القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التدخل الروسي في سوريا : المكونات الجيوسياسية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-10-26 13:34:00 | 355 مشاهدة

                                    

ملخص :

تنصب هذه الدراسة نحو توضيح عدم الدقة في توصيف الخنادق المتصارعة في الهلال الخصيب وجزيرة العرب إذا تمَّ اعتبارها خنادق ثابتة المكونات بناء على الموروث الأيديولوجي التاريخي لدي الدارسين والمراقبين والمحللين، منبِّهَة إلى كونها خنادق وتحالفات سائلة ومتغيرة بحسب مجريات الصراع وخارج نطاق الأيديولوجيا. فلأول مرة منذ أكثر من نصف قرن نجد أن واشنطن على سبيل المثال تقف في "سوريا" في خندقٍ مناقضٍ لخندق حلفائها وأصدقائها التقليديين "تركيا"، وتضطر في "اليمن" للاستجابة لإرادة من كانت تَسوقُ إرادتهم كالقطيع "السعودية"، وتقلبت في تعاملها مع من أرادت لهم في فترة معينة أن يكونوا أقوياء إقليميا لتعتصر بهم العرب من موقع الداعم، لتصبح حريصة على أن تسترضي بهم هؤلاء العرب من موقع الملجِّم "إيران". لتتوصل الدراسة إلى أنه في قلب هذه الطبيعة السائلة للصراع ولخنادقه جاء التدخل الروسي في سوريا ليضبط وجهة الأزمة السورية ووجهة خنادقها وتحالفاتها باعتبارها تدخلا توافقيا لم يأت ليقلب اتجاه الأزمة من الرؤية الأميركية إلى الرؤية الروسية كما يتعقد مؤدلجو الخنادق والتحالفات، وإنما ليعيد إنتاجها في ضوء الرؤية الأميركية المتجددة بناء على تطورات الأزمة على الأرض، كاشفة في السياق عن أوجه التشابه والاختلاف بين التدخلين السعودي في اليمن والروسي في سوريا.

مقدمة :

إن أول خلل في تحليل الصراع الدائر في إقليم "جزيرة العرب" و"الهلال الخصيب"، هو افتراض أن "النظام السوري" و"إيران" و"روسيا" و"الميليشيات التابعة لإيران" في كلٍّ من لبنان وسوريا والعراق واليمن، يمثلون محورا، يواجه المحور المقابل المُكَوَّن من "الولايات المتحدة" و"تركيا" و"السعودية"، و"الحكومة اليمنية"، و"المعارضة السورية"، بمختلف ولاءاتها الإقليمية، على نحو ثابتٍ ودائمٍ. إن هذا الفهم يشي بالغيابالكامل عنجوهر ما يحدث في الإقليم العربي المشرقي. فـ "النظام السوري"، و"المعارضة السورية"، و"الميليشيات التابعة لإيران"، بالإضافة إلى "الحكومة اليمنية"، ليستأطرافا صانعة للصراع، وهي من ثمَّليست مُوَجِّهةٌ لمساراته على وجه الحقيقة، بل هي مجرد أدواتٍ فيه تمرِّرُ أجنداتِ هذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتصارعة على وجه الحقيقة، محاولة في سياق عملية التمرير تلك أن تتماهى مع الأجندة التي تمرِّرُها، لتقنعَ نفسَها بأنها تلتقي في منتصف الطريق مع من تتصوره حليفا، فيما هو لا يرى فيها أكثر من أداة. كما إن المحاورَ المتواجهة بموجب هذا الصراع على الساحة الإقليمية فعليا، ليست ثابتة التَّخَنْدُقات، ولا هي مُكَوَّنَة دائما وفي كل "أوجه" هذا الصراع من الدول نفسِها في كلِّ محور وعلى الدوام، لأن هذا الصراع متشابك إلى درجة لم يعد له معها وجه واحدٌ ثابت محدَّد الغايات، ليكون من ثمَّ محدَّدَ المُكونات، ولتغدو لخنادقه بالتالي قواماتٌ سياسية متقاربة ومتماهية، بل هو متعدِّد الأوجه والمبررات والغايات، تتقافز مُكوناته – أي أطراف الصراع فيه – مثل الضفادع، من خندق إلى آخر، لسبب أو لآخر، من وقت لآخر، حتى أننا لفرط السرعة في تغيير التَّمَوْضُعات نكاد نصاب بالغثيان. فقد تُواجِهُ دولةٌ ما من الدول المتصارعة مثل "إيران" الحليفة لدولة أخرى مثل "روسيا"، مواجهةً حقيقية من موقعها في محور آخر هي فيه حليفة لدولة مثل "تركيا"، تلك الدولة ذاتها أي "روسيا"، بحسب ما تمليه متطلبات ومقتضيات التَّمَحور والتخندق وإعادة التموضع التي يفرضها عليها وجهٌ آخر للصراع يجسِّد ضربا آخر من ضروب مصالحها الإقليمية، تختلف في القليل أو في الكثير عن مصالحها التي سبق وأن فرضت عليها التحالف من وجهٍ مع الدولة ذاتها التي واجهتها من وجه آخر. وهو الأمر الذي كشف لنا عن أن كلَّ شيء قد بدأ يتغير في مجريات السياسة الإقليمية لمنطقتنا العربية المشرقية.ولقد أصبح من الوهمبالتالي الاستمرار في الظنبأن المعركة هي بين "الاتحاد السوفييتي" و"الإمبريالية الأميركية" لنصرة طبقة "البروليتاريا العالمية"، أو بأن هناك حربا صليبية عالمية على الإسلام وعلى المسلمين، مع أننا نراه يُسْتَخْدَم ونراهم يُسْتَخْدَمون في كلِّ الخنادق وقودا لكلِّ المحارق التي لا تأكل بنيرانها غير العرب.وهذا ما سيقوم هذا التحليل بإثباته والتعامل مع دلالاته من ثمَّ.

الظروف الموضوعية التي اقتضت التدخل الروسي

إنَّ كلُّ من يعتقد بأن الولايات المتحدة الأميركية كانت تريد فيما مضى، أو أنها تريد الآن، أو أنها قد تريد غدا، أن يسقطَ النظام السوري، فهو مخطئ بكلِّ تأكيد، لأنه يُجَسِّدُ حالةً فريدة من انعدام القدرة على قراءة الخريطة الجيوسياسية لمكوِّنات النفوذ الأميركي في الإقليم بشكلٍ صحيح. فواشنطن منذ ما بعد عام 1982 كانت تريد تغييرَ بعضِ مُكَوِّنات بُنية النظام السوري، وسعت إلى ذلك كثيرا، مع الإبقاء على جوهره قائما دون أيِّ مساسٍ به، وما كانت تريد ولا سَعَت إلى تغييرِه هو نفسِه، فلسفة واستراتيجية وأفرادا. وهي إذ أرادت ذلك وسعت إليه منذ ذلك التاريخ تحديدا وليس قبله، فلتُصْبِحَ إيران التي حَلَّت بأدواتها محلَّ المقاومة الفلسطينية في لبنان، غيرَ قادرة على استخدامِه استخداما فعالا بأكثر مما ينبغي لها، في سياق تجاذباتِها مع السياسة الأميركية في الإقليم، رغم أنها سياسةٌ فرضتها الرؤية الأميركية القائمة على حاجتها إلى إيران المذهبية الطموحة إقليميا للإبقاء على العرب في حالة تراجع وفوضى وانكسار وتحشيد مذهبي وانحراف عن البوصلة الحقيقية التي هي مواجهة "إسرائيل".إن الولايات المتحدة إذ كانت تحرص على عدم المساس بجوهر النظام السوري حتى وهي تفكر في إجراء تعديلاتٍ مظهرية في مُكَوِّناته، أو في تغيير بعض مُجَلِّياته، فلأنه نظامٌ أثبتَ سواء بمقولة "التوازن الاستراتيجي مع العدو"، أو بمنهجية "الحرب بالوكالة"، أو بـ "مستويات تناقضه" مع تحالف المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية التي لم تكن تتحرَّك من داخل عباءته، وهو التناقض المعرقل لتطورها وتنامي دورها التحرُّري في مواجهة إسرائيل، باعتبار تلك العناصر الثلاثة هي عماد مشروعيته ومهماته طيلة فترة هيمنته، وإذا استثنينا ما يمكن لإيران أن تستخدمَه لأجله في سياق تلك التجاذبات "الأميركو/إيرانية".. نقول:إن الولايات المتحدة إذ بدأت بالتحرك نحو إحداث تغييرات في مظاهرذلك النظام لا تمسُّ طبيعته وجوهره، فلأنه أثبت عبر تلك العناصر الثلاثة أنه أفضل نظام يستطيع ضمانَ تطويعِ سيرورةِ شعبه وأدواته والإقليم العربي المشرقي بأكمله، كي لا يخرجَ أيٌّ من هؤلاء عن معادلات التسويف الأبدية أو طويلة المدى على الأقل، في مواجهة المشروع الصهيوني الإمبريالي، ذلك النوع من المواجهة القادر على إنجاز الحسم الحقيقي والمصيري ضدَّه، وهو أقصى ما قامت عليه الذهنية الجيوسياسية الأميركية فيما يتعلق برعاية ذلك المشروع وحمايته ومساعدته على أداء دوره في المنطقة العربية.  فوقوع النظام السوري تحت الإبط الإيرانية بعد انحسار المقاومة الفلسطينية عن لبنان عام 1982 وتراجع دور القوى الوطنية اللبنانية، ومنذ أن استكملت الأداة الإيرانية عبر ذراعَها الطويلة "حزب الله" ترسيخ نفسِها في لبنان كوريثٍ لفكر وفلسفة ودور المقاومة، أصبحَ إيران قادرةعلى جعل هذا النظام يُفْلِت من عُقال الدور التاريخي المعهود له – وهو الدور المحافظ على التوازنات المطلوبة أميركيا لتلجيم أيِّ حراك ثوري شعبي مقاوم قد يتشكَّل أو يتخلَّق من خارج عباءته التي أصبحت عباءة متماهية مع المقاسات الأميركية الإسرائيلية في الإقليم بشكلٍ كبير ومكتفىً به – لتستفيدَ منه إيران من ثمَّ أكبر استفادة ممكنة ومتاحة في مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني، تحقيق الأكبر قدر من التوسع في دائرة نفوذها الإقليمي، ليصبحَ هو أداتُها الرئيسة في ترسيخ ذلك النفوذ. وعندما تأسَّسَ الاستقطاب المحلي والإقليمي والدولي الذي استدعته الأزمة السورية، على مجموعة من الركائز احتضنتها طبيعة المعارضة المتخَلِّقَة في قلب الأزمة السورية، فقد أصبح من الواضح لكلِّ مراقب فطِنٍ ومحلِّلٍ واعٍ أن هذه الأزمة لن يتمَّ حلُّها لا بالقضاء على النظام ولا بالقضاء على المعارضة المسلحة، بل بالإبقاء عليهما معا وفق معادلات معينة للإبقاء على الطرفين، وهي المعادلات التي تقرِّرُها أطرافٌ خارجية أصبحت سيرورة الأزمة الداخلية تتحرك في ضوء قراراتِها ومصالحها العالمية، وأمنها القومي، وتطلعاتها الإقليمية.. إلخ، وهو ما تحركت كلُّ معادلات ومحطات الصراع لترسِّخَه وتؤكد عليه. والسبب في ذلك هو أن النظام كانت قد تقرَّرَت إعادة إنتاجه على النحو الذي تريده الذهنية الجيوسياسية الأميركية، عبر نموذج لـ "سوريا جديدة بنظام جديد يتكون من بقايا مُكَوِّنات النظام السابق على صعيد الأيديولوجيا القومية ومفهوم الممانعة، وبما سيبقى من مكونات المعارضة المسلحة بعد فلترتها على صعيد بنية الدولة السورية داخليا"، وهو بالتالي نموذج لسوريا لن تتمكن إيران من استخدامه كما كانت تفعل سابقا،فضلا عن كونه أيضا نموذجا لسوريا جديدة نسبيا يمكنها امتصاص معظم احتقانات خمسين عاما من القهر والاستلاب والاستبداد. ولكن وفي لحظة فارقة جمعت زمنيا بين حدثين هامين هما "توقيع الاتفاق النووي" مع إيران، وانطلاق "عاصفة الحزم" في اليمن، حدث انقلاب تراجيدي في أحداث سوريا، وخرجت الأزمة والحرب الدائرة بسببها عن السيطرة الأميركية وعن متطلبات الذهنية الجيوسياسية لقادة واشنطن. فأصبح من الضروري أن يحصلَ في المقابل حدث تراجيدي آخر قادر على خلق حالة من التوازن في مُكونات الأزمة التي بدأت تتفلَّت وتتسارع نحو الحسم بالاتجاه غير المرغوب فيه أميركيا. فما الذي جرى، وكيف أثر على موازين القتال في سوريا، وكيف تم التصرف لاستعادة المبادرة وتحقيق التوازن(1).

أوجه الشبه والاختلاف بين التدخلين السعودي في اليمن والروسي في سوريا

إذا كان من الواضح أن السعودية قد انتظرت على شكل مراقبٍ حذِرٍ ومتحفِّزٍ للساحة اليمنية ولمجريات الأحداث فيها، إلى أن غدا الاستمرار في الانتظار يشكِّلُ خطرا حقيقيا عليها، فتدخلت لحماية ما تعتبره أمنها القومي ممن تعتبرهم – أي الحوثيين وصالح – أدواتِ عدوها الإقليمي الأخطر وهو إيران، فإننا نلمس السيناريو المقابل يحدث في سوريا، وهو أن روسيا قد انتظرت على شكل مراقبٍ حذِرٍ ومتحفِّزٍ للساحة السورية ولمجريات الأحداث فيها، إلى أن غدا الاستمرار في الانتظار يشكِّل خطرا محدقا بها وبمصالحها الإقليمية، فتدخلت لحماية ما تعتبره مصالحها الإستراتيجية فيما تبقى لها من مناطق نفوذ ممكنة ومحتملة في البحر المتوسط، ذلك النوع من الحماية التي تتحرك في قلب المشروع "الأوراسي" الذي تَخَلَّقَ في مُخَيِّلَة النُّخب الروسية بعد انهيار "الاتحاد السوفييتي"، وبعد حقبة الاندلاق "الييلتسني" على الغرب عامة وعلى الولايات المتحدة خصوصا، كخيار بديل لإحداث اختراق جديد في "الأحادية القطبية" التي هيمنت على العالم عقب ذلك الانهيار التاريخي للدب الأحمر. من جهة أخرى، إذا كان السعوديون غير معنيِّين بمشاورةِ أحدٍ أو باستئذانه كي يتدخلوا في اليمن لحماية أمنهم القومي الذي أصبح في خطر من جهةِ خاصرتهم الجنوبية الغربية، وعلى رأسهم الأميركيون الذين غدوا في نظر السعوديين هم من يتخاذل في شؤون أمنهم القومي هذا، مُصَمِّمين بالتالي على تنفيذ مُخَطَّطِهم في اليمن وفقَ أجندتهم المنبثقة من رؤيتهم وتصورهم الخاصين، مبدين كامل استعدادهم لعدم التراجع حتى تحقيق أهدافهم المرجوة من التدخل هناك، فمن الحماقة تصور أن الروس لم يتدخلوا في سوريا إلا بعد استئذان الأميركيين والتنسيق معهم واستحلاب موافقتهم. فروسيا في سياق تحركها باتجاه حرصها على حماية مصالحها في المتوسط عبر البوابة السورية في سياق التأسيس للمشروع "الأوراسي"، هي أدعى إلى الاستقلالية في اتخاذ قرارات حربها وسلمها في سوريا، من استقلالية السعودية في اليمن. فتصور أن السعودية تتخذ قرارا عسكريا في مستوى خطورة ما فعلته في اليمن بدون الرجوع إلى واشنطن، سيكون مثيرا للسخرية إذا افترضَ مُتَبَنيه أن موسكو لم تفعل ما فعلته في سوريا إلا بعد الرجوع بشكل أو بآخر إلى واشنطن، وكأن الرياض أقوى وأكثر استقلالا عن أميركا من روسيا. ولكن الصراع في اليمن يختلف في طبيعته عن الصراع في سوريا من حيثياتٍ جوهرية تُضْفي قدرا كبيرا من حرية الحركة والمناورة السعوديتين في اليمن بالمقارنة بنظيرتيهما الروسيتين في سوريا. فالصراع في اليمن محدود الأطراف، إذ هناك طرفٌ انقلابي مستحوذ على السلطة والجيش، مدعوم من إيران، وهناك حكومة شرعية – أو هكذا يفترض من باب عدم وصمِنا بأيِّ انحياز – استنجدت بالسعودية – أو هكذا يقال،لشَرْعَنَة التدخل ولتؤسِّس بالتوازي مع تدخلها العسكري المباشر قوة محلية تتنامى تدريجيا لتحل محل القوة العسكرية للانقلابيين خلال عملية تراجعهم. أي أنه لا توجد هناك على الأرض أيُّ جهة أخرى غير هاتين الجهتين، ولا توجد أيُّ قوة جوية في أجواء اليمن سوى القوة السعودية والحليفة لها، بحيث يمتنع في حقِّ أيِّ جهة أخرى أن تتشَكَّلَ لديها أيُّ مصلحة مرتبطة بأيِّ قدرة على حشدٍ عسكري مُلِح، وقائمة على أيِّ مبِّرر سياسي من أيِّ نوع، لكي تُقْحِمَ نفسَها بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه الحرب وفي مواجهة مع السعودية وحلفائها العشرة، والتي كان أيُّ معاندٍ لها في قرار تدخلها سيخسرُ سياسيا بكل تأكيد. وهو ما جعل حسابات السعودية في اليمن غير معقدة ولا متشابكة مثل حسابات أيِّ طرف يريد أن يتخذَ قرارا بالتدخل في سوريا. وهو الأمر الذي جعل كلَّ الأطراف التي فاجأتها عاصفة الحزم مفاجأةَ انعدامِ رضا عنها بسبب مَساسِها باستراتيجياتها بشكلٍ مباشر، مثل إيران والولايات المتحدة اللتين كان اليمن داخلا في حسابات توافقاتهما الإقليمية المرتبطة بالاتفاق النووي، تقف عاجزة عن أيِّ ردِّ فعلٍ خارج نطاق الدبلوماسية التي ما لبثت بدورها أن تراجعت أمام حالة غير مسبوقة ولا متوقعة من الإصرار السعودي على مواقفها، عندما وافق الجميع في مجلس الأمن على القرار 2216 حتى مع عدم رضا موسكو وواشنطن، وتردُّد بريطانيا.. إلخ(2)، لأن عدم الموافقة كان سيظهِرُ الرافضين غير محايدين ولا منصفين من جهة، مع أنهم لن يقدروا على تجسيد رفضهم على الأرض من جهة أخرى، بالرغم من أنهم ولكي يُعَبِّروا عن أن موافقتهم على القرار كانت موافقة متحفظة واضطرارية، عزفوا عن إبداء أيِّ استعداد لتجسيد موافقتهم عليه على الأرض في مبادرات وتحركات عندما كان يتطلبها الواقع، رغم أنه قرارٌ خُرِقَ كثيرا من قبل "الحوثيين" و"صالح" قبل الانفصال بينه وبينهم على نحو أودي بحياته على أيديهم، ورغم أنه قرارٌ صدر تحت البند السابع الذي يُلزِم الأمم المتحدة بالتدخل بالقوة لتنفيذه في حال تمرُّد أيِّ طرف من أطرافه على متطلباته(3). بينما الوضع في سوريا يختلف عن ذلك، فالمتصارعون كُثُر، بعضهم بالوكالة وبعضهم بالأصالة، ومنهم الإقليمي ومنهم العالمي، ومنهم القوي سياسيا ومنهم القوي عسكريا، هذا فضلا عن أن الفصائل المجسِّدَة لكل هذه الفسيفساء هي أشدُّ فسيفسائية أيضا. وهي الأمور التي لا يمتلك معها من يريد التدخل في سوريا حمايةً لمصالحه، رفاهيةَ أن يعتدَّ بقوته فقط مادام تدخله سوف يقضُّ مضاجعَ الكثيرين من الموجودين فعلا، ومن الداعمين الحقيقيين لأولئك المتواجدين، ومن شأنه أن يقلب تحالفات وأن يغير معادلات.. إلخ. وبالتالي وبالاستئناس إلى هذه المُكَوِّنات في المشهد السوري بالغ التعقيد، يمكننا تقبُّل فكرة أن روسيا قد تكون إما نسَّقَت بشكل مباشر مع واشنطن، وإما أنها التقطت بشكل ضمني رسائل الموافقة الأميركية على تدخلها في سياقات اتضح فيها لموسكو أن تدخلها غدا مقبولا إن لم يصبح ضروريا في المنظور الأميركي.إن من يتصور أن روسيا تدخلت لكي تحجِّمَ من تغوُّلِ خطةٍ أميركية استفحلت وراحت تهدِّدُ مصالحَها في سوريا، مُخطئ جدا، وهو يعيش أوهامَه فقط، لأن المصالح الروسية – الأميركية في سوريا لا يوجدُ بينها أيُّ تناقضٍ جوهري كما قد يتصور الكثيرون، وإنما الخلافات بين الدولتين في الأزمة السورية هي في التفاصيل وليست في الكليات(4).

التدخل الروسي في سوريا جاء ضمن نسق التوافقات الروسية الأميركية:

فروسيا والولايات المتحدة كلاهما لا تريدان سقوطَ النظام، وإذا كان ذلك معروفا عن روسيا تجاه النظام السوري تاريخيا لأسباب نتفهَّمُها ونفهَمُها، فهو أيضا ما أثبتته المواقف الأميركية على مدى عمر الأزمة. وكلاهما – أي روسيا والولايات المتحدة – لا تباليان ببشار الأسد، لأن التعامل مع بُنية النظام لجهة الرغبة في إعادة إنتاجه على النحوِ المطلوب، تقتضي عدم حرق ورقة "الرئيس"، بدون ثمن يحقِّق ما يُراد روسيا وأميركيا لجهة النظام ودوره وطبيعته ولمكانة المعارضة فيه. وكلاهما تحرصان على محدودية الدور الإيراني في سوريا ضمانا لاستقرار مصالحهما من جهة أولى، وضمانا لعدم تهديد أمن إسرائيل عبر الأدوات الإيرانية في أيِّ وقتٍ من جهة ثانية. وكلاهما تريدان معارضةً تغيِّرُ من طبيعة النظام نسبيا دون أن تلغيَه. وروسيا ليست لديها أيُّ اعتراضات على هذه المعادلة التي هي المعادلة الأميركية للصراع في سوريا أصلا، والتي كانت روسيا قبل تدخلها تتحرك في قلب مُكَوِّناتها دون المساس بجوهرها. ولكن المشهد السوري غير قائم فقط على هذه التوافقات الروسية الأميركية المُعْلَنَة منها والمُضمرة، بل إن هناك "السعودية" التي تتصارع من خلال "سوريا" مع "إيران"، كما أن هناك "تركيا" التي بقدر ما لها مواقفها من نظام بشار الأسد أخلاقيا واثنيا وطائفيا، بقدر ما لها حساباتها الكردية.. إلخ، كما أن هناك "أوربا" التي تضغط سياسيا باتجاهين يبدوان متناقضين، أولهما متعلق بمواجهة "داعش" بسبب خطرها على الأمن الأوربي بعد أن ضربت ضرباتها الإرهابية في العمق الفرنسي والبلجيكي والألماني والإسباني والبريطاني.. إلخ، ما يقتضي مواجهتها وفق المعادلة الروسية – الأميركية، وثانيهما متعلق بضرورة الإسراع في إنجاز حلٍّ سياسي للأزمة السورية في ظل تنامي واستفحال "أزمة اللاجئين" الذين أحسنت "تركيا" التلاعب بأزمتهم بكفاءة عالية للتأثير على سلبية أوربا تجاه المواقف الأميركية المستبدة في مجريات ومعادلات الأزمة. وبالتالي فإن أيَّ تدخلٍ عسكري مباشر، روسي – أو غير روسي – غير مدروسٍ بعناية، وغير مستوفٍ لشروط التدخل المدعوم ضمنا أو علنا من الكَفَّة الراجحة في القوى الفاعلة على الأرض في سوريا، وغير آخذ لكافة تلك المُكَوِّنات الجوهرية في الأزمة في الاعتبار وعلى نحو لا يتجاهلها ويتنكر لها ولمصالح أصحابها على نحوٍ كُلِّيٍّ وشامل، فإنه قد يُفَجِّرُ التدخلَ من الداخل إن بدا وكأنه تدخلٌ يعمل في عكس اتجاهها كلها أو حتى بعضها، وهو ما قد يجعله تدخلا ينقلب على المتدخِّل، بعيدا عن عنتريات من يتصورون أن القَوَي ولأنه قوي يستطيع أن يفعل ما يشاء وفي أيِّ مكان يشاء عندما يشاء، وأن روسيا من ثم ومن هذا المنطلق تدخلت في سوريا لتكسر أنف أميركا، ولتغير وجه المنطقة.. إلخ. روسيا إذن – وبعيدا عن تلك العنتريات البائسة– اتخذت قرار التدخل في سوريا في ظل علمها اليقيني بصراعٍ هذه مُكَوِّناته التي لا يمكن تجاوزها: فحقيقة استحالة أن تقبلَ تركيا بحالة كردية جنوبها تهدِّد أمنَها، هي حقيقة لا يمكن لأيِّ تدخل روسي أن يتجاهلها، وإلا فإنه تدخل أرعن وسينقلب على الروس.. وحقيقة استحالة أن تقبلَ أوربا بالاستمرار في تجاهلِ أزمة اللاجئين التي خلقتها لهم تركيا – وهي محقة من ناحية الرؤية الجيوسياسية في تخليقها لهم – بكلِّ ما ينعكس على أوربا من مخاطر بسببها، هي حقيقة لا يمكن لأيِّ تدخل روسي أن يتجاهلها، وإلا فإنه تدخل أرعن وسينقلب على الروس.. وحقيقة أن الولايات المتحدة لن تقبل بإسقاط النظام ولا بالقضاء على المعارضة تحت أيِّ عنوان، ولأيِّ سبب، لأن ذلك يتعارض مع رؤيتها الإستراتيجية لأيِّ حلٍّ في سوريا، هي حقيقة لا يمكن لأيِّ تدخل روسي أن يتجاهلَها، وإلا فإنه سيتحول إلى غرق في مستنقعٍ يستنزفُه لأنه يكون قد غيَّرَ قواعد التدخل المسموح بها ضمنا أو علنا، لحساب قواعد أخرى لا توافقَ عليها بين اللاعبين في الأزمة..وحقيقة أن السعودية امتلكت ورقة اليمن امتلاكا كاملا وبلا أيِّ شريك، وهو ما أعطاها ثقلا وقوة لا يستهان بهما في رسم ملامح الإقليم نسبيا، وأنها بسبب ذلك قد يكون لها تأثير ما مهما كان متدنيا في الأزمة السورية، هي حقيقة لا يمكن لأيِّ تدخل روسي أن يتجاهلها تجاهلا كاملا وكليا، وإلا فإنه قد يخسر بعض أوراقه.. إن كل المؤشرات إذن، وكل مُكَوِّنات الأزمة، وكل التجاذبات الكامنة بين أطرافها الأصيلين أو الموَكِّلين، الإقليميين أو العالميين، تؤكد على أن روسيا لم تكن لتدخل سوريا رغبة منها في خلط كل تلك الأوراق خلطا يخرجها عن سياقاتها بشكل كلي، فهذا أكبر من قدرتها وإمكاناتها، بل ويقع خارج نطاق أهدافها الإستراتيجية في مآلات الأزمة السورية، وهو أمر لا يفكر فيه رجال دولة يفهمون سيرورة الأحداث في المنطقة، إلا إذا كانوا "نيرونيين"، وإن كان مفهوما أنه تدخُّلٌ من شأنه أن يؤثِّر عليها – أي على تلك الأوراق – على نحوٍ يعيدُ إنتاجَها بما من شأنه أن يغيِّرَ ثقلا هنا ليعوِّضَه هناك، أو ليقلِّلَ من نفوذ هنا ويزيدَه هناك، ضمن المعادلة الكلية التي تمثل التوافق الروسي الأميركي الأكبر، وهو التوافق على "إعادة إنتاج النظام بتغييرات نسبية في بُنيته تكفل تواجد المعارضة بمجمل رؤاها التغييرية غير الماسَّة بالأسُس التي يُراد لها أن تبقى حاكمةً لاستراتيجيات هذا النظام على مدى ربع قرن قادم على الأقل".إن الانقلاب في موازين القوى وفي مسارات الترتيبات الجيوسياسية للإقليم، والذي أحدثه التدخل السعودي في اليمن، وما تبع ذلك من دعمٍ غير محدود للمعارضة السورية المسلحة في الميدان سعوديا وتركيا، بما تجسَّد على شكلِ تراجعٍ متسارعٍ ومذهل في قدرات النظام وكافة القوى الداعمة له، وهي إيران وحزب الله وباقي الميليشيات الشيعية المسلَّحة، أصاب الخطة الأميركية المشار إليها أعلاه في مقتل، وهزَّ أركان "التوافقات الروسية – الأميركية" بشأن النظام والمعارضة، لأن الحسم القائم على إسقاط النظام وليس إسقاط ورحيل الأسد فقط مع إعادة إنتاج النظام، أصبح خيارا قائما فعليا، وغدا قيدَ التَّحَقُّق، وكان من الضروري لأجل ذلك أن يحدثَ أمرٌ كبير يقدرُ على تعديل الكفة وإعادتها إلى سابق عهدها، كي تعود معادلة الحل السياسي قائمة في قلب معادلة "التوافقات الروسية – الأميركية" المشار إليها سابقا.ولأن الولايات المتحدة لا تريد أن تتدخل، ولأن أوربا لن تستطيع أن تتدخل، ولأن إيران أصلا قد خسرت المعركة، فإن الروس كانوا هم "حصان طروادة" الذي لا بديل عنه لإنجاز المهمة. وبالتالي فليس مهما في هذا السياق أن نغرق في متطلبات سبر كيف اتخذ الروس قرارهم بالتدخل، مادام تدخلهم إنما جاء ليحقِّقَ تلك الإنجازات التي هي في جوهرها إنجازات لازمة لروسيا في المحصلة، مثلما هي لازمة لأميركا ولأوروبا أيضا. وعلى مدى السنة الأولى التي انقضت من عمر التدخل الروسي في سوريا، كان واضحا لكلِّ مراقب، أن هناك حرصا على مسابقة الزمن كي يتمَّ تحقيق التوازن العسكري المفقود قبل أن يستنزفَ الوقتُ زخمَه الدافعَ باتجاه تحقيق ذلك التوازن. كما أنه بدا واضحا لكل متابع أن هناك توافقا أميركيا – روسيا خرج عن مألوف الأتراك والمعارضة السورية وحتى عن مألوف السعودية في تصور هؤلاء جميعا لمديات التوافق الروسي – الأميركي في الأزمة السورية، فيما أكدَ لهؤلاء أن أميركا تسعى من خلال روسيا لإيصال الوضع في سوريا إلى مستوى مناسب لإنجاز الحلِّ السياسي في قلب معادلة إعادة إنتاج النظام – وإن يكن بدون الأسد – بوجود حقيقي للمعارضة في قلب المُنْتَج الجديد. ولكن وبقدر ما أسهم التدخل الروسي الذي حصل في الظروف والسياقات التي أشرنا إليها تفصيلا في هذا التحليل، إلى تحقيق قدرٍ كبير لا من التوازن فقط بل من الترجيح لصالح النظام على الأرض بشكل ألغى فكرة إسقاط النظام من أيِّ أجندة لأيِّ حلٍّ سياسي مرتقب عبر إعادة تأهيل هذا النظام ليغدو فاعلا ومهما في أيِّ حلول، بقدر ما أن هذا لم يَرُقْ لا للسعودية ولا لتركيا اللتين شعرتا بأن صداقة أميركا لم يعد يعوَّل عليها كثيرا ما دامت براغماتيتها قد وصلت إلى حدٍّ يهدِّدُ أمنَهما القومي بدون أيِّ اكتراث لا بالتحالفات ولا بالعلاقات التاريخية بينهما وبينها. ليتم التعبير عن ذلك بالتحالف الإسلامي الذي دعت إليه السعودية وتابعتها عليه تركيا ومجموعة من الدول العربية والإسلامية التي لا يختلف أحد على أن بعضها دولٌ قويَّة ومؤثرة، وهو ما يُعتبرُ عنصرا جديدا ومهما دخل على خط مُخرجات الأزمة السورية وتداعياتها.

أسامة عكنان ( باحث سوري)

 

الهوامش والإحالات:

(1) – "النظام السوري يتهاوى" – موقع "السورية" – بشير زين العابدين – بتاريخ 18/4/2015 – على الرابط التالي:

https://www.alsouria.net/content/النظام-السوري-يتهاوى

(2) – انظر:

أ – "تعرف على بنود القرار الأممي 2216 المتعلق باليمن" – موقع "المرسال" – بتاريخ 26/9/2017 – على الرابط التالي:

https://www.almrsal.com/post/533477

ب – "مجلس الأمن يعتمد مشروع القرار العربي بشأن اليمن تحت الفصل السابع" – موقع "RT" – بتاريخ 14/4/2015 – على الرابط التالي:

https://arabic.rt.com/news/780033-مجلس-الأمن-مشروع-الخليج-اليمن/

ج – "القرار الأممي 2216 انتصار لليمن وللدبلوماسية الخليجية" – موقع "الرياض" – بتاريخ 16/4/2015 – على الرابط التالي:

http://www.alriyadh.com/1039794

(3) – انظر:

أ – "الأمم المتحدة، والفشل في اليمن بوصاية دولية" – موقع "الوطن" – وليد صبري – بتاريخ 9/10/2017 – على الرابط التالي:

http://alwatannews.net/article/737908/Arab/الأمم-المتحدة-الفشل-في-اليمن-بوصاية-دولية

ب – "السعودية: دعم الأمم المتحدة للانقلابيين باليمن غير مقبول" – موقع "عربية سكاي نيوز" – بتاريخ 2/11/2017 – على الرابط التالي:

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/993633-السعودية-تستنكر-دعم-الأمم-المتحدة-لجهة-حوثية

(4) – "أميركا وروسيا، الاتفاق والاختلاف في سوريا" – موقع "الجزيرة" – بتاريخ 9/10/2015 – على الرابط التالي:

http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2015/10/8/أميركا-ورسيا-الاتفاق-والاختلاف-في-سوريا

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك