القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التحديث القهري مدخلا إلى الهيمنة : من إصلاحات أحمد باي الي تقرير لجنة الحريات

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-08-06 14:01:00 | 425 مشاهدة

الملخص:

شهد القرن التاسع عشر انخراط البلاد التونسية في التحديث تحت الضغط الأوروبي. وتواصلت العملية منذئذ في شكل موجات امتدت حتى المرحلة المعاصرة وآخرها التقرير الذي أثار لغطا كثيرا حول الحريات الفردية والمساواة. والمثير في هذه الموجات التحديثية تساوقها مع تعرض البلاد لموجات من مساعي الهيمنة الخارجية. وهو ما لا يمكن أن يكون بأي حال عفويا.

في هذا المقال نسعى إلى الكشف عن العلاقات الخفية بين موجات التحديث وموجات الاختراق والهيمنة الاقتصادية والسياسية على البلاد التونسية بدءا من إصلاحات أحمد باي إلى تقرير الحريات والمساواة.

المقدمة:

يمثل تقرير الحريات الفردية والمساواة، للعارفين بتاريخ تونس الحديث والمعاصر، تتويجا لمسار طويل بدأ منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر وقد لا يكون آخر حلقة فيه. ويبدو الخيط الناظم لهذا المسار متمثلا في حضور الخارج (الغرب) إما كنموذج يثير الإعجاب أو كقوة مهيمنة ضاغطة. وفي كلتا الحالتين فقد مثل مرجعا لحركة الإصلاح التي شهدتها البلاد منذ ذلك التاريخ. لكن خلف هذه الواجهة الإصلاحية كانت تتخفى مشاريع الهيمنة الاقتصادية الرأسمالية والثقافية الغربية التي لبست لاحقا لبوس الكونية. ذلك أن هذا المسار الإصلاحي تميز بطابعه النخبوي المسقط من الدولة والنخبة المستندة إليها على المجتمع الذي تعامل معها بحذر وقلق جعلته يخضع لها لكنه يثور عليها كلما توفرت له الفرصة. وعليه فقد اتخذ مسار الإصلاح طابعا قهريا جعل الدولة غريبة عن المجتمع ومضطرة إلى الاحتماء بذلك الغرب الذي استغل هذه القطيعة ليوسع هيمنته.

فكيف تجلى هذا المسار؟ وما هو مستقبله في ظل فسحة الحرية التي فتحتها الثورة بعد 2011؟

  1. إصلاحات القرن 19 بين الانبهار بالغرب والخضوع لضغوطه:
  • إصلاحات أحمد باي بين الخوف والانبهار:

تولى أحمد باي الحكم بين 1837 – 1855. وتزامن حكمه مع ازدياد التحديات الخارجية للإيالة التونسية بعدما بلغته من قوة ومكانة تحت حكم حمودة باشا الحسيني (1782 - 1814). ويمكن تلخيص تلك التحديات في سيطرة فرنسا على إيالة الجزائر (1830) وفرض معاهدة الانفتاح التجاري على الإيالة التونسية بعدها مباشرة باستغلال حالة الخوف لدى الحسينيين (1830). وهي المعاهدة التي ستعمق الانخرام في اقتصاد الإيالة. كما استعاد العثمانيون هيمنتهم على إيالة طرابلس (1835). وهو ما جعل الحسينيين يشعرون بالخطر من الجانبين. اعتبر احمد باي أن الحل في تقوية الإيالة (إحداث جيش نظامي وترتيب مدرسة باردو الحربية لتكوين إطاراته على الطريقة الأوروبية مستعينا بخبرات أوروبية) وتحديثها اقتصاديا (على طريقة محمد علي باشا في مصر). ولم يولّد هذا التحدي لدى أحمد باي الخوف فحسب، بل ترافق مع انبهار بالقوة، انبهار المغلوب بالغالب. وتحت تأثير هذا الانبهار سعى أحمد باي ليكون أميرا عصريا باقتحام مجال الإصلاح الاجتماعي من خلال تحرير الرقيق (بين 1841 – 1846)) متحديا البنى الاجتماعية التقليدية دون ثورة فكرية تهيئ لهذا التحول الاجتماعي.

فهم أحمد باي أن الإصلاح يعني نقل مظاهر الحضارة أكثر من عواملها (الفكرية والتنظيمية) فكان الأمر وبالا على الدولة التي غرقت في الإنفاق على إصلاحات فلَّست الخزينة (بناءات مكلفة وغير ذات جدوى مثل قصر المحمدية). وربما كان الأكثر إثارة في كل هذه الخلفية الدور الفرنسي المحرض للباي على الانفصال عن الآستانة من خلال استقباله ومعاملته معاملة الملوك مقدمة للانفراد به لاحقا، مغذيا بذلك نزعة الاستقلالية التي ظهرت لدى أحمد باي منذ توليه الحكم([1]).

وقد كان لذلك انعكاساته في علاقة السلطة بالمجتمع. فالدولة في نظر المجتمع بدأت تفقد مصدرا أساسيا للشرعية وهو حماية الأمة من الخطر الخارجي (أي الجهاد). والاقتداء بالخارج في إصلاحات لم يتهيأ لها المجتمع مثل تحرير العبيد بدأ يخلخل العلاقة بين المجتمع والسلطة من ناحية والبنى الاجتماعية من ناحية أخرى. وترافق كل ذلك مع انتشار القلق من هذا الغزو الخارجي في صفوف الأهالي.

أما الأمر الآخر الذي يجدر التنبيه إليه فهو أن تلك الإصلاحات ترافقت مع الاختراق الاقتصادي الأوروبي. فالسفن الحربية الجديدة صناعة أوروبية، والأسلحة المستوردة للجيش النظامي الجديد كذلك، والمصانع التي أقيمت (مثل الملف) كذلك، والخبراء المؤطرون للجيش الجديد، والمدرسون للغات الأجنبية في مدرسة باردو الحربية كذلك... هذا دون أن ننسى تأثيرات اتفاقية 1830 التي فرضت الانفتاح على التجارة الأوروبية ووضعت الاقتصاد التونسي في منافسة غير متكافئة مع الاقتصاد الأوروبي الصاعد. وهو مصدر آخر للغضب الاجتماعي ضد السلطة.

بعد ربع قرن من تلك الاتفاقية بدأت موجة جديدة لتعميق المكاسب السابقة من خلال موجة جديدة من الإصلاح مع الإصلاحات الدستورية.

  • الإصلاحات الدستورية (عهد الأمان ودستور 1861).

صدر عهد الأمان في حكم محمد باي (1855 -1859) بتاريخ 09/09/1857. وقد استغلت الدول الأوروبية حادثة إعدام أحد رعايا الدولة من اليهود ليفرضوا على الباي تبني التنظيمات الأوروبية. وتتمثل أهم نقاط هذا العهد في تأمين رعايا الدولة على اختلاف ألسنتهم وألوانهم باعتبار صفتهم الإنسانية (حقوق الإنسان) لا الدينية (وهو أساس تصنيف الرعايا قبل ذلك بين مسلمين وأهل ذمة). كما تضمن الوعد بإحداث دستور. إلا أن أخطر ما تضمنه هو فتح الباب في مادته الأخيرة (عدد 11) للتملك أمام الأجانب. وهنا جوهر الضغط الأوروبي الذي من المهم تفسيره.

يجدر التذكير هنا أن هذا العهد صيغ تحت تهديد الأساطيل الأوروبية وضغط القنصلين الفرنسي والبريطاني. وناقش الباي لمدة أسبوع هذا البيان مع حاشيته. بل إن الرواية التاريخية تتحدث عن إملائه من القنصلين الفرنسي والبريطاني. كما تجدر الإشارة إلى بداية تشكل نخبة إصلاحية في حاشية الباي مثل أحمد بن أبي الضياف وخير الدين التونسي والجنرال حسين وضمن حزام الحكم مثل الشيخ سالم بوحاجب. وهؤلاء كانوا أقلية لكنهم يستفيدون من الضغط الأوروبي في دفع البايات نحو الإصلاح.

لماذا انقضّت الدول الأوروبية على حادثة إعدام اليهودي لفرض هذا الإصلاح؟

تحولت الإيالة التونسية منذ الثلث الأول للقرن 19 إلى حلقة ضمن الصناعة الأوروبية وخاصة صناعة صابون مرسيليا المرتبط بزيت الزيتون. وبحكم تراجع موارد الدولة الخارجية (خاصة القرصنةوعائدات الضريبة على الصادرات بعد اتفاقية 1830) اتجهت سياسة الدولة نحو الضغط الجبائي على الرعايا واحتكار الدولة لتجارة عدد من المواد في إطار نظام الالتزام (مثل التبغ والصابون...) وبيع السلم (أي بيع صابة الزيتون مسبقا) باعتماد نظام تذاكر التصدير. وبحكم عدم انتظام صابة الزيت (بسبب تذبذب المناخ) تورطت الدولة في التداين المقنع تجاه التجار الأوروبيين منذ 1830 بعد ثلاث سنوات من الجفاف (منذ 1827) وعجزها عن توفير الزيت الذي قبضت ثمنه. وقد طالب التجار الأوروبيون بتملك الأرض مقابل تلك الديون لكن الدولة رفضت ذلك.

تكفلت الآثار المدمرة لإصلاحات أحمد باي بكسر إرادة الدولة لاحقا. وقد تسرب مطلب التملك ضمن عهد الأمان (المادة 11) ولم تستطع الدولة أن تمتنع عنه بعد أن أصبحت رهينة. وقد أسقط هذا العهد الحماية عن أهالي البلاد في مواجهة الغزاة الذين أصبحوا هم المحميين. وهذا ما زاد في قلق السكان وفقدانهم الثقة في الحكم. وهو ما سيزداد مع دستور 1861(29 جانفي) الذي يمثل امتدادا لعهد الأمان.

وأهم ما جاء به هذا الدستور هو الفصل بين السلط الثلاثة. وغالبا ما يقع تمجيده على أنه أول دستور عربي. لكن ما يجب تأكيده  هو أن الصادق باي كما محمد باي قبله لم يكونا مقتنعين بهذه الإصلاحات. لذلك قبلها عن مضض وعمل على تعطيلها. أما الرعية فلم تكن بدورها مرتاحة إلى تلك الإصلاحات. ولم تكن تنظر إلى ما تضمنه الدستور من ضمانات لحقوقها بقدر ما كانت تنظر إليها على أنها اختراق غربي صليبي. لقد ترافقت هذه الإصلاحات مع ازدياد الحضور البشري للعنصر الأوروبي المسيحي ممثلا في التجار أساسا ولكن أيضا وتدريجيا وبصفة متخفية في رجال دين يؤسسون المدارس.

هكذا إذن فتحت الإصلاحات الباب أمام تكثيف الحضور الخارجي والهيمنة وهو ما أشعر الأهالي بأن الدولة فقدت شرعيتها وأن البلاد تتعرض إلى غزو يجعلهم في غربة عنها. أما السلطة فقد اندفعت بحكم تراجع مواردها وفساد إدارتها إلى التداين والتورط في التبعية المالية. ولما عجزت عن السداد اتجهت إلى استنزاف الرعية. فكانت ثورة 1864 في أحد أبعادها (وإذا ما تجاوزنا السبب المباشر وهو مضاعفة المجبى) رد فعل على الغربة التي خلقتها تلك الإصلاحات لدى الأهالي. وعمقت تلك الثورة القطيعة بين السلطة والمجتمع. ومن تلك القطيعة تعمقت الهيمنة الغربية بدءا بالكوميسيون المالي وصولا إلى الاحتلال الفرنسي.

هكذا إذن نتبين أن حركة الإصلاح التي غذّاها الغرب كانت مقدمة لهيمنة اقتصادية تبدأ بخلخلة العلاقة بين السلطة والسكان والاصطفاف إلى جانب السلطة التي تتعمق غربتها فتحتمي بالخارج من رعيتها (مثلما حدث في ثورة 1864) فتزداد غربتها عن شعبها وتغرق البلاد في التبعية. بينما يتحول المجتمع إلى بركان من الغضب يتنفس في شكل انفجارات (انتفاضات أو ثورات).

  1. مسار التحديث في ظل دولة الاستقلال بين الانبهار والخضوع للضغوط.
  • إصلاحات مطلع الاستقلال وإعادة إنتاج التحديث القهري:

رغم الضغط الذي مارسته القوى الأوروبية على السلطة التونسية خلال القرن 19 من أجل الإصلاحات الدستورية فإنها لم تتخذ أي إجراء لإحياء تلك الإصلاحات بعد احتلال البلاد (1881 – 1956). بل إنها واجهت مطالب الحركة الوطنية الدستورية بالقمع باعتبار ذلك مدخلا لإثبات السيادة التونسية. وهو ما يعكس انتقائية الغرب في التعاطي مع فكر الإصلاح والتحديث بما يخدم مصالحه قبل مبادئه. في المقابل اتجه اهتمام المرحلة الاستعمارية إلى الأسرة ومحاولة اختراقها من خلال تصعيد موضوع المرأة بمختلف أوجهه بدءا بتعليم البنت الذي بدأ مبكرا منذ بداية القرن العشرين مع إحداث مدرسة نهج الباشا (سنة 1900)([2])مرورا بطرح خروج المرأة إلى الفضاء العام ومسألة السفور منذ العشرينات([3]).وقد مثل صدور كتاب الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" سنة 1930 أوج هذه الحركة.

بقيت هذه الحركة نخبوية ومعزولة بل نظر إليها أغلب التونسيين على أنها مشبوهة ومدعومة من الاستعمار وتخدم مشروعه في الهيمنة على المجتمع بعد الهيمنة على السلطة والاقتصاد. ولذلك واجه دعاة هذا المشروع غضب المجتمع الذي وصل حد الاعتداء الجسدي فضلا عن العزل الاجتماعي (يمكن التذكير هنا بما لاقاه الطاهر الحداد).

وقد نشأت في مواجهة هذا التحدي حركة إصلاحية محافظة تعتبر تطوير وضع المرأة ضروريا لكن في إطار الحفاظ على الأسرة. ولذلك نشط عدد من التونسيين في إحداث مدارس البنت المسلمة الخاصة والتي تسارع نسق إحداثها بعد صدور قانون 1944. كما نشأت الجمعيات النسوية لتأطير المرأة وتحصينها من تأثير الحضارة الغربية وتشريكها في الحياة العامة ومنها الحركة الوطنية (مثل الاتحاد النسائي الإسلامي منذ 1936 والفرع النسائي لجمعية الشبان المسلمين منذ 1945).

لكن المثير هو أن هذه المسألة ستصبح أحدم أهم محاور المشروع التحديثي لدولة الاستقلال في إطار ما يعرف بنسوية الدولة (Féminisme d’Etat). والطريف أن من تزعموا هذا المشروع بعد الاستقلال لم يبرزوا بالانخراط في تلك المعركة خلال مرحلة التحرير واعتبروها ثانوية مقارنة بالمسألة السياسية وتهدد وحدة الصف الوطني. بل إن بورقيبة برز بموقفه المعارض للسفور واعتبر الحجاب من رموز الهوية الوطنية. وقد أدى تبني الدولة بعد 1956 لهذا المشروع إلى إعادة إنتاج منظومة التحديث القهري الإسقاطي أي الذي يفرض رؤية السلطة على المجتمع. ومثل إصلاحات أحمد باي كانت إصلاحات مطلع الاستقلال نابعة من الإعجاب والافتتان بالنموذج الغربي وخاصة الفرنسي والمقترن بالنفور من الموروث العربي الإسلامي. فكانت النتيجة في علاقة الدولة بالمجتمع واحدة وهي غربة الدولة عن المجتمع. ذلك أن التحديث السياسي كان مشوها ولم يفسح المجال أمام المجتمع بتنوعاته للتعبير عن أفكاره بل اقترن بتأسيس نظام الحزب الواحد والزعيم الأوحد.

وفي ظل هذا التوجه تعمقت غربة الدولة عن المجتمع رغم فرضها لخياراتها الاجتماعية من خلال مجلة الأحوال الشخصية التي أدخلت تغييرات جوهرية على الحياة الاجتماعية أبرزها الحضور المتنامي للمرأة في الفضاء العام وانتشار التعليم في الوسط النسائي وما تبعه من انعكاسات على وضع الأسرة. وفي ظل تلك الغربة تواصلت الهيمنة الغربية وتعمقت تبعية الدولة الجديدة للقوة الاستعمارية التي كان يفترض أن تستقل عنها. ذلك أن اتفاقات الاستقلال الذاتي (بما تضمنته من تنازلات ثقافية واقتصادية وسياسية) قسمت الحزب الرئيسي والبلاد بين أنصار الديوان السياسي بزعامة بورقيبة وأنصار الأمانة العامة بقيادة صالح بن يوسف الذي خاض معركته تحت شعار استكمال الاستقلال واستقطب بذلك القوى المحافظة وأغلبية الشعب. ومن هنا أصبح التحالف بين بورقيبة والقوة الاستعمارية ضروريا لإنقاذ الاتفاقات. وهكذا تكرر نفس المسار الذي عرفه القرن التاسع عشر عندما وجدت الدولة نفسها في مواجهة أغلبية رافضة لإصلاحاتها. واستفادت القوة الحامية من هذه القطيعة الثقافية بين السلطة والمجتمع لتواصل هيمنتها من خلال التحالف مع الدولة على حساب المجتمع. وتجسمت تلك الهيمنة في تواصل الحضور الفرنسي في الواقع التونسي، حضور يظهر في ازدواجية اللغة التي تعيشها البلاد التونسية، وفي الجانب الاقتصادي، وفي علاقات الدولة التونسية الخارجية (الانتماء إلى المجموعة الفرنكوفونية)...

  • تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة (2018) يستكمل مشروع مطلع الاستقلال.

يذكر الوزير السابق محمد مزالي في شهادته على العصر لقناة الجزيرة أن بورقيبة سعى إلى تغيير منظومة الميراث لكن الشيخ الفاضل بن عاشور ذكر له أنه لم يجد أي مدخل شرعي لذلك. وبعد ستين سنة من صدور مجلة الأحوال الشخصية يبدو الرئيس الباجي قايد السبسي، الذي يقدم نفسه على أنه امتداد للرئيس بورقيبة وانبعاث له، حريصا على أن ينجز ما عجز عنه معلمه.

لكن بالنظر إلى سياقات هذا التوجه نتبين أن تقرير الحريات الفردية أقرب في سياقه إلى عهد الأمان – أي تحت الضغط الخارجي – أكثر من كونه خيارا كما كانت قرارات أحمد باي أو مطلع الاستقلال. فهو يأتي تنفيذا لاتفاقية سيداو([4]) التي وقعت عليها البلاد بعد الثورة رغم أنها تعود إلى 1979. أي أنه وقع استغلال هشاشة وضع الدولة وحاجتها للدعم لمواجهة المطلبية المنفلتة مقابل التوقيع على الاتفاقية، وهو ما لم تقدم عليه السلطة الحاكمة في العهدين السابقين للثورة، رغم علاقتهما المميزة بالغرب، نظرا لما تحمله هذه الاتفاقية من التزامات لها تبعات سياسية وثقافية واجتماعية. ولم تعد القوى الخارجية وعلى رأسها فرنسا تخفي تدخلها لتملي على السلطة ما يجب عليها فعله([5]). ومن الطريف أن نتذكر هنا تحجج القناصل الأوروبيين لدى محمد باي بما أقدمت عليه السلطنة العثمانية (خط شريف كلخانة والخط الهمايوني) ليصدر عهد الأمان اقتداء بها، تماما كما تدفع السلطة الحالية إلى الالتزام باتفاقية سيداو.

إلا أن ما يميز المرحلة الحالية عن مرحلة الإصلاحات الدستورية هي خوض البلاد لتجربة ديمقراطية تتنوع فيها وسائل التعبير أمام الرأي العاممن الوسائل الدستورية مثل المجالس التمثيلية المحلية والمركزية (مثل مجلس النواب)، إلى وسائل التعبير المختلفة (الإعلام والفضاء الرقمي). وإذا كان البايات الحسينيون ترددوا في تلك الإصلاحات خوفا على امتيازاتهم وتحسبا لتأثيرها على شرعيتهم القائمة على مقاومة التسرب المسيحي فإن السلطة الحالية لا يمكنها أن تغفل ما لمثل هذه القرارات من أثر على مستقبلها. ومع ذلك فقد أقدم رئيس الجمهورية على ما تهيبه أسلافه من قبل.

لا يمكن إغفال أن وراء هذا الخيار دين سياسي تجاه تلك القوى الخارجية التي دعمت تحجيم الزخم الثوري وهيأت للقدامى العودة بعد 2014. لكن الحقيقة أيضا هي أن هشاشة الوضع العام الذي خلف الثورة هو الذي جرأ تلك القوى على استغلال حاجة جزء من القوى السياسية للدعم الخارجي لتفرض ما تعطل قبل ذلك. ويؤدي تبني الحاكم لهذه الإملاءات "التحديثية" إلى مزيد غربته عن قاعدته الشعبية فيندفع أكثر نحو الحامي الخارجي الذي يزيد من إملاءاته. فهل يمكن اليوم أن نغفل تربص القوى الاقتصادية الغربية بالبلاد التونسية لتفرض عليها اتفاقية الأليكا (اتفاقية التبادل المعمق) (ALECA) التي توثق تبعيتها إلى السوق الرأسمالية وتزيد من فتح البلاد أمامها؟

على أنه لا يمكننا أن نغفل بعدا آخرامن أبعاد الهيمنة وهو استكمال إدماج التوابع في المنظومة الكونية. فقد مثلت سياسة الإدماج (l’intégration) محورا أساسيا من محاور السياسة الاستعمارية الفرنسية. لكن صمود الحركة الوطنية وتمسكها بالهوية العربية الإسلامية أفشلها. ومع انتشار تيار العولمة يبدو اختلاف بعض الدول بخروجها عن منظومة القيم "الكونية" (= الغربية) علامة على فشل الهيمنة وحدا لها. ومن ثمة فإن إلزامها بتلك الاتفاقيات التي تمس البنى الثقافية والتصورات لا يخرج عن كونه استكمالا لما فشلت فيه إبان المرحلة الاستعمارية. وهي اليوم تستكمله بالطرق الناعمة التي تغلف الطرق الصلبة. فهي تهشش تلك الدول ومنها تونس بالإرهاب والقروض والمساعدات، وتتلقفها بالمساعدات التي تستبطن شروط الإلحاق والإدماج في المنظومة الكونية، وترفقها بإصلاحات مسقطة تطال منظومة القيم التي تشكل في الأصل أساس هوية المجموعة وتميزها.

لقد أثار تقرير الحريات الفردية والمساواة في الأوساط الشعبية قلقا وحيرة بما تضمنه وما راج حول القوى الخارجية المحرضة عليه، قلق شبيه بالقلق الذي انتاب التونسيين بعد عهد الأمان. وإذا كان ذلك القلق انفجر في ثورة 1864، فإن هامش الحرية الذي وفرته الثورة يسمح بتصريف قلق اليوم في أشكال أخرى مثل نشاط المجتمع المدني والتحركات الشعبية المقننة (مسيرات ومظاهرات) والكتابة في مختلف الوسائط. وإذا كان محمد الصادق باي استغل الثورة للتخلص من دستور لم يقتنع به يوما، فإن السؤال اليوم يبقى حول مدى قدرة الحراك المدني في التأثير على قرار القوى السياسية الفاعلة للتخلص من إملاءات تهدد تناسق المجتمع وخليته الأساسية (الأسرة).

الخاتمة:

فرض التحدي الغربي منذ بداية القرن 19 انخراط البلاد التونسية في مسار عرف بحركة النهضة العربية. لكن حركة الإصلاح كانت في أغلب الأحيان مسقطة "قهرية"، مفروضة من الخارج الباحث عن اختراق البلاد أحيانا، ومن السلطة المنبهرة بهذا الخارج أو الخائفة منه أحيانا أخرى. وقد تطور مجال الإصلاحات من المس بهياكل الدولة والاقتصاد إلى المس بالمنظومة المجتمعية. ولما كانت تلك الإصلاحات غريبة عن العامة، فإنها ولدت القلق والغضب في أوساطها أكثر من التفاعل معها. وبدل أن تنهض تلك الإصلاحات بالبلاد فإنها خلقت شرخا بين الدولة والمجتمع، وهو الشرخ الذي عملت القوى الخارجية على توسيعه لتعمق اغتراب الدولة عن واقعها وتلجئها للاحتماء بالخارج الذي يدعمها على شعبها ويحميها منه، ويوفر لها أسباب البقاء بمساعدتها على تقديم الخدمات لذلك الشعب حفاظا على بعض الشرعية التي تسمح بعدها بتمرير الإملاءات. لكن المؤمل اليوم في ظل فضاء الحريات الذي خلقته الثورة أن تتصالح الدولة مع شعبها وأن يكون للرأي العام صوته في مصير هذه الإصلاحات الهجينة والغريبة عليه.

                                                  

الدكتور عبد الرحمان الهذلي

 

([1]) بعد توليه مباشرة بسنة واحدة (أي في 1838) راسل أحمد باي السلطنة العثمانية باللغة العربية لأول مرة منذ دخول العثمانيين (1574) معتذرا عن دفع ضريبة الولاء محتجا بالوضع الصعب في الإيالة. وكلف بذلك الشيخ إبراهيم الرياحي. (انظر ابن أبي الضياف، الإتحاف، تحقيق لجنة من وزارة الشؤون الثقافية، الدار العربية للكتاب، [د.ت.]، المجلد الثاني، الجزء 4، ص 18-20).

([2]) - تأسست أول مدرسة خاصة بالفتيات التونسيات المسلمات يوم 01 ماي 1900. ويعود الفضل في ذلك إلى جهود نخبة على رأسها البشير صفر رئيس جمعية الأوقاف بمساعدة السيدة إيجانشانك (Charlotte EIGENSCHENCK) والمقيم العام روني مياي (René MILLET). وسميت باسم زوجته فعرفت بمدرسة "لويز روني مياي" (Louise-René MILLET). وتمثلت أهم دوافع الحماية لإحداث هذه المدرسة في الخوف من احتكار الإيطاليين لتعليم البنت المسلمة من ناحية وجعلها مجال تواصل بين المرأة الفرنسية والمرأة التونسية المسلمة لإزالة سوء التفاهم الناتج عن القطيعة بين المجتمعين. وكان رهان الحماية على أن تتحول نساء المجتمع البورجوازي المتعلمات إلى عنصر التواصل المطلوب.تولت السيدة أيجانتشانك إدارتها حتى وفاتها سنة 1941 فعوضت بفرنسية أخرى هي السيدة بادير. واتخذت أول مقر لها قصرا قديما بنهج المنستيري بالمدينة العتيقة. وفي 1912 (أو 1911) انتقلت إلى نهج الباشا في بناية على أنقاض دار الوزير مصطفى بن إسماعيل. وفي 1914 ألحقت بالتعليم العمومي. وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت ابتدائية وثانوية. افتتحت هذه المدرسة بخمس فتيات فحسب لكن العدد تطور حتى تجاوز سنة 1940 ستمائة تلميذة.وقد بقي تعليم الفتاة المسلمة مشغلا وطنيا بالأساس إذ لم تبذل سلطة الحماية أي جهد لتطوير وضعية تعليم البنات رغم رغبتها في ذلك كما أشرنا في موقع سابق إلى ما تعلق عليه الأوساط الاستعمارية من تعليم البنت في اختراق الأسرة والمجتمع التونسي المسلم. فسعى التونسيون إلى إحداث المدارس الخاصة لتعليم البنت التي بلغ عددها سنة 1941 ثلاثين مدرسة خاصة خارج سيطرة إدارة المعارف.

([3]) - بعد الحرب العالمية الأولى برز الاشتراكيون بحملة ممنهجة على وضعية المرأة في إطار نادي الترقي (l’Essor). ففي جانفي 1924 نظم هذا النادي محاضرة تحت عنوان "مع أم ضد الحركة النسائية في البلدان الغربية والبلدان الشرقية". وبرزت التونسية المسلمة منوبية الورتاني بإلقاء محاضرة وهي سافرة الوجه دون نقاب (الخامة)، وطالبت بحقوق المرأة مثل التعليم. وبعد سنوات انتظمت محاضرة أخرى بنفس النادي وحول نفس القضية. ففي 08 جانفي 1929 قدمت التونسية المسلمة حبيبة المنشاري، سافرة الوجه (بدون خامة)، محاضرة عنوانها "المرأة المسلمة غدا: مع أم ضد الحجاب". وبسطت فيها حالة المرأة التونسية المتدهورة وحثت على منحها حقوقها.

([4]) - اتفاقية سيداو (CEDAW=The Convention on the Elimination of All Formes of Discrimination againstWomen) هي اتفاقية دولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1979، وتتألّف من مقدمة و30 مادة. وبعد اعتماد الجمعية العامة للاتفاقية، تمّ التوقيع عليها في جويلية1980 في كوبنهاغن من جانب 64 بلداً، ودخلت حيز التنفيذ بعد مرور عام واحد فقط في 3 سبتمبر 1981، بعد أن صدّقت عليها 20 دولة عضواً، وكانت الولايات المتحدة من الدول الموقّعة الأصلية، دون أن تصادق على المعاهدة بل أدرجت مزيداً من التحفّظات عليها.

([5]) – نشير هنا إلى خطاب الرئيس الفرنسي يوم 31 جانفي 2018 خلال زيارته إلى تونس (يومي 31/01 و01/02/2018) [للتذكير تمت هذه الزيارة بعد حركات احتجاج عنيفة تحت حجة الاعتراض على ميزانية 2018 في ذكرى الثورة] حين ثمن صراحة مبادرة رئيس الجمهورية للمساواة في الزواج والميراث. كما كشف البعض تدخلات بعض الديبلوماسيين وخاصة السفير الفرنسي في أشغال لجنة الحريات الفردية ليفرض مسألة المثليين وغيرها.

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك