القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التحوير الوزاري: امتحان لشرعية حكومة الشاهد؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-11-05 09:40:00 | 169 مشاهدة

 

 

كثرت الأحاديث والتسريبات هذه الأيام عن قرب قيام رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد بتحوير وزاري جزئي وعرضه على مجلس نواب الشعب للحصول على ثقة المجلس بخصوص هذا التحوير. وتشير معظم التوقعات إلى احتمال شمول هذا التحوير بين 6 و 8 وزارات وكتابات دولة مع بقاء احتمال الزيادة أو النقصان ؟! ومن المعروف أن الأطراف التي شاركت في حوارات وثيقة قرطاج قد اتفقت جميعها على ضرورة إنجاز تحوير وزاري لإعطاء مزيد من النجاعة للعمل الحكومي وضخ دماء جديدة بهدف إنجاز الإصلاحات المتفق عليها بين هذه الأطراف والتي تضمنتها البنود الثلاثة والستون من وثيقة قرطاج 2 في أفق العمل من أجل تجاوز الصعوبات الاقتصادية التي تعيشها البلاد. لكن هذه الأطراف اختلفت حول عمق هذا التحوير. حيث دعا بعضها إلى إجراء تحوير جزئي مع الإبقاء على شخص رئيس الحكومة لقيادة الفريق الحكومي المتجدد حرصا على ضمان الاستقرار السياسي شريطة التزامه بإنجاز الإصلاحات المذكورة وعدم ترشح كامل أعضاء الحكومة بما في ذلك رئيسها إلى الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019، في حين دعا البعض الآخر إلى إجراء تحوير شامل بما في ذلك تغيير رئيس الحكومة. وأمام هذا الاختلاف وقع تعليق وثيقة قرطاج 2 في مرحلة أولى ثم إعلان نهايتها لاحقا. ومن المعلوم أن الأطراف التي شاركت في حوارات قرطاج 2 برعاية رئيس الجمهورية وتحت إشرافه هي حركة نداء تونس وحركة النهضة وحزب المبادرة وحزب الاتحاد الوطني الحر وحزب المسار والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والاتحاد الوطني للفلاحين والاتحاد الوطني للمرأة التونسية (5 أحزاب و 4 منظمات وطنية). وكانت المجموعة المطالبة بالاكتفاء بتحوير جزئي تتمثل في النهضة والمبادرة والمسار واتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين في حين تمسك النداء والوطني الحر واتحاد الشغل واتحاد المرأة بالتحوير الشامل مع مساندة خفية (ولكن معلومة) من رئيس الجمهورية. ونظرا لعدم وضوح الرؤية البرلمانية وعدم تأكد المطالبين بالتحوير الشامل والمجيء بحكومة جديدة من إمكانية توفير الأغلبية النيابية المطلوبة (109 نائبا) فقد سقط احتمال اللجوء إلى الفصل 99 من الدستور الذي يسمح لرئيس الجمهورية بعرض الحكومة لنيل الثقة من مجلس نواب الشعب أو رفضها، ولم يسع المتمسكون ببقاء رئيس الحكومة إلى عرض طلب الثقة على أعضاء المجلس لأنهم يعتقدون أن الحكومة حائزة بطبيعتها على الثقة، وعلى من يرغب في تنحيتها القيام بذلك. ثم حدثت تطورات دراماتيكية لاحقة جعلت مسألة إسقاط الحكومة في البرلمان صعبة للغاية إن لم نقل مستحيلة. ومن هذه التطورات المصادقة بأغلبية واسعة على تعيين وزير الداخلية الجديد (بما في ذلك أصوات أعضاء كتلة نداء تونس) وقد تشكل كتلة جديدة هي كتلة الائتلاف الوطني التي تشكلت من أعضاء الكتلة الوطنية القديمة ومن أعضاء مستقيلين من كتلتي النداء والحرة ومن نواب مستقلين لتزيد في إضعاف حجم المجموعة الداعية إلى التغيير الكلي للحكومة. وربما لمعالجة هذا الضعف جاء اندماج حزب الاتحاد الوطني الحر مع حزب نداء تونس. وفي مثل هذه الظروف استفحلت التجاذبات السياسية بين المجموعتين وازدادت حدة الخلاف والتوتر بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وبين النداء والنهضة وبين الرئاسة والنهضة في حين تراوح موقف الاتحاد العام التونسي للشغل بين الحدة والتصعيد إلى بعض التهدئة وتخفيض درجة التوتر. ولعل أبرز ما يمكن تسجيله جراء هذه التطورات وهذه التجاذبات إعلان رئاسة الجمهورية وحزب حركة نداء تونس إنهاء توافقهما مع حزب حركة النهضة بالرغم من إبداء النهضة حرصها على الحفاظ على التوافق مع كافة القوى الوطنية أحزابا ومنظمات وطنية وتمسكها من جهتها بالتوافق مع رئيس الجمهورية لما يمثله هذا التوافق من دعم ودفع للمسار الديمقراطي وللاستقرار السياسي وتغليب المصلحة الوطنية وتوسيع المشاركة في لإدارة الشأن الوطني من خلال الحكومات المتعاقبة منذ انتخابات 2014.

في ظل هذه الظروف والمعطيات عاد الحديث بقوة في الآونة الأخيرة إلى ضرورة إنجاز تحوير وزاري جزئي وعرضه على مجلس نواب الشعب للحصول على الثقة. فهل في هذا التحوير محاولة للتأكيد على التمسك بمخرجات وثيقة قرطاج في بنودها الثلاثة والستين وفي الفقرة الأولى من البند 64؟ أم أن المقصود هو الحرص على ضخ دماء جديدة لتوفير مزيد من النجاعة على العمل الحكومي؟ أم أن المسألة تتمثل في التفتح على القوى الجديدة التي عبرت علنا أو ضمنيا عن مساندتها ليوسف الشاهد على غرار كتلة الائتلاف الوطني وحزب مشروع تونس؟ أخيرا، هل أن هذا التحوير يندرج في خطة التأكيد على شرعية الحكومة من خلال الموافقة على التحوير الوزاري الجزئي مما يعتبر منحا للثقة لرئيس الحكومة لمواصلة قيادتها والرد بالتالي على من يحاولون زعزعة هذه الشرعية من خلال اعتبارهم الحكومة بمثابة حكومة النهضة أو تحدي رئيس الحكومة على طلب الثقة من المجلس النيابي؟ يبدو أن كل هذه الاحتمالات متشابكة وواردة في التحوير المرتقب والوشيك. وفي هذا السياق نفسه تطرح مسألة بقاء أو مغادرة وزراء نداء تونس في خلفية إعلان حزب النداء أنه غير معني بهذا التحوير  وأنه يعتبر الحكومة الحالية حكومة النهضة وهو معارض لها مع تمسكه بالتحوير الشامل وسعيه إلى تشكيل حكومة جديدة من غير مشاركة حركة النهضة. هل سوف يسحب حزب النداء وزراءه بعد التحوير أم سوف يبقي عليهم ويعارض الحكومة في نفس الوقت، وهل سوف يرضى يوسف الشاهد بذلك؟ وكيف ستكون ردة فعل الأطراف الأخرى المشاركة في الحكومة على هذا التصرف؟ وهل سوف يقبل الوزراء الندائيون مغادرة الحكومة في صورة مطالبة حزبهم لهم بذلك؟. حول الوضع الحكومي الراهن وما ترافقه من تجاذبات حزبية ونيابية ومؤسساتية (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة)، يرى بعض الملاحظين أن البلاد تعيش أزمة سياسية وأخرى أخلاقية. فهذا حزب نداء تونس الذي يتولى رئاسة الحكومة أحد أبنائه وتضم التشكيلة الحكومية 14 وزيرا وكاتب دولة من صفوفه أصبح معارضا للحكومة، في حين أصبح حزب النهضة وهو الحزب الثاني على أساس نتائج الانتخابات التشريعية 2014 هو الداعم الأساسي للحكومة ولرئيسها. كما أن رئيس الجمهورية، وهو الذي اختار الشاهد لرئاسة الحكومة لتقع تزكينه من النداء ومن الأطراف المشاركة في وثيقة قرطاج 1 ، أصبح هو الأكثر حرصا على تبديله. وشيئا فشيئا تحولت المسألة إلى مشكلة حسابية تقنية تتمثل في من يوفر أغلبية ال 109 صوتا المطلوبة في مجلس النواب لمنح الثقة للحكومة أو لسحبها منها. لقد بدا اليوم وكأنه من المفروض القيام بعملية استعراض في مجلس النواب من خلال عرض الحكومة إلى التصويت بالثقة من عدمها إما بتحوير جزئي أو شامل لإعطاء الثقة لرئيس الحكومة أو حجبها عنه. والغريب حسب هؤلاء الملاحظين أن حركة نداء تونس ورئاسة الجمهورية هما الآن الأكثر حرصا على سحب الثقة من رئيس الحكومة في حين أنهما هما جاءا به. وهكذا صار النداء معارضا في حين أصبحت الأغلبية الجديدة تتكون من منشقين سابقين وحاليين عن النداء القديم ومن حزب كان النداء متوافقا معه وأصبح اليوم يراه أكبر منافس له (هو حزب حركة النهضة). يضاف إلى ذلك أن اللحظة التي نعيشها اليوم قبل إجراء التحوير الوزاري هي لحظة ما قبل التصويت على قانون المالية ولحظة بضعة شهور قبل حلول جانفي 2019 باعتباره شهر الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية ولحظة سنة ما قبل انتخابات 2019. فهل تسمح هذه الاعتبارات الظرفية بتحقيق إنجازات وإضفاء مزيد النجاعة على العمل الحكومي من خلال إجراء تحوير مهما كان عميقا وسواء أكان جزئيا أو شاملا؟. إن قانون المالية لسنة 2019 جاهز ولا يمكن الحديث عن تغييره باستثناء ربما بعض الإجراءات التي سوف تكون جزئية وطفيفة. أما إنجاز الإصلاحات، فهل أن قصر المدة النيابية المتبقية وضغوطات الاستحقاقات الانتخابية ل 2019 تسمح بذلك عندما نعلم أن هذه الإصلاحات تتطلب شجاعة وجرأة ودعما سياسيا واجتماعيا واسعا من بين أبرز مكوناته دون شك اتحاد الشغل. هل يمكن إنجاز هذه الإصلاحات في ظل الخلاف العميق الحالي بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وبين حزبي النداء والنهضة في حين يعرف الجميع واقع الإدارة التونسية وواقع المؤسسات الوطنية وواقع الدولة العميقة ومواقف اتحادي الشغل والصناعة والتجارة وضغوطات الأطراف المالية الدولية وتدخلات المحيط الجغراسياسي الإقليمي والدولي؟ كيف سيكون عمل الحكومة في الفترة القصيرة المتبقية قبل إنجاز انتخابات 2019 عندما نعلم أن كل طرف في الحكومة سوف يكون حريصا في تموقعه الحكومي على خدمة حظوظه واستثمار مشاركته أو معارضته لكي يجني الثمار في الانتخابات المقبلة خاصة أمام احتمال حدوث تحركات احتجاجية في جانفي القادم؟ ثم كيف سيكون تصرف الوزراء الذين سوف يحافظون على مشاركتهم في الحكومة وهم يتحملون دون شك جزءا من المسؤولية في الفشل الحكومي بقطع النظر عن حجمك هذا الفشل حسب اختلاف التقييمات؟ وبالنسبة إلى الوزراء الجدد هل سوف تكون النجاعة والكفاءة هي المعيار لاختيارهم أم أن المحاصصة الحزبية المستوجبة كضرورة لإرضاء القوى المشاركة هي الأساس؟ هذا ويطرح سؤال مهم حول البرنامج الذي سوف يتقدم به رئيس الحكومة بتعليل ضرورة التحوير. هل سوف يعتمد البنود الثلاثة والستين لوثيقة قرطاج 2 أم يكتفي بمجرد خصوصيات الوزرات المستهدفة بالتحوير، أي التعليل بضرورة تعويض وزراء مستقيلين أو وزراء لم يكن أداؤهم في المستوى وكذلك مراجعة موضوع بقاء أو مغادرة وزراء انسحبت أحزابهم من المشاركة في الحكومة وأعلنت معارضتها لها؟

هذه معضلات حقيقية مطروحة بمناسبة التحوير الوزاري الجزئي المزمع القيام به، ومن المفروض تقديم الإجابات الواضحة بشأنها لطمأنه الشعب وتأكيد الحرص على معالجة الأوضاع الاقتصادية والمالية المتدهورة وحماية الاستقرار والتمسك بإنجاز انتخابات 2019 في موعدها وتنقية المناخ السياسي والترفع عن التجاذبات وعن صراع المؤسسات. وفي هذا الصدد، يرى بعض الملاحظين أنه بالإمكان الحكومة في وضعها المتجدد بعد إحراء التحوير الجزئي القيام ببعض الإصلاحات العاجلة حتى وإن كانت محدودة. ويمكن أن تكون البنود الثلاثة والستون لوثيقة قرطاج 2 إطارا عاما لهذه الإصلاحات العاجلة إلى جانب مواصلة تأمين البلاد في حربها على الإرهاب والفساد. ولا شك أن انضمام قوى جديدة مساندة للحكومة مثل حزب مشروع تونس وكتلة الائتلاف الوطني إلى جانب مواصلة بقاء ومساندة أحزاب النهضة والمبادرة وتخفيف وطأة الاختلافات مع اتحاد الشغل وضمان مساندة اتحادي الصناعة والتجارة والفلاحين يمكن أن يشكل كل ذلك حزاما سياسيا مهما لمساندة الحكومة ودفع العمل الحكومي إلى كمزيد النجاعة والقدرة على مجابهة الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية. ولكن تبقى بعض الحيرة والأسئلة الحارقة بخصوص ردود فعل رئاسة الجمهورية وحزب نداء تونس في الفترة ما بعد المصادقة على التحوير وكيفية تعاملهما مع الحكومة ورئيسها. كذلك تطرح الأسئلة حول مدى تفاعل اتحاد الشغل مع الحالة الحكومية ما بعد التحوير إلى جانب التساؤل عن موقف المعارضة الرسمية في مجلس النواب. كما أن حالة من الغموض لا تزال ترافق المشهد النيابي خاصة حول مدى تماسك الكتل النيابية ومدى انضباط أعضائها بما في ذلك نواب نداء تونس ونواب كتلة الائتلاف الوطني إزاء ما نشهده وما نعرفه من سياحة حزبية وحراك نيابي في الاتجاهين، ومثال نواب الاتحاد الوطني الحر وما بالعهد من قدم أكبر دليل على ذلك؟

كذلك هناك مشاكل تطرح على مستوى تناغم الكتل النيابية وخاصة تلك المعتبرة حاليا استحقاقات إرساء المحكمة الدستورية واستكمال أعضاء الهيئة المستقلة للانتخابات والتصويت على قانون المالية والموقف من مبادرة قانون المساواة في الإرث.

إنه حقيقة امتحان كبير لمدى صلابة التحالفات الجديدة وجديتها وهو كذلك امتحان كبير لشرعية الحكومة ولمدى قدرتها على العمل كفريق واحد منسجم على أساس برنامج تساهم في وضعه كل الأطراف المشاركة فيها والمساندة لها وليس مجرد برنامج لرئيس الحكومة أو مجرد إجراءات طفيفة تخص هذه الوزارة أو تلك دون القيام بمراجعة حقيقية في الأولويات والقيام بالإصلاحات المستوجبة والعاجلة. وفي هذا الصدد يرى الملاحظون والمتابعون للشأن السياسي والوضع الحكومي ضرورة إعادة تركيز لجنة التنسيق والمتابعة التي تضم مختلف الأطراف المساندة للحكومة لتكون حزاما سياسيا داعما لها مجتمعيا وفي نفس الوقت متابعا لعملها بشكل مسترسل اقتراحا وتقييما وتعبيرا.

 

 ( وحدة تقدير الموقف السياسي  )

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك