القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الترفيع في نسبة الفائدة المديرية هل هو السلاح الأمثل للتقليص من معدلات التضخم المالي في تونس ؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-02-26 09:24:00 | 617 مشاهدة

ملخص

 

منذ يناير 2013، رفّع البنك المركزي التونسي تسع مرات متتالية في نسبة الفائدة المديرية بدون أن يكون لهذا القرار أي انعكاس على التضخم المالي، بل زاد هذا الإجراء  الطين بلّة وتسارعت وتيرة التضخم المالي في تونس إلى أن وصلت إلى مستويات قياسية أثرت سلبا على المقدرة الشرائية للمواطن التونسي وعلى تنافسية المؤسسات التونسية. وقد حمّل البنك المركزي المسؤولية كاملة إلى العائلات التونسية عبر القروض التي تتحصل عليها والتي تحولها إلى طلب استهلاك المواد الموردة، ممّا زاد في تفاقم العجز التجاري وسرّع في تراجع الدينار التونسي ومن ثمّة في وتيرة التضخم المالي. لكن المتأمل في الأسباب التي أدت إلى تسارع وتيرة الأسعار في تونس يلاحظ أن العامل الأهم في التضخم المالي ليس نقديا بل بالأساس يعود إلى الانزلاق المتواصل للدينار وأن العامل النقدي في التضخم المالي لا تتحمله العائلات التونسية بل الحكومة عند التجائها للاقتراض الداخلي عبر رقاع الخزينة التي تصدرها والتي تحولها البنوك التجارية إلي سيولة نقدية توجهها للدولة لتمويل موازنتها عوض تخصيصها لتمويل الاستثمار الخاص ممّا يضعف النمو الاقتصادي ويقلّص من خلق فرص التشغيل.

 

مقدمة

كان القرار الأخير للبنك المركزي التونسي الترفيع بمائة نقطة كاملة في نسبة الفائدة المديرية محل جدل كبير بين المختصين في الشأن الاقتصادي. واعتبرت منظمة الأعراف، في بيان لها بتاريخ 20 فيفري 2019، أن هذا القرار سيزيد بنحو 15% في كلفة القروض وأنه ليس بمقدور أي مؤسسة تونسية تحمل مثل هذه الأعباء الإضافية التي ستضعف قدرتها على الإيفاء بتعهداتها إزاء المؤسسات البنكية وستزيد من مصاعب التسيير العادي لها. كما أدانت المنظمة الشغيلة هذا القرار واعتبرته تفقيرا للشعب التونسي ودعت البنك المركزي إلى التراجع عنه. فهل كان البنك المركزي صائبا في قراره ؟ ومن هو المستفيد الأول من هذا القرار ؟

 

استقلالية البنك المركزي لاستهداف التضخم المالي

إن الغاية من استقلالية البنك المركزي إبعاده عن التأثيرات الحكومية فيما يخص القرارات التي يتخذها في السياسة النقدية وانفصاله عن السلطة التنفيذية في تحديد أهدافه واتخاذ قراراته حتى لا يكون مجبرا على تمويل عجز موازنة الدولة وبالتالي متسببا في ارتفاع الأسعار. ويكون البنك المركزي مستقلا عندما يتمتّع مسؤولوه الرسميون بالاستقلالية فيما يتعلق بتعينهم وعدم الاستغناء عن خدماتهم قبل انتهاء المدة المحددة لهم قانونا. كما ارتبطت استقلالية البنك المركزي باستهداف التضخم المالي، فالبنك المركزي، عندما يكون مستقلا، فهو المسؤول الأول عن استقرار الأسعار باعتبار أن مصدر التضخم المالي هو نقدي بالأساس.

وتخضع العلاقة بين البنوك المركزية وحكوماتها إلى المرتكزات الفكرية والفلسفية للمدارس الاقتصادية. فالمدارس الفكرية الاقتصادية ذات البعد الليبرالي ترغب في تقوية استقلالية البنوك المركزية ودعمها وعدم تدخل الحكومات في قراراتها بما أنها تقوم على الفصل بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد النقدي وكل ارتفاع في معدلات السيولة النقدية في الاقتصاد لا يمكن له إلا أن يؤدي إلى ارتفاع في أسعار السلع والخدمات. وتقوم هذه المقاربة الاقتصادية للتضخم المالي على تقليص دور الدولة في الاقتصاد حيث يقتصر أداؤها على الخدمات الأساسية وعلى توفير المناخ الملائم للقطاع الخاص حتى يقوم بمهمته الاقتصادية على أحسن وجه، فاليد الخفية للسوق هي الكفيلة بإيجاد التوازنات الكلية للاقتصاد. وقد أدت هذه المقاربة الاقتصادية إلى ظهور عديد الأزمات الاقتصادية  لعل أهمها كساد كبير وزيادة في معدلات البطالة وانخفاض في معدلات النمو الاقتصادي في ثلاثينات القرن الماضي وانهيار في أهم الأسواق المالية  وإفلاس عديد المصارف التجارية خلال أزمة الرهن العقاري في 2008.

وفي المقابل، ترى المدارس الفكرية الاقتصادية، والتي تعطي دورا مهما للدولة من خلال السياسات الاقتصادية التي تنتهجها، أن الترفيع في نفقات الدولة ينشّط الاقتصاد ويحفّز القطاع الخاص على الاستثمار من خلال الطلب الإضافي الذي يحدثه في الاستهلاك الموجه إلى المنتجات المحلية. فالاستثمار الخاص، حسب هذه المقاربة، يتأثر بالطلب الموجه إلى المنتجات المحلية أكثر من تأثره بنسبة الفائدة وكل تدخل للدولة في الاقتصاد عبر الزيادة في النفقات العمومية أو التخفيض في الجباية يترجم إلى زيادة في مداخيل الأفراد ويؤدي إلى ارتفاع في الاستهلاك ممّا يشجع القطاع الخاص على الاستثمار ورفّع من معدلات النمو الاقتصادي. وتفضل هذه المقاربة الاقتصادية تمويل نفقات الدولة بالسيولة النقدية المتأتية من البنك المركزي وتدعو الحكومات إلى التدخل في إدارة البنوك المركزية من خلال تعيين محافظها ومجالس إدارتها حتى تتمكن من الحصول على القروض اللازمة لتمويل العجوزات في موازناتها.

وحسب القانون عدد 35 لسنة 2016، المؤرخ في 25 أبريل 2016 والمتعلق بضبط القانون الأساسي للبنك المركزي التونسي، فهو مؤسسة عمومية تتمتع بالاستقلالية في تحقيق أهدافها ومباشرة مهامها والتصرف في مواردها. ويتمثل الهدف الأساسي للبنك المركزي التونسي في الحفاظ على استقرار الأسعار بضبط السياسة النقدية الملائمة وهو ما يتطابق مع المقاربة الأولى والتي تعتبر أن مصدر التضخم المالي هو نقدي بالأساس.

 

لماذا رفّع البنك المركزي في نسب الفائدة ؟

في بيانه الصادر عن مجلس إدارته في اجتماعاته يومي 16 و19 فبراير 2019،  قرر البنك المركزي الترفيع في نسبة الفائدة المديرية بـ 100 نقطة أساسية كخطوة استباقية للحدّ من الآثار السلبية للتضخم المالي على الاقتصاد وعلى المقدرة الشرائية. وعلل قراره بالكلفة العالية لعدم استعمال السياسة النقدية والتي لولاها لكانت نسبة التضخم المالي برقمين ممّا يجعل من نسبة الفائدة الحقيقية سالبة وهو ما يزيد في الطلب على استهلاك المواد المحلية من ناحية مع تداعياته على التضخم المالي وعلى استهلاك المواد الموردة مع تداعياته السلبية على العجز التجاري وعلى المخزون من العملة الصعبة وخاصة على قيمة الدينار التونسي من ناحية أخرى. علاوة على أن تواصل الضغوط التضخمية، في حال عدم استعمال السياسة النقدية، قد تؤثر سلبا على تأجير الودائع وبالتالي على الادخار وهو ما قد يدفع  البنك المركزي إلى الاستجابة إلى مزيد ضخ السيولة المتأتية من طلبات البنوك ممّا قد يرفّع في الحجم الجملي لإعادة التمويل ويزيد من المخاطر التضخمية.

واستدلّ البنك المركزي قراره الترفيع في نسبة الفائدة المديرية بالمستوي القياسي للعجز الجاري والذي ارتفع بنقطة كاملة في سنة 2018 (11.2% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 10.2% في سنة 2017) وبتراجع الموجودات الصافية من العملة الأجنبية بـ 9 أيام (84 يوم توريد مقابل 93 يوم في سنة 2017).

ويبين الرسم التالي المقتبس من الرسم البياني 3 للمذكرة التقنية للسياسة النقدية للبنك المركزي التونسي بتاريخ 20 فبراير 2019، الحلقة المفرغة للتضخم المالي كما يتصورها البنك المركزي التونسي :

 

 

وقد فسر البنك المركزي هذا المستوى العالي من التضخم المالي بعدد من الصدمات ذات الطابع الظرفي والذي يخص أساسا الترفيع في نسب الأداء على القيمة المضافة والمعاليم الجمركية ومعلوم الاستهلاك الواردة في قانون المالية لسنة 2018 علاوة على ارتفاع الأسعار العالمية لبعض المواد الأساسية والطاقة وكذلك الاضطرابات في مسالك التوزيع بالنسبة إلى المنتجات الغذائية الطازجة. كما ذكر البنك المركزي، في مذكرته التقنية للسياسة النقدية بتاريخ 20 فبراير 2019، الأسباب الهيكلية والتي أدت إلى ارتفاع التضخم المالي في سنة 2018 ومنها تفاقم العجز الجاري والذي أثّر سلبا على سعر صرف الدينار (تراجع قيمة الدينار ب12.9% مقابل اليورو و ب 8.6% مقابل الدولار). ورجّح البنك المركزي آفاقا تصاعدية للتضخم المالي في الأشهر القادمة في حال عدم استعمال السياسة النقدية. فالغاية من الترفيع في نسب الفائدة ب 100 نقطة، الحدّ من قدرة العائلات التونسية على الإنفاق وبالتالي من تزايد الاستهلاك الخاص قصد الحد من الضغوط على التضخمية.

ما مدى صحة هذه المقاربة الاقتصادية ؟

يعتقد البنك المركزي أن الترفيع من نسبة الفائدة المديرية ب 100 نقطة يقلّص من القروض المسندة للعائلات التونسية وبالتالي من الاستهلاك العائلي وخاصة منه الموجّه إلى التوريد وسيحد من العجز التجاري والجاري وسيدعم استقرار الدينار. فالترفيع في نسبة الفائدة يعدّ، حسب البنك المركزي، إجراءا استباقيا لقطع الحلقة التي تؤدي إلى تأثير تراجع قيمة الدينار على التضخم المالي. فالبنك المركزي يعتبر أن القروض التي تسندها البنوك إلى العائلات التونسية تذهب جلّها إلى الاستهلاك الخاص والحال أن الجزء الأكبر من هذه القروض موجهة إلى اقتناء أو بناء مساكن وفي هذه الحالة لا تعتبر هذه القروض استهلاكية بل موجّهة إلى الاستثمار حيث أن عملية البناء أو اقتناء مساكن من قبل العائلات التونسية تعتبر اقتصاديّا استثمار  لما لها من تداعيات إيجابية على النشاط الاقتصادي وعلى خلق فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة. وحتى وإن افترضنا أن جل القروض المسندة إلى العائلات التونسية موجهة إلى الاستهلاك، فلا يعني بالضرورة  أن المواد المستهلكة مورّدة بالكامل حتى تؤدي إلى تفاقم العجز التجاري ومن ثمّ العجز الجاري بما أن النصيب الأكبر لتفاقم هذا الأخير ناتج أساسا من العجز الطاقي ومن توريد المواد الأولية ونصف المصنعة ومواد التجهيز اللازمة لعملية الإنتاج. فتحميل كل المسؤولية في تفاقم العجز التجاري لاستهلاك العائلات التونسية مجانب للحقيقة واستعمال أدوات السياسة النقدية للتقليص فيه مضرّ بالنشاط الاقتصادي حيث يمثل هذا العامل المحرك الأساسي للاقتصاد التونسي بعد الانكماش الملحوظ للاستثمار وتراجع نسق نمو الصادرات.  فالترفيع في معدل نسبة الفائدة سيزيد في كلفة القروض البنكية المثقّلة على العائلات والمؤسسات الاقتصادية ويدفعها إلى الإحجام عن طلب قروض جديدة ممّا يؤدي إلى تراجع كل محركات النمو الاقتصادي من استثمار وتصدير واستهلاك.

من هو المتسبب الرئيسي في التضخم ومن هو الرابح الحقيقي من هذا القرار ؟

يتفّق المتابعون لنشاط البنوك التجارية أن هذه الأخيرة قد شهدت طفرة مالية هامة خلال السنتين الأخيرتين، فقد تطور الناتج الصافي البنكي للعديد من البنوك التجارية بصفة ملحوظ تزامنت مع الترفيع في نسبة الفائدة المديرية تسع مرات متتالية منذ يناير 2013 وخاصة خلال سنة 2018 ممّا يجعل من إقراض الدولة عن طريق شراء سنداتها أمرا يدرّ على البنوك التجارية أموالا طائلة بدون مخاطر تذكر عوضا عن المخاطرة بها في استثمارات خاصة غير مضمونة خاصة وأن نسبة المخاطر عالية في هذه الفترة الحساسة من الانتقال الديمقراطي والتي تتميز بعدم استقرار المشهد السياسي والاجتماعي علاوة على السياسات الاقتصادية غير المشجعة على الاستثمار من زيادة في الضغط الجبائي بثلاث نقاط كاملة منذ 2010 وترفيع في نسبة الفائدة المديرية وتراجع في قيمة الدينار ومراجعات متتالية في أسعار الوقود ممّا يجعل من الاستثمار الخاص مغامرة محفوفة المخاطر ومن تمويله رميا بالأموال في سلة المهملات. فمن مصلحة البنوك التونسية استثمار أموالها في عمليات مربحة لا تحتمل المخاطرة، والاستثمار في سندات الدولة عملية لا تتطلب سيولة نقدية متوفرة في خزائنها بل طلب إلى البنك المركزي لإعادة التمويل يتمّ من خلاله تحويل هذه السندات إلى سيولة نقدية. وقد استحسنت الحكومة التونسية استعمال السياسة النقدية من طرف البنك المركزي والتي تمكّنها من الاقتراض الداخلي بسهولة، فرفّعت حصّته من الاقتراض ب5.6 نقطة خلال سنة 2018، بعد الصعوبات التي اعترضتها للخروج على السوق العالمية. فالعوائد المرتفعة لسندات الدولة والمتأتية من نسب الفائدة العالية تسيل لعاب البنوك التجارية وتدفعها إلى الاستثمار فيها عوض المغامرة بها في تمويل الاستثمار الخاص. وبالتالي تتحمل الدولة المسؤولية الأولى في المبالغ المشطّة التي يضخّها البنك المركزي  في الاقتصاد مقابل رقاع الخزينة التي تصدرها والتي تحوّلها البنوك التجارية إلى سيولة نقدية بدون ما يقابله من نمو في الإنتاج ولا تتحمل العائلات التونسية، عبر القروض التي تتحصل عليها، إلا الجزء الضئيل من المسؤولية عندما تتوجه هذه القروض إلى استهلاك المواد المورّدة. فخلافا لما يتصوره البنك المركزي، فالدولة تتحمل المسؤولية كاملة فهي المتسببة أولا في التضخم المالي (بالمفهوم النقدي للتضخم) وثانيا في شحّ السيولة النقدية التي كان من الأفضل توجيهها إلى الاستثمار الخاص حتى يتحسن النمو وتتضاءل البطالة. أمّا الرابح الحقيقي من الترفيع في نسبة الفائدة فهي البنوك التجارية التي تجني من هذه العملية أرباحا سهلة بدون أي جهد يذكر. فاستقلالية البنك المركزي، تقتضي الحذر من تأثير السلطة التنفيذية على البنك المركزي لإقراضها عند عجز في موازنتها، تحولت بمفعول القانون الأساسي له منذ 2016، الى إمكانية إقراضها بوسيط مقنّن أو ب"سمسار" وهي البنوك التجارية وهذا يعدّ نوعا من أنواع تعدد المسالك أو الوسطاء في عملية توزيع الأموال العمومية.

فالقول بأن الهدف الرئيسي للترفيع في نسبة الفائدة هو محاربة التضخم المالي والحرص على تماسك المقدرة الشرائية للمواطن التونسي لا يستند إلى مرتكزات علمية دقيقة بما يفهم أن الغاية من وراء ذلك هو ضمان الربحية للبنوك وتأمين الموارد المالية لتمويل عجز موازنة الدولة.

هل كان البنك المركزي مخيرا أم مسيرا في هذا القرار ؟

حسب قانونه الأساسي، تعتبر محاربة التضخم المالي المسؤولية الأولى للبنك المركزي عبر الآلية المعتمدة في السياسة النقدية وهي التأثير على نسبة الفائدة المديرية. وتماشيا مع المقاربة الليبرالية والتي تدعو إلى استقلالية البنك المركزي وتعتبر مصدر التضخم المالي نقدي بالأساس، فإنه لا يمكن التقليص من التضخم المالي إلّا بالترفيع من نسبة الفائدة. لكن السياق التونسي  لا يخضع إلى هذه المقاربة بما أن مصدر التضخم المالي ليس نقديا بل متأتيا أساسا من تراجع في قيمة الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية وكذلك من ضعف الدولة في السيطرة على مسالك التوزيع وعلى عمليات الاحتكار والتهريب وجنوحها إلى السياسات السهلة في تمويل موازنتها من ترفيع في الضغط الجبائي أو في المديونية العمومية أو اللجوء إلى الاقتراض الداخلي، فتأثير العامل النقدي في التضخم المالي ليس بالأهمية التي أبرزها بيان البنك المركزي الأخير. وبما أن محافظ البنك المركزي وجد نفسه أمام قانون أساسي يلزمه بالتدخل لمحاربة التضخم المالي باستعمال السياسة النقدية، فإنه كان لزاما عليه الاستعمال المفرط لهذه السياسة بالترفيع بمائة نقطة مرة واحدة وهو يعرف مسبقا أن التأثير على التضخم المالي لن يكون إلا في حدود ضعيفة لكن الواضح أن هذا القرار سيزيد من أرباح البنوك التجارية ويسهل تمويل ميزانية الدولة عبر الاقتراض الداخلي ولن يؤثر على التضخم المالي إلا بالقدر القليل.

 

ما هي الحلول الممكنة للتقليص من التضخم المالي ؟

بما أن المتسبب الأساسي في ارتفاع معدلات التضخم المالي في تونس هو الانزلاق المتواصل للدينار أمام العملات الأجنبية الدولار واليورو، فإن الحلول تكمن في السيطرة على التوازنات الخارجية وخاصة العجز التجاري. ومن بين هذه الحلول :

  • التفاوض مع المصدّرين  المحتكمين على حسابات بالعملة الأجنبية لطرح جزء منها على السوق الوطنية ولو مؤقتا للترفيع من مخزون العملة الصعبة.
  • تدخل البنك المركزي في سوق الصرف لضخ مبالغ كافية من العملة الصعبة تمكّن من استقرار ولو نسبي في سعر الصرف. فالتجربة التونسية أظهرت أن البنك المركزي تدخل في سوق الصرف في فترات كان الاحتياطي من العملة الصعبة في مستوى منخفض بدون أن يكون لهذا التدخل تأثير كبير على أنشطة التوريد. فمعدّل احتياطي تونس من العملة الأجنبية من سنة 1960 إلى سنة 2018 لم يتجاوز معدل 88 يوما. في حين أن معدل الفترة الممتدة من بداية الثورة إلى اليوم راوح 106 يوما رغم كل المعوقات الاقتصادية من توقف لإنتاج البترول والفسفاط وتأثّر المؤشرات السياحية وغيرها. وبالتالي سياسة الدولة القائمة على حماية الاحتياطي من العملة الصعبة في مقابل تغاضيها عن انزلاق الدينار بصفة متواصلة ليس له أي معنى والاحتياطي من العملة الأجنبية ما هو إلا مجرد وسيلة لحماية العملة الوطنية وليس غاية في حد ذاته.
  • اتباع سياسات اقتصادية تشجع على الاستثمار الخاص وخاصة منه الموجه إلى التصدير.
  • هدنة اجتماعية تجمع الأطراف الثلاث : المنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف والحكومة. تتعهد الحكومة بالاستقرار الضريبي وبتجنب السياسات التضخمية التي تمسّ بمستوى الأسعار وبذلك تتعهد منظمة الأعراف باستقرار الأسعار وتتعهد المنظمة الشغيلة باستقرار الأجور بما أن المقدرة الشرائية مستقرة بدورها.
  • العمل على عودة إنتاج الفسفاط إلى المعدلات العادية وذلك بفرض القانون وحماية المناجم من المهاترات السياسية واعتباره مسألة أمن قومي.
  • تسريع نسق  الأشغال في "حقل نوارة" بالجنوب التونسي حتى يكون جاهزا للإنتاج في أواسط هذه السنة
  • اعتماد إستراتيجية للطاقات المتجددة للحد من العجز الطاقي.
  • إتّباع سياسة تمكّن من إدماج العملة الصعبة المتواجدة في السوق السوداء كإصدار قانون تسهّل إدماج هذه الأموال من الدخول في المسالك المنظمة بدون تتبعات عدلية.
  • تفعيل مكاتب الصرف  خاصة على الحدود التونسية
  • إتباع دبلوماسية اقتصادية نشطة تبني شراكات حقيقية مع الصين وتركيا وروسيا وإيطاليا وتحثهم هذه الدول على الاستثمار في تونس.
  • العمل على إنشاء مناطق حرة في الحدود مع الجزائر ومع ليبيا
  • تفعيل اتفاقية الكوميسا والاستفادة من السوق الإفريقية لتنمية الصادرات نحوها

إزالة العوائق القانونية والإدارية أمام عودة إنتاج المحروقات إلى المستوى المطلوب

 

الخاتمة

إنّ الغاية الأساسية من استقلالية البنك المركزي تجنّب تأثير السلطة التنفيذية على البنك المركزي لتمويل ميزانية الدولة عبر اللجوء إلى الاقتراض منه لما لهذه الطريقة من التمويل من آثار تضخمية على الاقتصاد. لكن لجوء الدولة إلى الاقتراض من البنوك التجارية عبر إصدار رقاع الخزينة يعدّ نوعا غير معلن للاقتراض من البنك المركزي عبر وسطاء تجاريين، فالدولة تبقى هي المسؤولة الأولى عن تنامي الكتلة النقدية بدون مقابل لها من الإنتاج وليس العائلات التونسية والقروض الوجهة لها. فالترفيع من نسبة الفائدة ينمّي أرباح البنوك التجارية ويضعف المقدرة الشرائية للمواطن التونسي والقدرة التنافسية للمؤسسة الاقتصادية  ولا يمكّن من مقاومة التضخم المالي بما أن مصدره الأساسي غير نقدي بل تراجع في قيمة الدينار التونسي.

 

 

بقلم أ.د. رضا الشكندالي

أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك