القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الانتخابات الأوروبية، السياقات، النتائج، والتداعيات

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-06-17 11:13:00 | 305 مشاهدة

             

ملخص

يؤكد المقال أهمية متابعة الانتخابات الأوروبية وفهم دلالاتها السياسية وانعكاساتها على الأوضاع في البلدان المغاربية والدول العربية والإفريقية.إذ يمثل الاتحاد الأوروبي أحد القوى السياسية والاقتصادية العالمية. لذا فإن فهم ما يجري في أوروبا هو فهم لما يجري وما يمكن أن يجري في بلداننا،فالسياسة لاتتحدد من الداخل فقط بل بعيون "مفتوحة" على الضفة الشمالية.ومن الضروري الاطلاع على خارطة التحولات السياسية والحزبية في أوروبا لرصد الاتجاهات الإستراتيجية العامة وخيارات الناخب الأوروبي، بغض النظر عن التفاصيل، فهذه الانتخابات لها تأثير كبير وانعكاسات جوهرية في سياسات المنطقة وطبيعة فاعليها في المستقبل المنظور والمتوسط

مقدمة

أجريت انتخابات البرلمان الأوروبي الخاصة بفترة (2019-2024)ما بين 23-26 ماي 2019،أدلى فيها الأوروبيون بأصواتهم لاختيار النواب الأوروبيين، كانت المشاركة العامة في حدود  51 %  ، وهي أفضل نسبة مشاركة شعبية منذ عشرين سنة. لقد انتظمت الانتخابات الأوروبية لأول مرة سنة 1979، وحافظت على دوريتها لتُجري في تسع (9) دورات متتالية. وبالرغم من تفاوت نسب المشاركة، والجدل داخل الأوساط السياسية والفئات الاجتماعية الأوروبية، هناك إقرار بأهمية الاتحاد الأوروبي، وبالدور المحوري للبرلمان في مسارات اتخاذ القرار وفي تحديد تركيبة المجلس الأوروبي. ويعتبر المشارك الأساسي في سن قوانين الاتحاد الأوروبي والمصادقة عليها، وممارسة السلطة التشريعية، ويلعب دور الرقابة الديمقراطية على مجمل مؤسسات الاتحاد والإشراف على أشغال المجلس الأوروبي والمصادقة على ترشيح المفوضين.

يسن البرلمان الأوروبي قوانين لصالح 512 مليون مواطن في الدول الأعضاء الـ 28 في الاتحاد الأوروبي، وفي حال تأكد انسحاب بريطانيا ، فإن عدد النواب سينخفض من 751  نائبا إلى 705 نائبا. ويسهم في صياغة التشريعات القانونية لأكثر من عشرين (20) مجالا، منها مناقشة الميزانية السنوية للاتحاد الاوروبي، والشؤون الخارجية، والتشغيل، والبيئة، والفلاحة. ويتشكل من عشرين  لجنة مختصة، وهو هيكل استشاري  في خمسين (50) ميدانا مثل الحق في المنافسة والسوق البينية والرقمنة وحماية سرية البيانات وسلامة المواد الغذائية والنقل و حماية المناخ والبيئة. إضافة إلى أن بإمكان البرلمان الاعتراض وتقديم "فيتو" في ستة عشر(16) ملفا شأن قبول/ رفض التحاق بلد ما بالاتحاد الأوروبي والتوقيع على المعاهدات الدولية. وتعد مؤسسة البرلمان الأوروبي أحد أهم ثلاث هياكل مركزية في الاتحاد الأوروبي، من ناحية المشاركة في سن القوانين الأوروبية، ومن ناحية تأثير قراراته بشكل مباشر في حياة المواطنين الأوروبيين، وتداعياتها على متساكني الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط خصوصا. لهذا فإن متابعة ما يجري في الضفة الشمالية والاطلاع على ملامح الانتخابات الأوروبية واتجاهات نتائجها، مفيد في معرفة الخيارات الإستراتيجية السياسية والاقتصادية والثقافية للاتحاد الأوروبي في المرحلة القادمة.

  1. البرلمان الأوروبي، الخصائص والسياقات

تأتي انتخابات البرلمان الأوروبي، في سياق سياسي شبه غامض ومتحول خصوصا مع صعود عدد من الأحزاب اليمينية إلى السلطة في كل من المجر سنة 2014 وبولونيا سنة 2015 والنمسا سنة 2017 وايطاليا سنة 2018، وفي مناخ يتسم بتصاعد الخطاب اليميني المتطرف، وبمنافسة شديدة بين الأحزاب القومية والمشككة في الاتحاد الأوروبي، والأحزاب الوسطية الداعمة للاتحاد الأوروبي.كما تجري في فترة حساسة،تواجه فيها أوروبا أزمات حادة، أبرزها تعثر خروج بريطانيا من الكيان، إلى جانب أزمات المهاجرين واللاجئين، فضلا عن الاختلافات في المواقف والاتجاهات بين الدول الأعضاء حول المهام التي أنيطت بالاتحاد الأوروبي ووظائفه. وتظل أبرز تحديات ومخاطر انتخابات (2019) هي التنامي الشديد للحركات القومية واليمينية، التي تنقد بشدة هذا الكيان الأوروبي الموحد، وترى أنه تحول إلى "عائق" أو "كابوس".وتمثل تصريحات " فيكتور أوربان" رئيس الوزراء المجري عينة عن ارتفاع منسوب الكراهية والشوفينية، حين يتحدث "أن هناك من  يريد " أسلمة " سكان أوروبا" من خلال فتح الأبواب  لاستقبال المهاجرين ، ويرى أن ذلك "يخلق شعوبا بأعراق مختلطة" ويقضي على ما سماه "التقاليد التاريخية لأوروبا". أمام هذا الخطاب القصووي والإقصائي تقف البلدان الأوروبية على عتبة انتخابات مصيرية في صيغة معركة ثنائية بين المؤيدين لأوروبا والمشككين والمتخوفين من وحدتها، لذا يمكننا القول أن أوروبا وصلت إلى مفترق تاريخي،  وأن ما ستفرزه صناديق الاقتراع سيحدد بشكل كبير تركيبة البرلمان وأساسا طبيعة السياسات التي ستنتهج خلال الخماسية القادمة داخليا وخارجيا، وخاصة مع البلدان المغاربية والإفريقية والعربية. ووسط هذا المناخ المتوتر والقلق من تنامي دور اليمين الشعبوي في المؤسسات الأوروبية، ستطرح ملفات عديدة بمنظار القوى الفائزة في الانتخابات، وفي كل الأحوال، يبقى الاتحاد الأوروبي قوّة كبيرة، وفهم دوره وتركيبته وسياقاته وسياساته هو فهم ووعي بما يجري في المناطق الجغرافية المحيطة.

يستطيع مواطنو الاتحاد الأوروبي من خلال هذه الانتخابات التأثير في خيارات المجموعة الأوروبية وسياساتها، ففي كل خمس (5) سنوات يتم انتخاب البرلمان الأوروبي، وهي الهيكل الوحيد المنتخب في الاتحاد الأوروبي عن طريق انتخابات عامة مباشرة حرّة وسرية في دورة واحدة.وتتوزع أعداد المقاعد وفقا لعدد السكان، وتحظى ألمانيا بالعدد الأكبر من المقاعد، فهي تتمثل ب (96) نائبا، تليها فرنسا ب(74) مقعدا، ثمّ إيطاليا وبريطانيا لكل منهما (73) مقعدا، أما الدول الأقل مقاعد فهي مالطا وقبرص ولكسمبورغ، حيث تحصل كل دولة منهما على (6) مقاعد فقط. وتجرى الانتخابات إما على مستوى إقليمي أو وطني، ففي بلدان شأن بريطانيا وإيطاليا وبلجيكيا تنظم على مستوى  إقليمي، أما دول مثل فنلندا وفرنسا وإسبانيا والدنمارك والنمسا ولوكسمبورغ فتنظم الانتخابات على مستوى وطني، وهي انتخابات على القوائم باستثناء مالطا وايرلندا حيث يمكن ترتيب المترشحين تفاضليا.وينجح المترشحون حسب قاعدة التمثيل النسبي في اقتراع على القوائم، بمعنى أن الحزب أو المجموعة السياسية التي تتحصل على أكثر من 5 % يمكنها أن تتحصل على عدد من المقاعد بحسب الأصوات المتحصل عليها.

2/  الانتخابات الأوروبية، زوم على المشهد السياسي والحزبي

يجتمع داخل البرلمان الأوروبي أكثر من  مائتي (200) حزبا سياسيا، وتتشكل –عادة-  في تكتلات سياسية عابرة للحدود،  تتنافس للفوز بالأغلبية البرلمانية لاختيار رئاسة المفوضية الأوروبية - المنصب الأهم- والذي يشغله حاليا "جان كلود يونكر" في انتظار الرئيس الجديد الذي ستتحكم في اختياره طبيعة التحالفات التي يتم التفاوض بشأنها حاليا.توجد مبدئيا سبعة (07) كتل أو تحالفات رئيسية. التحالف (1) "تحالف الشعبي الأوروبي"، يشمل الأحزاب اليمينية ووسط اليمين والجمهوريين في فرنسا وCDU/CSU بألمانيا وأحزاب الديمقراطية المسيحية البلجيكية CDH/CD&V  وحزب Fidesz بالمجر ،يقوده الألماني "مانفريد ويبر"تحت شعار "يجب إعادة أوروبا إلى الشعب".وعُرف بآرائه المتحفظة من الهجرة، وطالب مرارا بتشديد الرقابة على الحدود، لكنه يعارض خطاب الشعبويين المناهض للهجرة،وعرف برفضه لاندماج تركيا في الاتحاد الأوروبي.

التحالف (2)"تحالف الاشتراكيين الأوروبيين"، يجمع أحزاب وسط اليسار من بينهم SPD في ألمانيا و PSOE في اسبانيا و PS/SP.a في بلجيكيا والحزب الاشتراكي الفرنسي،يترأسه في هذه الانتخابات الهولندي "فرانس تيمرمانز".تميز بدفاعه عن القيم الإنسانية مثل العدل والمساواة وحقوق المرأة، ويدعو إلى بلورة سياسة جديدة وعادلة تجاه اللاجئين والمهاجرين.التحالف (3) "تحالف حزب الخضر"، يشمل الأحزاب والمجموعات الايكولوجية المدافعة عن البيئة، (ALE) تمثله في هذه الانتخابات الألمانية "سكا كلير" ، التي تعتبر أن تركيبة البرلمان  في حاجة إلى تمثيل أكبر للشباب . وتطالب بالشفافية وضمان حقوق شعوب العالم من جراء سياسات الاتحاد الأوروبي التجارية، إلى جانب ذلك، تتبنى موقفا مرحبا بالمهاجرين، وتطالب بضمان إمكانية أن يعيشوا في أوروبا بشكل قانوني.

التحالف (4)"تحالف المحافظين والإصلاحيين"،يجمع أحزاب اليمين المسيحي في أوروبا مثل "الحق والعدالة" في بولونيا و"الفلنديين الحقيقيين" بفلندا، يشرف عليه التشيكي "جان زهراديل"، الذي يسعى إلى إنفاذ إصلاحات في هيكل الاتحاد الأوروبي بمنح المزيد من الصلاحيات للدول الأعضاء، كما يدعو إلى تبنى سياسات نقدية متعددة، بما يقلل من مركزيته.التحالف (5)  "تحالف الليبراليين والديمقراطيين من أجل أوروبا"، يمثل تيار الوسط، ويضم أحزاب وسط اليمين مثل FDP بألمانيا و VVD بهولندا وMR  و VLD في بلجيكيا وحزب الديمقراطيين الأوروبيين (PDE/EDP) وحزب ماكرون (la république en marcheيقوده البلجيكي "غي فيرهوفشتات". يدعو إلى الحفاظ على قيم المساواة والديمقراطية في مواجهة الشعبوية التي يرى أنها تهدد المبادئ الأوروبية الأساسية، والمطالبة بمواجهة كل أشكال العنصرية وبناء أوروبا أكثر ليبرالية.

التحالف (6)"تحالف اليسار الأوروبي المتحد"، ويجمع بين (GUE)  و(NGL ) و"الكتلة الكونفدرالية لليسار الأوروبي الموحد"، وتقوده السلوفينية"فيوليتا توميتش"، وتحث أن تتبنى أوروبا سياسيات مناهضة للرأسمالية، كما تطالب بأوروبا خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.التحالف (7) " تحالف الحركة من أجل أوروبا الأوطان والحريات"(MENL) ويجمع كل من الجبهة الوطنية الفرنسية ورابطة الشمال الايطالية وحزب الحرية النمساوي و(OKS) التشيكي وحركة (investi)،  ويدعو إلى سن سياسات متشددة ومناهضة للهجرة واللاجئين.

3/ الانتخابات البرلمانية، النتائج والتوقعات

حسب المعطيات المعلن عنها في الانتخابات الأوروبية (2019)، كانت النتائج كما يلي: تحصل "تحالف الشعبي الأوروبي" (PPE)  على (180) مقعدا بنسبة 97’23 %.  وفاز"التحالف الاشتراكي الأوروبي" (PSE) ب(146) مقعدا بنسبة 44’19 %. وتمكن " الائتلاف الليبرالي والديمقراطي من أجل أوروبا" (ADLE) من الحصول على (109) مقعدا بنسبة 51’14 %.وفاز "تحالف الخضر وأنصار البيئة" (PVE) ب (69) مقعدا بنسبة 19’9 %.وتوصل "تحالف المحافظين والإصلاحيين" إلى تحقيق (59) مقعدا بنسبة 86’7 %. وتحصل " تحالف الحركة من أجل أوروبا الأوطان والحريات" على (58) مقعدا بنسبة 72’7%. وحقق " تحالف أوروبا الحرية والديمقراطية المباشرة" (ADDE) (54) مقعدا بنسبة 19’7 %.  واكتفى "تحالف اليسار الأوروبي الموحد"(PGE) بنتيجة (39) مقعدا.

نتائج الانتخابات الاوروبية لسنة 2019

في قراءة أولية لنتائج الانتخابات الأوروبية، شهدت كتلة "تحالف الشعبي الأوروبي" (PEP ) والتيار الاجتماعي الديمقراطي (PSE) ولأول مرة منذ أربعين سنة تراجعا في نتائجها وانحصارا في عدد نوابها، وبالتالي خسرت الأغلبية المطلقة، وهو ما سيعمق "خلط الأوراق" في معايير تصعيد قيادة المفوضية الأوروبية في المستقبل ، فقد كانت الكتلة تتكون من(412) مقعدا من إجمالي (751)، ليتناقص العدد إلى حدود (326) مقعدا. مما يستدعي عقد تحالفات جديدة وائتلافات أوسع مع الكتل البرلمانية مثل الليبراليين والخضر، وهو ما يستوجب تنازلات وتسويات في الملفات وفي المناصب.في المقابل ومع تطور الاهتمامات الايكولوجية حدثت المفاجأة الكبرى وهي فوز "تحالف الخضر" الذي جاء في المرتبة الثالثة  أوروبيا و الأولى ألمانيا والثالثة فرنسيا، مما سيحسن موقعه التفاوض حول الاندماج في التحالفات الرئيسية أو في سن القوانين التي أعلن عنها في برامجه الانتخابية.أما أقصى اليسار ورغم تنامي الاحتجاجات الاجتماعية مثل السترات الصفراء في فرنسا، فقد تدحرج عدد نوابه من (55) نائبا إلى (39) نائبا، مما سيعمق أزمته السياسية والتنظيمية. وفي ذات السياق ارتفعت حصة المقاعد التي حققها اليمين القومي بمكوناته المختلفة من (156) نائبا إلى ( 171) نائبا، وهي نتائج منتظرة وغير استعراضية كما أعلنت عنها مراكز الاستطلاع ومؤسسات سبر الآراء، لكن المؤكد أن مؤشرات نتائجه في تصاعد منذ 2009. ورغم هذه النتيجة، فإن الاحتمالات ضئيلة في إنشاء تحالف قومي متماسك، إذ بينت التجارب السابقة أن التحالفات بين قوى أقصى اليمين سريعا ما تتفكك. وقد علقت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية فى تقرير لها حول مشروع الايطالي "سالفينى" لتحقيق تحالف قومي موسع "صعب التحقيق"، ذلك أن الأحزاب القومية في كل من بولونيا والمجر غابت عن اللقاء الذي نظمه بايطاليا.وبالرغم من بعض النقاط المشتركة، مثل التشكيك في جدوى أوروبا ومعاداة الإسلام، فإن وحدة الصف ليست بالأمر اليسير ،  فهذه الأحزاب لديها مواقف متشابهة في سياسات اللجوء والهجرة، إلا أنها مختلفة جدا في ملفات أخرى ، فالفارق شاسع مثلا بين "البديل لألمانيا" المؤيد لاقتصاد السوق، و"التجمع الوطني" الداعي للحمائية، و"الرابطة" و"فيديس" المجري الأكثر ليبرالية بكثير. كما أن "الرابطة" و"حزب العدالة والقانون" البولوني يتمسكان بجذور أوروبا المسيحية.وحتى في سياسة الهجرة، ثمة انقسامات عميقة بين "الرابطة" المؤيدة لتوزيع طالبي اللجوء على دول أوروبا، و"التجمع الوطني" و"البديل لألمانيا" المعارضين لذلك.وهذا ما يدفع كلا من هذه الأحزاب والتيارات إلى السعي لكسب حلفاء جدد لتعزيز كتلته الخاصة.

في هذا التحولات الممكنة وكما في غالبية الأزمات، ستعاد صياغة العلاقات والقوى وتتشكل فرصة جديدة لبناء التحالفات والائتلافات، قد لا تغير جذريا خيارات البرلمان ولكنها تعدل من موازين القوى. خصوصا أن التيار المشكك في الاتحاد الأوروبي سيجعل النقاشات أكثر حدة  ويعمق الجدل واستثمار الحجج والمبررات، وصولا إلى تحويرات في جوهر التوجهات، وهذا يظل رهين التحالفات الممكنة والتي قد لا تخضع إلى متغيرات عقلانية بل إلى براغماتية التحالفات ونظرتها الواقعية. إنما الواضح أن النواب الأوروبيون داخل البرلمان سينقسمون - كما جرت العادة- إلى كتل برلمانية متباينة سياسيا أو إيديولوجيا، فهناك مجموعات تمثل اليمين الوسط، والاشتراكيين والخضر، وغيرها من القوى الفاعلة في بلدان الإتحاد الأوروبي. وستسعى الأحزاب المحافظة والاجتماعية إلى التكتل وتقريب وجهات النظر وبلورة الأرضيات المشتركة لتحييد التحالفات القومية والشعبوية ومحاصرتها في الهامش. هذا الصراع الذي سنتابعه بانتباه شديد، لانعكاساته على الخيارات الأوروبية الكبرى و"الرذاذ" الذي يمكن أن يطال بلداننا المغاربية والعربية والإفريقية.

4- البرلمان الأوروبي ، الرهانات الداخلية والخارجية

ستكون لهذه النتائج انعكاسات متضاربة على السياسة الداخلية والخارجية للبلدان الاوروبية، فقد دار نقاش مباشر لمترشحي رئاسة المفوضية الاوروبية تم بثه على قناة (Eurovision) بتاريخ 15 ماي 2019 تطرقوا فيه إلىأن أبرز الاولويات هي الهجرة والبطالة والتغير المناخي ودور اوروبا في العالم. فالتحديات الأساسية المطروحة أمام البرلمان الأوروبي تتعلق بالملف الاقتصادي، إذ يبدو من الصعوبة أن تتفق الأحزاب حول السياسة الاقتصادية الأوروبية،ولئن أكد الخبراء أن الاتحاد الأوروبي نجح في تجاوز أزمة الأورو، إلا أن المعيقات مستمرة.مازالت الملفات مطروحة حول فرص العمل والهجرة وحماية المناخ وسياسة التجارة ودور أقوى لأوروبا في العالم، هذه هي الموضوعات التي يجب على الاتحاد الأوروبي الاهتمام بها في السنوات المقبلة.تواجه أوروبا العديد من التحديات، من الهجرة إلى تحول المناخ، ومن البطالة بين الشباب وحتى حماية أمن البيانات، ومن المهم بالنسبة إلى البرلمان الجديد رص الصفوف لمواجهة أزمات جديدة في الاقتصاد وفي العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا أو الصين، لهذا على الاتحاد الأوروبي التركيز على التطور الاقتصادي وتحقيق تقارب بين ظروف العيش في الشمال الغني وفي الجنوب الفقير. وتتمحور أبرز النقاط الخلافية حول الأجر الأدنى الموحد نظرا للفوارق الكبيرة في الرواتب إلا أنها تجد معارضة شديدة من اليمين المتطرف ومن المواضيع البيئية منع المواد البلاستيكية غير القابلة للرسكلة قبل نهاية فترة الحالية للبرلمان ودعم الصناعات الأوروبية والعملة الأوروبية.

تقف أوروبا أمام تحديات ثلاث أساسية أولها، التغيير المناخي وثانيها الشيخوخة السكانية والحاجة بالتالي إلى طاقة شبابية للعمل والانتاج وثالثها الثورة الرقمية التي ستترك آثاراً قوية على طبيعة العمل حيث ستحل الآلة مكان الإنسان في مجالات عديدة، وعلى سوق العمل أيضاً. كلها تحديات تستدعي مزيداً من التعاون مع إعادة النظر بالأولويات والمقاربات القائمة والمستقرة في مسار الاتحاد الأوروبي.للتفكير ليس بين شرعية الفكرة الأوروبية والاستمرار بها من جهة أو إسقاطها من جهة أخرى، بل تسعى نحو إعادة تعريف هذه الفكرة وكيفية وضعها موضع التنفيذ وتحديد أنماط هذا الأمر وكذلك علاقتها مع الدول الوطنية . إنها أفكار تحمل تحديات ليست بالسهلة بالطبع ولكن تبقى في سياق عملية البناء الأوروبي وتطويره وتعزيزه وهو ما يصب لمصلحة الكل الأوروبي، وضد منطق تفتيت هذا الكيان. فالمنتظر إعادة تصويب البوصلة الأوروبية  نحو الحلول الإنسانية.

وتؤشر نتائج هذه الانتخابات أن أوروبا مازالت بعيدة عن انتظارات شعوب الضفة الجنوبية، وهو محط اهتمام الجيران القريبين والبعيدين.لهذا تفرض مسألة الهجرة في أوروبا نفسها على أجندات الأحزاب الأوروبية الكبرى، وذلك من أجل تحجيم التيار اليميني الشعبوي الذي صعد في القارة منذ عام 2015، ومن الضروري مواجهة الأحزاب المتطرفة التي استغلت مسألة الهجرة كورقة للضغط وتخويف المجتمع، وذلك من خلال اتخاذ إجراءات عملية..وتثير سياسة الهجرة واللجوء حالياً خلافات حادة بين الحلفاء الأوروبيين من نفس العائلة السياسية، فالاتحاد المسيحي الديمقراطي في ألمانيا والذي يؤكد على ضرورة "التوافق بين الجانب الإنساني والتشديد (في سياسة اللجوء)، وأنه ينبغي تجنبسياسة "عرض العضلات"عبر تشديد القوانين، وإنما يقترح سن إجراءات قانونية متلائمة مع القيم الإنسانية للاتحاد الأوروبي. هذا الخيار تجاه المهاجرين هو الأسلم مع تعزيزه بقرارات "ذكية" في مراقبة الحدود وتدعيم الاستثمارات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان الأصلية لطالبي الهجرة. قد تمكن الإجراءات ذات البعد الإنساني من محاصرة الموجة الشعبوية في أوروبا، والتي ستضعف كثيراً عند اتخاذ الإجراءات المناسبة ضد الخطاب الشعبوي الذي تروجه.

والتخوفات كبيرة من خطاب الحقد والإقصاء والكراهية الذي تعبر عنه الأحزاب اليمينية المتطرفة، لن يفضي إلا إلى تخصيب أرضيّة الإرهاب داخل البيت الأوروبي، إذا استمرّ التضييق على المهاجرين وملاحقتهم تحت شعارات الحفاظ على نقاء العرق وصون الثقافة المسيحية.ويتطلع العالم العربي أن يسهم البرلمان الأوروبي في عهدته الجديدة بدعم مسار الانتقال الديمقراطي وتشجيع بدايات التجربة الديمقراطية في البلدان العربية، والتعبير بأكثر وضوح عن معارضته انتهاك حقوق الإنسان والحريات العامة في العديد من المناطق وخاصة في  الضفة الجنوبية للمتوسط. وأن يحرص الاتحاد الأوروبي على إيجاد حل سياسي دائم للازمة الليبية والسورية وبلورة صيغة تفاهمية مع التيار الإسلامي المعتدل. وتوفير كل الظروف المناسبة لتحسين المناخ الاجتماعي وشروط النمو الاقتصادي، وهو المدخل الحيوي في التصدي للإرهاب مقاومة التطرف.

خاتمة

لم تكن النتائج المعلنة للانتخابات الأوروبية مفاجئة إلى حد كبير، فالخارطة العامة للجهات السياسية الفاعلة حافظت على حضورها بنسب متفاوتة. وتظل مع ذلك تطلعات الشعوب العربية كبيرة تجاه سياسات الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل قوّة اقتصادية وسياسية معتبرة. وهو ما يبرز أن عالم اليوم هو عالم التكتلات الكبرى وأن السياسات العامة لا تتحدد "وطنيا" فحسب، بل ضمن أفق جغرافي أوسع، دون أن يعنى ذلك عدم الدفاع عن مواقفها السيادية وحماية مصالحها. إن سياسات بلدان الحوض الجنوبي للمتوسط عليها أن تتعاطى مع أوروبا الموحدة وفق رؤية واضحة ومستقبلية لخطط ومشاريع مشتركة مفيدة للطرفين وللضفتين.

محرز الدريسي  (باحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك