القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الانتخابات الرئاسية الاستثنائية :سؤال الديمقراطية التونسية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-08-23 14:17:00 | 147 مشاهدة

ملخص

نبحث في هذا المقال سؤال الديمقراطية التونسية من خلال محطة انتخابية استثنائية بأتم ما في الكلمة من معنى هي الانتخابات الرئاسية إذ هي استثنائية بالمعنى القانوني والدستوري تأتي بعد وفاة الرئيس المباشر قبل انتهاء ولايته  وهي استثنائية من حيث تغير المشهد السياسي  ومن جهة المترشحين المتنافسين ،ونطرح السؤال التالي هل انطلق قطار تغيير المشهد السياسي في تونس بانتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة ؟أم أن حديث التغيير سابق لأوانه ؟ وما هي مبررات الموقفين ؟

مقدمة

حددت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس موعد الخامس عشر من سبتمبر المقبل لإجراء الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية الاستثنائية ،وهي استثنائية بحكم أنها تأتي بعد وفاة الرئيس المباشر الباجي قائد السبسي  قبل نهاية ولايته  وتولي رئيس مجلس النواب محمد الناصر مهمة القائم بأعمال الرئاسة إلى حين اجراء الانتخابات في أجل لا يتجاوز التسعين يوما من بأداء اليمين للرئيس المؤقت . ويعد قرار الهيئة خطوة جريئة تضاف إلى الخطوة الأهم التي شهدتها تونس في الآونة الأخيرة وهي سرعة نقل السلطة بعد معاينة الفراغ في منصب رئيس الجمهورية وفقا للدستور رغم غياب المحكمة الدستورية ،وهي خطوات تعزز الثقة في المسار الديمقراطي في تونس حسب ظاهر الأشياء ما لم يحدث تطور جوهري في الاتجاه المعاكس. ونحاول في هذا المقال رصد أهم مميزات هذه المحطة الانتخابية  و أثرها على المشهد الحزبي والسياسي ومستقبل العملية الديمقراطية في تونس الثورة

1 / سمات  الانتخابات القادمة:

 

أول سمات هذه المحطة الانتخابية الرئاسية أنها كما ذكرنا انتخابات استثنائية بالمعنى الدستوري جاءت عقب وفاة الرئيس المباشر قبل نهاية ولايته بما أحدث فراغا دائما في منصب رئاسة الجمهورية.  أنها تسبق الانتخابات التشريعية المقررة في اكتوبر المقبل خلافا لما جرت عليه العادة في المحطات السابقة وخلافا لما كان مقررا أصلا في الموعد العادي قبل أن وفاة الرئيس الباجي وهو ما من شأنه أن يزيد من أهميتها في ضبط التحالفات المقبلة  في الانتخابات التشريعية و يعقد من مسار التفاوض بين الأحزاب الكبرى التي ينتظر هيمنتها على المشهد البرلماني في الوقت نفسه ،ذلك أن التحالف في الرئاسيات سيكون مشروطا بتفاهمات مسبقة حول العملية السياسية الخاصة بتشكيل الحكومة  وفي غياب شخصيات ذات حضور قوي وحظوظ وافرة للتنافس على الرئاسة سيكون من العسير على أي حزب من هذه الأحزاب الكبرى تقديم وعد بالمساندة بما يشبه الصك على بياض .

ويرى مراقبون أن الأمر سيكون أكثر تعقيدا بالنسبة لحركة النهضة التي مازالت  لم تغادر مربع الحسابات الدقيقة في علاقتها بمؤسسات الدولة  ،وستكون خيارات حركة النهضة موضوع تحليل في ما يليل من هذا المقال

من السمات الأخرى لهذه الانتخابات  وهي سمة صارت شبه علامة مميزة للمحطات الانتخابية التونسية هي الجرأة التي صارت للتونسيين بصفة عامة نخبا ومواطنين  في التعامل مع هذا المنصب ،فقد صار الترشح إلى منصب رئاسة الجمهورية رغم الاجراءات القانونية المسيجة له أمرا عاديا بلغ أحيانا حد الإسفاف ورغم أن المحصلة النهائية للمتنافسين بعد نظر هيئة الانتخابات في جدية الملفات  يجعل عدد المترشحين مقبولا إلا أن العملية من حيث المبدأ تدل على حدوث تعيير جوهري في ثقافة التونسي إزاء هذه المؤسسة و إزاء العملية الانتخابية الخاصة بها ،فبعض المترشحين  هو بمثابة "مهرج السرك"  لا يعرف عنه اشتغالا بالسياسة ولا يقدم ملفا جديا  ويطرح شعارات تكون عادة محل تندر من الناس .

وبقدر ما تحسب هذه النقطة في ايجابيات العملية الديمقراطية من جهة حرية التعبير فإن مراقبين يحذرون من خطورة أن تطون العملية مخطط لها من جهات تعمل على نسف المكتسبات الديمقراطية للثورة بالعمل على تتفيه العملية  وترذيلها  في عيون المواطن حتى يعزف عن شهودها  نظرا لعدم جدية المترشحين المتنافسين على المنصب

وهو تحذير هام لكنه مبالغ فيه على الأقل في المدى المنظور واعتمادا على التجربة السابقة في انتخابات 2014 التي شهدت تقدم بعض المرضى النفسيين  لكن أُر هذا "التهريج "سواء كان مقصودا أم لا لم يتجاوز مربع هيئة الانتخابات وبعض مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الأولى للعملية قبل أن نشهد تنافسا حادا وجديا بين الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي والرئيس المتخلي وقتها محمد المنصف المرزوقي وهو ما عدّه كثيرون سببا لعودة الروح للعملية السياسية في تونس

سمة أخرى من سمات الانتخابات المنتظرة في سبتمبر غياب  ما يمكن أن نسميه بديناصورات السياسة "من جيل معركة التحرير ودولة الاستقلال بعد وفاة الباجي قائد السبسي وعزوف أسماء أخرى عن الترشح ،فباستثناء الرئيس الأسبق المرزوقي ومصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي  لا يبرز في المشهد إلا أسماء مازالت رغم كل شئ تصنف بحديثة العهد في العمل السياسي ،وهذه السمات يقرأه المحللون من زاويتين ،زاوية أولى تحمل خشية وحذرا من حصول قطيعة في تقاليد الممارسة السياسية  بما يحدث فراغا يخشى من جرائه على صورة مؤسسة الرئاسة ،وزاوية ايجابية  ترى الأمر  واعدا بمستقبل منفتح على آفاق أرحب لجيل الثورة ومتساوقا مع طبيعة التغيير الذي يشهده المنتظم السياسي التونسي

ولعل السمة أعلاها تتقاطع مع سمة أخرى هي حضور بعض الشباب في  مشهد التنافس على الرئاسة نذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر -وفي انتظار القرار النهائي لهيئة الانتخابات -  محمد عبو مرشح التيار الديمقراطي وسيف الدين بن مخلوف مرشح ائتلاف الكرامة ،وقد آثرنا تخصيص المترشحين بالذكر نظرا لخصوصية ترشحهما  فهما يشتركان في الوعي بأن هذه المحطة التي يتنافسان فيها ليست هي المحطة المقصودة من ترشحهما و إنما يعملان على المحطة القادمة بالنسبة لعبو والتي تليها بالنسبة لمخلوف

إن الرجلين يمثلان قوى صاعدة في المشهد الحزبي  مع وجود فارق لصالح عبو باعتبار الاسبقية الزمنية والانتظام في شكل حزبي خلافا لمخلوف الذي يأتي مرشحا لمجموعة من المستقلين مازال تتلمس طريقها في هذا المشهد ولم تحسم خيارها  ولكنها في كل الحالات سؤال مهم داخل العملية الانتخابية

من السمات الأخرى  غياب المرشح المجمع عليه داخل ما يعرف بالعائلة الديمقراطية التي تقدم نفسها في مواجهة الاستقطاب مع حركة النهضة وهذا خلافا لما شهدته انتخابات 2014 التي التقى فيها اليسار والتجمع و لوبيات المال والأعمال والنفوذ الجهوي على ترشيح الرئيس الراحل منافسا لمرشح الثورة آنذاك المنصف المرزوقي

وهذه السمة تعود للتشتت الذي عرفه حزب نداء تونس الحزب الذي أسس من حيث المبدأ في اطار مواجهة تفرد حركة النهضة بريادة المشهد الحزبي  وكذلك غياب القواسم الجامعة بين مختلف الفرقاء القدامى نتيجة الشرخ الذي أحدثه تقارب حركة النهضة مع بعض هؤلاء الفرقاء  ونتيجة الانقسام الحاصل داخل أحزاب اليسار

ولا يمكن أن ننسى جدل القانون الانتخابي الذي ميز الاعداد لهذه المحطة الانتخابية بعد رفض الرئيس الراحل التوقيع على الأمر الخاص بنشر التعديلات المدخلة على القانون الانتخابي في الرائد الرسمي بما يجعلها نافذة المفعول ويتم على إثرها حظر ترشح بعض المتنافسين ممن كانت لهم فرصة توظيف المال والإعلام في ما يشبه الحملة الانتخابية المسبقة ،ورغم أن رئيس الحكومة في آخر حوار له على التفزيون الرسمي اعتبر أن هذا التعديل صار من الماضي إلا أنه بلا شك ما يزال ملقيا بظلاله على العملية برمتها في انتظار اتضاح الصورة بشكل نهائي ودخول العملية الانتخابية حيز التنفيذ

2 / حركة النهضة والانتخابات الرئاسية:

يجمع المراقبون بأن حركة النهضة رقم صعب في المعادلة السياسية التونسية  وموقفها محدد بشكل جوهري في تأثيث المشهد يصرف النظر عن تقييم أدائها أو موقف الخصوم منها أو صورتها لدى الرأي العام ويعزو المراقبون ذلك إلى حجم كتلتها الانتخابية الثابتة مقارنة ببقية الأحزاب ،لذلك فإن موقفها من الانتخابات الرئاسية المقبلة يعد في حد ذاته سمة مميزة لهذه الانتخابات .

وأما الخيارات المطروحة أمام النهضة في هذه الانتخابات فخياران ،أول مساندة مرشح من خارج الحركة  وآخر مساندة مرشح من داخلها ولكلا الخيارين مؤيدون ومحاذير

مساندة مرشح من خارج الحركة

يرى قسم هام من أنصار النهضة أن هذا الخيار هو الأنسب لها  ويبرر هؤلاء موقفهم بأن علاقة الحركة بمؤسسات الدولة مازالت لم تدخل مرحلة التطبيع الكامل  و أن تقديم مرشح من داخلها سيعيد تركيز الأنظار وتكتيل الجهود ضدها وقد يؤدي ذلك إلى خسارة موقعها البرلماني و تأثيرها في منظومة الحكم  ،ويحذر أنصار هذا الرأي من أن حظوظ مرشح نهضاوي ستكون ضئيلة إن لم تكن منعدمة خاصة في الدور الثاني بالنظر إلى أن خصوم الحركة سيتجهون إلى منطق التصويت المفيد ومن ثم سيكون من العبث تقديم مرشح باسم الحركة لأن خسارته قد يكون لها انعكاس سلبي على عموم القاعدة الانتخابية للحركة في التشريعية ويضيف الرافضون لخيار  الترشيح الداخلي تخوفات من أن الأجواء الاقليمية والدولية ما تزال غير مستعدة للقبول بمرشح نهضاوي في أعلى مؤسسة للدولة

مرشح نهضاوي

أما مساندو الترشيح الداخلي  فيرفضون جزءا هاما من تبريرات معارضيهم  ويرون أن الأجواء الاقليمية والدولية فزاعة  وجب على الحركة أن تتحرر منها و أنه بالنظر إلى موقع تونس فإنه لا خوف على التجربة في حال وصول نهضاوي إلى سدة الرئاسة ،ويضيف هؤلاء إن ترشيح شخصية من داخل الحركة ستعزز حظوظ الحركة في رسم التحالفات للحكومة المقبلة وفي حال الفوز سيكون أكبر محفز للقاعدة الانتخابية للالتفاف من أجل دعم هذا المكسب وفي حال الهزيمة سيكون محفزا لرد فعل ايجابي " للثأر" من الهزيمة

ويزيد هؤلاء  دعما لرأيهم قراءة في خارطة الترشحات نرى أنها قريبة للواقع فهم يرون أن مساندة النهضة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد بناء على توافق مفترض لتوزيع السلطة بعد الانتخابات لا ينطلق من أسس متينة بالنظر إلى أن استطلاعات الرأي لا تمنح الشاهد امكانية حصوله على كتلة وازنة في البرلمان نفي حين يفتقد الرئيس المرزوقي ومحمد عبو  ومصطفى بن جعفر إلى القاعدة القوية المساندة وهو ما يضعف شروط التفاوض معهم على قاعدة الانتخابات التشريعية

ويذهب مراقبون إلى أن موقف النهضة في الحالتين سيصب في صالح الحركة ولكن بدرجات متفاوتة تبقى رهنا بقدرة النهضة على ظبط حسابات تحالفها مع المعنيين بالأمر والمؤهلين للفوز

خاتمة

بصرف النظر عن هذه التفاصيل وأيا كان الرئيس المستقبلي لتونس الذي ستفرزه انتخابات سبتمبر فإن أمرا لا جدال حوله هو أن الرئاسة صارت مسيجة بمراقبة دستورية  وشعبية وبرلمانية  تعيق كل طموح استبدادي أو انقلابي قد يراود من يفكر فيه خاصة من بعض المترشحين الذين بشروا بخطاب معاد للديمقراطية رغم استفادتهم منها  وهذا هو جوهر التغيير الذي شهدته تونس  وما يزال يحفر في أعماق منتظمها السياسي والمدني  وقد جاءت جنازة الرئيس الراحل  وعملية انتقال السلطة دليلا على أن حدثا عظيما وقع  و أن الانحراف عنه لا يعدو كونه زيغ عن الطريق لا يغير من جوهر الأشياء .

 

الدكتور سمير ساسي ( باحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك