القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

التجاذب السياسي  في تونس وآثاره الاجتماعية : التعامل مع الطفل في الفضاءات العامة نموذجا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-03-13 10:26:00 | 163 مشاهدة

ملخص:

إنّ ما يتعرض له الطفل التونسي من اعتداءات  مختلفة قتلا واغتصابا وتوظيفا اعلاميا غير قانوني و إهمال، مجرد ظواهر شكلية تخفي الأسباب الحقيقية للوضع المتردي الذي يعيشه الطفل والذي نعتقد أنه راجع إلى تغييب متعمد من السياسيين  للسؤال الحقيقي لمشكل الطفل التونسي وهو ما نعرض له في هذا المقال من خلال وقائع حدثت على الأرض.

 

المقدمة:

 

أثارت قضية ما يعرف بأطفال مدرسة الرقاب القرآنية جدلا واسعا في الأوساط المدنية والسياسية في تونس وأسالت حبرا كثيرا،  و تمحور الجدل حول مسألة عامة تتمثل في كيفية العناية بالطفل التونسي تعليما وتربية ،وعلاقة هذه العناية بالتعليم الديني.

وقد اتخذ الجدل منحى التجاذب السياسي والايدولوجي  إلى درجة   أسقط معها بند من مشروع قانون في مجلس النواب ينص على ضرورة ترسيخ تنشئة الطفل ضمن هويته العربية الإسلامية رغم أن هذا أمر يقره الدستور . ويهمنا في هذا المقال بحث السؤال الحقيقي الذي نراه جديرا بالطرح والنقاش  هل يحظى الطفل التونسي فعلا بظروف تنشئة عالية الجودة قانونا وممارسة ،وهل تعمل المؤسسات المعنية بالطفل على تفعيل النصوص القانونية الضامنة لحق الطفل ، وهل نحن إزاء مشكل قانوني بحث أم إزاء أزمة تربوية أخلاقية تعم المجتمع وتمتد إلى قطاع الطفولة ؟

 

1/ تشخيص

بلا شك أن تونس لديها ترسانة من القوانين الهامة التي تهتم بالطفل وتعد قوانين رائدة في محيطها الاقليمي  فالمشرع التونسي أنشأ مجلّة حمایة الطفل بمقتضى القانون عدد 92 لسنة 1995 المؤرّخ في9 نوفمبر 1995. وعرّفت المجلّة الطفل بأنّه كلّ إنسان عمره أقلّ من ثمانیة عشر عاما ما لم یبلغ سنّ الرّشد،وهي مجلة تخضع من وقت صدورها إلى تعديلات تحسن من وضع الطفل وحقوقه وسبل حمايته.

لكن هل يحظى الطفل التونسي بالحماية الفعلية التي يضمنها له القانون النظري ؟

لا نريد في هذا المقال خوض جدال نظري معزولا عن الواقع السياسي الراهن بقدر ما نحاول أن نبحث الإشكال ضمن سياق حدثي راهن يكشف وجوه التعامل المدني والسياسي مع الطفل التونسي , ومن المهم أن نشرع في بحث هذا الإشكال من الحادثة /المشكل التي أثارت الجدل آنف الذكر ،حادثة أطفال مدرسة الرقاب القرآنية ،وهي عينة دالة  على حالة الانفصام بين النظري والتطبيقي في ما تعلق بقانون جماية الطفل . ونحن لا نروم الخوض في التفاصيل المشكلة للخلاف فالمقال ليس مخصصا لهذه الحادثة فقط ولا يهمنا منها غير ما يفيدنا في تفكيك واقع الطفولة في تونس إن أول نقطة تلفت نظر المتابعين وتكشف حالة الانفصام التي ذكرناها بين الواقع العملي والتشريع أن هذه المدرسة مثلت عينة واضحة من إهمال مؤسسات الدولة ذات الصلة بشأن الطفولة للتشريع المنظم لحقوق الطفل فقد كانت المدرسة "غفلا" عن عين الرقابة  والحماية والمتابعة من مندوب الطفولة تحت ذرائع مختلفة خلاصتها أن التشريع الخاص بالطفل يحتاج إلى  تطوير من حيث الاليات الميسرة لتنزيله في الواقع العملي ،كما تحتاج المؤسسات الرقابية القائمة على حقوق الطفل إلى تأهيل يخرجها من دائرة المناسباتية في الفعل أو الاكتفاء برد الفعل

لقد تعللت هذه المؤسسات الرقابية بأن اغفالها لما يجري داخل مدرسة الرقاب كان راجعا إلى "ميوعة "قانونية تمنعها من التدخل المباشر ووضع حد لما قد تلاحظه من انحراف في المؤسسة الحاضنة للطفل  ،فهذه المؤسسة هي في وضع قانوني بين بين تهتم بالطفل وتخضع لقانون الجمعيات .  نعتقد أن هذه الحجة واهية بالنظر لمجريات الأحداث التي عرفتها قضية المدرسة من جهة ،وإلى ما ثبت من "عجز" لمؤسسات الرقابة نتيجة غيابها الفعلي عن المتابعة والمحاسبة .فهذه المؤسسات لم تتحرك إلا حين أخذ موضوع المدرسة بعدا إعلاميا حولها إلى قضية رأي عام وجعلها محل تجاذب ايديولوجي فاضح .

 

2/ قراءة في المعطيات:

وحتى نزيد في تفكيك الإشكال نقف على الإشكال الجزائي الذي أثارته وضعية المدرسة بعد أن قامت قوات الأمن باعتقال كل الأطفال ونقلهم إلى العاصمة و إخضاعهم للتحقيق دون حضور محاميهم ولا مرافقة أوليائهم ،وفي الواقع فغن هذا التصرف الأمني والقضائي ما الطفل ليس خاصا بأطفال مدرسة الرقاب لذلك لن نقف عند حالتهم هم فقط و إنما سننطلق منها للكشف عن الخلل الجوهري في التعامل القضائي مع الطفل  فالمسار القضائي لدعوى يكون الطفل طرفا فيها يشمل جملة من المراحل منها " إيقاف الطفل في مراكز الاحتفاظ المؤقت وإعلام وكيل الجمهورية الذي يقرّر إخلاء سبيل الموقوف أو القيام بأعمال البحث والتحقيق أو إحالة القضية إلى قاضي الأطفال أو إلى محكمة الأطفال. ويمكن حفظ القضيّة أو تسليم الطفل إلى وليّه أو إحالته على قاضي الأسرة أو وضعه بمؤسّسة للتربية والتكوين أو بمركز طبّي أو بمركز الملاحظة أو بمركز إصلاح أو تحت نظام الحرية المحروسة كما يمكن لمندوب حماية الطفولة تفعيل آلية الوساطة في كلّ مراحل المحاكمة والتنفيذ بهدف إيقاف التتبعات الجزائية" وقد كشف تقرير دائرة المحاسبات الصادر في2018  والخاص بأعمال رقابيّة امتدت من  2012 إلى ماي 2017 ،كشف أن استجابة منظومة إصلاح الأطفال في نزاع مع القانون للمصلحة الفضلى للطفل هي دون المطلوب فمن جملة ما معدّله 9340 قضيّة مفصولة سنويّا من 2012 إلى 2015 لم يتجاوز المعدّل السّنوي لمطالب الوساطة 467 مطلبا وهو ما اعتبرته الدائرة مسارعة إلى ادانة الطفل "فجلّ الألفاظ المعتمدة بالنصوص القانونية المتعلقة بالأطفال في نزاع مع القانون وردت بطريقة تصدر أحكاما مسبقة بالإدانة وتصفهم بالجنوح والانحراف. ولا تخوّل مجلّة حماية الطفل لمندوب حماية الطفولة تفعيل آليّة الوساطة تلقائيّا بهدف إيقاف التّتبّعات أو المحاكمة". ثم إن التشريع التونسي حسب تقرير الدائرة لا ينص على آليّة التّحويل خارج النّظام القضائي بهدف تجنّب العقوبات الجزائية فقد بلغت نسبة الأطفال الموقوفين خلال الفترة 2012 -2016 %85 من عدد الأطفال المودعين بمراكز الإصلاح. وتجاوزت فترات إيقاف 113 طفلا مدّة الأحكام الصادرة بشأنهم وذلك لمدّة تراوحت بين 3 أيّام و377 يوما. وبلغت نسبة الأطفال الذين تمّ إيداعهم لمدّة لم تتجاوز على التوالي شهرا وثلاثة أشهر 42 %و74% في حين كانت نسبة الأطفال الذين تمّ إيداعهم لمدّة فاقت 9 أشهر في حدود 4% من جملة 6542 طفلا.  وقد لاحظ تقرير دائرة المحاسبات أن فضاءات التكوين بمركزي المروج ومجاز الباب لا تستجيب لمقوّمات النظافة والحماية والتهوئة والصيانة. كما لم تتمّ صيانة مركز ملاحظة الأطفال بمنّوبة منذ إحداثه سنة 1993. ولم تتوفر الحماية الكافية بهذا المركز حيث تمّ تسجيل 30 حالة فرار خلال سنتي 2015 و2016 منها 9 حالات في يوم واحد ووجود بعض الممنوعات على غرار الأقراص المخدرة. وتعرّض 14 طفلا للعنف في الفترة 2013 -2016 بمراكز الإصلاح وذلك من طرف أعوان وأطفال مودعين.

وهي كلها إشكالات أثارها الاعلام والسياسيون ونواب مجلس الشعب ضد مسييري أطفال مدرسة الرقاب بداعي مخالفتها لقانون حماية الطفل,

 

3/ السياق السياسي وجوهر السؤال:

وجب التنبيه هنا إلى أننا لا ندافع عن الخلل في هذه المدرسة و إنما نسعى إلى تبيان أن المشكل جوهري و أساسي يتعلق بالتشريع وبواقع المؤسسات الخاصة بالطفولة عموما وليست خاصة بمدرسة دون أخرى وقد كان على جميع المتدخلين خاصة السياسيين منهم العمل على بحث الإشكال في جوهره لا اخضاعه للتجاذبات السياسية والايديولوجية ,

ولأن الموضوع تمت معالجته بهذا الشكل فإن الأحداث تسارعت بشكل كارثي إذ كشف الناطق باسم محاكم صفاقس يوم الثلاثاء 12 مارس الجاري أن عشرين تلميذا (17 طفلة و3 أطفال) تعرضوا للمفاحشة والاغتصاب من قبل معلمهم في أحد المدارس و أن هذا العدد مرشح للارتفاع مع تقدم الأبحاث.  وقد جاء هذا الخبر بعد ثلاثة أيام من حادثة موت اثني عشر رضيعا بمركز الولدان بمستشفى الرابطته عزته التحقيقات الأولية لوزارة الصحة إلى وجود تعفن في فضاء اعداد المستحضرات الغذائية لهؤلاء الأطفال، غير أن أهم حدث سبق الاعلان عن عدد الأطفال المعتدى عليهم جنسيا في صفاقس هو تصريح رئيس الجمهورية في اجتماع مجلس الأمن القومي قبل يوم  واحد بأن من أهم ملفات الأمن القومي التي وجب التركيز عليها هي ملف مدرسة الرقاب  في تجاهل تام لقضية كارثة مركز الولدان بالرابطة وهو ما يدلل على أن موضوع الأطفال في تونس لم يتجاوز دائرة التجاذب السياسي  الآني.

 

الخاتمة 

إن العينات التي اعتمدناها ليست مقصودة في حد ذاتها بالبحث والتفكيك بل هي مؤشرات نستند إليها لتأكيد ما وصلنا إليه من خلال تحليل المعطيات وتفكيكها وربطها بسياقها من أن السؤال الجوهري الخاص بالطفل لم يطرح بعد أو أن هناك تغييب مقصود لهذا السؤال ،فقد أوصت دائرة المحاسبات بمراجعة التشريع التونسي المتعلق بالطفل ليتلاءم مع مقررات الأمم المتحدة في هذا الشأن  وبتفعيل القرارات الخاصة بتهيئة فضاءات الطفل ،وهي قرارات تنسجم مع طبيعة عمل دائرة المحاسبات لكننا نراها قاصرة لأنها تحتاج إلى إرادة سياسية تطرح  معالجة واقع الطفل التونسي بعيدا عن انتمائه الجهوي أو الطبقي أو الهووي فالطفل لا انتماء له سوى الانتماء الوطني وهذا يتطلب تحييد قضايا الطفل عن التجاذب السياسي ومعالجتها ضمن أفق المشترك الوطني

 

 الدكتور سمير ساسي (باحث وصحفي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك