القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الانتخابات التشريعية بالمغرب : دراسة إحصائية-تحليلية للنتائج

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-02-13 12:10:00 | 75 مشاهدة

مقدّمة

بتاريخ 7 أكتوبر 2016 تم إجراء الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء مجلس النواب الذي يعتبر الغرفة الأولى والأساسية بالبرلمان المغربي، وهي ثاني انتخابات تشريعية يتم تنظيمها بعد إقرار دستور 2011 الذي يشكل إحدى أهم الأجوبة الرسمية للنظام المغربي على الحراك الديمقراطي الذي عرفه المغرب في سياق أحداث  الربيع العربي. وتكمن أهمية انتخابات مجلس النواب المغربي في كون الدستور المغربي لسنة 2011 نص لأول مرة على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر نتائج انتخابات مجلس النواب، وفي كون البرلمان بمجلسيه (النواب والمستشارين) أصبح الجهة التشريعية الوحيدة المكلفة بالتشريع بالمغرب، مع إعطاء الكلمة الفصل لمجلس النواب. ومن أصل 28 حزبا سياسيا شارك في الانتخابات استطاع 12 حزبا فقط الحصول على مقاعد بمجلس النواب، مع تصدر حزب العدالة والتنمية للنتائج النهائية بحصوله على 125 مقعدا متبوعا بحزب الأصالة والمعاصرة الذي حاز على 102 مقعدا. ومن أهم الخلاصات التي وصلت لها الدراسة هي أن تخفيض العتبة الانتخابية من 6% إلى 3% كان له تأثير جد محدود على النتائج النهائية للانتخابات، وأن الدفوعات التي قدمت لتبرير تخفيض العتبة كانت غير صائبة. وبالاستعانة بالمنهج الإحصائي تحاول الورقة تحليل النتائج النهائية للأحزاب السياسية التي استطاعت الولوج لمجلس النواب، ومعرفة الأسباب التي أدت لفوز حزب العدالة والتنمية بالرغم من ترؤسه للحكومة وإقدامه على إصلاحات كبرى وصفت بغير الشعبية، وفي ظل وضع إقليمي شهد تراجعا للتيار الإسلامي إما اضطرارا أو اختيارا بعد تجارب قصيرة في الحكم.

  • أولا: النتائج على المستوى الوطني

تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج النهائية للانتخابات التشريعية 4 أكتوبر 2016 بحصوله على 125 مقعدا نيابيا، متبوعا بحزب الأصالة والمعاصرة 102 مقعدا نيابيا. يوضح الجدول رقم 1 النتائج التفصيلية التي حصل عليها كل حزب[1] في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

جدول رقم: 1

ويقارن  المبيان رقم 1 نتائج الأحزاب السياسية بين الانتخابات التشريعية لسنة 2011 وانتخابات 2016:

يتضح من  خلال الجدول “رقم 1” أن حزب العدالة والتنمية حاز على ما يقارب ثلث مقاعد مجلس النواب، وعلى أزيد من 27% من الأصوات، في حين حصل الأصالة والمعاصرة على أزيد من 25% من المقاعد وأزيد من 20 % من الأصوات، وحصل حزب الإستقلال على أزيد من 11% من المقاعد وعلى أزيد من 10% من الأصوات؛ في حين لم تتجاوز بقية الأحزاب نسبة 10% لا من حيث عدد المقاعد أو عدد الأصوات.

ومن أصل 28 حزبا سياسيا شارك في الانتخابات، استطاعت 12 حزبا فقط الولوج لمجلس النواب، وحصلت على أزيد من 95% من الأصوات، وتقاسمت 16 حزبا الأخرى التي لم تستطع الحصول على مقاعد نيابية 4% من الأصوات المتبقية. وقد حصل حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة لوحدهما على أزيد من 57% من المقاعد وعلى ما يقارب نصف الأصوات المعبر عنها، في حين تقاسمت الأحزاب العشرة الأخرى الممثلة بمجلس النواب 43% من المقاعد، وتقاسمت هذه الأحزاب مع بقية الأحزاب التي شاركت في الانتخابات النصف الآخر من الأصوات.  كما يظهر من خلال نفس الجدول أن بعض الأحزاب (العدالة والتنمية، الأصالة والمعاصرة، فيدرالية اليسار الديمقراطي، الحركة الديمقراطية الاجتماعية، الوحدة والديمقراطية) حصلت على نسبة أكبر من الأصوات في اللائحة الوطنية بالمقارنة مع اللوائح المحلية، في حين كان العكس بالنسبة لأحزاب أخرى (الاستقلال، التجمع الوطني للأحرار، الحركة الشعبية، الاتحاد الدستوري، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التقدم والاشتراكية) حيث حصلت على نسبة أكبر من الأصوات بالدوائر المحلية بالمقارنة مع اللائحة الوطنية. ويوضح المبيان “رقم1″، أن ثلاثة أحزاب فقط هي من استطاعت الزيادة في عدد مقاعدها النيابية بين سنتي 2011 و2016، وهي العدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة، والحركة الديمقراطية الاجتماعية؛ في حين تراجعت مقاعد بقية الأحزاب بالمقارنة مع انتخابات سنة 2011، باستثناء حزبي الوحدة والديمقراطية واليسار الأخضر المغربي اللذين حافظا على نفس النتائج. مع الإشارة إلى أن فيدرالية اليسار الديمقراطي كانت قد قاطعت الانتخابات التشريعية لسنة 2011. وكان حزب الأصالة والمعاصرة أكبر المستفيدين بين سنتي 2011 و2016 من حيث نسبة الزيادة في المقاعد المحصل عليها؛ فقد ارتفعت المقاعد التي حصل عليها بنسبة 13.93%، متبوعا بحزب العدالة والتنمية؛ في حين كان حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أكثر الأحزاب خسارة بين سنتي 2011 و 2016، حيث انخفضت مقاعده النيابية بنسبة 5.82%، متبوعا بحزب التجمع الوطني للأحرار ثم حزب الاستقلال.

  • ثانيا: نتائج الأحزاب على المستوى الترابي
  • على مستوى الجهات:

من أصل 12 جهة حصل حزب العدالة والتنمية على مقاعد نيابية في كل الجهات، ونفس الشيء بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة، في حين حصل حزب الاستقلال على مقاعد في 11 جهة، والتجمع الوطني للأحرار على مقاعد في عشر جهات، والحركة الشعبية في تسع جهات، والاتحاد الاشتراكي في ثماني جهات، والاتحاد الدستوري في ست جهات، والتقدم والاشتراكية في خمس جهات، والحركة الديمقراطية الاجتماعية في ثلاث جهات، وتحالف أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي في جهتين، وحزب الوحدة والديمقراطية وحزب اليسار الأخضر المغربي في جهة واحدة.

ويوضح المبيان رقم 2 العدد والنسبة المئوية للجهات التي استطاعت الأحزاب الحصول فيها على مقاعد نيابية.

 

وتظهر نتائج الجهات التنافس الكبير بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، بحيث حصل كل منهما على مقاعد نيابية في كل الجهات، كما تصدر الحزبين النتائج في أربع جهات لكل واحد منهما، في حين حصلا على نفس عدد المقاعد في جهتين؛ أما بقية الأحزاب فلم تستطيع تصدر النتائج في أي جهة باستثناء حزبي الاتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية اللذين تصدرا النتائج في جهتين صغيرتين من حيث عدد المقاعد المخصصة لهما[2]. ومن النتائج التي تحتاج للوقوف عندها هي نتائج جهة سوس ماسة، وهي جهة تسكنها غالبية أمازيغية. فقد حصل حزب العدالة والتنمية في هذه الجهة على تسعة مقاعد من أصل 21 مقعدا مخصصا للجهة، وعلى 37% من الأصوات، متبوعا بحزب التجمع الوطني للأحرار بخمسة مقاعد وبنسبة 18.33% من الأصوات، وحل الأصالة والمعاصرة ثالثا بحصوله على 4 مقاعد و 18.06% من الأصوات. وقد تمكن العدالة والتنمية من تصدر نتائج الجهة وبفارق يقارب 20% عن أقرب منافسيه بالرغم من الحملة التي شنها نشطاء وجمعيات أمازيغية ضد العدالة والتنمية، واتهامه بتبني موقف سلبي من “القضية الأمازيغية”، والتلكؤ في تنزيل القانون التنظيمي الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية.

  • على مستوى الدوائر المحلية:

تنقسم الدوائر الانتخابية المحلية في المغرب إلى 92 دائرة، تشمل مختلف أنحاء المغرب.

ويبين المبيان “رقم 3” عدد الدوائر التي حصلت فيها الأحزاب السياسية على مقاعد نيابية، ونسبتها المئوية من مجموع الدوائر المحلية.أما المبيان “رقم 4” فيوضح عدد الدوائر التي استطاعت الأحزاب السياسية الحصول فيها على أكثر من مقعد نيابي، ونسبتها المئوية من مجموع الدوائر المحلية.

 

مبيان رقم: 4

يوضح المبيانيين 3و4 بشكل جلي التنافس الكبير بين حزب العدالة والتنمية وغريمه الأصالة والمعاصرة، حيث حصل الحزبين على مقاعد نيابية في 72 دائرة محلية لكل واحد منهما، وهو ما يمثل أزيد من 78% من مجموع الدوائر المحلية البالغ عددها 92 دائرة انتخابية محلية؛ لكن العدالة والتنمية استطاع الفوز على غريمه السياسي من خلال حصوله على أكثر من مقعد نيابي في 25 دائرة انتخابية؛ في حين لم يحصل حزب الأصالة والمعاصرة إلا على أزيد من مقعد نيابي في سبعة دوائر محلية، ما يمثل نسبة 8% تقريبا من عدد الدوائر الانتخابية. وباستثناء حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، لم يحصل أي حزب آخر على أكثر من مقعد نيابي في أي دائرة محلية.

  • ثالثا: النتائج في الوسط الحضري  

نظرا لأن التقطيع الانتخابي بالمغرب غالبا ما يدمج بين الوسطين الحضري والقروي، مما يصعب معه تمييز الدوائر الانتخابية الحضرية من القروية، فسنقتصر في دراستنا على المدن الكبرى ذات نظام وحدة المدينة، وهي ستة مدن، الدار البيضاء، فاس، طنجة، الرباط، سلا، مراكش. فمن أصل أزيد من خمسة ملايين ونصف المليون صوت حصلت عليها الأحزاب الإثني عشر المشكلة لمجلس النواب الحالي، حصلت هذه الأحزاب على أزيد من مليون صوت بالمدن الست الكبرى، وهو ما يمثل خمس الأصوات التي حصلت عليها تلك الأحزاب

ويوضح الجدول رقم 2 النتائج التفصيلية للأحزاب الممثلة في مجلس النواب بالمدن الست الكبرى:

جدول رقم: 2

وفي قراءة للنتائج السابقة، نجد تربع حزب العدالة والتنمية على قائمة الأحزاب الأكثر قوة بالوسط الحضري وبفارق كبير عن أقرب منافسيه، وذلك بحصوله على أزيد 56% من المقاعد المخصصة للمدن الست الكبرى، وأزيد من نصف الأصوات؛ وتجاوز الحزب بأكثر من النصف حزب الأصالة والمعاصرة، لا من حيث الأصوات ولا من حيث عدد المقاعد الانتخابية المخصصة للمدن الست الكبرى.

كما أن حزب العدالة والتنمية فاز في كل الدوائر الانتخابية بمقاعد نيابية، في حين فاز حزب الأصالة والمعاصرة في 16 دائرة من أصل 18 دائرة.

كما فاز العدالة والتنمية بأكثر من مقعد في 16 دائرة من أصل 18 دائرة، في حين لم يحصل أي حزب آخر على أكثر من مقعد.ومن النتائج المفاجأة هي عدم تمكن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من الفوز بأي مقعد نيابي بهذه المدن الكبرى، في حين حصل تحالف أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي على مقعدين نيابيين[3]. ومن حيث عدد الأصوات، فقد تقهقر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للمرتبة الثالثة بين قوى اليسار بالوسط الحضري، وحل تحالف فيدرالية اليسار في المرتبة الأولى، مما يجعله القوة اليسارية الأولى حضريا، متبوعا بحزب التقدم والاشتراكية. أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فلم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصل عليها نسبة 2% من مجموع الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب الممثلة في مجلس النواب. وفيما يخص نسبة الأصوات والمقاعد التي حصلت عليها الأحزاب بالمدن الست الكبرى من مجموع نتائجها العامة، فقد كانت وفق النتائج التي يبينها المبيان رقم 5:

مبيان رقم: 5

 

والملاحظ من المبيان “رقم 5″، أن أزيد من ثلث الأصوات والمقاعد التي حصل عليها العدالة والتنمية كانت في هذه المدن الست، وهو نفس الأمر تقريبا بالنسبة لفيدرالية اليسار الديمقراطي، التي حصلت على ما يقارب ثلث أصواتها بالمدن الست وعلى مقعديها الوحيدين في هذه المدن. في حين لم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصل عليها الأصالة والمعاصرة 17% ، وخمس المقاعد تقريبا. أما بالنسبة لحزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، فقد كانت نسبة الأصوات التي حصل عليها الحزبين في هذه المدن ضعيفة جدا.

  •  
  •  
  •  
  • رابعا: تأثير العتبة الانتخابية على النتائج النهائية

من أكثر القضايا التي أثارت جدلا كبيرا بين الهيئات السياسية من جهة، وبين بعضها ووزارة الداخلية من جهة أخرى، هي مسألة تخفيض العتبة الانتخابية من نسبة 6% إلى نسبة 3%. والمقصود بالعتبة الانتخابية هنا، النسبة من الأصوات التي يتوجب على كل حزب الحصول عليها للمشاركة في توزيع المقاعد النيابية[4]. والعتبة الانتخابية في المغرب تنقسم لقسمين، عتبة خاصة باللائحة الوطنية، وأخرى خاصة باللوائح المحلية. وبالنسبة للائحة الوطنية[5] فعتبتها الانتخابية محددة في نسبة 3%، وهي عتبة لم تتغير بين سنتي 2011 و2016، في حين كانت العتبة المحلية محددة في نسبة 6% سنة 2011 قبل تخفيضها لنسبة 3% في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

  • العتبة بالدوائر المحلية:

أثار مطلب تخفيض العتبة على مستوى الدوائر المحلية جدلا كبيرا بين فريقين.

الفريق الأول دافع عن رفع العتبة لنسبة 10%، أو على الأقل الحفاظ على نسبة 6%، وكان مبرر هذا الفريق هو مواجهة البلقنة السياسية، وعقلنة المشهد السياسي، من خلال تواجد عدد قليل من الأحزاب بمجلس النواب، مما يساعد في تسهيل مهمة تشكيل أغلبية حكومية قوية ومنسجمة مقتصرة على أحزاب قليلة، عوض تواجد عدد كبير من الأحزاب بمقاعد قليلة، الأمر الذي تكون له تبعات سلبية على المؤسسات المنتخبة. ويقتصر هذا الفريق على حزبي العدالة والتنمية والإستقلال، حيث عبر قادة الحزبين على ضرورة الرفع من العتبة الانتخابية، أو على الأقل الحفاظ على نسبة 6%. ودافع القيادي بحزب العدالة والتنمية “عبد العالي حامي الدين” عن تشبث حزبه بالعتبة الانتخابية المحددة في 6%، ويرجع السبب في نظره لكون الحفاظ على عتبة 6% ستساهم في عقلنة المشهد الحزبي، وتدفع الأحزاب إلى التكتل في مشاريع سياسية كبرى، وتحارب البلقنة السياسية، على عكس العتبة المحددة في 3% التي اعتبرها “حامي الدين” تساهم في تشتيت المقاعد، مما يجعل النقاش داخل البرلمان غير منتج[6]، وهو موقف عبر عنه كذلك كل من نائب الأمين العام للحزب[7]، ورئيس فريقه النيابي بمجلس النواب.   ومن جانبه طالب حزب الاستقلال برفع العتبة الانتخابية إلى نسبة 10%، وبرر الناطق الرسمي للحزب مطلب حزبه بقوله “إن عقلنة المشهد المؤسساتي الناتج عن الانتخابات يقتضي رسم عتبة معينة واضحة بالنسبة لجميع القوى السياسية، وأن عكس ذلك سيفتح المشهد المؤسساتي التشريعي والتنفيذي على بلقنة لا تساعد من جهة على تشكيل حكومة منسجمة سياسيا وإيديولوجيا، وفي الوقت نفسه ستجعل من مجلس النواب عبارة عن لوحة “موزاريت” يسهل التحكم فيها، وستضعف اختصاصاته الرقابية والتشريعية من جهة أخرى”[8].  وهو رأي سانده بعض المحللين السياسيين “كإدريس القصوري” الذي اعتبر أن تخفيض العتبة الانتخابية يضر بالتطور الديمقراطي في المغرب ويعيده للوراء، وتخفيضها في هذه الظرفية بالذات هو بحت عن بلقنة المشهد السياسي وتقطيع دوائر على المقاس لتشتيت المقاعد البرلمانية[9]. أما الفريق الثاني، فطالب بحذف العتبة نهائيا، أو تخفيضها لنسبة 3%؛ وفي مقدمة هؤلاء نجد وزارة الداخلية، التي بررت مطلبها تخفيض العتبة الانتخابية لنسبة 3% بكونه سيضمن تمثيل مختلف مكونات الحقل السياسي الوطني داخل مجلس النواب، ويساهم في توسيع قاعدة التيارات السياسية الممثلة داخل مجلس النواب[10]. وبالإضافة لوزارة الداخلية، طالبت جل الأحزاب السياسية (باستثناء العدالة والتنمية والاستقلال) بحذف العتبة أو تخفيضها.

فقد طالب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالحذف النهائي للعتبة، مبررا طلبه باعتبار العتبة تجعل بعض المقاعد لا شرعية لها من حيث عدد الأصوات، وتمس بالتعددية، وتخلق قطبية مصطنعة بوسائل وأساليب تحكمية وغير ديمقراطية[11]؛ وقد شكل هذا الموقف للاتحاد الاشتراكي من العتبة استغراب الأوساط السياسية، باعتبار الحزب كان من أكثر المدافعين عن رفع العتبة لعقلنة المشهد السياسي. وتخفيض العتبة كان محل طلب جل الأحزاب السياسية، سواء تلك المشاركة في الحكومة كحزب التقدم والاشتراكية، أو أحزاب المعارضة كالأصالة والمعاصرة والاتحاد الدستوري، بالإضافة لبقية الأحزاب الأخرى كتحالف فيدرالية اليسار الديمقراطي المكونة من ثلاثة أحزاب يسارية كانت قد قاطعت الانتخابات التشريعية لسنة 2011.

لكن هل أثّر تخفيض العتبة الانتخابية على نتائج الأحزاب؟

من أبرز الخلاصات التي وصلنا إليها في هذه الدراسة هي وجود تأثير محدود جدا لتخفيض العتبة الانتخابية على النتائج النهائية للأحزاب، وأن المبررات التي سيقت لتخفيض العتبة كانت غير صائبة، وأن العكس هو الذي وقع. فلو تم الحفاظ على العتبة السابقة المحددة في نسبة 6%، فلن تشهد الخريطة السياسية المشكلة لمجلس النواب تغييرا كبيرا كما كان يروج؛ حيث سيضاف لحزب العدالة والتنمية أربعة مقاعد فقط، وسينقص مقعد واحد فقط لكل من أحزاب الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والإستقلال، والاتحاد الدستوري، في حين لن تتغير نتائج بقية الأحزاب الأخرى.

المبيان رقم 6 يبين النتائج التي سيحصل عليها كل حزب في حال تم الإبقاء على عتبة محلية بنسة 6%.

 

وحتى في حال رفع العتبة لنسبة 10% فلن تعرف النتائج تغييرا كبيرا، حيث سينقص عدد الأحزاب الممثلة بمجلس النواب من 12 حزبا إلى 11، كما أن نتائج الأحزاب من حيث عدد المقاعد لن تشهد تغييرا كبيرا؛ فسيضاف للعدالة والتنمية 14 مقعدا، والأصالة والمعاصرة 13 مقعدا، وسينقص لحزب الإستقلال سبعة مقاعد، وللتجمع الوطني للأحرار ستة مقاعد، وللحركة الشعبية والإتحاد الدستوري أربعة مقاعد لكل واحد منهما، وللإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الديمقراطية الاجتماعية مقعدين لكل واحد منهما، ولفيدرالية اليسار والحزب الأخضر المغربي مقعد لكل واحد منهما.

 

ويوضح المبيان رقم 7 النتائج التي سيحصل عليها كل حزب في حال اعتماد عتبة انتخابية محلية بنسبة 10%.

ويتضح من النتائج النهائية للانتخابات التشريعية الأخيرة، أن الدفوعات التي قدمتها وزارة الداخلية بمعية غالبية الأحزاب لتخفيض العتبة لم تكن صائبة. فبالرغم من تخفيض العتبة من 6% إلى 3%، إلا أن عدد الأحزاب التي تمكنت من الحصول على مقاعد نيابية انخفض هو الآخر؛ فمن أصل 16[1] حزبا سياسيا تمكن من الولوج لمجلس نواب 2011، لم يتمكن إلا 12 من الحصول على مقاعد نيابية في الانتخابات الأخيرة، مما يعني انخفاض عدد الأحزاب الممثلة في مجلس النواب بين سنتي 2011 و2016 بالربع، بالرغم من تخفيض العتبة الانتخابية بالنصف. كما يتضح أنه في حال رفع العتبة لنسبة 10%، فسيكون المتضرر الأكبر هي الأحزاب الكبرى، التي ستفقد مقاعد لصالح حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، مع استقرار نتيجة حزب التقدم والاشتراكية.

  • العتبة على المستوى الوطني:

يجب التمييز هنا بين نوعين من العتبة، النوع الأول هو المعمول به في العديد من الدول، والذي يلزم الأحزاب السياسية بضرورة الحصول على نسبة معينة من الأصوات على المستوى الوطني حتى يتسنى لها الولوج للبرلمان، ومن أمثلته ما هو معتمد في النظام الانتخابي التركي، حيث لا يسمح للأحزاب السياسية بدخول البرلمان بدون الحصول على نسبة 10% من الأصوات على المستوى الوطني، وفي حالة عدم تمكن حزب معين من الحصول على تلك النسبة من الأصوات يتم توزيع المقاعد التي حصل عليها على المستوى المحلي على بقية الأحزاب، وهذا ما يجعل عدد الأحزاب المشكلة للبرلمان التركي لا تتجاوز في الغالب أربعة أحزاب. وهذا النوع من العتبة بهذا الشكل غير معتمد في المغرب، وفي حال اعتماد هذا النوع من العتبة بنسبة 3%، فلن تتمكن من الوصول لمجلس النواب –بحسب نتائج الانتخابات الأخيرة- إلا ثمانية أحزاب، أما في حال اعتماد عتبة بنسبة 6% فلن تتمكن إلا ستة أحزاب من الولوج للمجلس، أما في حال اعتماد نسبة 10% فلن تتمكن إلا ثلاثة أحزاب من الوصول للمجلس. أما النوع الثاني من العتبة الوطنية وهو المعتمد في المغرب، فيتعلق باللائحة الوطنية، والعتبة المقررة حاليا محددة في نسبة 3%، وفي ظلها لم تتمكن إلا ثمانية أحزاب من الوصول إليها. أما في حال رفع العتبة لنسبة 6%، فلن تتمكن إلا ستة أحزاب من الوصول إليها، وسيضاف لحزب العدالة والتنمية أربعة مقاعد، ولحزب الأصالة والمعاصرة، مقعدين، ولحزب الإستقلال والاتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية والتجمع الوطني للأحرار مقعد واحد لكل واحد منهم. أما في حال رفع العتبة لنسبة 10%، فلن تتمكن إلا ثلاثة أحزاب من الوصول إليها، وسيضاف للعدالة والتنمية 15 مقعدا، وللأصالة والمعاصرة 11 مقعدا، وللاستقلال أربعة مقاعد.

خلاصات

1.توضح النتائج النهائية التنافس الشديد الذي كان بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، فعلى عكس ما روجته بعض الأوساط بعيد ظهور النتائج النهائية للانتخابات النيابية، بأن حزب الأصالة والمعاصرة لم يكن يسعى للحصول على المرتبة الأولى في انتخابات 07 أكتوبر، بقدر ما كان هدفه إضعاف العدالة والتنمية، فإن النتائج تبين بالملموس أن الأصالة والمعاصرة كان جادا في الفوز في الانتخابات والحصول على المرتبة الأولى؛ فقد تساوى الحزبين في عدد الدوائر المحلية التي فازا فيها بمقاعد نيابية، ونفس الأمر بالنسبة لتصدر النتائج على مستوى الجهات، لكن النتائج التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية في بعض المناطق التي لم يسبق للحزب الفوز فيها، واكتساحه للمدن الكبرى والمتوسطة، كان لها دور كبير في تبوئه للمرتبة الأولى.

  1. بالمقارنة بين نتائج سنتي 2011 و2016 نجد حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الأكثر تضررا من حيث تراجع النتائج، فالأول فقد 14 مقعدا بين سنتي 2011 و2016، والثاني فقد 23 مقعدا؛ وهو ما يوضح بشكل جلي فشل الحزبين باختيارهما خيار معارضة الحكومة برئاسة العدالة والتنمية، وأن النهج الذي نهجته بعض الجهات المعارضة لاستمرار العدالة والتنمية في رئاسة الحكومة من خلال توظيف أحزاب تاريخية كالاستقلال والاتحاد الاشتراكي في معارضة العدالة والتنمية كان الحزبين أكبر ضحاياه. والنتائج تبين أن حزب الأصالة والمعاصرة كان أكبر المستفيدين من ضعف تلك الأحزاب التاريخية، بالنظر لما يتمتع به من دعم من بعض الجهات داخل الدولة، ومن توظيفه لقوة الأعيان على المستوى المحلي، وهو ما يفسر قوة الحزب بالوسط القروي، بالإضافة لاستقطابه لمرشحين كانوا برلمانيين باسم أحزاب أخرى، الأمر الذي مكنه من احتلال المرتبة الثانية ب102 مقعدا نيابيا؛ في حين كان حزب الاستقلال يحتل المرتبة الثانية سنة 2011 خلف حزب العدالة والتنمية بتوفره على 60 مقعدا نيابيا، بالرغم من أن حزب الاستقلال كان على رأس الحكومة إبان أحداث الحراك الديمقراطي بالمغرب سنة 2011، والذي كان من مطالبه إقالة الحكومة التي ترأسها الحزب آنذاك.
  2. تزايد قوة حزب العدالة والتنمية بالوسط الحضري، باعتباره الحزب الحضري الأول بفارق شاسع عن أكبر منافسيه، وذلك بهيمنته على الغالبية الساحقة من الأصوات بالوسط الحضري. أما بين قوى اليسار، فقد أضحى تحالف أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي القوة اليسارية الأولى بالمدن، في حين تقهقر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للمركز الثالث بين قوى اليسار بعد حزب التقدم الاشتراكية الذي حل ثانيا بالمدن الست الكبرى بعد فيدرالية اليسار من حيث عدد الأصوات.
  3. أظهرت النتائج النهائية أن تخفيض العتبة الانتخابية من 6% إلى 3% كان له تأثير جد محدود على النتائج النهائية للانتخابات، كما اتضح أن كلا الطرحين المتعارضين بخصوص تخفيض العتبة الانتخابية كانا خاطئين، فالطرح الأول الذي دافع عن تخفيض العتبة لنسبة 3% بحجة وصول عدد أكبر من الأحزاب لمجلس النواب، اتضح أنه كان خاطئا في مبرراته، حيث أن العكس هو الذي حصل بتراجع عدد الأحزاب التي تمكنت من الولوج لمجلس النواب من 16 حزبا سنة 2011 إلى 12 حزبا سنة 2016. ونفس الأمر بالنسبة للطرح الثاني الذي دافع عن رفع العتبة الانتخابية أو إبقائها عند نسبة 6% بحجة عقلنة المشهد الحزبي ومواجهة ظاهرة البلقنة السياسية داخل مجلس النواب، ذلك انه بالرغم من تخفيض العتبة الانتخابية إلا أن حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة استطاعا لوحدهما الحصول على أزيد من 57% من عدد المقاعد، وأن كل الأحزاب بدون استثناء لم تستفد أو تتضرر بشكل كبير من تخفيض العتبة الانتخابية.

ويمكن إرجاع أسباب عدم تأثير تخفيض العتبة الانتخابية على نتائج الأحزاب إلى ظاهرة التصويت السياسي التي كان لها الدور الحاسم في تجاوز التأثيرات السلبية لتخفيض العتبة. وهي ظاهرة بدأت في التطور بشكل كبير منذ الانتخابات التشريعية لسنة 2011، وبرزت بشكل جلي في الانتخابات المحلية سنة 2015، حيث كان للتصويت السياسي الدور الأساسي والمفصلي في تمكن حزب العدالة والتنمية من الحصول على الأغلبية المطلقة في الغالبية الساحقة من المدن المغربية، وقد كان لهذه الظاهرة دور المبطل للتأثيرات المحتملة لتخفيض العتبة الانتخابية خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وهو رأي يؤيده أستاذ العلوم السياسية حسن طارق الذي اعتبر أن “تخفيض العتبة كان يهدف إلى الحد من النفوذ الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، الذي استفاد من التصويت السياسي؛ الذي بفضله استطاع هزم قواعد وهندسة النظام الانتخابي، وهو ما وقع في الانتخابات الجماعية الماضية، كما وقع في هذه الانتخابات، إذ استطاع أن ينال  الحزب مقعدين من ثلاثة بالمدن؛ ما يعني أن التصويت السياسي انتصر.[12]”         والمقصود بالتصويت السياسي هنا، هو توجه الناخبين للتصويت على حزب سياسي معين بناء على برنامجه الانتخابي أو رضا الناخب على أداءه، سواء كان الحزب في الحكومة أو المعارضة، دون اعتبار كبير للمرشح كشخص أو لإنتماءه القلبي أو المجتمعي، بقدر ما هو تصويت على الحزب السياسي الذي ينتمي إليه المرشح. والملاحظ أن ظاهرة التصويت السياسي انتقلت خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة إلى الوسط القروي –وإن بنسبة أقل عن الوسط الحضري-، وهو ما مكن حزب العدالة والتنمية من الحصول على عدد كبير من الأصوات بذلك الوسط.

5- لقد استطاع حزب العدالة والتنمية التغلب على كل العراقيل التي وضعت أمامه للحيلولة دون تصدره لنتائج الانتخابات، فقد واجه الحزب وبذكاء الحملة الإعلامية التي سلطت ضده، والتي وظفت فيها كل الوسائل، ومنها استعمال قضايا أخلاقية وبصورة مكثفة لتشويه صورته أمام المغاربة، واتهامه بالتطرف والعمالة للإخوان المسلمين، وتنظيم مسيرة وطنية من جهات مجهولة ضد الحزب بسبب الاتهامات السابقة؛ كما تم استغلال الخطاب الملكي لعيد العرش الأخير للترويج لوجود غضب ملكي ضد الحزب، وبانتهاء فترة التعايش بين القصر وإسلاميي العدالة والتنمية، وبأن الحزب غير مسموح له بالفوز بالانتخابات بسبب تصريحات زعيمه وقيادة حزبه التي تجاوزت الخطوط الحمراء، خصوصا عند حديث رئيس الحكومة السيد “عبد الإله بنكيران” عن وجود دولتين في المغرب، وهو التصريح الذي أثار ضجة كبيرة بالمغرب، وقيل بأن الملك انتقده في خطاب العرش المذكور، بالإضافة للانتقادات التي وجهتها وزارة الداخلية للعدالة والتنمية، واتهامه بمحاولة استغلال بعض الأحداث للاستفادة منها سياسيا، كقضية ما عرف إعلاميا بأراضي خدام الدولة، وقضية غرق إحدى أعضاء الحزب بإحدى القرى بالمنطقة الشرقية بالمغرب، وهي الانتقادات التي تطورت بشكل كبير يوم إعلان النتائج، حيث اتهم وزير الداخلية بشكل مباشر حزب العدالة والتنمية بالتشكيك “في الإرادة الراسخة لكل مكونات الأمة، وعلى رأسها صاحب الجلالة لجعل الممارسة الديمقراطية واقعا متجذرا وخيارا استراتيجيا لا رجعة فيه”[13]، بالإضافة لإقصاء وعدم إشراك وزير العدل والحريات المنتمي لحزب العدالة والتنمية في الإشراف على الانتخابات، وانفراد وزير الداخلية بالإشراف على الانتخابات، بالرغم من أن الوزيرين يرأسان معا لجنة الإشراف على الانتخابات؛ وكذلك محاولة عزل حزب العدالة والتنمية من خلال مهاجمة حزب التقدم والاشتراكية أحد أبرز حلفاءه السياسيين، والذي أعلن بأشهر قبل الانتخابات عن قيام تحالف استراتيجي بينه وبين العدالة والتنمية؛ كما سبق لمصالح وزارة الداخلية قبل أشهر من الانتخابات منع مجموعة من اللقاءات التواصلية التي كان ينوي الحزب القيام بها مع المواطنين، بحضور وزراء وقيادات من الحزب.

ويمكن إرجاع أسباب نجاح العدالة والتنمية في تجاوز تلك الحملات الموجهة ضده إلى:

  • قوة التنظيم الحزبي:

فالحزب حريص على تفعيل الديمقراطية الداخلية من خلال عقد مؤتمراته الوطنية والمحلية في مواعيدها المحددة وفق أنظمة الحزب الداخلية، ومن خلال اختيار مرشحي الحزب لمجلس النواب من طرف قواعد الحزب المحلية، وهو ما انعكس بشكل ايجابي على وحدة الحزب، باستثناء انسحابات قليلة من الحزب تعد على رؤوس الأصابع؛ كما أن رئاسة الحزب للحكومة وإشرافه على العديد من القطاعات الوزارية والعشرات من الجماعات المحلية، لم يؤثر بشكل كبير على عمل أنشطة الحزب، حيث لا يزال الحزب أكثر الأحزاب تنظيما للأنشطة السياسية والتواصلية مع المغاربة.

  • قوة التواصل الحزبي:

بالرغم من عدم توفر الحزب على جريدة ورقية دائمة، أو إذاعة أو قناة فضائية، إلا أن الحزب عوض ذلك بتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي بشكل جيد، والتواصل المباشر مع السكان، حيث نظم الحزب وشبيبته مئات اللقاءات التواصلية المباشرة مع الساكنة لشرح الإجراءات الحكومية التي أثارت الكثير من الجدل، وهي لقاءات أطرها قادة ووزراء الحزب بالحكومة، بالإضافة للندوات والمحاضرات التي ينظمها الحزب وشبيبته بشكل مستمر لمناقشة مختلف القضايا الوطنية والدولية؛ كما قام النواب البرلمانيون للحزب منذ أول تجربة للحزب بمجلس النواب سنة 1997 بخلق مكاتب للتواصل مع الساكنة وتلقي شكاويهم بدوائرهم المحلية، ومعالجتها عند الجهات المختصة.

  • الوضوح والمصارحة:

شكل رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لحزب العدالة والتنمية السيد “عبد الإله بنكيران” استثناءا بين من سبقوه في منصب رئاسة الحكومة[14]، فأكثر ما يميز “عبد الإله بنكيران” هو قدرته التواصلية الكبيرة ولغته المباشرة والصريحة والواضحة مع المواطن المغربي وبلغته الدارجة؛ فالمنصب الحكومي لم يمنع السيد “بنكيران” من التواصل المباشر مع المغاربة بمختلف المناطق المغربية من خلال مهرجانات خطابية ينظمها حزبه ويحضرها عشرات الآلاف من المغاربة، كما أن نسبة المشاهدة للجلسات البرلمانية الشهرية التي تخصص لمساءلة رئيس الحكومة ارتفعت بشكل كبير، وأصبحت تلك الجلسات تحظى بمتابعة واهتمام كبيرين، كما أن نسبة المتابعة لخطابات رئيس الحكومة في مواقع التواصل الاجتماعي ارتفعت هي الأخرى بنسبة جد كبيرة. وقد كان للخطاب المباشر والصريح للسيد “بنكيران” الفضل الكبير في ارتفاع نسبة متابعة خطاباته ومداخلاته، فقد قام “بنكيران” بأسلوبه الخاص بنقل القضايا التي لا يتهم بها في الغالب إلا أهل الاختصاص والنخبة إلى المواطن العادي، وهو ما رفع من درجة النقاشات حول مواضيع لم يكن يهتم بها المواطن العادي من قبل. وقد ساهم “خطاب المصارحة” الذي اعتمده  السيد “بنكيران” في تفهم المغاربة لمجموعة من الإصلاحات الكبيرة التي كانت الحكومات السابقة تتخوف من الاقتراب منها، كإصلاح صندوق المقاصة، وصناديق التقاعد، وأزمة مكتب الماء والكهرباء، وهي إصلاحات باشرتها الحكومة برئاسة العدالة والتنمية بالرغم من تبعاتها المحتملة على شعبية الحزب في أوساط الطبقات المتوسطة والفقيرة؛ والملاحظ أن ما نجح فيه “بنكيران” من إصلاحات أحدث في بعض الدول العربية أزمات سياسية وقلاقل اجتماعية وأثر بشكل سلبي على حكومات تلك الدول؛ ويستفاد من تجربة العدالة والتنمية المغربي أن أي إصلاح كبير يحتاج لشرطين أساسين: قيادة منتخبة بشكل حر، وخطاب قوي وصريح يبين حقيقة الأمور عوض بيع الوهم للمواطن.

  • نظافة اليد:

من نقط القوة المهمة التي يتميز بها حزب العدالة والتنمية هي تعفف وزرائه وعمداء المدن التي يسيرها الحزب عن المال العام، فحتى خصوم الحزب يعترفون للحزب بهذه الخصلة، وباستثناء بعض الحالات القليلة جدا لم تسجل على مسؤولي الحزب اختلاسات للمال العام، وحتى تلك الحالات القليلة التي تورط فيها بعض أعضاء الحزب في شبهة فساد قام الحزب بطرد مرتكبيها؛ ذلك أن قيادة الحزب أعلنت ما مرة أنها لن تتسامح مع أي قضية فساد يتورط فيها أعضاء الحزب، وهو الأمر الذي منح الحزب رصيدا من التقدير المعنوي وسط المواطن المغربي الذي ألف منذ عقود وجود قضايا للفساد واختلاس المال العام بشكل كبير.

  • توظيف جيد للجماعات المحليّة:

استطاع حزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات المحلية في شتنبر 2015 الحصول على عمادة المدن في المدن الست الكبرى، وعلى رئاسة الغالبية الساحقة من المدن المتوسطة، وهو ما شكل سابقة في التاريخ السياسي المغربي، حيث لأول مرة يستطيع حزب سياسي الحصول على الأغلبية المطلقة داخل المدن مما مكنه من تسيير شؤون تلك المدن بأريحية أكبر؛ وقد شكلت تجربة الحزب خلال السنة الفاصلة بين 2015 و2016، بالإضافة لتجربته في رئاسة بعض المدن منذ سنة 2003 سندا قويا للحزب في الانتخابات التشريعية، فقد غير الحزب في المدن التي يدبر شؤونها من طريقة العمل السابقة والتي كانت محط انتقاد كبير من طرف المواطن المغربي، لما تتسم به من عرقلة وبيروقراطية وفساد كبيرين وعدم التفاعل مع احتياجات الساكنة.

  • التعاون ورفض منطق الهيمنة:

تبنى حزب العدالة والتنمية شعار “التعاون مع الغير على الخير”، وهو شعار مستلهم من حركة التوحيد والإصلاح، وهي الحركة الأم التي انبثق عنها الحزب؛ وقد تبنى الحزب هذا الشعار مع مختلف المؤسسات والهيئات السياسية في المغرب، حيث أعلن الأمين العام للحزب “عبد الإله بنكيران” حتى قبل أن يصبح رئيسا للحكومة رفضه لخطاب ومنهج الصراع. وتأتي المؤسسة الملكية في مقدمة المؤسسات التي رفض بنكيران الدخول معها في صراع، بل إن هذا الأخير رفض حتى مصطلح التعايش لوصف العلاقة بينه وبين الملك المغربي، وهو المصطلح الذي يستعمل لتوصيف العلاقة بين رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس حكومته حين يكونان من حزبين مختلفين، وتبنى “عبد الإله بنكيران في المقابل شعار التعاون. وهو شعار تم تبنيه كذلك في العلاقة مع الهيئات السياسية، برفض الحزب لنزوعات الهيمنة، وهو ما تجلى بشكل واضح باستجابة الحزب ورئيس الحكومة لدعوات الأحزاب لتخفيض العتبة الانتخابية، بالرغم من أن الحزب كان يرفض هذا الأمر، وكان يعتقد أنه المستهدف المباشر من تخفيض العتبة، كما تجلت مظاهر رفض الحزب لمنطق الهيمنة خلال مرحلة تشكيل الحكومة سنة 2011، وخلال مرحلة تشكيل المكاتب المسيرة لشؤون المدن بعد انتخابات 2015، حيث قام الحزب بإشراك العديد من الأحزاب بتلك المكاتب بالرغم من أن الحزب يتوفر على الأغلبية المطلقة من المقاعد التي تتيح له تسيير شؤون تلك المدن بمفرده، كما قام الحزب بدعم حزب التقدم والاشتراكية في انتخابات مجلس المستشارين (الغرفة الثانية من البرلمان المغربي)، ودعم حزبي الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار حليفيه في الحكومة السابقة لرئاسة جهة فاس-مكناس، وجهة سوس ماسة، كما دعم العدالة والتنمية حزب الاستقلال لاستعادة مقاعده التي فقدها من مجلس المستشارين بموجب قرار للمحكمة الدستورية. وقد كان الحزب فطنا في التعامل مع التعيين في المناصب العليا والسامية، فالعدالة والتنمية بالرغم من رئاسته للحكومة لم يستغل ذلك لتعيين أعضاءه بالمناصب العليا والسامية؛ فمن أصل ما يقارب 700 منصب عالي تم تعيينها خلال الحكومة السابقة لا يوجد من بينها إلا عدد محدود هم أعضاء بالعدالة والتنمية؛ ومن أصل 70 سفيرا قام رئيس الحكومة باقتراحها على الملك المغربي لتعيينها، لا يوجد من بينها إلا سفير واحد ينتمي للعدالة والتنمية؛ أما فيما يخض مناصب ولاة الجهات وعمال الأقاليم -وهي مناصب حساسة ومهمة- فلا يوجد أي منتمي للعدالة والتنمية تم تعيينه في إحدى هذه المناصب.

  1. أمام حالة الجمود التي تعرفها المشاورات الحكومية بين الأحزاب السياسية، وفي حال التوجه إلى انتخابات سابقة لأوانها نتيجة لطلب رئيس الحكومة المعين “عبد الإله بنكيران” إعفاءه في حال فشله في تشكيل الحكومة، فمن المحتمل أن يتجاوز عدد المقاعد التي سيحصل عليها حزب العدالة والتنمية 150 مقعدا نيابيا، وذلك وفقا للنتائج التي حصل عليها الحزب في الانتخابات الأخيرة، وسيكون حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الحركة الشعبية وحزب الاتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية أكبر المتضررين. وبالإضافة لقوة التنظيم الحزبي لحزب العدالة والتنمية، وتماسكه ومساندته لأمينه العام و جاهزيته لأي انتخابات سابقة لأوانها، سيكون للتصويت السياسي الدور الكبير في بلوغ الحزب لتلك النتيجة، فبفضل آلية التصويت السياسي تطورت نتائج الحزب بأزيد من 12% بين سنتي 2007 و2011، وبنسبة 4.5% بين سنتي 2011 و2016، ولن يحتاج الحزب لأكثر من 6% لبلوغ 150 مقعدا نيابيا في أي انتخابات قادمة خصوصا في حال تم اللجوء لسيناريو الانتخابات المبكرة كحل لفشل مشاورات تشكيل الحكومة.

الباحث علي فاضلي  جامعة القاضي عياض-مراكش.

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

 

  • الهوامش:

[1] . في الأصل عدد الأحزاب التي تمكنت من الحصول على مقاعد نيابية سنة 2011 هي 18 حزبا، لكن حزب العمل المغربي اندمج مع حزب الاتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التجديد دخل في تحالف مع حزب العهد.

[1] . بالنسبة لنتائج حزب الاتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية فقد تم احتساب المقاعد الأربع التي فاز بها حزب العمل المغربي والذي اندمج فيما بعد مع حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وفي حال عدم احتساب مقاعد حزب العمل المغربي فتكون نسبة التغيير بالنسبة للاتحاد الاشتراكي بين سنتي 2011 و2016 هي ناقص (– 4.81).

[2] . تصدر حزب الاتحاد الإشتراكي النتائج بجهة كليم واد نون، وهي جهة خصص لها 8 مقاعد نيابية فاز الحزب بثلاثة منها؛ أما حزب الحركة الشعبية فقد تصدر النتائج بجهة الداخلة وادي الذهب من حيث عدد الأصوات بعذ حصوله على مقعد واحد من أصل أربعة مقاعد مخصصة للجهة.

[3] . وهما المقعدين الوحيدين اللذين حصلت عليهما الفيدرالية.

[4] . ينص القانون التنظيمي لمجلس النواب في مادته 84 على أنه “لا تشارك في عملية توزيع المقاعد لوائح الترشيح التي حصلت على أقل من 3% من الأصوات المعبر عنها في الدائرة الانتخابية المعنية”.

[5] . اللائحة الوطنية هي لائحة مكونة من 90 مقعدا نيابيا، 60 مقعدا منها مخصص للنساء و30 مقعدا للشباب، ويتم توزيع مقاعدها على أساس الأصوات المحصل عليها وطنيا، بحيث تتضمن ورقة التصويت خانتين لكل حزب، خانة للائحة المحلية وخانة للائحة الوطنية، وبإمكان المصوتين، التصويت على حزب محليا وآخر وطنيا.

[6] . موقع لكم2:

http://www.lakome2.com/mobile/politique/13034.html

تاريخ الدخول: 15/11/2016

[7] . الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية:

http://www.pjd.ma/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A8%D8%B2%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%B2%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A8%D9%84%D8%A9-%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%B7%D9%86

تاريخ الدخول: 15/11/2016

[8] . موقع هسبريس:

http://www.hespress.com/politique/302997.html

تاريخ الدخول: 15/11/2016

[9] .   ادريس القصوري-موقع التجديد المغربي:

http://www.jadidpresse.com/%D9%84%D9%82%D8%B5%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D8%AA%D8%AE%D9%81%D9%8A%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D8%AA/print/

تاريخ الدخول: 15/11/2016

[10] . موقع هسبريس:

http://www.hespress.com/politique/301648.html

تاريخ الدخول: 15/11/2016

[11] . موقع لكم2:

http://www.lakome2.com/permalink/11307.html

[12] . تصريح الأستاذ حسن طارق لموقع هسبريس الإلكتروني:

http://www.hespress.com/politique/324225.html

 

تاريخ الدخول: 20/12/2016

[13] . تصريح وزير الداخلية المغربي ليلة الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية 06 أكتبوبر 2016.

https://www.youtube.com/watch?v=iiVS8ngCeAA

تاريخ الدخول: 10/12/2016

[14] . قبل دستور 2011 كان منصب رئيس الحكومة يسمى بالوزير الأول باستثناء الفترة من بين 1955 و1962، وكانت اختصاصات الوزير الأول ضعيفة جدا بالمقارنة مع الاختصاصات التي منحت لرئيس الحكومة بموجب دستور 2011.

  • الجداول والمبيانات:

-الجدول رقم 1 يوضح النتائج التفصيلية للأحزاب على المستوى الوطني.

-الجدول رقم 2 يوضح النتائج التفصيلية للأحزاب بالمدن الست الكبرى.

-المبيان رقم 1 يقارن نتائج الحزاب بين سنتي 2011 و 2016.

-المبيان رقم 2 بيين عدد الجهات التي حصلت فيها الحزاب على مقاعد والنسبة المئوية من مجموع عدد الجهات.

-المبيان رقم 3 يوضح عدد الدوائر المحلية التي حصلت فيها الحزاب على مقاعد نيابية وعلى نسبتها المئوية من مجموع الدوائر المحلية.

– المبيان رقم 4 يبين عدد الدوائر التي حصلت فيها الأحزاب على أكثر من مقعد نيابي ونسبتها المئوية من مجموع الدوائر المحلية.

-المبيان رقم 5 يبين النسبة المئوية للمقاعد والأصوات بالمدن الست الكبرى من مجموع النتائج العامة التي حصلت عليها الأحزاب.

– المبيان رقم 6 يوضح النتائج النهائية التي ستحصل عليها الأحزاب في حال رفع العتبة الانتخابية لنسبة 6%.

– المبيان رقم 7 يوضح النتائج النهائية التي ستحصل عليها الأحزاب في حال رفع العتبة الانتخابية لنسبة 10%.

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك