القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الانتخابات في تونس وسؤال الحكم والمعارضة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-11-14 14:07:00 | 259 مشاهدة

ملخص:

 يجمع الملاحظون أن البلاد اليوم تعيش حالة ديمقراطية فريدة ورائدة في محيط إقليمي تتعثر فيه مسارات التغيير والثورة مع تتالي النجاحات في الاستحقاقات الانتخابية وما تكرس من آليات مساعدة على التداول السلمي على السلطة ورغم ذلك تبقى هذه النجاحات المضطردة نسبية بالنظر إلى ما يختفي وراءها من أزمة اقتصادية واجتماعية ناتجة عن تعثر مسار الإصلاحات من جهة وتفشي البطالة وتفاقم التضخم من جهة أخرى مما جعل البلاد ترزح تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة أدت إلى ارتفاع أسعار السلع وتراجع قيمة الدينار مما فاقم الأزمات المعيشية للمواطنين التواقين الى التغيير ومعانقة الرفاه. وقد بدا واضحا أن الانتخابات الأخيرة وإن أعادت الاعتبار إلى الأحزاب المتبنية لمضامين الثورة فإن تنامي نزعات الهروب نحو المعارضة من طرف طيف واسع من هذه الأحزاب الفائزة تطرح عديد الأسئلة حول الحكم والمعارضة في مرحلة مهمة من تاريخ تونس لا تحتمل الحياد او الوقوف على الربوة فكل التحالفات والتفاهمات السياسية بين الأحزاب ممكنة نظريا لكن الحسابات الضيقة وتنامي خطابات التشنج والمخاتلة ربما تزيد من تعقيد الأوضاع وتبتعد بنا عن مسارات الحل الكامنة في خيارات تتجاوز الخلافات الجوهرية القائمة بين الأحزاب والقادرة على صياغة خارطة طريق للحكومة المقبلة تتضمن برنامجا متكاملا يؤسس لشراكة وطنية جامعة لأكبر عدد من الفعاليات السياسية المؤمنة بالإصلاح والثورة على أساس الثقة والالتزام بقضايا الوطن الأساسية.

مقدمة:

يثير موضوع التداول على السلطة في تونس عديد الإشكاليات التي ينبغي تناولها بالتحليل والدراسة نظرا لما آلت اليه الأوضاع السياسة في تونس بعد تواتر المحطات الانتخابية وتطور النصوص الدستورية والتشريعية المنظمة لانتقال السلطة وعلى رأسها دستور الثورة التونسية الذي به تتولى النخب السياسية بذل الجهد من أجل حسن تنزيل آليات انتقال السلطة وتوزيعها بين الفاعلين السياسيين طبقا لنتائج الصندوق وما افرزته الانتخابات من توازنات فرضتها إرادة الشعب وقررها ضمير المواطن توقا للتغيير وأملا في النهوض بالبلاد والرقي بأوضاعها إلى أعلى المراتب الممكنة.

     ويعود مبدأ التداول السلمي على السلطة إلى صميم منظومة الديمقراطية ويمثل عمادها وأبرز ركائزها التي بها تتحقق الترجمة الحقيقية والواقعية للإرادة الشعبية الحرة وكل مس من سلامة مسارها  أو تلاعب بآلياتها سيهدد مفهوم الديمقراطية في جوهرها ويطعن في صدقيتها ويجعلها منها مجرد أداة صورية للتغطية على حسابات جانبية أخرى لا تلامس مشاغل الشعب ولا تعبأ بتحديات المرحلة بل ربما ترتهن الى مجموعة من الحسابات اللقيطة الأخرى الداخلية والخارجية وخاصة المتربصة منها بمسار الثورة والتغيير الذي يعود بنا إلى مربعات الشبهة والفساد  وغياب الشفافية.

     وقد تضطر أغلب الحكومات في النظام البرلماني إلى تشكيل ائتلافات وتحالفات نظرا لصعوبة حصول حزب واحد على أغلبية مقاعد البرلمان خاصة في نظام انتخابي كالذي نعتمده في تونس والذي يجعل من البرلمان لوحة فسيفسائية متعددة الألوان ومختلفة المشارب تجبر الأحزاب وخاصة المخول لها قانونيا ودستوريا  تشكيل الحكومة على الدخول في مفاوضات صعبة ومضنية محفوفة بإشكالات التعارض الكبير في  البرامج والتوجهات من أجل الوصول إلى قواسم مشتركة ونقاط التقاء تسهل تشكيل الحكومة وتمكن من تجاوز عقبة التشتت بالاحتكام الى قواعد واضحة في أسرع الأوقات الممكنة وفي الآجال المعقولة والتفرغ بجدية إلى الاشتغال على إيجاد الحلول اللازمة لمشاغل المواطنين وتحديات المرحلة.

      وفي هذا السياق يفسح المجال لطرح الأسئلة الحارقة خاصة مع بروز نزعة الجنوح الى مربع المعارضة لدى كثير من الأحزاب المشكلة للمشهد النيابي الجديد بوصفه الطريق الأسلم لتجنب الهزات المرتبطة بحياة سياسية غير مستقرة بفعل حداثة التجربة وعدم رسوخ تقاليد ديمقراطية في الحكم على خلاف ما كان مرتقبا ومتوقعا في إطار تحمل المسؤولية السياسية والأمانة الشعبية عبر تفعيل حالة الوعي والنضج وفسح المجال لعملية سياسية لا إلغاء فيها ولا إقصاء تتميز باحترام الآخر وتؤسس لعلاقة جدية بين القوى الحزبية تسمح باستخدام النقد البناء والحوار حول الحلول والبرامج والانخراط في منظومة حوار موضوعي هادئ يصل إلى نتائج جدية مؤثرة وفاعلة في الميدان وعلى أرض الواقع  في أحسن الآجال  خدمة لمسيرة بناء الوطن والإنسان. فما هو الحد الفاصل بين إكراهات الحكم وتحديات المعارضة في مسيرة البناء والإصلاح والمحافظة على زخم الثورة وألقها؟

1/  الأحزاب التونسية ومحنة الحكم :

  مع فرحة الفوز بالانتخابات وتلاشي مشاعر النشوة بالانتصار تتبدى في الأفق تحديات الحكم الحقيقية فالدولة التونسية التي صمدت أمام رياح الفوضى العاتية واستمرت مؤسساتها ومرافقها وتجاوزت مغبة انهيار النظام برمته بعد أن أقصت الثورة حكاما وفككت  أحزابا وغيّرت نظام حكم إلا أن الدولة ظلت قائمة صامدة أمام ما يتهددها من مخاطر رغم ما أصاب بعض مفاصلها منذ ذلك الحين من وهن لم تتعافى منه بعد وهو يحملنا جميعا على مزيد بذل الوسع من أجل تحصينها من مخاطر التصدع والتفكك واعتبار ذلك من أوكد الأولويات في سياق مسار تقدم فيه البلاد على مرحلة جديدة من تاريخ انتقالها غي كنف الديموقراطية والتداول والوحدة.

ومن دواعي الخوض في هذا المسألة ما آلت إليه حالة الدولة من هشاشة منذ سنة 2011 جراء عوامل عدة من بينها الخلل الذي أصاب الحس المواطني وما صاحبه من قصور من السلطة وعجز على تطبيق القانون ومحاربة الانفلات ومع ظهور لوبيات معاندة تشجع على الفساد والتهريب والجريمة والتطرّف في مشهد أصبح  فيه الإرهـــاب يمثل خطرا جسيما على أمن البلاد واستقرارها رغم ما أبدته المؤسسات العسكرية والأمنية من تعاف في مواجهة هذه الظاهرة هذا بالإضافة الى غياب خطط ناجعة وواضحة لإخراج البلاد من نفق أزمتها المالية والاقتصادية المستحكمــة ومعالجة ما نجم عنها من شروخ اجتماعية متفاقمة لا تزيد إلا في تعميق الهوّة بين الدولة والمجتمع.

 وقد واجهت الأحزاب الكبرى في تونس في خضم كل ذلك وخاصة التي شاركت منها في الحكم ما بعد الثورة تحديات جسيمة ساهمت في تفككها أو رحيل زعاماتها أو اندثارها من عموم المشهد فقد تفككت أحزاب كبرى مثل  نداء تونس وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والجبهة الشعبية وحزب التكتل وتناقص الرصيد الانتخابي لأكبر الأحزاب المؤتمنة على مسار الانتقال الديموقراطي ممثلا في حركة النهضة جراء هذه الهزات رغم تصدره قيادة الاحزاب في المحطتين الانتخابيتين البلدية والتشريعية بما يؤكد أن التصدي للحكم حتى وإن كان من باب تحمل المسؤولية الوطنية ربما تكون له تكلفته الباهظة على مسارها رغم ما يظهر للعيان من اصطفاف متين وراء مؤسس الحركة الشيخ راشد الغنوشي الذي ظل يرمز للشخصية التوافقية الجامعة لأعضاء الحركة التي تبدو منصهرة في رؤية واحدة وموحدة رغم الهزات والأعباء والمكاره.

والجدير بالملاحظة من خلال كل ما تقدم أن كل عمليات سبر الآراء وحتى التحقيقات الميدانية توكد بأن عامة التونسيين لا ينظرون إلى الساحة السياسية بمنظار النخب والمختصين القائم على الفرز الفكري والإيديولوجي فهم لا يميزون كثيرا بين من بوأ لنفسه مكانة في الحكم وبين من تخندق في صف المعارضة فالكل عندهم سواء وكل يتحمل جانبا من الفشل وسوء الأحوال  وبالتالي فالكل عندهم مسؤول وهم في سلة واحدة حتى وإن تنصل المتنصلون وراوغ المراوغون ممن احترفوا السب واللعن وكيل الاتهامات للخصوم ودس السم في الدسم من خلال الإفراط في رفع الشعارات الجوفاء وممارسة الطقوس الشعبوية العصية على التحقيق والتنفيذ والتي لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تترجم على أرض الواقع  خبزا وماء ورخاء يطعم الناس من جوع وتؤمنهم من خوف.

2/ المعارضة التونسية وسياسة الهروب إلى الأمام:

تعتبر المعارضة السياسية أحد الأركان المهمة في تطور المجتمعات ومقياسا لدرجات التقدم فيها وهي في مفهومها السياسي معنية بطرح برامج سياسية واجتماعية وثقافية لفائدة المجتمع تكون بديلا عن برامج الأغلبية الحاكمة ومسؤولة كذلك على تحسين صياغة الأسس الواقعية للتنافس النزيه بين الفعاليات المختلفة في مجال إنتاج الأفكار وتقديم الحلول الممكنة لجملة الاشكاليات المطروحة والحارقة في إطار مواقف وطنية قادرة على تحقيق التنمية الاقتصادية والثقافية والفكرية. ومن هذا المنطلق فإن المعارضة تقوم بالنقد وتفعيل الإمكانيات القادرة على تحقيق التطوير والتطور وبذلك يتحول العمل السياسي في صيغة المعارضة الى منافسة شريفة هدفها الأساسي الرفع من شأن الوطن والمواطنين في كنف المنافسة الجادة التي تكون فيها الغلبة حتما للفكرة المفيدة وللمشروع العملي.

كما تضطلع المعارضة بدورا هام في مجالات الرقابة على أداء السلطة مادامت الأخيرة غير معصومة عن الخطإ والتجاوز وبه تكون هذه الأخيرة مبصرة مميزة تسهم في كبح جماح الجهات الحاكمة ومنع جنوحها نحو التجاوزات عبر الضغط الجماهيري والسياسي والسعي بالتوازي لكل ذلك إلى التغيير عبر الوسائل السلمية والديمقراطية على قاعدة أن المعارضة تساهم في وجهها الآخر في تخفيف الاحتقان السياسي والاجتماعي وتساعد على خدمة الوطن والمواطن وبه تكون المعارضة إيجابية بناءة ومستأمنة على الأمن ومصغية لمظاهر القلق المتنامي في المجتمع والذي يمس كل الشرائح والفئات عبر تزايد الإحساس بعدم قدرة النخب السياسية على تغيير الواقع المتردي واحداث الطفرة المرجوة خاصة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

كل هذه المقدمات لا ننفي الخلل الواضح في المنظومة الحزبية التونسية في عمومها من خلال ما بات يعرف بـالسياحة الحزبية أو الانتقال من حزب لآخر لا على أساس القناعات والمواقف بل على أساس المصالح والمغانم الآنية الضيقة هذا من جهة ومن خلال تفشي بعض المفاهيم الانتهازية المتعلقة بتقديم الفوز في الانتخابات على الحكم وما يقتضيه من تنازلات وميل الى شق التوافقات القادرة على تقريب وجهات النظر من خلال الحوار البناء  البعيد عن خطابات التشنج والمخاتلة أو القائم على تخوين الآخر أو تقزيمه أو ترذيله وذلك في سعي دؤوب للمصالحة التامة مع سياقات الأمل والانتصار لحالة الوعي الجديدة التي أنارت شعلة الثورة من جديد أملا في الإصلاح والتغيير وقطعا مع مظاهر الردة والفساد والحنين لعهود الظلم والاستبداد.

ويذكر التونسيون والأحزاب تاريخا فارقا في أوساط المعارضة مثل عنوانا للحظة من التوحد في مواجهة الاستبداد حينما كان المناضلون  بكل اختلافاتهم السياسية والفكرية يدا واحدة في مواجهة القمع من أجل افتكاك الحقوق والحريات والذي انتهى بتشكيل هيئـــــة 18 أكتوبر للحقوق والحريات التي شكلت  إطارا سياسيا جمع الإسلامي باليساري بالعروبي، ومثلت لحظة فريدة في العمل السياسي المشترك بين مختلف أطياف المعارضة ساهمت في تعبيد الطريق بعد الثورة للتوافق بين الفرقاء السياسيين في صياغة دستور 2014 وبه يمكن أن نهتدي اليوم أمام صعوبة ما أفرزته الانتخابات الى مسارات الحل في تونس  عبر تجاوز الخلافات القائمة بين الأحزاب وصياغة خارطة طريق للحكومة المقبلة تتضمن برنامجا متكاملا يشمل محاور أساسية منها استكمال مؤسسات الدولة، وتركيز الحكم المحلّي ومكافحة الفساد وتعزيز الأمن وتطوير الحوكمة ومقاومة الفقر ودعم الفئات الفقيرة والمهمشة بوصفها مشتركا جامعا ومشغلا وطنيا يبتعد بنا عن التجاذب ويخرجنا من مأزق الخلافات التي لا حل لها.

3/ من أجل عقد اجتماعي وسياسي:

أفرزت صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية الاخيرة مشهدًا سياسيا مشتتا يصعب من خلاله المضي في تشييد مشهد موحد ومتماسك في غياب مشروع وثيقة تعاقد لحكومة ائتلافية يتضمن برنامجا متكاملا يحدد الأولويات ويكون قادرا على قراءة المرحلة قراءة واقعية تتماشى ومستوى الوعي السائد الساعي إلى تقوية روح المواطنة وتحفيز المواطنين على اختلاف مواقعهم على العمل على إشاعة قيم التكافل الاجتماعي الذي من شأنه أن يحول دون وقوع الصدامات الاجتماعية التي عصفت بمجتمعات كثيرة ويكون فيها المواطن جزءا من الدولة بمفهومها القانوني والاجتماعي والأنثروبولوجي يتقاسم فيها كل أفراد المجتمع الأدوار الفاعلة في بناء الحياة الاجتماعية والكف عن إلقاء المسؤولية على كاهل الدولة أو أطراف بعينها والتمادي في السلوك السلبي ووضع حد للخصومات السياسية القائمة على  النرجسية والشوفينية السياسية التي تجعل نل فصيل سياسي ينظر إلى غيره من الشركاء على أنهم رأس كل المشكلات السياسية في البلاد وأنه والوحيد من يملك الحلول السحرية للتغيير والخلاص.

      إن من مقتضيات هذا العقد السياسي وقف حملات الإساءة إلى رموز الدولة ومؤسساتها والكف عن رفع الشعارات الشعبوية وما يصاحبها من مظاهر التراشق السياسي والنفخ في الخلافات السياسية عوض العمل على تجاوزها وتضييق دائرتها والابتعاد كذلك عن الديماغوجيا السياسية التي يعيد أصحابها في كل مرة الأسطوانات القديمة التي تقحم المجتمع في مواجهات لا نهاية لها تؤسس للرؤى الاقصائية والطائفية التي تهدد وحدة المجتمع وتنخر بناءه المتين في الوقت الدي يحتاج فيه الجميع  إلى توافقات سياسية وصيغ تعاقدية على قاعدة الثوابت الوطنية التي لا يقبل الاختلاف في شأنها بأي حال من الأحوال والتي لا يمكن أن تكون عرضة للأخذ والرد إلا بما يصب في خدمتها وتثبيتها في المجتمع وتقوية لبنات مظاهرها ومتطلباتها ويكون كل ذلك مؤطرا بمرجعية قانونية وأخلاقية تقطع مع منزلقات الاقصاء والانتقام ونزعات الاجتثاث لفئة أو فكرة أو ممارسة في إطار الضمانات التامة لعلوية القانون واحترام الدستور بوصفه الوثيقة السياسية والمجتمعية العليا الجامعة والموحدة لكل أطياف المجتمع.

    وحيث أن النجاحات السياسية التي حققها التونسيون وحظيت بتقدير العالم تبقى رهينة مشروع جدي للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي بوصفه أوكد الأولويات الكفيلة برفع التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني وتخفف من معاناة عموم التونسيات والتونسيين وفي مقدمتهم الفئات الضعيفة والشباب المعطل عبر التعجيل بتنظيم حوار وطني اقتصادي واجتماعي والسعي إلى بناء أسس جديدة للتوافق حول الإصلاحات الكبرى والمتأكدة ويرسم خريطة طريق  واضحة المعالم للتنزيل تتحقق به مسارات الحوكمة الشاملة والرشيدة للملف الاقتصادي والاجتماعي عبر إصلاح وتطوير الإدارة وتبسيط الإجراءات والتقليص من الآجال والحد من التراخيص وتعصيرها، ومزيد اعتماد المنظومات الإعلامية والمعالجات الرقمية ومراجعة منظومة التأجير والانتداب لاستقطاب الكفاءات العليا والخبرات الممّزة والذي يصعب تحقيقه الا بعد النجاح في تصعيد القوى الوطنية الديمقراطية من الطبقة الوسطى القادرة على بناء كتلة تاريخية شعبية جديدة تستوعب الدرس من نتائج الانتخابات وتقدم أجوبة واقعية وعقلانية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها تونس.

   وقد يكون التعاقد على برنامج اقتصادي واجتماعي يمتاز بالعمق والوضوح ويلامس أولويات المرحلة كفيلا بتدليل الصعوبات الحافة بمسار الثورة وييسر تشكيل حكومة وطنية بعيدة عن الهزات ومنطق المحاصصات الجوفاء ويمكن الحزب المكلف دستوريا بتشكيل الحكومة من قطع نصف الطريق الممكنة في انتظار مزيد اتضاح الصورة في ما يتعلق  بمسار الفرز الذي شكل المشهد السياسي في تونس بعد الانتخابات من خلال ما تحدده المسارات المختلفة من تحولات في المواقع والمواقف في سياق سياسي متحول ومتسارع وهو ما سيجعل من  الانتخابات التشريعية الأخيرة محطة مهمة في مسار استكمال المسيرة الديمقراطيّة تكون فيها الكلمة العليا للقوى المنتسبة إلى الثورة ولكن نجاح هذا المسار في المفاوضات سيكون رهين حل الخلافات الجوهرية القائمة بين الأحزاب التي أبدت استعدادًا مبدئيًا على المشاركة في الحكومة، والتي  اقتنعت واتفقت على وضع خارطة طريق للحكومة المقبلة.

 

الخاتمة:

 

    لعل الانتخابات الأخيرة وما أفرزته من نتائج أعطت للأحزاب بحصولها على 86% من مقاعد البرلمان فرصة جديدة لتصدر المشهد السياسي في تونس بعد أن خفت صوت المستقلين رغم طغيان التصويت العقابي للناخب التونسي الذي صعد أحزابا وعبث بأخرى. والواضح أن المحصلة النهائية قد عجزت عن الإتيان بنواب آخرين من خارج المنظومة الحزبية القائمة وأنتجت مجلسا نيابيا متنوعا لا تستطيع من خلاله كتلة نيابية واحدة بمفردها قيادة المشهد من دون توافق أو تحالف أو ائتلاف. وليس غريبا أن يكرس هذا الوضع ما طبع الانتقال الديمقراطي من انفتاح على طيف واسع من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والنخب ذات المشارب المختلفة بمساهمة كبيرة طبعت فلسفة القانون الانتخابي التونسي الذي جرت في ظله الانتخابات ومهد في مرات مختلفة إلى منع تغول طرف بعينه وحال دون استئثار طرف أو تحالف بصناعة أسس المرحلة الانتقالية وبات محتما على جميع القوى الثورية عدم إضاعة الفرصة واستئناف دورها في صنع تاريخ تونس الجديدة واستعادة وهج الثورة في توقها الجدي للحرية والكرامة وتفكيك منظومة الفساد والاستبداد واستبعاد شبح العودة إلى الوراء وهو ما لا يتحقق الا بشيوع حالة من الوعي لدى الطبقة السياسية التونسية بضرورة الانتصار للوطن وهي التي عودتنا على تقديم تنازلات والوصول إلى توافقات خاصة بين الكتل الحزبية القريبة من روح الثورة عبر مفاوضات قد تبدو شاقة لكنها غير مستحيلة ضمن برنامج حكم واضح يستجيب لحاجات الناس الحارقة ويؤسس لمرحلة حكم جديدة تسعى إلى مكافحة الفساد وتعزيز الأمن وتطوير الحوكمة ومقاومة الفقر وتدعم الفئات الهشة ومتوسطة الدخل وتطور التعليم والصحة والمرافق العمومية وتنهض بنسق الاستثمار والنمو والتشغيل وتسعى إلى حماية وتفعيل المسار الانتقالي والتركيز الفعلي لآليات الحكم المحلي.

 

عبد الباسط الشايب (باحث وإعلامي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك