القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الاقتصاد التضامني والاجتماعي: محاولة في الفهم

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-11-07 10:38:00 | 883 مشاهدة

 

تقديم عام:

هذا المقال، هو محاولة لتناول مفهوم الاقتصاد التضامني والاجتماعي من جانب أكاديمي، عبر تقديم كتاب عالم الاجتماع الفرنسي "جون لوي لافيل" والمعنون ب: الاقتصاد التضامني والاجتماعي: آفاق عالمي. عرض فيه الباحث تجارب مختلفة للاقتصاد الثالث في عدة أقطار يمكن أن نعتبرها ناجحة نسبيا. مع محاولة تناول الخصوصية المحلية التونسية في الغرض.

المقدمة:

حرصت رئاسة الحكومة التونسية في آخر تحوير وزاري لها منذ سنة على إحداث وزارة تعنى بمسألة الاقتصاد التضامني والاجتماعي، لازالت في طور النشأة. هذا المبحث الذي حضي باهتمام العديد من الباحثين لقي تفاعلا إيجابيا داخل أوساط المجتمع المدني التونسي بشكل خاص ولا يزال مبهما عند عامة الشعب نوعا ما. الأمر الذي دفعنا إلى محاولة بسط صورة توضيحية حول نشأة الفكرة وتقديم لمحة عن بعض التجارب الملموسة، من خلال عرض كتاب لعالم الاجتماع الفرنسي "جون لوي لافيل"، الذي عرج على مسألة نشأة الفكرة وصولا إلى تجارب واقعية من العالم تثبت نجاعة الطرح.

الاقتصاد التضامني والاجتماعي: النشأة والتاريخ

بعد رجوعه إلى السيرورة التاريخية لنشأة الفكر الاقتصادي منذ القدم وصولا إلى اللحظة الراهنة، استنتج "جون لوي لافيل" أربعة مبادئ أو نماذج للسلوك الاقتصادي، عرضها على النحو التالي:

حيث نجد في البداية "الإدارة الذاتية أو الأهلية": أين يقوم الإنسان بالإنتاج من أجل دخله الخاص. فمهما كان حجم المنتوج فإن الغاية الأساسية للمجموعة هي تحقيق اكتفائهم الذاتي من المنتوج وتخزينه، وهذا يسمى بالمجموعة المغلقة. ما يحدد نواة هذه المؤسسة، يمكن أن يكون الجنس في العائلات الأبوية أو القرية مثلا، رغم أن حجم المجموعة يمكن أن يتغير مع بقاء الهدف وهو تخزين المنتوج.

بعدها مباشرة نجد "التبادلية": تتمثل فيالعلاقة بين مجموعة من الناس مع سيرورة من العطاءات. ذلك وأن المؤسسة مبنية على قاعدة الهبة. وهذه القاعدة تعتبر فعل أساسي أولي، فوجود الهبة مرتبط بوجود هبة مقابلة. وتؤكد الميزة الأساسية للتبادل على أن العلاقات تلك لا تنفصل عن العلاقات الإنسانية (أي أن الناس يعرفون بعضهم ولا يتبادلون مع أي كان). وعلى الرغم من أنها مبنية أساسا على التنوع إلا أنها لا تكون فقط عملية تبادل تتطلب شرط الإنسانية، بل لديها بعد روحي أكثر من كونها ذات بعد اقتصادي. أما عن التوجه الثالث الذي عرّج عليه "جون لوي لافيل"، والمتمثل في "إعادة التوزيع"، فقد أشار إلى أن المجال المذكور، يتم تقديم الإنتاج عبره لسلطة معينة. هذه السلطة تتولى مسؤولية توزيعه وهو ما يفترض وجود تخزين وفترة انتظار بين فترة التسليم وفترة التوزيع. هذه العملية تكرس لفكرة "المؤسسة المركزية". وفي هذه النقطة بالذات وفي المؤسسة بصفة خاصة، نجد توزيعا للمهام بين الناس المعنيين بتنظيم وتخزين وتوزيع المنتوج مع فئة المستهلكين.

ما يمكن أن نستنتجه وأن هذه المرحلة تؤسس لظهور سلطة سياسية، أي وجود مفهوم السلطة (من يقوم بتوزيع المنتوج يصبح صاحب سلطة).

أخيرا نجد مرحلة "السوق"، وهو مكان إلتقاء بين العرض والطلب من أجل التبادل بما هو عملية تشترط وجود نموذج مؤسساتي خاصا به. ويقوم التبادل أساسا على توازن بين العرض والطلب. كما يمكن أن يأخذ شكل الشراء والبيع. ويحدد هذا الطلب حسب قيمة ومعادلة عامة. هذه القيمة تسمى "سعرا"، والمعادل العام هو "المال".

ومثلما أسلفنا القول، يمكن للتبادل أن يأخذ شكل السداد، وذلك بشكل طبيعي، عندما يقوم الطالب بالدفع من خلال خدمة ما، بدل تسديد النقود. فالتبادل لا يمر بواسطة المعادلة المالية بل بواسطة بضاعة مقابل بضاعة. في حين أن السوق يكون بوسيط مالي.

هكذا، يمكن أن نستنتج وأن إنتاج وتوزيع السلع والخدمات في المجتمعات قد مرّ عبر أربعة مراحل وهي الإدارة الأسرية، إعادة التوزيع، التوزيع، لنصل إلى المرحلة الراهنة، مرحلة السوق.

من جهة أخرى، شهد تشكل الاقتصادي والاجتماعي بماهما مفهومين داخل المجتمعات، شرط من شروط انتشار اقتصاد السوق. فإذا ما تمّ اختيار السوق كآلية ذاتية للتنظيم، فإن ذلك يعود لإمكانيته ترسيخ علاقات بين الأفراد في مجال الاهتمامات من ناحية والحفاظ على علاقات القوة والمصلحة من ناحية أخرى.

وامتد الاقتصاد التقليدي إلى غاية منتصف القرن العشرين، المتميز بالاقتصاد التضامني أو "الميكانيكي"، حسب المفهوم "الدوركايمي" (نسبة إلى عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم). لكن، سرعان ماتم التخلي عن الغايات التي خلقت من أجلها المصلحة العامة للاقتصاد التضامني وإعلاء أهمية اقتصاد السوق من خلال خلق المؤسسة الرأسمالية. فالعمل هو القيمة وليس هناك مصلحة عامة أمام النزعة الفردية.

فهل يمكن الحديث عن الانتقال من اقتصاد ميكانيكي تضامني إلى اقتصاد عضوي المتمثل في "السوق"؟

ما يمكن أن نستنتجه، وأن المرور من الاقتصاد التضامني إلى الاقتصاد الاجتماعي يشترط المرور بالاقتصاد الليبرالي. ذلك وأن الاقتصاد الاجتماعي قد أخذ ميزة من الاقتصاد الليبرالي المتمثلة في الانفتاح على الكل، في حين أن الاقتصاد التضامني (حسب المفهوم التقليدي) يضل معزولا أو بالأحرى محدودا.

إذا، يمكننا القول بأن الاقتصاد الاجتماعي هو مرحلة جديدة متطورة تأتي بعد الاقتصاد الرأسمالي، بينما يمكن أن نطلق على الاقتصاد التضامني صفة البدائية بما هو اقتصاد تضامني ميكانيكي حسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي "إيميل دوركايم".

يمكن أن نقول بأن الاقتصاد التضامني (حسب المفهوم التقليدي) لم يعد يلبي الحاجيات والانتظارات، الأمر الذي يدفعنا إلى أخذ كل ما هو إيجابي من الاقتصاد الرأسمالي وأساسا مسألة الانفتاح على السوق حتى نتمكن من الوصول إلى الاقتصاد الاجتماعي. فالبعد اللامادي يخلق اجهادا لدى المتطوعين، مما ينبغي المحافظة على البعد المادي.

ويمكن القول بأن الاقتصاد الرأسمالي قدخلق أزمات على المستوى السياسي إلى جانب البطالة والتضخم المالي مقارنة بالاقتصاد التضامني والاجتماعي الراهن الذي قام بردم الهوة نوعا ما.أما على المستوى الاقتصادي فقد سمح بالمرور من المجتمع الصناعي المرتكز على نظام الأجير إلى مجتمع مرتكز أساسا على الأشكال المتعددة للعمل.ويمكن القول بأن الدافع الأصلي يكمن من خلال المرور إلى مجتمع الخدمات، خاصة في البلدان الغربية بصفة عامة.

الاقتصاد التضامني والاجتماعي: دراسة حالات

يعرض الكتاب عددا من حالات تطور الاقتصاد التضامني والاجتماعي في عدة أقطار من العالم. ففي أوروبا مثلا، لم يكن التوجه منذ البداية توجها سياسيا بقدر ما كان توجها من قبل المجتمع المدني. حيث أن تطور المجتمع في أوروبا، ساهم في التحرر من توجهات الدولة، وأصبح الشعب حر في اختياراته من خلال ممارسة النشاط الجمعياتي. فالجمعيات لا يعود سبب تكوينها إلى ظاهرة الفقر أو ظاهرة البطالة على سبيل المثال، وإنما كانت غايتها ممارسة الإرادة الحرة للشعب بمفهوم اقتصادي تضامني اجتماعي. وسعى المجتمع الأوروبي إلى خلق نظام اقتصادي جديد من خلال فكرة "تهجين" مجموعة من الأنظمة الاقتصادية على غرار اقتصاد القرب، الاقتصاد التضامني، الاقتصاد الرأسمالي، لاستخراج اقتصاد واحد. فالمجتمع الأوروبي يرى ضرورة تجاوز المجتمع الأجير عبر إنشاء "خدمات قرب".

وسعيا نحو التوجه الديمقراطي، يرى المجتمع الأوروبي أن الحاجة لا تكمن في القيام بإصلاحات للمؤسسة الاقتصادية، بل عبر القيام بمبادرات اقتصادية تكرس الديمقراطية.حيث تصبح المؤسسة الاقتصادية مكرسة للديمقراطية وليس الأمر بإصلاح المؤسسات الحالية من أجل بلوغ الديمقراطية. مع ضرورة خلق أنشطة اجتماعية لا تقوم على التنافس والانتقائية.

أما فيما يخصّ أمريكا الشمالية، اعتمد جون لوي لافيل على مقاطعة الكيباك التابعة للدولة الكندية بماهي مثال. ويمكن القول بأن الانطلاقة في الكيبيك كانت حرة، فالاقتصاد التضامني والاجتماعي في الكيبيك يمثل حلا ثقافيا للدولة الرعوية منذ ستينيات القرن الفارط، والتي تضع الشعب في قناة واحدة مع الاقتصاد الرأسمالي الذي أدى إلى خلق البطالة بصفة آلية وأصبح غير قادر على استيعاب الشعب وتوفير الشغل له.

 ومثلما أسلفنا القول، يرجع انطلاق الحركة الشعبية إلى ستينيات القرن الماضي التي تطورت "من مرحلة المطالبة إلى مرحلة الشريك للدولة". حيث أدى الفشل في المفاوضات الاجتماعية بين النقابة والدولة في الفترة ما بين سنتي 1982م و1983م، إلى بروز حركات نقابية وحركات اجتماعية شعبية تسير بالتوازي سعيا إلى تكريس مفهوم الاقتصاد التضامني والاجتماعي.وتمّ توسيع مجالات الاقتصاد ليشمل قطاعات حياتية عدة، منها المعلوماتية والاستهلاكية وحقوق الانسان وغيرها...

كما أصبح نشاط المنظمات الاجتماعية ذو تأثير كبير على الدولة. وهذه الأخيرة وجب عليها التفاعل مع هذا النشاط، إذ لابدّ من أن يتحول من نشاط بسيط إلى نشاط مقنن، وعليه أن يكون خيارا للدولة. وبناء على ما تقدم، تحول الخيار من خيار اجتماعي إلى خيار سياسي بعد ما ساهم في حلّ مشاكل لم تقدر الدولة الرعوية على حلها ولا الاقتصاد الحرّ أيضا. وهكذا أصبحت المنظمات الاجتماعية شريكة للدولة في كندا بصفة عامة، مساهمة في وضع الاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي الخيارات السياسية.

ويمكن القول بأن تطور المنظمات الاجتماعية،لعب دورا كبيرا في المرور من القرارات المسقطة إلى القرارات النابعة من التفاوض والاتفاق بين المجموعات المحلية التي لها مصالح ورؤى مختلفة، أي القوى الحية، مثل النقابات والجمعيات المحلية...

إن تطور ظاهرة الاقتصاد التضامني والاجتماعي في الكيبيك، قد مرّ عبر استقلالية الجماعات الشعبية والاجتماعية من ناحية وكذلك المنظمات النقابية، عما يسمّى بالدولة الرعوية. حيث برز الاهتمام بالمجال التعاوني والتنموي للاقتصاد الشعبي بشكل كبير. في حين على مستوى الشغل تحسنت العلاقة بين النقابات والمؤسسات الاقتصادية في مجال القطاعات العامة. إلى جانب ارتفاع الأصوات التي تقود نحو دمقرطة التأجير والمنادية أيضا بديمقراطية اجتماعية كبيرة، بناء على وجود منوال تنموي يتصارع حوله التوجه الاجتماعي بشكل عام. لنخلص إلى القول بأن الرهان الأساسي للحركات الاقتصادية التضامنية الاجتماعية في كندا وتحديدا في الكيبيك أصبح رهانا سياسيا بامتياز.

أما بالنسبة لتجربة الشيلي فإن "العامل الشعبي أصبح فاعل اقتصادي"، على حدّ تعبير جون لوي لافيل، فقد لعبت حركة الاقتصاد الشعبي دورا هاما طيلة تاريخ الشيلي.

وكانتالبداية عبر تأسيس الحركة الشعبية من خلال المؤسسات التقليدية، مثل الأحزاب السياسية والنقابات ولجان الأحياء. ثمّ سرعان ما انتشر الاقتصاد اللاشكلي،ليصل بنسبة 15% من قوّة العمل في "سانتياغو" سنة 1970، وارتفعت في أزمة 1982 حوالي 20%. لكن بداية من سنة 1990 بدأت فكرة الاقتصاد الشعبي تتطور في الشيلي لتساهم بنسبة 20% من قوة العمل. نجد 25% منها في الأحياء الفقيرة، باعتبار وأن أغلب المهن تحوم حول الاقتصاد الشعبي، الذي يعرف بالاقتصاد التضامني والاجتماعي.

سيرورة الاقتصاد التضامني والاجتماعي في تونس:

فيما يخص الشأن التونسي، يمكن أن نشير إلى أن فكرة التضامن والتعاون يعتبر إرثا تقليديا منذ القدم. فالمجتمعات التقليدية في هذه الربوع، والتجمعات القبلية في مناطق أوسع جغرافيا، عرفت ما يسمى بالتعاضد الاجتماعي، بما تحمله هذه الكلمة من معنى لأشكال الحياة التعاونية والتضامنية في عدة مواسم فلاحية بالأساس، التي يعيشها المجتمع المحلي على غرار، الزراعة والحصاد، جني التمور وجني الزيتون، وغيرها من الأشغال التي تحمل سمة التعاون بين مختلف الأفراد، والتي تؤكد وتدّعم البعد التضامني داخل المجتمع التقليدي.

غداة الاستقلال، سعت الدولة إلى انتهاج سياسة اقتصادية تعاونية عبر ما يعرف بالتجربة التعاضدية في فترة ستينيات القرن الفارط. لكنّ عدّة قراءات تاريخية واقتصادية وسوسيولوجية لتلك التجربة، تصفها بالتعسفية والتسلطية في التاريخ السياسي الاقتصادي والتنموي للدولة الوطنية آن ذاك. نظرا لطابعها الاسقاطي على صغار الفلاحين والذين شملتهم التجربة بشكل مباشر. مما أدى إلى فشل التجربة تدريجيا، وعودة الدولة إلى المنوال الليبرالي مع بداية السبعينيات. ولم يتعدى التطرق للمنوال التنموي الاقتصادي التضامني والاجتماعي، إلا عبر البعض من البحوث والندوات العلمية حسب الأوضاع التنموية والاقتصادية التي تعيشها الدولة في فترات زمنية معينة، دون أن تجد صدى واسعا وتفاعلا كبيرا.

وبعد الثورة بسنة، وتحديدا سنة 2012، بدأ الحديث حول الاقتصاد التضامني والاجتماعي يعود نسبيا، من خلال تقديمه كطرح اقتصادي ضمن البرنامج الانتخابي لبعض الأحزاب بشكل مختزل ودون شرح أو توضيح شافي. أو عبر جمعيات ومنظمات تشتغل في الغرض، مثل جمعية PLAT’ESS، أو بعض المنظمات الدولية على غرار المنظمة الإيطالية Cospée. دون أن ننسى مبادرة المشروع القانوني لهذا القطاع من قبل الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي اشتغل على أهم الأجزاء القانونية التي من شأنها أن تثري المفهوم وتساهم في بنائه بما هو قطاع ثالث يمكن أن تعتمده الدولة في اقتصادها. وذلك بعد الرجوع إلى عديد التجارب الدولية في الغرض، باعتباره قطاعا ثالثا معاضدا للتنمية الاقتصادية في تلك البلدان، رفقة كل من القطاعين العام والخاص. وكانت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل مدعومة بمرافقة الاتحاد العالمي للشغل OIT.

طبعا، هذا لا ينفي المساهمة الحكومية في هذا الغرض. ويتجسد ذلك عبر وزارة التكوين المهني والتشغيل، التي عرجت على هذا المبحث بداية من سنة 2016، بتنظيمها عدة ندوات في الغرض تدعم الموقف الحكومي من هذا المنوال الاقتصادي.

وتعود لحظة الاهتمام الحكومي بهذا القطاع، إثر الأزمة التنموية التي عرفتها البلاد في تلك الفترة وأساسا الأزمة بين الحكومة وجمعية واحات جمنة من الجنوب التونسي. هذه الأخيرة اعتمدت المنوال الاقتصادي التضامني والاجتماعي في عملية تسيير وبيع والانتفاع بصابة التمور في تلك الفترة.

انطلاقا من هذه الواقعة، بدأ الجانب الحكومي يتجه نحو الاهتمام بهذا القطاع بأكثر جدية، من خلال التأكيد على دوره وأهميته في خلق مواطن شغل، والحد من البطالة في صفوف الشباب، مع تدعيم المبادرة الخاصة التي تسلك هذا النهج الاقتصادي. وتم تأكيد ذلك من خلال تقرير وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، التي بسطت جملة من المكونات والخطوات التي من شأنها أن تدعم هذا القطاع في تونس.

وفي سنة 2017، تمّ القيام بندوة مشتركة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة، من أجل مناقشة مقترح المشروع القانوني للاقتصاد التضامني والاجتماعي وسبل تفعيله، وتدارس أهم المجالات التي يمكن أن يشملها هذا المنوال. مع التأكيد على ضرورة عرض هذا المقترح على البرلمان ومناقشته من أجل إضفاء صبغة شرعية على هذا المنوال، وإكسابه الطابع القانوني المنظم له.

ونجد كذلك الاهتمام الحكومي بهذا المبحث، يتجسد من خلال تعيين وزير لدى رئيس الحكومة مكلف بملف الاقتصاد التضامني والاجتماعي الذي نعتبره قرارا إيجابيا في اتجاه تكريس وتدعيم القطاع.

جل هذه التحركات والمبادرات تعتبر استراتيجية عملية من قبل العديد من الفاعلين وصناع القرار، سواء عبر المنظمات الوطنية والدولية وبعض الجمعيات، أو عبر الجانب الحكومي في تونس.

لكن يبقى البعد القانوني والتشريعي من أوكد الاستحقاقات الماسة في الظرف الراهن، من أجل تفعيل هذا القطاع الثالث.

ويمكن أن نقول بأن هذا القطاع خاضع لثلاث ركائز أساسية، تشكل مجتمعة منوال الاقتصاد التضامني والاجتماعي حسب الخصوصية التونسية، نعرضها على النحو التالي:

-تخصيص نص قانوني يقنن ويحفظ هذا القطاع.

-إيلاء وزارة تعنى بهذا القطاع.

-إحداث مؤسسات داعمة لهذا القطاع. (مثل: التعاونيات، الشركات، بنك خاص، جمعيات...)

بناء على ما قدمنا، يمكن للدولة بصفة عامة والسلطات المعنية بصفة خاصة تأسيس وبناء هذا القطاع على أسس قانونية، من شأنها أن تدعم النسيج الاقتصادي للدولة، وتحفظ النسيج الاجتماعي من حالة التدني. لكن، يبقى كل ذلك رهين الإرادة السياسية.

خاتمة:

حاولنا من خلال هذا العرض التطرق لمفهوم الاقتصاد التضامني والاجتماعي، اعتمادا على تقديم كتاب عالم الاجتماع الفرنسي "جون لوي لافيل" الذي يعتبره آفاقا عالميا، مستندا إلى تجارب ونماذج ذات صلة بالمفهوم. فهل يصح القول بأن هذا المشروع الاقتصادي يسلك طريقا طويلة من أجل الوصول إلى عدالة تنموية داخل المجتمعات؟ وهل يمكن للمجتمع التونسي بشكل خاص الاستفادة من تجارب الأقطار المختلفة عبر العالم لتؤسس نموذجا وطنيا خاصا بها من شأنه أن يحدث نقلة نوعية في المجال الاقتصادي والاجتماعي للبلاد؟

معاذ جمايعي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك