القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الانتخابات الامريكية : دونالد ترامب رئيسا و قصّة  نهاية عولمة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-11-20 08:27:06 | 257 مشاهدة
مقدمة :
تمّ انتخاب الرئيس الخامس والاربعين للولايات المتحدة الامريكية  في جوّ مشحون ساده الحديث عن زلزال هزّ اركان البيت الابيض وهزّ معه منظومة العلاقات الدولية المرتبطة به عضويا. ولئن كان انتخاب "ترامب" حدثا مفاجئا حقا، فان التفكير الجاد يحتاج الى ضبط النفس والتروي في اطلاق الاحكام  خاصة حين تكون متعلقة بالتّبعات المستقبلية لهذا الحدث الذي قد يشكل منعرجا حاسما في تاريخ الديمقراطية من خلال دخول عصر ما بعد الحقيقة في العلاقات الدولية من خلال نهاية العولمة السعيدة .
زمن ما بعد الحقيقة :
لقد أثّرت شخصية "دونالد ترامب" على طبيعة الحملة الانتخابية وفحوى نقاشاتها. ولا يخفى على احد ان البهرج الاعلامي و الابهار الاشهاري  و الضغط المالي قد هيمن منذ عقود على المواعيد الانتخابية في امريكا ، وذلك على حساب الحوار والافكار. ولكن هذا المعطى لا يمكن ان يقلّل من البعد الاستثنائي للمواجهة التي جمعت بين "هيلاري كلينتون" و"دونالد ترامب" خلال الاشهر الماضية، والتي أفصحت يوم  8 نوفمبر عن نتائجها . وقد جاءت هزيمة "هيلاري كلينتون" صفعة في وجه النخبة الكلاسيكية في الولايات المتحدة الامريكية .كما جاء فوز ترامب تتويجا للتغيير الجوهري الذي يشهده الخطاب السياسي ، لما من شانه ان يجعل من انتخابات 2016 حدثا مفصليا في التوازنات الحزبية والسياسية ،لا في الولايات المتحدة الامريكية فحسب بل في كل البلدان الديمقراطية .
فقد ضرب الرئيس المنتخب مثلا صادما عن الثورة التي يشهدها عالمنا في ما يخص مقبولية الخطاب السياسي لدى المواطن العادي. ذلك أن خطابه قد أمعن في كسر الحدود التي تعود السياسيون ادعاء الانظباط لها ، والتي تكمن أهميتها في كونها شرطا من شروط الديمقراطية التي يصعب تصوّر مستقبلها دون قواعد يحق للمواطنين أن يتوقعوا احترامها من قبل ايّ خطاب سياسي جِدّي. وهو الحق الذي تنازل عنه النّاخب الامريكي بتصويته لترامب . فعدم انظباط هذا الاخير  لادنى معايير الاحترام والموضوعية والجديّة لم يكن ليصبح ذا أهمية لو ان الراي العام الامريكي عاقبه بالتخلي عنه، وبالتعامل معه على انه ظاهرة هامشية. ولكن مرشح الجمهوريين استطاع ان يقنع ما يقارب نصف الناخبين الامريكيين بحلوله التبسيطية لاكثر المشاكل السياسية تعقيدا، كالعلاقات الدولية   ومسالة الهجرة ومستقبل القوة الامريكية. وهو مؤشر خطير يدعم صدق النظرية القائلة بدخول الديمقراطية عصر ما بعد الحقيقة, الذي لاضير للكذب فيه. وهو تحول اخلاقي ذو أسباب عميقة من ابرزها اقتناع الناخب بان كل السياسيين سواء في الكذب. وتبني الفكرة القائلة بان السياسيين كلهم مثل بعض, شكل من أشكال الخمول الذهني الذي انتشر في كل البلدان الديمقراطية بلا استثناء تقريبا ،وقد ساهم في ذلك الاعلام  بتعامله مع السياسة على انها مادة ترفيهية يسعى من خلالها الى استقطاب المشاهدين .فأطاح بذلك من قيمة القيادة ، ومنح الاولوية للنجومية. وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان الانتقال بايّ حوار ديمقراطي من العبثية الى الجدية. فدون عوائق موضوعية تطرح بالحاح اشكالية العقلانية في زمن ثورة المعلومات. إذ يُجمع المختصون ان  الانفجار الكمّي للمعلومة يعيق التفكير المنهجي ،ويفسح المجال امام شكل جديد  من اشكال التيه العقلي. فتراكم المعطيات وتناقض التحليلات يرهق المختصين ، ناهيك عن المواطنين العاديين،وهو ما يدفع بالكثيرين الى ردة فعل سلبية تبرز من خلال الانكفاء على الذات والاكتفاء بالحلول التبسيطية المغرية ذاتيا باعتبارها تمنح معان كُلية يمكن من خلالها الاطمئنان للفهم. والركون للتمثلات البسيطة احادية السبب  باب الشعبوية مفتوح على مصراعيه . وليس هذا الانحراف بالجديد في السياسة . اذ ان الشعبوية فيها أساس ،قديم قدمها. ولكنه يمتد اليوم بشكل امبريالي بحيث لم يعد مجرد ادة تاثير في اطار ترسانة من تقنيات الخطاب . فالشعبوية كما ظهرت في خطاب ترامب قد تحولت الى غاية جوهرية لا منافس لها ،دون ان يكون لمثل هذا الانحراف الخطير اي اثر سلبي ملموس على شعبية السياسي المذكور. بل على العكس ،فقد ظل ترامب ينتقل بالملاحظين الذين لم يكونوا قد استوعبوا قواعد زمن ما بعد الحقيقة من مفاجأة الى أخرى ضمن نسق تصاعدي انتهى به الى البيت الابيض. وتعبر هذه الظاهرة عن مخاوف عميقة لدى الامريكيين يمكن اختصارها في ثلاثة ابعاد كبرى. فالبلد يواجه خطر فقدان امتيازاته كقوة مهيمنة بحكم بروز منافسين اقليميين ودوليين. كما تواجه طبقته الوسطى خطر تراجع وزنها بسبب مخلفات الأزمة الاقتصادية وتفاقم مستويات الفوارق الاجتماعية . ثم  ان المواطن الامريكي الأبيض، خاصة اذا كان بعيدا عن الواجهات الساحلية في الشرق والغرب يشعر بتهديد اثني ولغوي ناجم عن الضغط الديمغرافي الذي تفرضه  الاقليات داخل البلد  وهي عناصر لن تتغير على المدي القريب والمتوسط . كما انها ليست حكرا على الولايات المتحدة باعتبار ان ابرز البلدان الأوربية تعاني اوضاعا مشابهة  مما يعني ان المجال لا يزال مفتوحا اما مزيد من الشعبوية. ولعل فرنسا اليوم  اقرب من اي وقت مضى للوقوع في قبضة "الجبهة الوطنية" واقصى اليمين في انتخابات العام المقبل. فللشعبوية اثر عدوى  قد يحولها  الى موجة عارمة في اطار الفعل وردة الفعل ،خاصة ان النخب الاوربية لا تبدو احسن حالا من نظيرتها الامريكية، بل انها في كثير من الاحيان اكثر انفصالا عن اوساطها الشعبية واقل تاثيرا في طبقتها الوسطى واضعف نجاعة في فرض قيمها على الحوار العام. وبالتالي يمكن للورقة الانتخابية ان تتحول إلى وسيلة تمرد المواطن العادي على هذه النخب،خاصة في ظل توفّر فضاءات جديدة لصناعة الرأي العام ، كوسائل التواصل الاجتماعي التي تخلق تكتلات اراء مغلقة ومنغلقة .فهي لا توفر مجالا للحوار الاّ لافرادها . ولا تلتقي مع ما سواهم الاّ من اجل مزيد التنافر والتباعد. ايْ انّها توحي بالحوار، ولكنها تقصي اسبابه ،مما لا يخدم النقد البناء والبحث عن الحقيقة.
زمن ما بعد العولمة السعيدة:
لقد تسببت نتيجة انتخابات 8 نوفمبر في صدمة غلبت على الراي العام الامريكي والدولي ،وفي مرارة انتشرت لدى ابرز النخب المثقفة في الولايات المتحدة كما في غيرها . وهي أحاسيس  تعبر عن طبيعة الحدث اذ ان الحملة الانتخابية أوحت بصراع بين تصورين متناقضين للعالم. ونصر ترامب هزيمة للتصور الذي هيمن على المجال العام منذ عقود . وفي ذلك مؤشّر على أهمية اللحظة التي نعيشها ،خاصة إذا اخذنا بعين الاعتبار الازمة التي تعرفها العلاقات الدولية المعولمة بعد ما يناهز عن ربع قرن من النشوة الغربية المطمئنة. ذلك ان الهيمنة الايديولوجية للديمقراطية كقيمة سياسية وللليبرلية كمبدا اقتصادي كان قد بلغ أوجه منذ انهيار المعسكر السوفياتي وبروز نظريات فكرية وتارخية اختصرت قصة الانسانية في مسيرة غائيّة بطيئة ولكن ثابتة،نحو الدمقرطة واللّبْرلَة. ومن بينها نظرية نهاية التاريخ ل"فرنسيس فوكوياما". التي رسمت كغيرها معالم ما يمكن وصفه بالعولمة السعيدة التي ظن المفكرون ان العالم يقبل فيها على مرحلة ما بعد تارخية يتبنى فيها الجميع قيما متشابهة تضمن السلم والاستقرار في العالم.   وهي مرحلة يتحول فيها الرخاء الاقتصادي وثقافة الاستهلاك إلى قيم معيارية مهيكلة.
وقد تخلّلت هذه النشوة  صدمات كبرى استطاع العقل الغربي ادارتها من خلال تصدير اسبابها الى الهوامش . ولعل اول هذه الصدمات ظهور غول الارهاب بوجهه العدواني مسددا سهامه لعقر دار العولمة السعيدة في نيويورك في سبتمبر 2001.  ولكن جذوة النشوة لم تنطفئ حينها . فقد انجدتها المركزية الغربية التي عدّلت الرواية بالفصل بين عالم يعيش اللحظة المعولمة وعالم يتخبط كالديك المذبوح دفعا لها . اي ان القراءة الغربية ميزت بين عالم ما بعد تاريخي وعالم تاريخي يواجه منهما الاخر في معركة لاشك في نتائجها النهائية ،باعتبار ان لا عودة لعقارب التاريخ .
ثم جاءت الصدمة الثانية حين زعزعت الازمة الاقتصادية العالمية اركان "وول ستريت" سنة 2008.  وهو تحد لم يكن بالامكان تصديره لهوامش العولمة في ظل انتشار قناعة بان جنون اسواق المال وغياب القيود على نزعة المضاربة المتوحشة لديها هي المسؤولة الرئيسة عن الكارثة. فكان لابد لرواية العولمة السعيدة ان تتأقلم والظرف الجديد ، فقيل ان الازمات الاقتصادية أمر طبيعي في حياة الانسانية . ولكن دور المنظومة الدولية المُعَوْلَمة يكمن في قدرتها على تطويقها منعا للوقوع في فخ الانعزالية والانكفاء على الذات الذي كان تسبب تاريخيا في نقل الازمات من بُعدها الاقتصادي إلى ابعاد سياسية وعسكرية اكثر خطورة . اي انّ الازمة الاقتصادية لسنة 2008 ،وان شابهت احيانا ازمة 1929، فانّها لن  تؤدي  الى الصدام وبما ان طبيعة الانفتاح وتداخل المصالح توجب مواجهتها جماعيا ، بما يقلص من وطاتها على كل طرف .
وقد راكمت هذه النظرية حججا أقنعت النّخب التي ساءها انتشار التطرف، ولكنها كانت تصر على ان  ترى فيه ظاهرة هامشية مرتبطة جوهريا بالاطراف حيث التخلف والرجعية. وكان مركزها العالم العربي والاسلامي الذي استقطب اهتماما استثنائيا بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربي . ولكنه اهتمام عبّر مرة اخرى عن مركزية غربية منتشية بالذات حين قدمت نخبه هذه الثورات على انها انتفاضة شعوب تسعى الى الالتحاق بركب الحضارة بالمعنى الغربي للكلمة. ثم انقلبت هذه النخب على أعقابها  حين تبين لها أن ارادة  الشعوب المعنية لا تزال محكومة بقيم تتناقض حسب رايها ومتطلبات العصر. فتخلىّ الغرب عن الديمقراطية في العالم العربي دون ان يجد بديلا جديا للأنظمة الديكتاتورية التي كانت تؤمن له الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية وقد زاد تخبطه مع تقلص القيمة الاستراتيجية للشّرق الأوسط بعد تحقيق الولايات المتحدة الامريكية للاكتفاء الذاتي في الطاقة بفضل الاستغلال المكثف للنّفط والغاز الصخري. فبدَت مواقف واشنطن ممزقة بين مبادئ مثالية لا تعرف كيف تدافع عنها وبراغماتية فجّة لم تحسن تكييفها مع متغيرات الواقع الشرق اوسطي.  ومع ذلك بقي جوهر الرواية الغربية صامدا. ولم يزعزع الطمانينة التي بثها في عقول اصحابه حتى ظهور ازمة اللاجئين السوريين ، وتردد أكثر البلدان  الغربية في الوفاء لمبادئها الانسانية المعلنة. ولم يكف الاحراج الذي تسببت فيه تركيا حين احتضنت ما يزيد عن مليوني لاجئ  لتنبيه العقل الغربي لما تحولت اليه بلدانه من انعزالية وانكفاء غير مبرر على الذات .
ثم جاء الاستفتاء البريطاني ، فهز أركان الوجدان الاوربي وتلاه بعد اشهر قليلة انتخاب "ترامب" رئيس للولايات المتحدة الامريكية معلنا عودة الانعزالية الغربية بشكل نهائي. فأُسقط في أيدي  اكثر النخب تفاؤلا، واقتنع الجميع ان أسوا الاحتمالات قد صارت ممكنة. فهذا التاريخ قد عاد بسننه المذمومة وأحكامه المشؤومة. ولم تكن العولمة السعيدة  اذن الاّ حقبة كغيرها ،محكومة بسياقها. وسياقها لحظة من النشوة الغربية  التي رافقتها طفرة تكنولوجية ووفرة مادية وانفتاح اقتصادي وثورة مجتمعية . اما وقد انتشر التشكيك في هذه الاركان المؤسسة في عقر دار العولمة في بريطانيا والولايات المتحدة ، فربما قد آن أوان تسديد الضريبة ، وردة الفعل تبدو انعزالا بعد انفتاح ، وقومية بعد عالمية ،وغضبا بعد سعادة.
خاتمة:
إن من المستبعد أن تكون نتائج انتخابات "دونالد ترامب" بالعنف الذي يصوّره الكثيرون. فالسياسة الامريكية في الدّاخل وفي الخارج محكومة بإكراهات تتجاوز شخصية الرئيس حتى يكون لحزبه الأغلبية في الكونغرس ،كماهو الحال اليوم . وليس في هذا الكلام تقليل من أهمية الحدث. ويكفي لبيان عمقه  التذكير برمزية ثنائية الحماسة التي عرفها العالم بعد انتخاب "باراك  أوباما" عام 2008 من جهة والإحباط الذي هيمن على العقول بعد انتخاب"  دونالد ترامب" من جهة اخرى .
وهي ثنائية تحكي صراعا بين عالمين ، يملك الغاضب منهما اليوم زمام المبادرة . اما السعيد منهما ، فقد خبت جذوته واحبطت عزائمه . ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه السنوات القادمة : اهي خسارة معركة ام خسارة حرب ؟
وفي انتظار الجواب ،تكمن اهمية فوز "دونالد رامب " على المدى القصير والمتوسط في تجسيد الحرج الذي تعيشه الجدية في صراعها مع التبسيط ، وفي بيان التحدي الذي يواجهه العقل في سعيه لترويض العواطف الجماعية المنفلتة . إذ تبدو الشعبوية اليوم انجع من اي وقت مضى . وذاك بالتاكيد نذير شؤم على مستقبل الديمقراطية.
 
الدكتور ايمن البوغانمي
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية .
 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك