القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التحوير الوزاري الأخير في تونس وآفاق تطور المشهد السياسي الوطني في علاقة بالاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-11-21 11:27:00 | 169 مشاهدة

                                     

المقدمة:

أعلن رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد عن تحوير وزاري جزئي شمل 13 وزيرا وكتاب دولة مساء الأحد 4 نوفمبر 2018، بعد عودته من زيارة قصيرة إلى موريتانيا، و قد التقى رئيس الحكومة يوسف الشاهد قبل ذلك رئيس الجمهورية السيد الباجي قايد السبسي وقدم له القائمة المعنية بالتحوير.  وأفادت التسريبات الصادرة من القصر عن بعض مستشاري الرئيس بأن هذا اللقاء كان مقتضبا وأن رئيس الجمهورية عبر عن عدم رضاه بهذا التحوير مقترحا عدم الاستعجال ومراجعة بعض الأسماء. كما جاءت أنباء من ساحة محمد علي بالعاصمة تفيد بأن الاتحاد العام التونسي للشغل بدوره غير راض عن هذا التحوير حيث أفاد الأمين العام للاتحاد أنه لم تقع استشارة المنظمة الشغيلة حول الموضوع. ومن ناحية أخرى أكد حزب نداء تونس رفضه للتحوير المعلن واعتبر أن حكومة الشاهد قد أصبحت حكومة النهضة علما بأن هذا الموقف من نداء تونس كان معلنا حتى قبل القيام بالتحوير ولم يفعل حزب النداء غير ترديد نفس الرأي وتأكيده. أما حركة النهضة فقد اعتبرت التحوير الجزئي المعلن خطوة مهمة في سبيل دعم الاستقرار السياسي وفسح المجال لإنجاز بعض الإصلاحات المستعجلة خاصة ما يتعلق منها بمستلزمات معالجة الأوضاع الاقتصادية. كما رحبت كتلة الائتلاف الوطني بالتحوير وأكد رموزها أنهم سوف يمنحون الثقة للوزراء وكتاب الدولة المعنيين بالتحوير، علما بأن هذه الكتلة حديثة التأسيس ويعتبرها الملاحظون قريبة من رئيس الحكومة ومرتبطة بمشروعه السياسي. ومن الأحزاب المدعمة للتحوير والمشاركة في الحكومة إلى جانب حزب حركة النهضة نجد أحزاب المبادرة ومشروع تونس مع بقاء ممثل حزب المسار السيد سمير بالطيب وزيرا للفلاحة رغم إعلان حزبه عدم دعمه للحكومة وعدم مشاركته فيها، وحزب المسار بالمناسبة غير ممثل في مجلس نواب الشعب. أما القوى المعارضة للتحوير وللحكومة فهي إلى جانب النداء، الجبهة الشعبية وحركة الشعب والتيار الديمقراطي وآفاق تونس ومجموعة من الأحزاب الأخرى غير البرلمانية كالجمهوري والحراك والتكتل والبديل والمؤتمر.

  1. في معاني التحوير ودلالاته:
  • ثقة مجلس نواب الشعب:

تم عرض التحوير على الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب يوم الاثنين 12 نوفمبر 2018، أي بعد أسبوع من الإعلان عنه من طرف رئيس الحكومة. وقد تمت الموافقة النيابية على هذا التحوير بأغلبية تراوحت بين 132 و 115 من أصل 167 نائبا حاضرا، علما بأن الأغلبية المطلوبة هي 109 نائبا باعتبار العدد الجملي للنواب البالغ 217. وقد تغيبت كتلة نداء تونس عن الجلسة التزاما بقرارها مقاطعة جلسات المجلس المتخذة أصلا قبل إجراء التحوير والمتخذ للضغط على مجلس النواب لاتخاذ موقف من مواصلة هيئة الحقيقة والكرامة لمهامها. ويبلغ عدد أعضاء كتلة نداء تونس 51 نائبا حضر منهم بالرغم من قرار الكتلة المقاطع للمجلس 6 نواب صوت منهم 5 لفائدة التحوير فتقرر طردهم من الكتلة جراء ذلك. ومن الملاحظ أن جميع نواب حركة النهضة وعددهم 68 نائبا قد حضروا الجلسة وشاركوا في التصويت. هذا وقد ألقى رئيس الحكومة خطابا في افتتاح الجلسة وآخر بعد تدخلات النواب وقبل الشروع في عملية التصويت ليؤكد الثوابت المتعلقة بالحرص على الإصلاح ومقاومة الفساد والاحتكار ومحاربة الإرهاب ودعم الاستثمار والتنمية وتثمين التوافق الوطني محييا بالمناسبة دور رئيس الجمهورية في إرساء سياسة التوافق ومنوها باحترامه لدستور البلاد وللمؤسسات الجمهورية باعتباره رجل الدولة المحنك ومؤكدا حرصه على التنسيق مع رئيس الجمهورية وتقدير دوره السياسي والوطني الكبير. كما عرج بالمناسبة على ذكر التعطيلات التي لقيها من نيران صديقة (بالتأكيد هو يقصد حزب نداء تونس الذي ينتمي إليه شخصيا وينتمي إليه عدد كبير من الوزراء وكتاب الدولة). هذا وقد عرفت الجلسة البرلمانية نقاشا صاخبا وفي بعض الأحيان حادا بين نواب الأغلبية (كتل النهضة والائتلاف الوطني والحرة التي تتبع كتلة حزب مشروع تونس) ونواب المعارضة (خاصة الجبهة الشعبية والتيار الديمقراطي وحركة الشعب). وقد ركزت اتهامات نواب المعارضة للحكومة في صيغتها الجديدة بأنها حكومة مواصلة الفشل وبالتطبيع مع الكيان الصهيوني لأنها ضمت وزيرا يهودي الديانة "وله علاقات مع الكيان الصهيوني" حسب رأيهم إلى جانب اتهامهم لكاتب الدولة للرياضة محاولة التطبيع خلال تنظيم تظاهرة رياضية سابقة، وهو اتهام كان المعني بالأمر قد فنده في الإبان...

  • مميزات التركيبة الحكومية الحالية:

سمى الملاحظون هذه الحكومة حكومة الشاهد الثالثة لأنها شهدت تحويرين عميقين منذ إعلانها إثر إقرار وثيقة قرطاج الأولى سنة 2016، على أساس أن الحكومة الثانية عقبت التحوير الأول المنجز سنة 2017 والحكومة الثالثة هي التركيبة الحالية المنجزة بعد هذا التحوير الثاني.

وقد غادر الحكومة على إثر هذا التحوير أو قبله (بعض الاستقالات أو التعديلات المحدودة) مجموعة من الوزراء وكتاب الدولة من أبرزهم المهدي بن غربية الوزير السابق للعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وقد استقال سابقا من الحزب الجمهوري ويعتبر من المقربين من رئيس الحكومة وقدم استقالته قبل بضعة أشهر من الحكومة، وسلمى اللومي المنتمية لنداء تونس والتي عينت وزيرة مديرة لديوان رئيس الجمهورية، ومبروك كورشيد وهو مستقل ومحسوب على التيار العروبي، وغازي الجريبي وزير العدل وهو رجل قانون مستقل، وعماد الحمامي وزير الصحة (وهو ينتمي إلى حركة النهضة وشغل عدة وزارات أبرزها التنمية والتشغيل المهني والصناعة والصحة أخيرا) ووزيرة الشباب والرياضة ماجدولين الشارني المنتمية لنداء تونس، ووزير الشؤون المحلية والبيئة رياض الموخر الذي كان منتميا لحزب آفاق تونس واستقال منه منذ مدة، ووزير التكوين المهني والتشغيل فوزي عبد الرحمان إلى جانب بعض كتاب الدولة.وقد تمثل التحوير الجديد في انضمام وزراء وكتاب دولة جدد أو انتقال بعض القدامى إلى وزارات جديدة. ومن الملاحظات البارزة حول التركيبة الحكومية الجديدة نذكر:

-انضمام وزيرين ينتميان إلى حزب مشروع تونس بعدما كان الحزب في التركيبة السابقة ممثلا بمقربين منه من غير انتماء مباشر

-انضمام السيد كمال مرجان رئيس حزب المبادرة ليصبح ممثلان لحزبه (إلى جانب وزيرة المرأة والأسرة والطفولة)

-انضمام وزير ينتمي للديانة اليهودية تجسيما لروح المساواة والمواطنة وللتسامح المجتمعي التونسي العريق وقد تم تكليفه بوزارة السياحة علما بأن السيد روني الطرابلسي يشتغل أصلا في هذا القطاع. (وقد أكد بالمناسبة عدم ارتباطه بأي شكل من الأشكال بالكيان الصهيوني)

-خروج الوزير عماد الحمامي المنتمي لحركة النهضة من الحكومة وهو المشهود له بالكفاءة ونظافة اليد ومحاربة الفساد في أية وزارة حل بها، مما يؤكد حرية اختيارات رئيس الحكومة وعدم سيطرة النهضة على الحكومة كما يحاول المنافسون الإيهام بذلك علنا وخفية، وهم العارفون أكثر من غيرهم بطلان ذلك وأن أكثرية الوزراء مازالت منتمية لحزب نداء تونس بالرغم من إعلان النداء معارضته لها؟!

-إنشاء وزارة خاصة بالهجرة والتونسيين بالخارج

-إنشاء وزارة خاصة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني

  1. تحولات في العلاقات بين مكونات المشهد السياسي والتحديات المطروحة على الحكومة في صيغتها الجديدة:
  • تحولات في العلاقات بين مكونات المشهد السياسي:

قبل إجراء التحوير ومنذ إعلان إيقاف الحوار الخاص بوثيقة قرطاج 2 في بدايات الصائفة الماضية، وبعد تعطل لغة الحوار المباشر بين حركتي النهضة والنداء، كان واضحا أن العلاقات السياسية التي كانت قائمة بين أطراف المشهد السياسي خاصة منها المشاركة في الحكومة أو المساندة لها دون مشاركة مباشرة (مساندة عن بعد !) قد تغيرت وفي بعض الحالات تحولت تماما من التوافق والتشارك إلى التضاد والتعارض أو العكس بالعكس. ودون الإسهاب في هذه التغيرات (التحولات)، نلاحظ خاصة:

إعلان رئيس الجمهورية إنهاء التوافق مع حركة النهضة (بطلب منها أو بسببها حسب تصريح الرئيس)، وإعلان نداء تونس بدوره إنهاء التوافق مع حركة النهضة واعتباره حكومة الشاهد قد أصبحت حكومة النهضة (أعلن ذلك قبل التحوير وجدد تأكيده من بعده).

-تأكد الجفاء والاختلاف في المواقف والتقديرات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من جهة، وبين حركة نداء تونس ورئيس الحكومة أيضا (علما بأن رئيس الجمهورية هو الرئيس الشرفي للنداء وهو من اقترح يوسف الشاهد لرئاسة الحكومة عوض الحبيب الصيد على أساس وثيقة قرطاج 1، كما أن يوسف الشاهد بدوره عضو في حركة النداء عند تعيينه رئيسا للحكومة ومازال عمليا منتميا للنداء بالرغم من تجميد عضويته في الحزب.

-التحاق حزب مشروع تونس بالأحزاب الأخرى المشاركة في الحكومة (النهضة والمبادرة والمسار (عن طريق أمينه العام وبالرغم من انسحاب حزب المسار من الحكومة وانضمامه للقوى المعارضة لها ؟!)). وقد فسر حزب مشروع تونس انضمامه إلى الحكومة بتغليب المصلحة الوطنية العليا والحرص على وضع حد للأزمة السياسية التي طال أمدها. وبالطبع أصبحت كتلته الحرة الممثلة للحزب عضوا في الأغلبية النيابية الجديدة.

-وقوف كتلة الائتلاف الوطني المكونة حديثا والمشكلة في غالبيتها من نواب منشقين عن كتلة نداء تونس الأم إلى جانب الحكومة ورئيسها لتعوض كتلة النداء في الأغلبية الحكومية. ومن المهم في هذا الصدد إبراز معاني هذا التحول في موقفي حزب مشروع تونس وكتلته "الحرة" من جهة وكتلة الائتلاف الوطني التي تضم عددا مهما من نواب منشقين عن كتلة نداء تونس من جهة أخرى.

-فلقد كان أحد أسباب انشقاق حزب مشروع تونس وكتلة الائتلاف الوطني عن حزب النداء "الأم" هو اعتراضهم على توافقه مع حركة النهضة (بالرغم من موافقتهم على ذلك في بداية المسار التوافقي مباشرة إثر انتخابات 2014 وبمباركة ومبادرة شخصية من رئيس النداء آنذاك السيد الباجي قايد السبسي حتى قبل إجراء تلك الانتخابات).

-لقد تحول موقف هذين الطرفين شيئا فشيئا من الابتعاد عن النداء إلى الالتقاء مع النهضة سواء لدعم رئيس الحكومة (كتلة الائتلاف الوطني) أو من خلال وقفة مراجعة سياسية وتقدير سياسي واقعي (المشروع).

-عمليا أصبح حزب حركة نداء تونس في المعارضة (بكتلة بين نواب النداء الباقين في الكتلة ونواب الاتحاد الوطني الحر المنضمين إليه بعد انصهار حزبهم في النداء)، مما سوف يطرح في العام المتبقي من العهدة الحكومية سؤالا حول قيادة المعارضة وانعكاسات ذلك على توزيع المهام في مجلس نواب الشعب (إلى حد الآن مازالت الجبهة الشعبية تعتبر أكبر كتلة معارضة ب 15 نائبا. علما بأن كتلة النداء حاليا تضم 51 نائبا). هذا ويرى بعض الملاحظين أن النداء قد ارتكب حماقة بمقاطعته الجلسة النيابية الخاصة بالتحوير الحكومي ويصر على اعتبار الحكومة حكومة النهضة تأكيده معارضته للحكومة بالرغم من مشاركة وزراء من النداء فيها (بل مهم يمثلون العدد الأكبر فيها قبل التحوير وبعده) مما جعله يفقد مصداقيته لدى جزء كبير من قواعده ولدى أوسع شرائح الرأي العام الوطني وحتى عند بعض الأطراف الخارجية المتابعة للمشهد السياسي التونسي.

-تحول التوازن السياسي النيابي والحكومي الذي كان قائما سابقا والممثل في حركتي النداء والنهضة إلى توازن جديد برلمانيا بين النهضة ومجموع كتلتي الائتلاف الوطني والحرة وسياسيا بين النهضة وحزبي مشروع تونس والمبادرة والتيار السياسي المؤطر حاليا بالقوة في كتلة الائتلاف الوطني والذي يمكن الإعلان عنه فعليا في الفترة القريبة أو المتوسطة القادمة، وهو التيار الذي يعتبره الملاحظون عمليا التيار الملتف حول رئيس الحكومة والذي يمكن أن يشكل نواة مشروعه لتأسيس حزب جديد أو لتحمل زعامة نداء تونس بعد التخلص من مناوئيه صلبه.

-حفاظ أغلب القوى السياسية الأخرى سواء البرلمانية منها (الجبهة الشعبية والتيار الديمقراطي وحركة الشعب) أو غير الممثلة في المجلس النيابي (خاصة الجمهوري والحراك والبديل والتكتل والمؤتمر والمسار كحالة خاصة نظرا لمشاركة أمينه العام في الحكومة ومعارضة الحزب لذلك) على موقف المعارضة للحكومة مع رفضها التنسيق والتحالف مع نداء تونس باعتبارها تصنفه دائما كأحد عناصر "الأزمة" و "الفشل" حسب رأيها ؟!

-تأكد فوز دستور 2014 على دستور 1959 تطبيقيا من خلال الممارسة الرئاسية والحكومية والنيابية بعد ما كان هناك تداخل في الأذهان. وبالتالي تأكد تثبيت حاكم القصبة رئيسا للحكومة وليس وزيرا "أول" ووضوح الرؤيا الخاصة بصلاحيات رأس السلطة التنفيذية.

  1. التحديات المطروحة على الحكومة في صيغتها الحالية (الجديدة أو المتجددة !):

يقر جل المتابعين للمشهد الوطني بأن التحوير الوزاري الجزئي (والعميق في نفس الوقت) قد تم أساسا من أجل تحقيق هدفين رئيسيين:

الأول: إضفاء شرعية جديدة على الحكومة ورئيسها بتأكيد دعم أغلبية نيابية له في ظل المتغيرات السياسية الحاصلة (خاصة منها خلاف رئيس الحكومة مع نداء تونس وموقف رئيس الجمهورية السلبي من بقاء الشاهد رئيسا للحكومة وتحبيذه تكوين حكومة جديدة). ولا شك أن هذا الهدف قد تحقق وتأكد تمتع رئيس الحكومة بمساندة أغلبية واسعة تصل إلى حدود 130 نائبا (كتلة النهضة وكتلة الائتلاف الوطني وكتلة الحرة التابعة لمشروع تونس وبعض النواب المستقلين).ولا شك أن هذه الأغلبية نفسها، وربما ينضم إليها بعض النواب الآخرين من كتلة نداء تونس إذا ما تواصل نزيفها في ظل الاختلاف حول الموقف من بقاء الوزراء الندائيين في الحكومة من عدمه، سوف تشكل الأغلبية المصادقة على قانون المالية (الميزانية) لسنة 2019.

الثاني: هو العمل على معالجة الأوضاع الاقتصادية المتأزمة ومن خلال ضخ دماء جديدة في الجسم الحكومي. وفي هذا السياق يمكن إبراز الملاحظات وطرح التساؤلات التالية:

-هل ستكون المدة المتبقية من العهدة الحكومية كافية لإنجاز مشاريع وإجراء إصلاحات كفيلة حقا بمعالجة الأزمة مع ما في هذه الأزمة من عمق وتداخل اقتصادي واجتماعي خاصة إذا ربطنا هذه المدة بالتطورات الاجتماعية المنتظرة لشهر جانفي المعهود بخاصياته الاحتجاجية والتي بدأت بوادرها الاجتماعية تنذر منذ الآن (بل ومنذ ما قبل الآن !) من خلال التلويح بالإضراب العام في الوظيفة العمومية وبإضرابات في قطاعات أخرى من أبرزها قطاع التعليم الثانوي، وكذلك بقرب انطلاق مسيرة قطار الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019 والتي تبدأ عمليا منذ شهر فيفري 2019.

-هل سوف تستجيب الحكومة ورئيسها لمطلب التفرغ للعمل الحكومي وإنجاز الإصلاحات المنشودة بعيدا عن أية أجندات سياسية وحسابات انتخابية، وهو المطلب الذي كانت الأطراف المشاركة في حوارات وثيقة قرطاج 2 قد دعت إليه من خلال مطالبة رئيس الحكومة وأعضائها بعدم الترشح لانتخابات 2019.

-ومما يزيد في التأكيد على التفرغ للعمل الحكومي ونأي رئيس الحكومة وأعضائها بأنفسهم عن الترشح لتلك الانتخابات ما تمثله تلك الإصلاحات من جدل وطني ومن أبعاد اقتصادية واجتماعية تتطلب أكثر من غيرها شجاعة وجرأة لا تتحملهما الحسابات الانتخابية.

-التأكيد على أهمية اعتماد الإصلاحات والإجراءات الواردة في وثيقة قرطاج 2 والتي يمكن أن تضاف إلى البرنامج الذي سبق لرئيس الحكومة الإعلان عنه ليشكلا معا برنامجا مرحليا إصلاحيا ربما يحظى بإجماع وطني وبقبول المنظمة الشغيلة من جهة ومنظمة الأعراف من جهة أخرى إلى جانب دعم الأغلبية البرلمانية.

  1. آفاق تطور المشهد السياسي في علاقة بالاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019:

-أول ما يتبادر إلى الذهن حول تطورات المشهد السياسي الوطني يتعلق بحزب حركة نداء تونس. كيف ستتطور الأمور داخل هذا الحزب وما يشهده من حراك داخلي وتباينات بين رموزه القيادية وكذلك بين صفوف هياكله الجهوية والمحلية خاصة وهو مقدم على عقد مؤتمره في شهر جانفي 2019.

-إن حزب نداء تونس ما يزال حزبا وازنا سياسيا وله كتلة نيابية هامة وعرف انصهارا مع حزب الاتحاد الوطني الحر بقيادة زعيم هذا الحزب السيد سليم الرياحي وعودة السيد رضا بلحاج إلى قيادة الحزب راجعا من تجربة قيادته لحزب تونس أولا الذي كان قد أسسه بمعية رموز أخرى إثر انشقاقه عن حزب النداء.

إذا لملم النداء جراحه واستعاد بعض الغاضبين والمنشقين فإنه يبقى رقما مهما على الساحة ويبقى ضروريا لتوازن المشهد السياسي خاصة وأن حركة النهضة ما فتئت تردد حرصها على الحفاظ على التوافق مع كافة القوى الوطنية ومنها بالخصوص حزب نداء تونس ورئاسة الجمهورية. هذا ولا يستبعد بعض الملاحظين إمكانية إجراء تغييرات في قيادة النداء ربما يكون من أهمها عودة السيد يوسف الشاهد إلى هذه القيادة. وهو احتمال غير مستبعد خاصة وأن السيد الشاهد يمكنه المساعدة على عودة أغلب المشاركين حاليا في كتلة الائتلاف الوطني وانضمام بعض الشخصيات المحسوبة عليه في فريقه الحكومي الحالي أو السابق.

-وإلى جانب هذا الاحتمال هناك إمكانية أخرى يعتبرها بعض الملاحظين السيناريو الأقرب، وهي تأسيس رئيس الحكومة الحالي لحزب جديد تكون قاعدته النيابية كتلة الائتلاف الوطني وقد يطلق عليه اسم حزب "أمل تونس". وهي فرضية قائمة وقد أشارت إليها بعض التسريبات من أطراف قريبة من رئيس الحكومة ومن كتلة الائتلاف الوطني. وهذا الاحتمال تم طرحه وتداوله منذ استقالة الوزير السابق السيد المهدي بن غربية الذي تم تفسير استقالته آنذاك بتحميله مسؤولية التفرغ لإعداد أرضية تأسيس هذا الحزب الجديد.

-وفي صورة تأسيس هذا الحزب فلاشك أن تطورات دراماتيكية أخرى سوف يشهدها حزب نداء تونس الذي قد يفقد المزيد من قياداته وإطاراته وقواعده التي قد تلتحق بالحزب "الحكومي" الجديد ؟!

-وبطبيعة الحال فإن أهمية هذه التطورات سواء داخل نداء تونس أو ببروز حزب جديد قد يكون "نداء آخر بقيادة جديدة ودماء جديدة ونفس جديد" يخوض الاستحقاقات الانتخابية لسنة ،2019 رئاسيا وتشريعيا لخلق توازن جديد مع حركة النهضة الحريصة بدورها تصريحا وتلميحا إلى ضرورة وجود مثل هذا التوازن للحفاظ على نجاح المسار الانتقالي الديمقراطي وعلى آمال نجاح المسار الانتقالي الاقتصادي التنموي على قاعدة التوافق الوطني العريض والشراكة الواسعة والحفاظ على الاستقرار السياسي الضروري لإنجاح الإصلاحات والمشاريع التي تتطلبها الحالة الاقتصادية والاجتماعية وخاصة منها المطالب الاجتماعية والانتظارات الشعبية المتعلقة بالتشغيل والاستثمار والتنمية ومحاربة الفساد والاحتكار والإرهاب.

ومن جهة أخرى، يطرح المسؤولون سؤالا مهما حول مدى تمتع تيار كتلة الائتلاف الوطني والمجموعات الدستورية بما فيها حزب المبادرة بتمثيلية شعبية خارج قواعد وأنصار نداء تونس المجتمعين حول شخص الرئيس السبسي وحول حزب نداء تونس في انتخابات 2019 علما بأن هذه القاعدة الانتخابية قد تراجعت في الانتخابات البلدية الأخيرة بشكل لافت وانتقل جزء كبير منها للمستقلين ؟

وبالنسبة إلى حركة النهضة، فإن أغلب الملاحظين يعتقدون أنها أصبحت اليوم (وغدا) رقما أساسيا في المعادلات والتوازنات السياسية الوطنية كما أكدت ذلك في الانتخابات البلدية وفي المصادقة على التحوير الوزاري. ويشير هؤلاء الملاحظين إلى إمكانية استثمار النهضة سياسيا النجاحات التي قد تحققها المجالس البلدية المحلية التي يترأسها أعضاء من الحركة أو التي يشاركون في إدارتها بفاعلية، وكذلك استثمار نجاحات الوزراء الممثلين للنهضة في الحكومة لإعادة استقطاب قواعدها الانتخابية من أبنائها ومن أنصارها في استحقاقات 2019 خاصة وأنها ما زالت حريصة على الانفتاح على المستقلين ومازالت حريصة على ممارسة الديمقراطية الداخلية في مؤسساتها الحزبية المحلية والجهوية والمركزية وما زالت تؤكد حرصها على إنجاز الإصلاحات وإرساء المشاريع محليا وحكوميا. ولا يستبعد الملاحظون عودة الكثير من أبناء الحركة "الغاضبين" وخاصة "المناضلين" الذين يتمتعون بتاريخ وسمعة وإشعاع محلي وجهوي ولهم قدرات تعبوية مشهودة داخل مناطقهم وفي صفوف القواعد الحزبية. هذا ويبدو أن حركة النهضة معنية بضبط قواعد تحالفاتها وتوافقاتها الحالية والمستقبلية في آفاق انتخابات 2019 لإدارة ما تبقى من العهدة الحكومية الحالية وخاصة للعهدة النيابية التي سوف تتمخض عن انتخابات 2019 وما ينجر عنها للإدارة الحكومية خلال السنوات الخمس لتلك العهدة. وفي هذا الصدد يطرح داخل حركة النهضة إمكانية إبرام عقد – ميثاق للتوافق والتشارك مع رئيس الحكومة والحزب الذي قد يمثله وتوضيح العلاقة مع النداء بالرغم من كل السحب الملبدة لفضاء العلاقة بينهما حاليا وذلك من أجل تجنب كل الغشاوات ولوضع برنامج حكم مرحلي يكون قاعدة مشتركة لإدارة الشأن العام في المرحلة القادمة

أما باقي القوى السياسية (المعارضة في البرلمان أو خارجه) فإن مشكلتها الحالية هي عتبة ال 5%التي لو وقع إقرارها قد تدفع بالكثير من هذه القوى إلى البحث عن إمكانيات التوحيد أو الائتلاف في كيانات جديدة تمكنها من تمثيلية شعبية أوسع وبالتالي قد تعطيها فرصة تجاوز هذه العتبة، وهذا موضوع آخر !

الخاتمة:

في ضوء مختلف هذه المعطيات يبدو المشهد السياسي الوطني متحركا ومتحولا على وقع متسارع. وقد يسمح التحوير الحكومي الأخير بفسحة من الاستقرار السياسي ودفع مختلف القوى إلى إعادة تموقعها في أفق الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019. إن حكومة السيد الشاهد تتمتع اليوم بشرعية متجددة وبثقة أغلبية مريحة داخل مجلس نواب الشعب مما يسمح لها ولو جزئيا بإنجاز بعض الإصلاحات والمشاريع والعمل على معالجة بعض أوجه الأزمة الاقتصادية والتخفيف من حدة الاحتقان الاجتماعي والإعداد الجيد لنجاح الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019. كما أن مختلف القوى السياسية مطالبه بتعديل ساعاتها على وقع هذه الاستحقاقات بهدف مواصلة إنجاح المسار الانتقالي الديمقراطي والشروع في إنجاز متطلبات الانتقال التنموي الاقتصادي والاجتماعي لترسيخ التجربة الديمقراطية التونسية الوليدة وتحقيق أهداف الثورة واستحقاقاتها.

 

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية)   وحدة التقدير السياسي(

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك