القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الاقتصاديّات العربيّة وتقلبّات أسعار النفط

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-12-18 04:18:00 | 113 مشاهدة

مقدّمة

يعد النفط من  أهم مصادر الطاقة فى العالم. و بعد حرب 6 أكتوبر 1973، لم يعد مجرد مصدر للطاقة فقط بل  سلاحا استراتيجيا هاما يغير الكثير من مسار المعارك العسكرية(1)، و بات النفط أداة للضغط و لي ذراع الخصوم السياسيين.  و بعد تدني أسعاره بالآونة الأخيرة، و بالتحديد مع بدايات عام 2014 و استمرار هبوط أسعاره  بسرعة شديدة  توجبت معرفة وتداعياته الاقتصادية  على شكل سياسات الدول خاصة دول الشرق الأوسط التي يمثل لها النفط الثروة الأساسية و العمود الفقري لاقتصادها. و في ظل حالة الاحتدام السياسي و التربص العسكري بين أقطاب العالم و التوتر الذى تعيشه دول المنطقة مع اشتعال ثورات الربيع العربي ببداية عام 2011 ، كيف سيكون شكل خريطة مصادر الطاقة الجديدة في ظل ظهور بدائل للنفط التقليدي؟ .

فقد حمل عام  2014  التغيير الجذري فى مستقبل النفط بعد أن قامت جمهورية الصين الشعبية، التي تعد أكبر مستهلكي النفط بتقليل طلبها على البترول، مما أدى إلى انخفاض تدريجي في أسعار النفط العالمية، حيث انخفض سعر البرميل خلال عام 2014 بنسبة 55% فى فترة  لا تتخطى ستة أشهر،  مما جعل الايرانيين يشعرون  بقلق بالغ، و يصرّحون  بأن هناك مخططا ضدها للإضرار باقتصادها (2)، في الوقت الذى أعربت فيه من  السعودية و الإمارات  عن عدم قلقهما  إزاء التغيرات السريعة في أسعار النفط العالمية. و بعد انخفاض طلب شراء الصين من النفط، اتبعها باقي الرفاق فى منظمة “البريكس” روسيا الاتحادية و الهند و البرازيل و هم  يعدون من أكبر 7 مستهلكين للنفط عالميا بتقليل استيرادهم منه أيضا. و لذلك تغير شكل العرض و الطلب بسوق النفط تماما، فبحلول شهر يونيو 2014، حدث هبوط حاد في أسعار النفط بالأسواق العالمية. فبعد أن كان سعر خام برنت 110 دولارا  للبرميل، أصبح  سعر البرميل في يناير 2015 50 دولارا. و كان لذلك الهبوط أسباب رئيسية أخري بجانب ما أقدمت عليه الصين و روسيا و الهند و البرازيل من تقليل أستيرادها منه. فكان ضعف النمو الملحوظ بمنطقة اليورو عاملا رئيسيا بتلك المعادلة المعقدة بجانب الثورة التى فجرتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد دخول النفط الصخري إلى ساحة المنافسة. و بعد أن قررت مع كندا مضاعفة إنتاجهما المحلي من استخراج النفط الصخري و تقليل استيراده  من الخارج. و يصف خبراء الطاقة بالولايات المتحدة الأمريكية عمليات استكشاف و استخراج النفط و الغاز الصخري في بلادهم بأنها أهم تطور شهدته صناعة الطاقة منذ استخراج أول دفقة نفط من باطن الأرض قبل نحو 150 عاما ببلدة تيتوسفيل بولاية بنسلفانيا عام 1859 .

النفط الصخري منافسا  للنّفط التقليدي

بداية النفط الصخري هو نوع من النفط الخفيف، تتم عملية إنتاجه من الصخور التي تحتوي ترسبات مادة الكيروجين، ليتم تحويلها بالحرارة إلى سائل هيدروكربوني بديل للنفط الخام. و تعد تكلفة استخراج النفط الصخري أعلى من تكلفة استخراج التقليدي. كما أن النفط الصخري يختلف عن النفط الخام الطبيعي أو النفط الرملي. و كانت بداية ثورة النفط الصخري بولاية تكساس الأمريكية عام 2012 بعد أن باتت دولة  تروج له عبر الشاشات و تدفع به فى الأسواق، و هنا كانت الولايات المتحدة أكثر المستفيدين من سقوط أسعار النفط الطبيعي الخام و استغلاله  في ظل انكماش السوق الصينية.

تأثير تدنّي أسعار النفط على السعودية

بتلك الأثناء، بدأ القلق يتسرب إلى السعودية بعد أن استشعرت فى البداية أن الخناق يشتد على طهران و موسكو، حتى استشعرت أن الحبل يلتف حول عنقها هي. و هنا انتظر مصدرو النفط و في مقدمتهم السعودية، قرارا من منظمة منظمة البلدان المصدرة للنفط  لإعادة الأمور لطبيعتها باتخاذ قرار وقف إنتاجه  كي يرتفع الطلب و السعر. و لكن جاء قرار منظمة “أوبك” فى نوفمبر 2015 على عكس ما تشتهي السفن. حيث قررت المنظمة  رفع إنتاجه . و بات النفط المتدني سعرا يهدد الاحتياط النقدي العالمي بالاستنزاف السريع. و هنا وجدت المملكة العربية السعودية نفسها مضطرة لبيع البرميل بسعر 106 دولارا كي تتجنب الإنفاق من احتياطها النقدي الذي يقدر بـ 750 مليار دولار، فى ظل أن سعر البرميل بات 37 دولارا،  ليتضح أن الاحتياطى النقدي السعودي بات فى مرحلة الخطر، اذا أستمر الحال على ما  هو عليه، خاصة و إن استمرت الولايات المتحدة الأمريكية في منافسة أسعار النفط مع أوبك فقد يصل وقتها سعر البرميل إلى 10 دولار.علماو  أن عائدات الولايات المتحدة من النفط لا تتخطى 2% من مجموع الناتج المحلي، فى حين أن 85% من الاقتصاد السعودي معتمد على عائداته. و لتتجلي خطورة تدني أسعار النفط على أقتصاد السعودية الذي يتم استنزافه تدريجيا بسبب حرب اليمن و كمّ الإنفاق العسكري الهائل على عاصفة الحزم، و ما عقدته المملكة العربية السعودية من إبرام عقود صفقات تسليح ضخمة مع الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا  و كندا و سويسرا و فرنسا و تركيا و باكستان لكي تصبح أكبر مستورد عربي(3) للسلاح. و هذا قبل أن تخصص المملكة 25% من من موازنة عام 2016  (4) أي أكثر من 213 مليار ريال سعودي ما يعادل 57 مليار دولار أمريكي للأغراض الأمنية و العسكرية حسب ما أعلنته وزارة المالية السعودية بنهاية عام 2015. و هو ما انعكس على الوضع الداخلي السعودي مما أجبر قيادة المملكة على تأجيل أغلب المشاريع التنموية  التي كان مقررة .

النّفط الصّخري وتغيير معادلات السوق

مع مجيء الساعات الأولى للعام الجديد ، أعلنت الولايات المتحدة إنهاء الحظر المفروض على تصدير النفط منذ  أربعين عامًا وقامت بتصدير أولى الشحنات منه  عبر شركة “كونوكو فيليبس” الأمريكية بعد مغادرتها لمدينة كوربوس كريستي بولاية تكساس متجه للموانئ الإيطالية. فالولايات المتحدة الأمريكية التى تعد أكبر منتج للنفط في العالم، تعتزم تصدير 600 ألف برميل من النفط الصخري من ميناء هوستون جنوب ولاية تكساس فى ظل سعيها للتطور التقني فى عمليات استخراج النفط الصخري لكي تكون تكلفته مثل تكلفة استخراج النفط التقليدي. فحجم احتياطى النفط الصخري بالولايات المتحدة يُقدَّر بـ 78 بليون برميل ما يعد كافياً لاستهلاك الولايات المتحدة لـ10 سنوات، بجانب أحتفاظها بـ17 تريليون متر مكعب من الغاز تكفي استهلاك الولايات المتحدة لنحو 20 سنة. علما و أنه في العام بالعام الماضي أنتجت الولايات المتحدة 4.2 مليون برميل يومياً من النفط الصخري بالإضافة إلى 1.8 مليون برميل يومياً من سوائل الغاز الطبيعي و350 بليون متر مكعب من الغاز. و لم يكن أمام أغنى الدول باحتياطات النفط الصخري كروسيا الاتحادية و البرازيل و الصين و الأرجنتين و المكسيك و أستراليا إلا الإسراع فى تفعيل تكنولوجيا التكسير الهيدروليكي التي توظفها الشركات ألأمريكية للاستفادة من هذه النوعية من النفط، و تعتمد عملية التكسير الهيدروليكي على ضخ كميات هائلة من السوائل و المواد الكيمياوية فى التكوينات الصخرية تحت ضغط عالي لكي تحدث شقوق لتسهيل عملية التنقيب(5)  الأمر الذى قد يعرض المياة الجوفية إلى تلوث   نددت به العديد من جمعيات حماية البيئة بالسنوات الأخيرة قبل أن تقلل واشنطن من مخاطر تلك التقنية.

روسيا و البدائل المستقبلية

مما لاشك فيه أن تدني أسعار النفط يمثل تحديا خاصا لروسيا. و كان ترمومترا صريحا لدرجة صمود فلاديمير بوتين بتلك المعركة خاصة و إن جولة الصراع بين بوتين و الغرب الاقتصادية التي  بدأت مع توقيع واشنطن و أوروبا عقوبات اقتصادية على روسيا لم  تنته بعد. و هنا وجد بوتين نفسه فى دائرة صراع اقتصادي جديدة فى وقت واحد بالتزامن مع الموقف الذى يمر به حليفه الأول ببكين بعد التراجع الواضح لليوان الصيني فى الأسبوع الأول للعام الجاري و تأثير ذلك على حركة الأسواق العالمية(6). و هنا يجب أن نضع فى الحسبان ما شهدته روسيا الاتحادية من تطور و تغيير جذرى فى عقليتها السياسية و ما ترتب عليه من تأثير على كافة أركان الدولة الاجتماعية و الاقتصادية و العسكرية و غيرها، و عودة روسيا للساحة الدولية و بقوة بعد حقبة انعزال مريرة. فروسيا بوتين اختلفت كل الاختلاف عن روسيا يلتسن. و لأن الصراع بين روسيا و الغرب غاية الشراسة على أرض جزيرة القرم و سوريا، فقد ألقى ذلك بظلاله على الاقتصاد بعد أن وقعت الولايات المتحدة و دول أوروبا على عقوبات اقتصادية ضخمة على روسيا قبل أن تتحير موسكو أمام مؤشرات سوق النفط ، ليدرك  كل من وزير التنمية الاقتصادية الروسي اليكسي أوليوكاييف و نائبه ألكسي فيديف بسرعة تعجيل تنفيذ خطة تنويع مصادر الطاقة و أن لايقف  مستثمرو الطاقة عند إنتاج النفط فقط بل التنويع فى مصادر إنتاج الطاقة نفسها و عدم الاعتماد الكلي على النفط التقليدي فقط و استغلال كافة الأراضي الروسية بعد إطلاق أقمار صناعية حديثة يمكنها رصد و معرفة ما بباطن الأرض الروسية الواسعة، و على مسافات عميقة من سطح الأرض. و هذا قبل أن يتوقع وزير التنمية الاقتصادية الروسي اليكسي أوليوكاييف هبوط سعر برميل النفط الى 25 دولار و أن يتجاوز سعر صرف الدولار الأمريكي 80 روبل(7) .

و فى ظل التنافس للحصول على مصادر الطاقة و تنويع مصادر الاقتصاد الروسي و تنويع العمل بمصادر الطاقة نفسها يعتزم الخبراء الروس مع نهاية العام الحالي ظهور أول بطارية نووية روسية بعد إتمام نشوء كمية كافية لنظير النيكل – 63 لكي تدخل بنا موسكو إلى عالم جديد من الطاقة. وفى ظل تلك المشاهد التى تعكس حجم التحديات التى تواجه موسكو، يرى المدير التنفيذي لمجموعة تيمبلتون لإدارة الأصول “مارك موبيوس” بأن موسكو يمكنها الخروج من تلك المعضلة الحالية فى حال عدم اعتمادها الكلي على النفط التقليدي و قيامها بسرعة تنويع مصادر إيراداتها، خاصة أن روسيا تملك من البنية التحتية و الأيدي العاملة و رؤوس الأموال التى تساعدها فى تنفيذ ذلك فى وقت قصير(8). كما أضاف “مارك موبيوس” بأن عددا ضخما من أسهم الشركات الروسية مقيم دون قيمتها الحقيقية .

التوجه العُماني و التخبّط الجزائري

و فى سياق متصل بتحرك الدول النفطية بعد تدني أسعار النفط، أعلنت سلطنة عمان عن خطة 2016-2020 لخفض اعتماد اقتصادها على صناعة النفط بمقدار النصف(9) فى ظل انهيار أسعار الخام و ما يشكله من أعباء على مالية السلطنة.  ليبدأ العمل على تنويع مصادر الاقتصاد العماني من خلال الصناعات التحويلية و السياحة و التعدين و النقل و غيرها بعد اعتماد 500 برنامج يساهم فى تنفيذ تلك الخطوات التى تأمل السلطنة أن تغير من شكل الاقتصاد العماني جذريا قبل نهاية عام 2020م .

و بما أن حركة السوق ليست بمنأىً عن الأوضاع السياسية، كان للنفط الصخري بالجزائر أبعاد أخرى غير الاقتصادية كانت مؤثرة بشدة فى مسيرة استخراج النفط الصخري بالجزائر الغامضة و التي لم تر النور بعد، فكان الاحتدام السياسي الداخلي بالجزائر هو المحرك الأول لملف النفط الصخري بعد أن دفعت المعارضة الجزائرية قاطني مناطق   استخراج النفط الصخري إلى احتجاجات شعبية واسعة ضد الحكومة الجزائرية لوقف أعمال الاستكشاف بسبب تضرر المياه من تلك العملية  في ظل ندرة المياه في الجزائر عامة  خاصة  بالجنوب الجزائري و عين صالح حيث مكان الاستكشاف خاصة، فالغاز الطبيعي و النفط هما العمود الفقري للاقتصاد الجزائري ويشكلان 62% من عائدات الحكومة الجزائرية و 97% من عائدات التصدير. تملك الجزائر من الاحتياطات النفطية التقليدية ما يقدر 12.2 مليار برميل لكي تكون ثالث أكبر مخزون للنفط التقليدي بالقارة السمراء بعد ليبيا و نيجيريا. كما تملك الجزائر ما يقرب من 160 تريليون قدم من الاحتياطي المؤكد للغاز الطبيعي لكي تسجل نفسها فى المركز الثاني بأفريقيا بعد نيجيريا من احتياطات الغاز الطبيعي و العاشر على مستوى العالم. و حسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فالجزائر تملك 7.5 مليار برميل من احتياطي النفط الصخري و 706 تريليون قدم مكعب من الغاز الصخري(10) و بذلك تمتلك الجزائر احتياطات مخزون من النفط و الغاز الصخري تفوق ما تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية .

و لأن أسعار النفط باتت تعيد هيكلة اقتصاديات العديد من الدول و تطفئ شمعة طموح بعض المستثمرين و ترسم العديد من الخطوط الواضحة فى ملامح سياسات الأعوام المقبلة و مخططات الشهور القريبة القادمة خاصة و أن بعض الدول المصدرة للنفط مقبلة على مرحلة جديدة و شكل مختلف تماما من المتغيرات التى عرفها التاريخ من قبل. و كانت البداية بدولة فنزويلا التى أعلنت حالة الطوارئ الاقتصادية لمدة 60 يوما فى ظل حالة تراشق بين السلطة التنفيذية و التشريعية بالبلاد، بعد أن قرر الاشتراكيون قلب الطاولة و تدخلهم بالمحكمة العليا و إلغاء عضوية 3 نواب من المعارضة(11) .

الغاز الطبيعي  و فتيل الصّراع  بالمتوسط

و إذا كانت أسعار النفط بالآونة الأخيرة و صعود النفط الصخري إلى السوق أعاد جدولة الكثير من أسواق الاقتصاد العالمي و خريطة مصادر الطاقة، فقد كان للغاز الطبيعي بشرق البحر المتوسط دور واضح في نشوب تحالفات علنية و تحركات سرية بغرض اتخاذ القرار بدول شرق البحر الأبيض المتوسط لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة بتلك الثروات.إذ  تحتوى منطقة شرق البحر المتوسط على 381 تريليون مكعب من الغاز الطبيعي، و تُعد  الخامسة عالميًا من ناحية كمية المخزون و ما يقدر 1.7 مليار برميل من النفط. تشمل هذه الاحتياطات 223 تريليون قدم مكعب من الغاز في حوض المياه الإقليمية المصرية و 122 تريليون قدم من الغاز في منطقة حوض المشرق قبالة شواطئ قبرص ولبنان وسوريا، و 36 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي بالقرب من  فلسطين (12). و من هنا يُفهم  لماذا صرح رجب طيب اردوغان  عام 2009م أمام الهيئة البرلمانية لحزب العدالة و التنمية قائلا بكل تعاظم : يجب أن تعلم إسرائيل أنى لست زعيما عاديا، بل أنا زعيم أحفاد العثمانيون (13) .

السعودية وتغير السياسيّة النفطية

مما لا شك فيه أن أزمة أسعار النفط أجبرت الجميع على إعادة التفكير تجاه النفط  و مستقبل اقتصاد كل دولة في الإقليم. بل كل  العالم بعد التغيرات التى فعلها النفط بسوق الاقتصاد العالمي و ما فرضه من خريطة سياسية جديدة على مختلف الحكومات و الأنظمة، و وبالتأكيد، كانت أبرز أعضاء منظمة “أوبك” و التى تشهد حالة تغيير فى سياسياتها الخارجية و تتأهب للعب دور سياسي جديد بمحيطها الإقليمي و تتطلع لدور بارز على ساحة السياسة الدولية ألا و هى المملكة العربية السعودية. قد بدأت تبحث عن حلول و بدائل ، و انتظر الجميع أن يسمع خطة و رؤية القيادة السعودية تجاه تلك المعضلة حتى جاء حديث ولي العهد السعود الأمير محمد بن سلمان لمجلة “ايكونوميست” يناير العام الجاري لكي يطلعنا على الاستراتيجية العامة التى تنوي القيادة السعودية تنفيذها(14) و كانت في مقدمة أفكاره لتفادي أي اهتزاز أقتصادي النظر فى قضايا الدعم و فرض ضرائب جديدة خاصة على بضائع مثل السجائر و فرض ضريبة القيمة المضافة بعامي 2016 و 2017، وخصخصة قطاع الصحة و التعليم و بعض القطاعات العسكرية لتخفيف الأعباء و الضغوط على الحكومة، و العمل على توسيع السياحة الدينية و زيادة عدد الحجاج إلى مكة. كما أعرب ولي العهد السعودي عن تحمسه الشديد فى بيع أسهم عملاق النفط السعودي شركة أرامكو. كما أشار لامتلاك المملكة العربية السعودية لأكثر من 6% من احتياطي العالم من اليورانيوم، ولوجود 4 ملايين متر مربع من الأراضي غير المستصلحة بمكة وحدها المملوكة للدولة وقيمتها في السوق مرتفعة بجانب العديد من الأرصدة التي يمكن تحويلها إلى أرصدة استثمارات. و أعرب ولي  العهد عن إمكانية المملكة على حصول 100 مليار دولار من العوائد غير النفطية في السنوات الخمس المقبلة .كما أن وزير النفط السعودي علي النعيمي كان واقعيا فى رؤيته لمستقبل النفط حيث توقع ألا يشهد العالم سعر مائة دولار للبرميل مجددا، و بات ينظر من نفس عدسة تنويع مصادر الطاقة .

حلول طهران للخروج من أزمة النفط

كانت إيران عند موقفها من اليوم الأول لأزمة أسعار النفط .حتى قالها صريحة الرئيس الإيراني حسن روحاني بنهاية عام 2014 بانها” أزمة مصنوعة لخنق أقتصاد أيران”. و هو نفس الأمر الذى صرح به المستشار حسن روحاني .

و ببداية العام الجاري، كانت إيران تحاول أن تسبق الزمن فى تعويض ما تكبده الاقتصاد الإيراني من خسائر جراء الحصار الاقتصادي و العقوبات الدولية و الغربية بسبب البرنامج النووي. و باتت فى محاولات حثيثة مع دول الجوار، فى مقدمتها تركيا التى كانت منفذ إيران التجاري الوحيد أثناء فرض العقوبات على طهران، لكي تعود للسوق الاقتصادي العالمي مجددا. و لكن ظلت نقطة التحول الحقيقي، سواء اقتصاديا أو سياسيا، غائبة إلى أن أعلن مساعد رئيس مؤسسة الطاقة الذرية الايرانية “على أصغر زارعان” بأن الولايات المتحدة الامريكية ستستورد 40 طنا من فائض انتاج الجمهورية الإسلامية من الماء عبر بلد ثالث و أن 6 أطنان من ذلك الماء الثقيل الإيراني سيستخدم فى المراكز النووية الأمريكية، و الباقي فى مراكز الابحاث(15)، و هو الأمر الذى يؤهل إيران أن تكون عضوا رسميا فى كونسورتيوم المنتجين للمواد النووية الاستراتيجية بعد تأكيد زارعان على حصول الماء الثقيل لاعلى نتائج الجودة بعد تأكيد نقاءه بنسبة 75.99% كما أضاف أن مختبرات موسكو منحت مواصفات الجودة لغاز سادس فلوريد اليورانيوم الذى تم تصديره لروسيا بنهاية العام الماضي .

بدائل النفط أمام العرب 

برغم مرور أكثر من 6 عقود على اسكتشاف النفط بالمنطقة العربية ، مازال النفط و ما يستخرج من باطن الأرض هو اعتماد العرب الكلي و ما ينتج عنه من إيرادات بنسبة قد تصل الى 90% من اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليج. إلاَّ أن الأمر أصبح ضروريا لتنويع مصادر الاقتصاد و الخروج من دائرة الاقتصاد الريعي المغلقة إلى الاقتصاد المنتج. و إذا كانت دولة الكويت أولى، الدول الخليجية التى ذهبت بالتفكير للبحث عن بدائل للنفط كمصدر رئيسي للعائدات بفترة الستينات و ما نتج عنه بعد ذلك من إنشاء لصندوق الثروة السيادية المخصص لاستغلال الفائض المالي بالموازنة فى استثمارات خارجية، و رسم الإمارات العربية المتحدة لمسار اقتصادي جديد يغنيها عن الدخول فى طريق النفط المظلم، إلا أن الخطوات الجدية للخروج من قارب النفط المثقوب و الذى بدأ يتهاوى، لم تتخذ بعد من أغلب دول مجلس التعاون الخليجي. و إذا كانت هناك أفكار تم اقتراحها من قبل بعض الكتاب و المحللين السياسيين العرب بالآونة الأخيرة للخروج من تلك الأزمة فأغلبها إن لم يكن جميعها كان يدور فى فلك تنمية قطاع السياحة و تطوير البنية السياحية و التركيز الكامل على ذلك القطاع، و بالتأكيد لن أكون ضد تلك الأفكار  و تنمية قطاع السياحة و الاهتمام به،  و لكن أذا أردنا التحدث بواقعية و نحن  نقرأ ما بين سطور الأحداث السياسية  التي بدأت بالمنطقة منذ بداية عام 2011. و العيون ترى ما يتم تحضيره لمنطقتنا العربية بالكواليس و الغرف المغلقة حاليا، مما يتطلب  عدم الاعتماد الكلي على قطاع السياحة فى ظل تطور العمليات النوعية للتنظيمات الإرهابية سواء كانت تحت اسم القاعدة أو تحت اسم تنظيم داعش و تمدد عملياتها على نطاق جغرافي واسع بعيدا عن مواقع تمركزه بالعراق و سوريا و ليبيا حتى بات يضرب قلب أوروبا بالعاصمة الفرنسية باريس و يهدد عواصم القارة العجوز كمدريد و روما و برلين و يصل حتى أقصى الغرب الإفريقي و  عواصم قارة أسيا ، و هو الأمر المرجح فى زيادة عدد العمليات الإرهابية و توسعها في كافة الاتجاهات خاصة فى المحيط العربي.

و  إذا صح العزم على إعادة شكل العمود الفقرى لاقتصاد دول الوطن  العربي عامة و الخليج  خاصة، وجب إعداد خريطة بمدة زمنية محددة لبناء اقتصاد وطني يعتمد على تنمية قطاع الصناعة بداية بتطوير مناهج و تدريبات المدارس الصناعية مرورا باعادة تطوير المصانع و تأهيل الأيدي العاملة بكل أدوات الحداثة و فتح المصانع المغلقة خاصة بدول شمال إفريقيا التى تحتوى على كم هائل من المصانع المغلقة التى كان لها شأن هام بالماضي وصولا لمرحلة المنافسة العالمية و التصدير إلى الخارج. كذلك وجب  التوجه نحو قطاع الزراعة فى ظل بحث أوروبا و روسيا الدائم عن أسواق جديدة تكون جديرة بثقة المواطن الأوروبي و الروسي فى الخضروات و الفاكهة و منتجات الألبان و الأغذية و اللحوم، و العمل على إنشاء أجهزة او هيئات مختصة بالاستزراع السمكي فى ظل أرتفاع أسعار أسواق الأسماك و الأطعمة البحرية فى العالم و زيادة طلب دول أوربا و كندا و الولايات المتحدة و روسيا من المنتجات البحرية. و هذا الأمر قد يكون متاحا أكثر لمصر و السودان بحكم توافر الموارد المائية بشكل ضخم و ما تملكان من سواحل مائية، و كذلك المملكة المغربية، بعد أن قرر قطاع المنتجات البحرية بداية العام الماضي الدخول لمرحلة جديدة فى جذب أسواق جديدة و الحفاظ على الأسواق التقليدية التى اعتادت على المنتجات البحرية المغربية و تطوير عملية تثمين المنتج البحري. تشير الأرقام بعام 2014 إلى أن قطاع الصيد البحري المغربي أنتج 1.3مليون طن من المنتجات البحرية صدر منها 500 ألف طن إلى الخارج و يساهم قطاع الصيد البحري بنحو 3% من الناتج الداخلي و  16% من مجموع الصادرات، و يسجل نسبة معدل نمو سنوي بنحو  4,5%، ويوفر أكثر من 660 ألف فرصة عمل لآبناء المغرب(16) و بنفس الخط تسير سلطنة عمان نحو تعزيز دور ثروتها السمكية و التطلع بقوة لأسواق عالمية جديدة .

 (17) .

خاتمة :

يجب ان يثير تهاوي اسعار  النفط  ضرورة  تنويع مصادر الطاقة نفسها. فإذا بات النفط  عبئا، فيجب عدم نسيان  ان الرياح  والشمس  تكفيان  لتوليد طاقة لا تقل أهمية و قوة عن الكهرباء  مع مزية عدم  الإضرار على البيئة.  فأكبر مستورد للنفط و الغاز بالعالم ألا و هي الصين، سوف تزيد من قوة محطات توليد الكهرباء التى تعمل بواسطة مصادر الطاقة المتجددة.كما  أن هناك العديد من دول العالم ستحذو حذو ذلك العملاق الاقتصادي. فلا مفر أمام العرب  للخروج من دائرة الاقتصاد الريعي المغلقة سوى التوجه نحو تنويع مصادر الطاقة نفسها. كما أن الواقع الحالي يفرض التوجه نحو الطاقة النوويةن و هذا لا يكون الا  بالتوجه عبر عقد تحالفات دولية مع أقطاب السياسة العالمية دون التأثير على السيادة العربية فى ظل ما تشهدة المنطقة من حالة استقطاب سياسي و احتدام اقتصادي و تربص عسكري.

الباحث فادى عيد

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة

 

الــمــراجـــــع

(1) عبد الفتاح حسن ابو علية و رفيق شاكر النتشة – كتاب المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين – ص366  – مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض – سنة النشر 1998م

كتاب

(2) تصريحات الرئيس الايراني حسن روحاني على هامش اجتماع حكومته 10/12/2014

(3) موقع ار تي الروسية 10/1/2016

https://arabic.rt.com/photolines/807363-%D8%A5%D9%86%D9%81%D9%88%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%83%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%83%D8%A8%D8%B1-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%AF-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D8%B9%D8%A7%D9%85-2015/

(4) موقع ار تي الروسية – 28/12/2015

https://arabic.rt.com/news/805642-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-2016/

موقع اخبار المملكة – 29/12/2015

http://www.ksanewsapp.com/1/Article/2027/108139115#.VpgW_7Z94dU

(5) وكالة رويترز 5/6/2015

http://ara.reuters.com/article/internetNews/idARAKBN0OL0PX20150605

(6) أولى هانسن – النفط يتراجع والذهب يصعد مع بداية2016 -موقع قناة العربية- 13/1/2016

http://www.alarabiya.net/ar/aswaq/2016/01/13/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%87%D8%A8-%D9%8A%D8%B5%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%B9-%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A9-2016-.html

 (7) تصريحات اليكسي أوليوكاييف خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة روسيا 24 على هامش منتدى غيدار الاقتصادي بموسكو 13/1/2016

(8) تصريحات المدير التنفيذي لمجموعة تمبلتون مارك موبيوس لوكالة بلومبرغ 14/1/2016

(9) وكالة رويترز 3/1/2016

http://ara.reuters.com/article/businessNews/idARAKBN0UH0IQ20160103

(10) موقع ايلاف 4 عوامل تعوق استخراج النفط الصخري فى الجزائر 28/4/2015

http://elaph.com/Web/Economics/2015/4/1003414.html

(11) صحيفة الرياض السعودية – صفحة أخبار الاقتصاد – العدد17371 – 15/1/2016

(12) موقع ترك- برس خيرات البحر الابيض و التنافس الاقليمي- 31/12/2015

http://www.turkpress.co/node/16998

(13) تصريحات الدكتور رائد العزاوي استاذ العلاقات الدولية لقناة النهار المصرية 9/12/2015

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك