القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

البرامج الاقتصادية والاجتماعية لحكومات التكليف، من حكومة الإنجاز  الى حكومة الوضوح وإعادة الثقة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-02-10 14:22:00 | 285 مشاهدة

ملخص

إن المتأمل في مسار التكليف بتشكيل الحكومة في تونس، يلاحظ حجم الضغط المسلط من طرف الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية على من تمّ تكليفه بذلك. فهو مطالب في غضون شهرين على أقصى تقدير الى توسيع قاعدة الائتلاف الحكومي الذي يريد تشكيله حتى يستطيع المرور من البرلمان وتمرير الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية عبره. فيقع التركيز أساسا على الجانب السياسي  ولا يبقى من الوقت الكافي لإعداد مضمون جيّد للبرنامج الاقتصادي والاجتماعي لحكومة التكليف. كما أن سوء اختيار التوقيت المناسب للانتخابات التشريعية في وقت يناقش فيه الأحزاب الممثلة في البرلمان أهم وثيقة اقتصادية للبلاد، وهي قانون المالية وميزانية الدولة للسنة المقبلة، تقترحها حكومة منتهية الصلوحية للمصادقة عليها في البرلمان من طرف نواب يعيشون في عمق الحملة الانتخابية للمرحلة المقبلة وكل اهتمامهم مركّز على تثبيت مقعدهم في البرلمان. عندها يجد رئيس الحكومة المكلّف نفسه في مواجهة تحديات وخيارات اقتصادية فرضتها الحكومة التي سبقته وضمّنتها في قانون المالية للسنة المقبلة واشتراطات الأحزاب السياسية على احترام خياراتها السياسية والاقتصادية المضمنة في برامجها الانتخابية. إكراهات عديدة أمام رئيس حكومة التكليف تجعل من البرنامج الاقتصادي والاجتماعي له لا يرتقي الى ما يصبو إليه.

مقدمة:

إثر فوز حزب حركة النهضة في الانتخابات التشريعية لسنة 2019، كلّف رئيس الجمهورية الحزب الأغلب في البرلمان التونسي باقتراح رئيس الحكومة للخمس سنوات القادمة حسب مقتضيات الدستور. وقد اختارت حركة النهضة السيد الحبيب الجملي بعد انتخابات داخلية ديمقراطية لمجلس شوراها حيث تسلّم رئيس الحكومة المقترح رسالة التكليف يوم 15 نوفمبر 2019 ليعقد إثر ذلك سلسلة من المشاورات مع الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية والكفاءات من عديد الاختصاصات. وكان الهدف من اقتراح السيد الحبيب الجملي، والذي لا يعرف عنه انخراطا في الشأن السياسي، تكوين حكومة كفاءات سياسية يكون رئيسها على نفس المسافة مع كل الأحزاب. ومع نهاية الشهر الأول للتكليف، أعلنت ثلاثة أحزاب رئيسية (التيار الديمقراطي، حركة الشعب و تحيا تونس) انسحابها من المشاورات ليعلن الجملي، إثر ذلك، قراره صرف النظر عن مشروع الحكومة الائتلافية والانطلاق في تشكيل فريق حكومي من الكفاءات غير المتحزبة أطلق عليها "حكومة الانجاز" وأعلن عن برنامجها لاقتصادي والاجتماعي والذي يقوم على عشرة محاور كبرى. إلا أن فشل حكومة الانجاز  في نيل ثقة البرلمان، اقتضى من رئيس الجمهورية تعيين الشخصية الأقدر على تشكيل الحكومة القادمة. وقد وقع الاختيار على السيد إلياس الفخفاخ بتكليف من رئيس الجمهورية يوم 20 جانفي 2020 لينطلق في مشاورات جديدة مع الأحزاب السياسية لتكوين حكومة ائتلافية. وفي ندوة صحفية بتاريخ 31 جانفي 2020 أعلن السيد إلياس الفخفاخ عن جملة من الأسس والمبادئ لبرنامج اقتصادي واجتماعي تتفق حوله الأحزاب والكتل البرلمانية المتعاقدة على الائتلاف معه.

 

1/ تحديات اقتصادية ومالية كبيرة  تنتظر الحكومة القادمة:

لم تكن الحصيلة الاقتصادية لحكومة تصريف الأعمال في مستوى الآمال المعلقة عليها من طرف الأحزاب المكونة لها ولا حتى من طرف المؤسسات المالية الدولية المانحة. وبالرغم من الظروف الملائمة من موسم سياحي متميّز و إنتاج فلاحي مرتفع وزيادات متكررة في موازنات الدولة بمبالغ مالية كبيرة قدّرت ب17.7 مليار دينار خلال الثلاث سنوات الماضية، فقد انحدر النمو الاقتصادي لمستوى ضعيف 1% خلال سنة 2019 . ولم تنزل نسبة البطالة تحت سقف 15% منذ 2013 واتسعت الهوة بين الجهات المرفّهة والجهات المهمّشة وتراجعت القدرة الشرائية للمواطن التونسي بصورة ملحوظة وضعفت القدرة التنافسية للمؤسسة التونسية في الأسواق الخارجية. وارتفع حجم الدين العمومي إلى 86.2 مليار دينار لم نجد له انعكاسا اقتصاديا يذكر وهو ما دعا الممثل القار للبنك الدولي في تونس السيد طوني فيرهيجن في حوار له بتاريخ 28 نوفمبر 2019 إلى القول أن تونس تحصلت من البنك الدولي على 4.6 مليار دولار منها 2.8 مليار دولار كدعم لميزانية الدولة و 1.8 مليار دولار لتمويل المشاريع الاستثمارية ولكن النتائج كانت مخيبة للآمال، فالمؤسسات العمومية لا تزال تعيش مشاكل مالية والدولة لا تزال عاجزة على تحويل الأموال المرصودة إلى مشاريع حقيقية. وبالرغم من صعوبة المرحلة القادمة والتي تتطلب مزيدا من التحكم في نفقات الدولة، فقد لجأت حكومة تصريف الأعمال إلى الترفيع في ميزانية الدولة لسنة 2020 بأكثر من 6 مليار دينار مقارنة بقانون المالية لسنة 2019 منها 8.8 مليار دينار متأتية من الاقتراض الخارجي وهو ما يمثل 19% من حجم موازنة الدولة. لكن تواصل هشاشة الوضع السياسي وانعدام الثقة بين الأحزاب السياسية لم يمكّن من تشكيل الحكومة الأولى للسيد الحبيب الجملي وزاد من الشكوك في إمكانية تشكيل الحكومة الثانية للسيد إلياس الخفاخ.  وأمام استحالة التفاوض مع حكومة تصريف أعمال استقال أغلب أعضائها، علّق صندوق النقد الدولي القسط السادس والسابع من القرض الائتماني بقيمة 1.2 مليار دولار وهو ما يقارب 38% من احتياجات تونس للاقتراض الخارجي لهذه السنة.

 

2/ سقف مرتفع لانتظارات عموم الشعب:

 

علاوة على صعوبة تعبئة الموارد الخارجية لدعم ميزانية الدولة، فإن الشعب التونسي ينتظر من الحكومة القادمة دعم قدرته الشرائية وتوفير فرص الشغل لأبنائه من العاطلين عن العمل وهو ما وقعت ملامسته من خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية للسنة الفارطة. فقد اتخذ الشعب التونسي في انتخابات سنة 2019 موقفا عقابيا من المنظومة الحاكمة وخاصة من الحزب الحاكم "تحيا تونس" واتجهت أصوات الناخبين إلى أحزاب جديدة بحثا عن بدائل أخرى تعوضهم عن إخفاقات المنظومة الحاكمة. فاستطاع حزب "قلب تونس" أن يحصل على المرتبة الثانية بعناوين مساعدة الفقراء والمحتاجين وتمكّنت عبير موسي من إحراز مرتبة متقدمة في الانتخابات التشريعية وهي التي تمثل عبر حزبها "الدستوري الحر" منظومة الاستبداد التي اكتوى الشعب التونسي بنارها خلال أكثر من عقدين من الزمن واستطاع  أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد من الفوز بثقة الشعب التونسي لرئاسة البلاد في المرحلة القادمة باقترابه من الناس وببساطته وتعففه. وينتظر الشعب التونسي تشكيل حكومة قادرة على فهم مفردات رسائله الانتخابية الأخيرة وترجمتها إلى حلول اقتصادية توفّر له المتطلبات الضرورية للعيش الكريم ولن يكون منسوب الصبر على هذه الحكومة كسابقاتها من الحكومات المتعاقبة بعد الثورة بعد أن تراجعت أغلب المؤشرات الاجتماعية من نسب بطالة عالية ومقدرة شرائية متهرئة ونسب فقر عالية جعل من البنك الدولي يصنف تونس كأفقر بلد في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط لهذه السنة.

 

3/ برنامج حكومة الانجاز:  نسخة مطورة لمشروع وثيقة التعاقد:

بالرغم من استقلالية رئيس الحكومة المكلف السيد الحبيب الجملي، فقد خيّر في البداية تشكيل حكومة متكونة من الأحزاب "الثورية" وهي أحزاب النهضة والتيار الديمقراطي والشعب وإتلاف الكرامة، إضافة إلى حزب تحيا تونس. لكن مع انسحاب ثلاث أحزاب من بين الأحزاب الخمس وهي التيار والشعب وتحيا تونس، لم يتمكّن رئيس الحكومة المكلف من الواصلة في نفس المسار وخيّر المضي نحو حكومة كفاءات مستقلة وغير متحزبة. لكن البرنامج الاقتصادي والاجتماعي بقي وفيّا إلى مضمون وثيقة التعاقد للحكومة الذي اقترحتها عليه حركة النهضة وتمّ إثرائها بملاحظات الأحزاب السياسية التي شاركت في بداية المسار والكفاءات الوطنية المكوّنة لحكومته.

وقد اختار رئيس الحكومة المكلف "الانجاز" عنوانا لبرنامجه و ألزم نفسه وحكومته بعشرة مبادئ أساسية وإحدى عشر هدفا مضمّنة حول عشرة محاور كبرى :

  1. مكافحة الفساد وتعزيز الأمن وتطوير الحوكمة (25 إجراء عاجل و24 إجراء آجل)
  2. دفع نسق الاستثمار والنمو والتشغيل (18 إجراء عاجل و32 إجراء آجل)
  3. مقاومة الفقر ودعم الفئات الهشة ومتوسطة الدخل (10 إجراءات عاجلة و5 إجراءات آجلة)
  4. دفع مردودية مختلف القطاعات والمصالح وترسيخ ثقافة العمل والتفاني من أجل الصالح العام (2 إجراء آجل)
  5. تطوير الصحة والتعليم والمرافق العمومية الأخرى ورقمنتها وتعزيز مقومات رأس المال البشري (9 إجراء عاجل و13 إجراء آجل)
  6. دعم السيادة الوطنية على مراكز الثروة وإعادتها الى سالف نشاطها (إجراء وحيد آجل)
  7. استكمال إرساء الهيئات الدستورية وتركيز الحكم المحلي (8 إجراءات آجلة)
  8. اتخاذ ما يلزم من إجراءات وتدابير لمقاومة التهريب والاحتكار وغلاء الأسعار (7 إجراءات عاجلة وإجراء وحيد آجل)
  9. ترشيد توريد المواد الاستهلاكية ودعم التصدير (2 إجراء آجل)
  10. العمل على التحكم في المديونية  واتخاذ ما يلزم من إجراءات لتخفيضها تدريجيا إلى مستويات معقولة. (3 إجراءات آجلة)

وفي قراءة سريعة للمحاور العشرة المكونة لبرنامج حكومة الانجاز للسيد الحبيب الجملي يلاحظ أن هذا الأخير لم يخرج من جبة الوثيقة التعاقدية التي اقترحتها حركة النهضة تحت عنوان "مشروع وثيقة تعاقد للحكومة" وهي ملخص لأهم النقاط الواردة في برنامجها الانتخابي لتشريعية 2019. وقد تضمنت وثيقة حركة النهضة على خمس نقاط أساسية وهي مكافحة الفساد وتعزيز الأمن وتطوير الحوكمة، وهو المحور الأول في برنامج السيد الحبيب الجملي، ومقاومة الفقر ودعم الفئات الهشة ومتوسطة الدخل (المحور الثالث في برنامج الجملي) وتطوير التعليم والصحة والمرافق العمومية (المحور الخامس من برنامج الجملي) والنهوض بنسق الاستثمار والنمو والتشغيل  (المحور الثاني لبرنامج الجملي) واستكمال مؤسسات الدولة وتركيز الحكم المحلي (المحور السابع من برنامج الجملي).

إضافة الى الخمس محاور المضمّنة للوثيقة التعاقدية التي اقترحتها حركة النهضة، فإن فريق الخبراء الذي شكله السيد الحبيب الجملي أضاف خمس محاور أخرى من بينها أربع محاور لا تتضمن أي إجراء على المدى القصير وهي المحور الرابع و السادس والتاسع  والعاشر ويبقى المحور الثامن المتعلق بمقاومة التهريب والاحتكار وغلاء الأسعار تكرارا للمحور الثالث المتعلق بمقاومة الفقر ودعم الفئات الهشة ومتوسطة الدخل. أمّا المحور التاسع والعاشر فلا يمكن فصل الواحد على الآخر بما أن التقليص من العجز التجاري يعني بالضرورة التقليص في المديونية.

 

4 / برنامج حكومة الوضوح وإعادة الثقة، صياغة أخرى لبرنامج الإنجاز :

بغض النظر عن تطابق عنوان برنامج السيد إلياس الفخفاخ مع مضمونه، يتعهد السيد إلياس الفخفاخ في برنامجه على استكمال بناء مؤسسات الدولة وأخلقة الحياة السياسية والانتقال إلى دولة مسؤولة اجتماعيا وآمنة تضمن العدل والإنصاف والى اقتصاد ناجع وذي قيمة مضافة عالية والعمل على الرفع من الصورة الاعتبارية لتونس إقليميا ودوليا. وتعتمد منهجية البرنامج على نسقين متوازيين يقسم الأولويات إلى عاجلة وآجلة.

وتتمحور الأولويات العاجلة حول الست النقاط التالية :

  1. استرجاع الأمن والطمأنينة للمواطن في حياته اليومية بالتصدي لكل مظاهر الإجرام
  2. تحسين القدرة الشرائية والتحكم في الأسعار عبر السيطرة على مسالك التوزيع ومقاومة الاحتكار والتهريب
  3. إنعاش الاقتصاد باعتماد إجراءات عاجلة تهم الأصناف الثلاث من المؤسسات (المهن، المؤسسات الصغرى والمتوسطة والمؤسسات الكبرى
  4. تفعيل الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد
  5. تعبئة الموارد المالية الضرورية للدولة لسنة 2020
  6. اعتماد حل سياسي نموذجي لتجاوز أزمة الحوض المنجمي واستعادة الإنتاج المستدام للفسفاط في توافق مع حاجيات المنطقة.

كما تتلخص الأولويات الآجلة في سبع مشاريع وطنية وهي كالآتي :

  • المشروع الوطني الأول : برنامج هيكلي لإصلاح الدولة واستكمال بناء اللامركزية لملاءمتها مع الدستور
  • المشروع الوطني الثاني : إصلاح منظومة التربية والتعليم العمومي
  • المشروع الوطني الثالث : إصلاح الصحة العمومية
  • المشروع الوطني الرابع : إصلاح المنظومة الفلاحية من خلال مقاربة شاملة للبعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والأمني للفلاحة
  • المشروع الوطني الخامس : إنجاز النقلة الرقمية
  • المشروع الوطني السادس : إنجاز النقلة الطاقية
  • المشروع الوطني السابع : إندماج طوعي ومعزز داخل قارتنا الإفريقية.

 

5/ إشكال من حيث المنهجية المتبعة في البرنامجين:

من حيث المنهجية العلمية، يفتقر برنامج السيد الجملي والسيد الفخفاخ إلى تشخيص الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد أو بما اتفق على تسميته بمصارحة الشعب التونسي بالوضعية الاقتصادية والاجتماعية ورصد الإشكالات الحقيقة الظرفية والهيكلية للبلاد ومن ثمّ تكون الإجراءات المقدّمة في البرنامجين حلولا تمكّن من تجاوز الإشكالات المطروحة. وخلافا لما قدّم من طرف المكلفان بتشكيل الحكومة، عادة ما تسبق الرؤية الاقتصادية والاجتماعية البرنامج الاقتصادي والاجتماعي ليكون هذا الأخير تنزيلا زمنيا لها على المدى القصير وعلى المدى المتوسط والبعيد. لكن ما نلاحظه في البرنامجين المقدّمين، أن رئيس الحكومة المكلف يتعهد في إطار برنامجه الاقتصادي والاجتماعي بتكوين لجنة تتكفل بإعداد الرؤية، وبهذه الطريقة، يكون البرنامج المقدّم بدون رؤية تأطره على أن تتولى اللجنة التي سيكونها الرئيس المكلف البحث عن رؤية تتناسق مع البرنامج المقدّم وهو ما لا يتوافق مع المنطق الاقتصادي. كما لا يتضمن برنامج السيد الجملي ولا برنامج السيد الفخفاخ على أهداف مرقّمة لأهم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في أفق 2025 حتى نتبيّن إن كانت الحلول الاقتصادية المقترحة تمكّن من بلوغ هاته الأهداف، وما قدّم في البرنامجين لا يعدو أن يكون إلاّ إعلان حسن نوايا.

 

 

6/ إشكالات حقيقية لم تتطرق لها برامج السيدان الجملي والفخفاخ:

علاوة على صعوبة الأوضاع المالية التي تشهدها تونس خلال هذه الأيام، من ضرورة تعبئة موارد خارجية بقيمة 8.8 مليار دينار مبرمجة في ميزانية الدولة لهذه السنة، وتعليق صندوق النقد الدولي للقسط السادس والسابع للقرض الائتماني بمبلغ يقدر ب3.5 مليار دينار وهو ما يمثّل 40% من احتياجات تونس من القروض الخارجية، فإن التفاوض مع الصندوق حول هذه الأقساط يتطلب مراجعة لأسعار المحروقات نحو الترفيع وهو ما سيسرّع في وتيرة التضخم المالي ويزيد في تدهور المقدرة الشرائية والحال أن الحكومة القادمة مطالبة بالاستجابة إلى الرسائل الانتخابية للشعب التونسي خلال الانتخابات التشريعية. هذا الإشكال الحقيقي لم يتطرق له برنامج الإنجاز للجملي ولا برنامج الوضوح وإعادة الثقة للفخفاخ خاصة وأن اتفاق الصندوق الممدّد ينتهي في أواخر شهر أفريل 2020 ممّا سيتطلب من الحكومة القادمة الجلوس مع الصندوق على طاولة التفاوض من جديد. الحكومة القادمة ستجد نفسها بين مطرقة وجوب تعبئة الموارد الخارجية الضرورية لتمويل موازنة الدولة وسندان المطالب الاجتماعية المنتظرة وهو ما يتطلب حسن التفاوض على جودة السياسات الاقتصادية التي يقترحها الصندوق.

ويبقى موضوع الأسعار والمقدرة الشرائية التحدي الأكبر للحكومة القادمة، لكن الحلول المقدمة في البرنامجين لم تتطرق إلى أهم الأسباب التي أسهمت في ارتفاع الأسعار وتدني المقدرة الشرائية وهي السياسة المرنة لسعر الصرف والتي أدت الى تراجع في قيمة الدينار التونسي ورفّعت في كلفة المؤسسات الاقتصادية من تجهيزات ومواد أولية مورّدة وكذلك السياسة النقدية الحذرة وما رافقها من زيادات متكررة لنسب الفائدة المديرية، وهي الأخرى تكلفة إضافية للمستثمر الذي يريد أن يموّل مشاريعه عبر القروض البنكية.

كما لم يتطرق كلا البرنامجين إلى حلول واضحة لإدماج القطاع الموازي في المسالك المنظمة تأخذ بعين الاعتبار في الآن نفسه الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي وهو القطاع الذي يشغّل عدد لا باس به من الشباب التونسي خاصة في المناطق الحدودية للبلاد التونسية. ولم يتطرق البرنامجين إلى مسألة إدماج قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني حتى وإن وقع التلميح له في برنامج الجملي بصفة عرضية لمّا وصف المنوال الاقتصادي الذي ينوي بناءه بمنوال اقتصاد السوق الاجتماعي والتضامني.

 

خاتمة:

عندما تتوفر الإرادة السياسية وتتوفّق الأحزاب والمنظمات الوطنية في إيجاد صيغة توافقية تجعل من البرامج والرؤى الاقتصادية والاجتماعية التي تتوافق حولها قيمة ثابتة تخضع لها كل الحكومات المتعاقبة وتنفّذها، عندها يمكن الحديث عن إمكانية تأمين المسار الديمقراطي وبناء الديمقراطية مع التنمية. لكن عندما تتغيّر الرؤى والمخططات بتغيير أصحابها أو باختلاف على نقاط سياسية بحتة كما حدث مع وثيقة قرطاج 2، عندما توفقت تسع أطراف مشاركة على 63 نقطة اقتصادية واجتماعية واختلفت حول النقطة 64 والمتعلقة ببقاء السيد يوسف الشاهد على رأس الحكومة آنذاك، عندها تتسع الهوة بين المسار السياسي والمسار الاقتصادي والاجتماعي وتهدد المسار الانتقالي برمّته وهو ما لا نتمناه لتونس الغد. على رئيس الحكومة المكلف أن يتّسم بالشجاعة والجرأة في طرح الإشكالات الحقيقية للمرحلة القادمة والتي أدّت إلى تدهور جل مؤشرات الاقتصاد الحقيقي ولعل من بينها السياسات الاقتصادية التي أمضتها حكومة تصريف الأعمال مع صندوق النقد الدولي والتي أرهقت القدرة الشرائية للمواطن التونسي ودفعته إلى الهجرة خارج حدود الوطن وأفقدت للمؤسسة الاقتصادية قدرتها التنافسية وهو ما أدى إلى تراجع حصصها في السوق الخارجية ومسّت من السيادة الوطنية للدولة حيث أصبحت تعيش في دوامة مفرغة من التداين الخارجي.

 

رضا الشكندالي  (أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك