 12 ديسمبر 2019 وانتخاب الرئيس عبد المجيد تبون خلفا للرئيس بوتفليقة، خفت وطأة الحراك وأصبحت الحياة الوطنية الداخلية تميل إلى التهدئة رغم كل شيء وأصبح ممكنا توجيه الإشارات إلى كل المتدخلين في المنطقة بأن الجزائر هنا وأنها لا يمكن أن تقبل تهديد أمنها القومي وضرب مصالحها الاستراتيجية وأنها تبقى رقما سياسيا يصعب تجاوزه مغاربيا وإفريقيا بالخصوص .. وهي رسائل موجهة إلى الأطراف الخارجية المتدخلة في المنطقة وفي نفس الوقت إلى المجموعات الإرهابية الناشطة على حدود الجزائر تفيد بأن الجزائر لن تنتظر وصول الخطر الإرهابي إلى أراضيها وأنها لن تترك أشقاءها وجيرانها لقمة سائغة أمام المجموعات الإرهابية والمرتزقة الأجانب كما أنها لن تسمح بالتدخلات الأجنبية العسكرية ضد إرادة دول المنطقة وشعوبها.

تطور العقيدة العسكرية للجيش الجزائري:
لقد حدثت عدة تطورات على غاية من الأهمية دفعت إلى تغيير العقيدة العسكرية للجيش الجزائري وخاصة بعد الأحداث والتحولات التي وقعت في تونس ومالي والنيجر وتشاد وآخرها الحرب الحالية الدائرة في الجارة ليبيا. لقد بقيت الجزائر شبه المتفرج على ما يدور حولها لأنها دستوريا لا تستطيع التدخل خارج حدودها.
عمليا بدأ التفكير في مراجعة السياسة العسكرية الجزائرية سنة 2003 عند قيام مجموعات مسلحة خطف سواح من الجزائر وهروبهم إلى الأراضي المالية .. وفي 2012 حصلت عملية عسكرية فرنسية في مالي بدعوة من الحكومة المالية لمواجهة إرهابيين لأن الجزائر لا تستطيع التدخل بالرغم من كون مالي تمثل عمقا استراتيجيا للجزائر. وقد كان مبرر الحكومة المالية أنها مضطرة للاستنجاد بفرنسا أمام عدم إمكانية تدخل الجزائر. كما وقع الهجوم الكبير على منطقة جانت أميناس JantAminas النفطية الجنوبية في عام 2013 وهروب الإرهابيين خارج الحدود الجزائرية إثر ذلك فلم يكن ممكنا ملاحقتهم.
على إثر هذه الأحداث بدأ يتصاعد ضغط نخبوي جزائري لتغيير سياسة وعقيدة الجيش الجزائري.
وقد كان لجمود الديبلوماسية الجزائرية نسبيا خلال السنوات السبع الأخيرة من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وغياب الدور الجزائري الفاعل في النيجر ومالي وليبيا الأثر البارز في وضع السلطة الجزائرية أمام ضرورة تغيير دستوري في المجال الديبلوماسي يسمح للجزائر بلعب دورها الإقليمي وحماية حدودها وأمنها القومي.
لقد اقترحت اللجنة الدستورية تعديل الفصل 91 من الدستور وتحويله إلى الفصل 95 الذي يسمح للجيش الجزائري بالقيام بعمليات خارج الحدود لحفظ السلام تحت راية الأمم المتحدة وبندا ثانيا يسمح لها في المشاركة بالعمليات العسكرية في منطقة شمال إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي بالتنسيق مع الحكومات المركزية المعنية.
هذا وتعتقد السلطة والنخب الجزائرية أن هذا التعديل سوف يسمح للجزائر بتثبيت الاستقرار والسلام في المنطقة وحماية الأمن القومي وتلافي التدخلات الأجنبية.
إن هذه التعديلات تسمح بتحول الديبلوماسية الجزائرية من ديبلوماسية عدم التدخل إلى ديبلوماسية حماية المصالح.
وهناك أيضا بعد ثالث يوفره الدستور وهو المتمثل في ما يعرف بالديبلوماسية الاقتصادية، لتتوفر دستوريا إمكانية المزاوجة بين التدخلات الاقتصادية والأمنية والعسكرية لحماية الجزائر وحماية الاستقرار في المنطقة عامة ..

الأمن القومي الجزائري ممتد في كامل الأرجاء المغاربية والعربية والساحل الإفريقي:
يتساءل الجزائريون لماذا تدفع دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية الأموال الطائلة لتمويل المشاريع والاستثمارات في منطقة الساحل الإفريقي.
كما لا يخفى عن الجزائري أبعاد التدخلات الإماراتية والمصرية في الجارة الشقيقة ليبيا في علاقة بالثروات النفطية والغازية ومناجم اليورانيوم وفي التحصن بالموقع الليبي الاستراتيجي إفريقيا ومتوسطيا.
لقد أشار الرئيس الجزائري المنتخب عبد المجيد تبون صراحة بعد انتخابه إلى أهمية التعديل الدستوري وإلى أهمية الملف الليبي في المواضيع المستعجلة في بداية عهدته. وقال تحديدا: لن يصير أي شيء في ليبيا دون موافقة الجزائر.
ومن المعلوم أن الجنرال المتقاعد حفتر قد استغل إلى حد بعيد انشغال الجزائر بالتطورات الداخلية المتمثلة خاصة في الحراك الشعبي ليتقدم في حربه على حكومة الوفاق الوطني الشرعية المعترف بها دوليا ومغاربيا ودفعت الإمارات بكل ثقلها لدعم قوات حفتر بالمال والعتاد مع تورط السعودية ومصر .. ولكن بقيت لهم جميعا مخاوف من الإشارات والتحذيرات الجزائرية المتعاقبة بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي فيما يخص التدخلات العسكرية الأجنبية في ليبيا ضد الحكومة الشرعية بما يهدد وحدة ليبيا وسيادتها واستقلالها.
إن السماح دستوريا للجيش الجزائري بالتدخل خارج حدود التراب الجزائري عبارة عن تحول استراتيجي عسكري وديبلوماسي في مقومات السياسة الخارجية الجزائرية. لكن ذلك يؤكد أيضا تمسك الجزائر بما كان لها دائما من دور ومكانة وتأثير على الساحتين العربية والمغاربية من جهة والإفريقية من جهة أخرى .. وإن بوسائل وآليات جديدة منها خاصة هذا العنصر المستجد المتمثل في التدخل العسكري.
ما هو مجال الأمن القومي الجزائري ضمن مختلف الاعتبارات التاريخية والجغرافية والاقتصادية والسياسية والسكانية.. ؟
كما حظيت الثورة الجزائرية بالدعم والتعاطف والتآزر عربيا وإسلاميا وإفريقيا، كانت للدولة الجزائرية الوطنية دوما مكانة بارزة وتأثير فعال عربيا وإفريقيا وإسلاميا وكانت من أقطاب دول عدم الانحياز ومن أهم مكونات المحور المناهض للإمبريالية والاستعمار والصهيونية.
جاء مقترح التعديل الدستوري المتعلق بتدخل الجزائر لضمان السلم في المنطقة بعنوان الاتفاقيات مع الحكومات المعنية، فما المقصود بالمنطقة؟ هل هي المغرب العربي أم شمال إفريقيا أم الشمال الإفريقي مضمنا بالساحل والصحراء؟
إن المتابع للسياسة الخارجية الجزائرية يعلم جيدا أن للديبلوماسية الجزائرية دائما بعدا مغاربيا وآخر عربيا يكادان لا ينفصلان إلى جانب البعد الإفريقي. ولا شك أن البعد القومي العربي واضح وظاهر، وهو اليوم يتمثل في ليبيا تحديدا بحكم التدخل الخليجي والمصري فيشأن هذا البلد العربي المجاور... فكما لم يعد هناك عالميا قطب واحد ولا قطبان بل تعددت الأقطاب، كذلك عربيا أصبح هناك خلل في التوازن خاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق والحرب الداخلية في سوريا والانقلاب في مصر والحرب في اليمن وبروز الإمارات الدولة الصغيرة المتنمرة والتي أصبحت مع السعودية ومصر محورا جديدا متحيزا للثورات المضادة. فماذا سيقابل هذا المحور الجديد عربيا؟ إن التعديل الدستوري في الجزائر من هذه الزاوية القومية يندرج في خانة خلق توازن مع المحور الإماراتي المصري في المنطقة العربية.
لقد كانت الجزائر دائما أحد أضلع القوى العربية الفاعلة ليس فقط لضمان الأمن الإقليمي الضيق للجزائر بل للأمن القومي الجزائري الحقيقي الممتد عربيا وإفريقيا في مواجهة التغول الإماراتي وكذلك في مواجهة المشاريع الصهيونية في القارة السمراء... وبالرغم من الحراك الداخلي بقيت الجزائر متيقظة بخصوص ما يجري في ليبيا والساحل الإفريقي كما تجدر الإشارة إلى أن مسألة الأمن القومي الجزائري محل توافق عريض وأن دور الجيش الجزائري محل اعتزاز وطني كبير.

الخاتمة:
بهذا التعديل الدستوري الذي هو محل نقاش وجدل في الساحة السياسية والثقافية إذا ما تم التوافق عليه والمصادقة على هذا التمشي الجديد، تكون الجزائر قد فسحت المجال للتدخل العسكري في محيطها الخارجي الجغراسياسي بما يحفظ دورها ويحمي مصالحها الاستراتيجية ويحرس أمنها القومي.
لقد كان للجزائر على الدوام دور بارز مغاربيا وعربيا وإفريقيا ولم يكن من الممكن أبدا تخطي مكانتها ولا ضرب مصالحها وتهديد نفوذها بالرغم من جميع المحاولات التي لم تفتأ تسعى إليها القوى المعادية الإقليمية والدولية.
لقد هددت الكثير من القوى الجزائر بتحريك جحافل الجماعات الإرهابية وحاولت إشعال نيران الفتنة ومحاربتها داخليا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا عن طريق التفتين بين مكونات المجتمع الجزائري والسعي إلى تخريب اقتصادها إلى جانب تهديد جوارها المغاربي والإفريقي بالإرهاب والتدخلات العسكرية الأجنبية.
بهذا التعديل يمكن للجيش الجزائري الذي لا يشك أحد في قوته وعقيدته الوطنية والتحامه بالشعب أن يوسع مجالات تدخله للدفاع عن مصالح الجزائر وأمنها القومي في الساحل الإفريقي وفي المغرب العربي بالخصوص مع توجيه تحذير واضح ومؤكد لكي تحسب كل القوى المتآمرة ألف حساب له ومن خلاله للجزائر ... ومن أنذر فقد أعذر !!

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

وحدة التقدير السياسي

 

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك