القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الانتخابات البرلمانية في المغرب: الإسلاميّون في الحكم، عوامل الوصول و فرضيّات البقاء

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-09-29 10:51:09 | 149 مشاهدة
 
ملخص :
تنطلق بالمغرب  ثاني انتخابات تشريعية  في عهد  دستور 2011.  بعد 5 سنوات من حياة  مجلس النواب الاولى ، الغرفة الأولى في البرلمان، ومن أول حكومة مغربية يقودها الاسلاميون ، لما بعد "ربيع  التغيير في اطار الاستقرار". حمي الوطيس بين حزب العدالة والتنمية، حزب المصباح ، وغريمه  حزب الأصالة والمعاصرة المعارض حالياً، اما حزب الاستقلال المحافظ، شيخ الاحزاب  السياسية المغربية،  فيبدو اقل شانا حسب مراقبين، ولكنه لن يعود من الغنيمة بالاياب كدأبه في كل موعد انتخابي ، بانتخابات اعتمدت نظام اللوائح  والعتبة الانتخابية، تهدهد نسائم قبّة البرلمان أحلام الاف المترشحين في تجربة عربية مغاربية ديمقراطية هادئة بين التكتل  اليميني، والحركة الشعبية اليميني، المشاركان معاً حالياً في الحكومة، وحزب التقدم والاشتراكية اليساري، وحزب الاتحاد الدستوري المعارض...

مقدمة :
وسط توهّج سياسي غير مسبوق المثال، تنطلق بالمغرب الأقصى الانتخابات البرلمانية  يوم 7 اكتوبر 2016، يتنافس فيها "حزب العدالة والتنمية " الذي يقود الحكومة الحالية،  مع  "حزب الأصالة والمعاصرة" و"حزب الاستقلال"واحزاب وطنية اخرى.  انطلقت الترشحات يوم 14 سبتمبر وامتدت إلى غاية 23 من الشهر نفسه، لتصل الى 6992 مترشحا ومترشحة. وانطلقت الحملة الانتخابية في 24 سبتمبر لتنتهي يوم  6 أكتوبر. ستحتد  المنافسة حسب كل المتابعين بين "حزب العدالة والتنمية" وغريمه "حزب  الأصالة والمعاصرة" بالأساس . أما حزب الاستقلال ،  فالوقائع على الأرض تنبئ بأنها لن يكون منافسا قويا، بحكم الصراعات بين قياداته وتصدع جبهته  الداخلية  والأثر الذي تركه  انسحابه من الحكومة سنة 2013. في انتخابات يكون فيه الناخب أهم من المترشح في انتخابات ديمقراطية لا يُقدر فيها عموما على التزييف، قررت الحكومة منع نشر استطلاعات الرأي بشان نتائج الانتخابات قبل ثلاثة اشهر من الاقتراع. القرار راق الأغلبية ، ولم تر فيه منعا بقدر ما رأت فيه  صواب الرأي وسداده لمنع توجيه الرأي العام. إذ رأى فيه حزب الاستقلال  أمرا واقعيا، بما انه لا توجد  مؤسسة سبر أراء معترف بها من قبل الأحزاب والحكومة  وتحظى بثقة الجميع.
 قمقم الخوف ومناخ انتخابي موتور :
عشية الانتخابات بدا "حزب العدالة والتنمية" الفائز بالانتخابات التشريعية 2011 والمحلية 2015، في مرمى الجميع، بُدئ الأمر  بالتشهير بشخصيتين  دعويتين  من "حركة التوحيد والإصلاح"، الذراع الدعوي للعدالة والتنمية و إحالتهما على القضاء بمحكمة "بن سليمان".  ونظرا للظرفية السياسية ولطبيعة التناول الإعلامي، تجاوزت القضية  البعد الطبيعي  واتخذت أبعادا  تشهيرية وسط مناخ صارت فيه ثقافة التشهير خطرا على الجميع. بينما اعتبر الحزب أن عملية شيطنته بدأت منذ تأسيسه،فقد أصدر أخيرا وزيرا الداخلية والمالية بيانا ضد حزب رئيس الحكومة، رغم كونهما من حكومته ومنعت وزارة الداخلية جل أنشطة الحزب. وتحركت  في الدار البيضاء، كبرى المدائن المغربية، مسيرة ضد الحكومة منددة بـ"اسلمة الدولة واخونتها"، انطلقت اثرها شكوك ساورت السياسيين حول الغاية من تنظيمها. فهي في مذهب منظميها أسطورة، وهي في عرف "العدالة والتنمية" مسيرة للتخويف نظرا لطبيعة الشعارات التقسيمية التي رفعها أصحابها. إذ حملت شعارات طارئة على الساحة السياسية وعلى العمل الاحتجاجي في المغرب، ووظفت مصطلحات مستوردة من أنصار الانقلاب المصري ضد الشرعية يوم 3جويلية 2013 وخصوم الإخوان المسلمين في بلد لم يعرف مِراء سياسيا حول اسلمة الدولة وأخونتها طيلة حكم "حزب العدالة والتنمية" ولم تثر فيه مشكلة الهوية. حمل أنصارها  شعارات كثيرة واتهاما صريحا  لحزب العدالة والتنمية الحاكم في المغرب من قبيل: "ارحل بن كيران"  بن كيران ما دار والُو "  "لا لاستغلال الدين في السياسة" "من قتل بنجلون؟ ".  وقع ذلك في ظل اتهامات وزير العدل لوزارة الداخلية باحتكار القرارات لتنظيم الانتخابات التشريعية، احتج إثرها  الوزير  على عمل  اللجنة رغم انه ضمن اللجنة المشرفة على الانتخابات وعضو فيها،  مما يدل على وجود صراع في الإشراف على لجنة الانتخابات. تطورت الأحداث و تبرأت أحزاب من المسيرة و تنصلت وزارة الداخلية من الوقوف وراءها، في حين ظلت أصابع  الاتهام تتجه إلى "حزب الأصالة والمعاصرة " الذي انشئ سنة 2008 من  قبل وزير داخلية سابق وعلق بن كيران على الحدث بقوله : كل شي بائن. بينما تبرأ منها وزير العدل  لخطورة الشعارات. ليظل السّؤال من  حاك خيوط المشهد وهيّأ للمسيرة في مرحلة انتخابية جد حساسة قد تجر البلاد إلى منزلق خطر في حدث كارث . انهالت الاتهامات على مؤسسات الدولة التي وجب  أن تكون على الحياد  في غمز وتلميح واضح لوزارة الداخلية بأنها كانت الزَّند الذي قدَح نار الفتنة، يُصليها ولا يصْطليها رغم أنها ليست طرفا انتخابيا. ولكن خميرة المسيرة - حسب مراقبين - هي الصراعات الحزبية وطبيعة الخطب السياسية والحروب الكلامية التي كانت سببا في تجييش الشارع التي  انتهت بشخصنة الصراع بين الأمين العام "لحزب الأصالة والمعاصرة" من ناحية،  وبين الأمين العام "لحزب العدالة والتنمية" من ناحية أخرى. سميت بالمسيرة المجهولة الهوية ولكنها تبين- في العمق - تعود الشارع  المغربي بالاحتجاجات وهي تعبير عن الصراعات الحزبية التي قدحت زنادها خطابات التيار العلماني والإسلامي وهدّدت باستقطاب وتنازع وبتقسيم البلاد إلى شرخين ومجتمعين يصطرعان. طلب إثرها حزب الأصالة والمعاصرة رئيس الحكومة بإقالة وزير الداخلية بدلا من اتهام المعارضة، بينما اعتبرها العدالة والتنمية  خطة لاتهامه بتزوير الانتخابات باستبعاد وزير الداخلية ومن ثمة يكون المنطلق للتشكيك في نتائجها و عملية استغلال من النخبة لشريحة من الشعب ضد الخيار الديمقراطي وحشر الناس في قمقم الخوف. واعتبر بن كيران  أن كل ما يقع هو خلق حالة من الاستعداء لحزب العدالة والتنمية"، ورأى فيها أنصار الحزب استدعاء للنموذج المصري بالشعارات، وكأن المغرب يحكمه  دكتاتور وجب إسقاطه. بينما يردّ الخصوم بان حزب العدالة مختص في ترحيل المشاكل  مستدعيا الربيع العربي في كل خطبه موتّرا للأجواء السياسية.  يشعر المغاربة دوما بأنهم  متفيّئون بظلاله. وفي  خطة  لكسر العلاقة بين الملك وحزب العدالة والتنمية  ، روجت تيارات سياسية   لخصومة رئيس الحكومة مع الملك  التي انكرها بن كيران في البداية ثم اقرّ بوجودها  مصرّحا :" قد اشتغلت مع الملك طيلة خمس سنوات و ليس من الممكن ان لا  يكون  قد غضب فيها علي مرة واحدة". بينما رد الخصوم بان عبد الاله بن كيران اعتمد تكتيكا ثلاثي الابعاد في العلاقة بالمؤسسة الملكية :
 
1-  التعامل مع الملك كشخص منفردا
 
2- التصرف مع المؤسسة الملكية كمؤسسة دستورية و فوّض اليه بعض الصلاحيات الدستورية
 
3- محاولة خلق المشاكل مع المحيط الملكي واعطي للراي العام الانطباع  بانه لديه توتر،فقط،  مع المحيط الملكي المستفيد من المخزن ومن امتيازات ومجالات نفوذ عتيقة غائرة العمق في الدولة.
 
وفي رده على الجدل الدائر بين الخصوم،  رد الملك  في خطاب العرش الاخير  بانه يريد ان يبقى  فوق الصراعات الحزبية ، وهو ما اكده بن كيران ايضا في  عدم رغبته في  اقحام الملك في الصراعات الحزبية. ويذهب الرجل  ابن كيران الى التمييز بتوضيح علاقة الاحترام بينه وبين الملك كرئيس حكومة، اما كأمين  لحزب العدالة والتنمية،  فهو يفصل بين الملك ومحيطه، وهو ما سيحاول تلافيه في الحملة الانتخابية .
العدالة والتنمية والحكم،  أسرار الوصول والبقاء:
في حقيقة الامر، لتجربة  استقرار الحكم في المغرب رافدان: اولهما، انه في العشرية الاخيرة انطلق  مسار تاريخي مع حكومة التناوب  بمسار العدالة  والانصاف، وتطهير المجال السياسي، ومصالحة الدولة مع المجتمع وعاداته، واجراء اصلاحات ديمقراطية بدأت تخيط جرح الاستبداد وسنوات الاغتراب الوطني و الكراهية. وثانيهما، الربيع العربي الطارئ الذي حسم خيار الديمقراطية وسرّع  بها.  وكان ذلك في بيان  المؤسسة الملكية في مارس 2011 الذي رفع فيه سقف المطالب الديمقراطية مما صبغ الفترة بالانفتاح الديمقراطي، خاف فيه الملك ان تأتي شرارات الربيع العربي على الأخضر واليابس. فما وقع من زلزال عربي ثائر هادر، لم يكن شظايا التاريخ بل من اثر الحاضر. ولكن السؤال اللغز، هو مدى قدرة "حزب العدالة والتنمية"  على  اقتحام العقبة و البقاء  في السلطة و الصمود امام خصوم عتاة لهم خبرة بوعَث الارض والسياسة في ائتلاف حكومي يقوده الاسلاميون. تتعدد الاسباب والفلاح واحد: إذ لا احد ينكر خصوصية  شخصية بن كيران  وزملاؤه منذ دخولهم العمل السياسي عن طريق "الحركة الديمقراطية الدستورية" مع حزب  عبد الكريم الخطيب رجل القصر. حينها، كان النظام شبه مقفل، و لكن حاول الاسلاميون مرارا، وولجوا عالم السياسة من نافذة حزب لم يَدرُجوا فيه. وتدرجوا في مؤسسات الدولة ودخلوا الانتخابات المحلية ثم التشريعية. المشاركة وليس المغالبة،  هو شعار الحزب في اغلب ردهاته،إذ انتهى مبكرا  الى ان المؤسسة الملكية هي المؤسسة المحورية في المملكة والضمانة للاستقرار،و تداعيات 20 فبراير 2011 بعد احداث الربيع العربي سهلت على المؤسسة الملكية التعامل مع الاسلاميين. فقبل ذلك التاريخ كان من المفروض ان يقوم ائتلاف حكومي يقوده حزب "الاصالة  والمعاصرة" و" حزب تجمع  الوطنيين الاحرار". ولكن تداعيات 20 فبراير2011 الطموحة الى تغيير راديكالي كما هو الشأن في احداث تونس، سهّلت لبن كيران مهمة  التعامل  مع المؤسسة الملكية. فاختار قادة "العدالة والتنمية"  منهجا اصلاحيا وليس منهجا ثوريا، وابتدعوا فكرة التغيير في اطار الاستقرار بعد قراءة متأنية في الداخل والخارج بينت ان المنطقة المغاربية لم تعد تحتمل ثورة ثانية. قبل بن كيران بتشكيل ائتلاف حكومي لا يحصل فيه حزبه على وزارات السيادة، واندمج  في اللعبة الديمقراطية والاستمرار في قيادة الحكومة. وكان انسحاب حزب الاستقلال منها مسهلا جديدا لتواصل عملها رغم الاحراج  الذي سببه رحيله للتجربة التشاركية برمتها. مشاركة "حزب العدالة والتنمية" في الحكم كانت على اسس برغماتية سياسية اي واقعية بالأساس، تراعي موازين القوى وأعراف السياسة ومنطق الحكم. و السر كان قائما  في التدرج والتمهل عملا بقاعدة: "العاقل المُدبر خير من الاحمق المُقبل". تجلى ذلك  في عدم رغبة الحزب في الانتخابات التشريعية لسنة 1997  بالاكتفاء بالترشح في دوائر محدودة حتى لا يلفت الانظار اليه كثيرا، وحقق فوزا رغم  محدودية الفرصة إذ شارك به 24 دائرة  من أصل 325 ،حصل الحزب منها على 9 مقاعد أغلبها في الدار البيضاء. وكانت الخطوة تلك اثر قراءة في الدرس التونسي بعد الانتخابات التشريعية سنة  1989 زمن بن علي، لما ترشح اسلاميو تونس  جماعيا  ولم يعملوا بنصيحة الترشح في 5 دوائر  فقط.  فأعقب  مشاركتهم الشاملة في الانتخابات وقبول الناخب بهم  وعي  لدى قوى داخلية  وخارجية  بانهم قوّة وجب لجمها، وانتهت التجربة آنذاك بتصفية حركة النهضة من الساحة لمدة 20 عاما. تجربة المغرب كان فيها رجال العدالة والتنمية للحكم قادة وللمؤسسة الملكية ذادة، رغم اتهام بقية الصف الاسلامي ك"جماعة العدل والاحسان "لهم بموالاة  الملكية و جائر سلطان. ولكنهم اعتبروا انفسهم حزبا سياسيا ليس معنيّا بمن يفوز بالجنة او يصطلي  بالسّعير، بل همّه سؤال التنمية والديمقراطية والعمل في انسجام مع المخزن في توازن دقيق  حفظ حقوق المؤسسة الملكية وحقوق الحزب في الان نفسه. لم يجد بن كيران غضاضة او نقيصة سياسية في التراجع عن وزارات سيادية، ولم يجعل من النزاع عن وزارات سيادية سببا للاحتراب والاظطراب، ولم ينازع القصر في مجاله الحيوي القديم. خاصة بعد ان ابدى الملك عزمه بمراجعة  الدستور سنة 2011 ، انتهى  به الى  تنازل  عن صلاحيات دستورية لضمان سير دواليب الدولة. دخل اثرها الحزب في ائتلاف حكومي مع احزاب علمانية يسارية حتى يجنب البلاد انفجارا لا يعلم اين تستقر شظاياه. وادار التجربة بمنطق التعايش السياسي، و الخروج منها باقل الخسائر  مع احزاب متربصة  به بما انه الحزب المحافظ الوحيد  الذي استطاع البقاء في السلطة لمدة 3 سنوات متوالية. فترة الحكم تميزت بتغليب الوطني على الحزبي، وتزامنت مع اجراءات موجعة وشجاعة  لصالح الطبقة الشعبية صنعت الفرق ولوت الاعناق، كرفع الدعم عن المحروقات و الانحياز للطبقة المسحوقة وقانون الجهوية المتقدمة اي الحكم المحلي، والى الانجاز الاقتصادي بدل التبشير الايديولوجي، مما منح الحزب شرعية الانجاز والاقناع والنفاذ الى الاوساط الشعبية المعدمة في المغرب .وكان تكتيكا   اثبت فيه "العدالة والتنمية" قدرته على البقاء في السباق  وفهم السياق وعلى ادارة ملفات دولة لتبقى تجربة نادرة في المنطقة العربية وصل فيها الاسلاميون الى السلطة ولم يغادروها. فالحكم الداخلي يتاثر طرديا بالمعطيات الاقليمية و رياح  الجوار الاقليمي التونسي المصري لم تهب بما تشتهي سفن التجربة الوليدة. عموما كان الاسلاميون في مستوى الحدث واللحظة . وكان  موقف الناخب المغربي واضحا في رفضه للتجارب الحكومية السابقة التي لم تؤد الى تغيير واقع الناس ومعاشهم ولم تسد مسغبتهم و لذا كانت الرغبة الشعبية  في  منح الثقة والفرصة لمجموعة جديدة بأياد بيضاء  ومؤسسات جديدة. ولكن التوافق هو من حكم اللعبة الديمقراطية، إذ سار  كل شيئ  على مستوى التوافقات السياسية مع المؤسسة الحزبية للعدالة والتنمية التي تملك  تاريخ عريقا  في التوافق مع المؤسسة الملكية منذ ستينات القرن العشرين، وتطورت في صراع معين مع اليسار المغربي، معتبرة ان المؤسسة الملكية  لم تكن معادية للدين، بل منه تستمد جزءا هاما من شرعيتها. فهم  الحزب مضغة الاستقرار،  و أراد خلاله بن كيران ان يحافظ على ثقة الملك فيه .إذ لا يمكن لحكومته  ان تعمل في جو موتور مع اهم مؤسسة .  ولان بنية النظام مركبّة على أن الصلاحيات الاستراتيجية  الكبرى هي للملك،. وهذا الادراك العميق هو  احد مهيئات النجاح. فالحزب منذ تخلقّه  الاول جنينا سياسيا في رحم "حركة الشبيبة الاسلامية" والجمعيات الاهلية التي انضوى تحت لواءها، انتهى الى بلورة تصور للعمل السياسي والاجتماعي و اجتراح نظريات تفصل بين الدعوي والسياسي. بلغ فيه النّضج الأوج  بتمعنه في  غور تجربة "العدالة والتنمية التركي "، ويقينه بانها تجربة هامة يقف حيز النفع منها على الاستئناس و الاقتباس، وليس الاستنساخ والانسلاخ، مع يقين قيادات العدالة والتنمية المغربي  بالاعجاز الاقتصادي للتجربة التركية مما جعله يرسل  ابناءه  للدراسة بتركيا. وبقي  الانموذج التركي حاضر بقوة  الانموذج الامثل للتعامل مع الواقع السياسي. نهج الحزب منهج التواصل مع الطبقات الشعبية بخطاب شعبوي احيانا، ولكنه  صريح ونزيه يريد المواطن سماعه  حول الفساد  ولوبيات المال والادوية والنهب والغصب ، وصف فيه بن كيران  ناهبي الشعب للاقتصاد بالتماسيح، ومدبري الليل والنهار بالعفاريت. ولعب  دورا اساسيا بفضل تجربته الكبيرة في العمل السياسي وبراغماتيته الواقعية التي مكنته من تقاسم  الحكم مع ليبراليين ويساريين ووطنيين.راى فيه خصومه قدرة فائقة  على التنازل على شرعية انتخابية  دستورية من اجل الحفاظ على الوفاق السياسي،  ساندتها ظروف  مواتية نسبيا   كانخفاض اسعار البترول  في العالم الى 30 دولارا مما وفر لخزينة الدولة مبالغ هامة اصلح بها شان العجز التجاري، ساندتها في ذلك رغبة احزاب وطنية في دعم الاستقرار. وكانت خيارات الحكومة الاقتصادية مدعومة من المحيط السياسي الدولي، خاصة الخيار الليبرالي الاقتصادي رغم سلبياته، اعتمدت فيه الحكومة  قانونا جديدا للمالية  شُرع في العمل به عام  2016 ، كما بذلت السلطات  جهودا في  تعصير  النظام المالي  المغربي ، لجعل السياسة النقدية مواكبة  لافضل التطبيقات بالمعايير الدولية، وواصلت دعم تمويل النسيج الاقتصادي، خاصة المشاريع الصغرى والمتوسطة. وفرت الحكومة بفضلها نصيبا ماليا للاستثمار الوطني  وعززت  شبكة الحماية الاجتماعية لصالح  الطبقة  الأكثر فقرا وإملاقا وهشاشة.
خاتمة:   
في المغرب، لازال جزء من السلطة يرفض وجود العدالة والتنمية في الحكم قلبا وقالبا. ولكن يبدو ان  الحزب واثق من نجاح ساحق في الانتخابات التشريعية بعد فوزه في الانتخابات المحلية التي أجّلت لاربع سنوات في المغرب منذ 2012. ولا احد يستطيع اغلاق قوس "حزب العدالة والتنمية" -حسب انصاره - بل ازداد عدد المصوتين له ب700 الف صوت جديد مقارنة ب2011 في الانتخابات المحلية الاخيرة و في نظام اقتراع لا يسمح بالفوز ، وحاز مواقع في  اكبر المدن المغربية. وهو ما يفسر بالتالي القيامة الانتخابية ضده. قد تكون النتائج خافقة برياح السّعد والإقبال في الحال والمآل على "العدالة والتنمية"، على حد عبارة السلطان المغربي مولاي يوسف سنة 1917،وقد تخفق لغيره. والاهم ان الديمقراطية في المغرب، صارت وسيلة  لادارة الاختلاف وتثبيت  التعايش السياسي، تغوص جذروها اكثر في التربة المغربية. فالحرب سجال يوم بيوم،  والتاريخ دورات، والانتخابات مواعيد تُسائل الوعود.
 
 سليم الحكيمي
عن مركز الدّراسات الاستراتيجية الديبلوماسية
 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك