القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الاتفاقية الليبية التركية وانعكاساتها على مشهد الصراع في ليبيا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-03-16 10:33:00 | 7925 مشاهدة

ملخص

لقد شكل توقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا في 27 نوفمبر عام 2019م فاتحة لفصل جديد من فصول الصراع ، ليس فقط في منطقة  شرق البحر المتوسط . بل في كل منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا، خاصة في ظل الصراع الدولي والإقليمي على النفوذ والمصالح الذي تشهده ليبيا .  إننا في هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة شاملة وبعمق لفهم كل ملابسات وخلفيات وتداعيات توقيع هذه الاتفاقية الليبية التركية، وما سينتج عنها من انعكاسات داخلية وخارجية  سوف تلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي المضطرب منذ عام 2011م .

المقدمة.

لم تكن دول منطقة شرق البحر المتوسط الموقعة على اتفاق ترسيم الحدود فيما بينها في عام 2013م تعلم بان ألأتراك والليبيين سوف يقدمون على خطوة شجاعة وغير متوقعة، وهي توقيع مذكرتي التفاهم في 27 نوفمبر عام 2019م . لسنا مجانبين للصواب إذا ما قلنا بان ما حدث أشبه بحجر ثقيل تم إلقاؤه في مياه شرق البحر المتوسط فحمل إلى  سواحل اليونان ومصر وإسرائيل وقبرص اليونانية أمواج تسونامي عاتية تنذر بان هيكل المصالح الذي تم وضع أسسه في عام 2013م قد أصبح عرضة للتصدع والانهيار . في مشهد الصراع الليبي ظلت حكومة الوفاق لفترة طويلة عاجزة عن الفعل ، وتتلقى الضربات الموجعة . إلا أنها بتوقيع مذكرتي التفاهم مع تركيا تكون قد أعلنت للجميع بان ليبيا الغارقة في حرب أهلية مدمرة لم تخرج من خرائط الجغرافيا السياسية وأنها لا تزال قادرة على الفعل والمبادرة، وإنها بحكم مسؤوليتها التاريخية كحكومة شرعية يعترف بها العالم ، لن تترك الثروات الليبية في البحر المتوسط غنيمة سهلة لليونان وغيرها من الدول الطامعة، والتي تستغل ظروف الحرب والأزمة  الليبية لتستولي على ثروات هائلة من النفط والغاز .

مذكرة التفاهم الليبية التركية  بشأن التعاون العسكري والأمني .

هي مذكرة لا تقل أهمية عن مذكرة التفاهم لترسيم الحدود البحرية بين البلدين ، وتتكامل معها ، كما أن تفاصيل مذكرة التفاهم بشأن التعاون العسكري والأمني لم تظهر كل  تفاصيلها  للعلن ، ولكن نستطيع من خلال تصريحات بعض المسؤولين الليبيين خاصة وزير الداخلية فتحي باشاغا أن نفهم ما تحتويه مذكرة التفاهم بشأن التعاون العسكري والأمني .

كما أن عرض أردوغان على حكومة الوفاق إرسال قوات تركية إلى ليبيا ، وهو عرض تكرر أكثر من مرة . ثم  مصادقة البرلمان التركي على مذكرة التفاهم ألأمنية والعسكرية . وطلب حكومة الوفاق رسميا من تركيا دعم امني وعسكري يؤكد الهدف من توقيع هذه المذكرة ، وهو تقديم الدعم العسكري  التركي لليبيا.

ليس خافيا احتدام الصراع الدولي والإقليمي على النفوذ والمصالح في ليبيا الغارقة في الحرب ، والتي تشهد منذ 4 ابريل عام 2019م هجوما عنيفا تشنه قوات حفتر على طرابلس وبدعم من قوى إقليمية ودولية ، كل ذلك يجعل حكومة الوفاق بحاجة إلى حليف قوي بوزن تركيا يقدم لها الدعم العسكري واللوجستي ، وكل أنواع الدعم الأمني والاستخباراتي لكي تدافع عن عاصمة الدولة وعن المنطقة الغربية من ليبيا التي يقطنها أكثر من ثلثي  السكان .

 مذكرة التفاهم الليبية التركية بشأن ترسيم الحدود البحرية:الخلفية التاريخية وأبعادها السياسية والاقتصادية.

مذكرة التفاهم  الليبية التركية. الخلفيات التاريخية

لم يأتي توقيع الاتفاقية الليبية التركية بشأن ترسيم الحدود البحرية عبثا، بل كانت هناك مفاوضات بين ليبيا وتركيا منذ عهد معمر القذافي .  بعد أن أعلنت ليبيا المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها في عام  2009م  مما جعلها منفتحة على الاتفاقيات الدولية، وقد ذكرت بعض المصادر أن تركيا حاولت التوصل لاتفاق مع ليبيا قبل عام2011م ، وأن أردوغان حمل الخرائط بنفسه في زيارة إلى ليبيا  في نوفمبر عام  2010م ، لكن وقوع الثورة حال دون التوصل للاتفاق ،  وبعد الثورة  حاولت تركيا مجددًا،  كما ذكرت مصادر تركية أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار  قام خلال زيارة له إلى ليبيا   في نوفمبر عام  2018م  من أجل تفاهمات أمنية  بإعادة فتح ملف المباحثات حول اتفاقية السيادة البحرية مما أكسب المباحثات سرعة أكبر. (1)  
أما بالنسبة إلى اليونان فقد فشلت المفاوضات بينها وبين ليبيا في عام 2004م لترسيم الحدود البحرية.  وفي 22 ديسمبر عام 2012م أعلن وزير التعاون الدولي الليبي محمد عبد العزيز أن ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا واليونان لم  يتم بصفة نهائية وأن المفاوضات مستمرة. وقال عبد العزيز  في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية اليوناني ديمتريس افراموبوليس : " تبادلنا وجهات النظر مع وزير الخارجية اليوناني حول قضية الحدود البحرية، ليس فقط ما بين ليبيا واليونان، ولكن بين ليبيا واليونان ودول الجوار ".  وأضاف محمد عبد العزيز بقوله  : " أننا تبادلنا وجهات النظر فيما يتعلق بالتعاون بالمجال البحري ،  وكيفية الاستفادة من الإدارة التي تتولاها  حكومة اليونان فيما يتعلق بإدارة الموانئ وكيفية الاستفادة من هذه الخبرة ". (2) 

أبعادها السياسية والاقتصادية.

  1. ليبيا.

لقد ظن أعداء الثورة الليبية  من داعمي حفتر وفي مقدمتهم مصر والإمارات  بأنه بإمكانهم السيطرة والهيمنة على موارد وثروات الدولة الليبية، مستغلين في ذلك الظرف التاريخي الحساس الذي تمر به ، والحرب والصراعات بين الليبيين، إن توقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية بشأن ترسيم الحدود البحرية تؤكد على وجود وقوة وهيبة الدولة الليبية ممثلة في حكومة الوفاق الشرعية ، وهي رسالة قوية لأي دولة تظن بأنها قادرة على نهب ثروات  الليبيين.

وبشأن الجدل حول قانونية توقيع هذه الاتفاقية ، وفي شقها البحري ، يقول الباحث محمود الرنتيسي : " وان كان  المتداول هو رسم المناطق البحرية من خلال خطوط رأسية ويتفق مع هذا ترسيم الحدود المحتمل مع قبرص ومصر، ولكن الأدميرال البحري السابق والخبير في القانون البحري  جهاد يايجي  قد استحضر فكرة رسم الخطوط القُطرية لتحديد المناطق البحرية لتركيا منذ سنوات عديدة حيث بنا  فكرته على أن موقع تركيا المائل جغرافيًّا ينص على حقها في رسم خطوط قُطرية لتحديد مناطقها البحرية وتوقيع اتفاقيات ترسيم الحدود مع ليبيا وإسرائيل ولبنان " . وأضاف يايجي بقوله : " أن اعتبار ساحل درنة وطبرق وبوردية في ليبيا وفتحية ومرمريس وكاش في تركيا بمنزلة سواحل متقابلة متصلة يتماشى مع القانون الدولي والمصالح المطلقة للبلدين " .(3)
إن ما يقوله الخبير جهاد يايجي يؤكد عدم صحة الادعاءات اليونانية بعدم قانونية توقيع مذكرة التفاهم بشأن ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا.
من الناحية الاقتصادية فان توقيع مذكرة التفاهم بين ليبيا وتركيا بشان ترسيم الحدود البحرية قد مكنت الدولة الليبية من استعادة مساحة 39000كم2 من المياه الاقتصادية الليبية التي استولت عليها اليونان في عام 2004م ، بل وأقدمت على خطوة خطيرة في عام 2018م   حيث أعلنت عن رغبتها في التعاقد مع الشركات العالمية للتنقيب عن النفط والغاز ، وهو ألأمر الذي رفضته ليبيا حيث وجهت حكومة الوفاق رسالة إلى ألأمم المتحدة في عام 2019م تندد فيها باغتصاب اليونان للحقوق الليبية، وتعلن عدم اعترافها بما قامت به اليونان . (4)

  1. تركيا .

في صراعات شرق البحر المتوسط يبدو واضحا بان كل دول الإقليم تتحالف ضد تركيا  في إطار منتدى غاز شرق المتوسط الذي أعلن عنه في عام 2019م ، لذا فان تركيا لم تقف مكتوفة ألأيدي وهي ترى دول الإقليم تتقاسم النفوذ وتستحوذ على موارد النفط والغاز . كما إن اتفاقية ترسيم  الحدود البحرية  بين مصر وقبرص واليونان وإسرائيل  في عام 2013م كان فيها إجحاف لحقوق تركيا وليبيا في شرق البحر المتوسط  .  ويمكن أن نجد دوافع وأهداف تركيا بتوقيعها مذكرة التفاهم مع ليبيا  فيما يلي : - (5)

  1. إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط ، والذي استُبعدت تركيا منه على الرغم من أنها جزء مهم من إقليم شرق المتوسط .
  2. يعتبر هذا الاتفاق مع ليبيا اتفاقًا تاريخيًّا لأنه يمثل أول صفقة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا مع دولة ساحلية باستثناء قبرص التركية.  ويعتقد أنه سيزيد الجرف القاري لتركيا في المنطقة المذكورة بحوالي 30%.
  3. توفير أساس سياسي وقانوني لمحاولات تركيا المستقبلية في شرق المتوسط ، ويعطيها الحق في حماية حقوقها جرَّاء توقيع  الاتفاقية وخاصة أعمال سفنها التي تقوم بالحفر والتنقيب.
  4. منع اليونان من ترسيم الحدود البحرية مع مصر قبرص اليونانية عبر جزر كريت وميس. وكانت اليونان قد نشرت خرائط تقصر المنطقة التركية على خليج أنطاليا فحسب والذي يغطي مساحة 41 ألف كيلومتر مربع ،  ومن المستغرب أن تعارض حكومة السيسي هذه الاتفاقية رغم أنها تنسجم مع المصالح المصرية، وستكون طرفًا مستفيدًا من اتفاقية ترسيم الحدود البحرية
  5. إحباط خطط عزل تركيا والقبارصة الأتراك وزيادة تأثير تركيا على الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط .
  6. تعتبر الاتفاقية بطاقة قوة بيد تركيا في أي حوار قادم يتعلق بحقوقها وبمستقبل ليبيا أيضًا.
  7.  إعادة تذكير الدول المكتشِفة لموارد الطاقة والدول المستقبِلة بأن المرور عبر تركيا هو الخيار الأكثر منطقية اقتصاديًّا وأمنيًّا في ظل محاولة حرمانها من ربط حقول غاز شرق البحر المتوسط بالأسواق الأوروبية.
    من الناحية الاقتصادية أيضا يمكن أن نجد دوافع ملحة لتركيا في توقيعها لمذكرة التفاهم مع ليبيا بشان ترسيم الحدود البحرية . تتمثل هذه الدوافع في عدم وجود اكتفاء ذاتي لدى تركيا في الطاقة ، وحاجتها لاستيراد حوالي 90% من احتياجاتها من الطاقة من الخارج وهو أمر مكلف جدا للاقتصاد التركي ، ما تقدمه الاتفاقية مع ليبيا من موارد هائلة من النفط والغاز تكفي تركيا وفق إحدى التقديرات لمدة 500 عام ويعتبر مكسب استراتيجي كبير لدولة تعاني الفقر في موارد الطاقة. بل لدولة تعتبر قوة صاعدة ومستهدفة في أمنها القومي .

تدني نسب الاكتفاء الذاتي من موارد الطاقة والتبعية للخارج.

مع التزايد المستمر في الصادرات السلعية التركية، والتي زادت قيمتها من 28 مليار دولار في عام 2000م  إلى 157 مليار دولار في عام 2017م ، يظل السؤال حول أسباب استمرار العجز في الميزان التجاري التركي، والمستمر منذ سبعين عاما بلا انقطاع .(6)
وأحد الأسباب الرئيسية لهذا العجز هو تدني نسب الاكتفاء الذاتي من موارد الطاقة، والتي تصل لحوالي 5%  للنفط ، و1%  للغاز الطبيعي ،  و47%  للفحم، ما يتطلب استيراد كميات كبيرة من الوقود لتغطية استهلاك نحو 81 مليون فرد من السكان، بخلاف المهاجرين من سوريا والسياح الواصلين لتركيا، والذين زاد عددهم على الثلاثين مليون سائح منذ عام 2008م ،  وتجاوز عددهم الأربعين مليون سائح في  عامي 2014م و2015م .(7)
وتضمن التوزيع النسبي لاستهلاك الطاقة في تركيا حسب أنواع الطاقة: النفط بنسبة 31%  ، وكلا من الفحم والغاز الطبيعي 28% ، والطاقة الكهرومائية 8% ، والطاقة المتجددة 4%.(8)

وحسب شركة البترول البريطانية، فقد بلغت كميات النفط المستهلكة في تركيا عام 2017م  1.007  مليون برميل نفط يوميا، بينما كان الإنتاج اليومي من الخام من داخل تركيا 49 ألف برميل فقط ، مما دفعها لاستيراد 520 ألف برميل نفط خام يوميا لتكريره محليا، مع بلوغ طاقة التكرير المحلية 596 ألف برميل يوميا.(9)
لكن هذا لا يكفي لمواجهة الاستهلاك من المنتجات النفطية، مما دفعها لاستيراد 556 ألف برميل يوميا من المشتقات  حسب أوبك، وهو وضع متوقع استمراره مع صغر حجم الاحتياطيات النفطية، والتي تبلغ 389 مليون برميل فقط ، مما يضعها بمركز متأخر بالاحتياطيات النفطية بدول العالم بالمركز الرابع والخمسين. (10)
ويتشابه الأمر في الغاز الطبيعي ، حيث لم تنتج سوى 381 مليون متر مكعب سنويا ، حسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وبالمركز الثالث والسبعين دوليا، بينما بلغ استهلاكها من الغاز الطبيعي في عام 2017م   54 مليار متر مكعب  حسب أوبك، لتقل نسبة الاكتفاء الذاتي عن 1% ، مما  دفعها لاستيراد 55 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وهو وضع مرشح للاستمرار مع ضعف الاحتياطيات التركية للغاز الطبيعي، والتي بلغت 19 مليار متر مكعب، أي أن الاحتياطيات لا تكفي لاستهلاك نصف عام. (11)
وعلى خليفة التوتر والصراعات بين تركيا وروسيا في سوريا ، وأيضا عدم التوافق الواضح بشأن الأزمة الليبية ، وسيناريوهات توتر العلاقات مستقبلا وما يحدث في إدلب ألان مثال على ذلك ، فإننا يمكن أن نفهم مدى الخطر الذي تشعر به تركيا نتيجة احتياجها لاستيراد الطاقة  من الخارج وخاصة من روسيا وإيران اللتان تختلف معهما كثيرا في عدة ملفات في المنطقة . (12)يتضح جليا حجم الترابط الوثيق بين تركيا وروسيا في مجال الطاقة، حيث تستورد تركيا من روسيا سنويًا 50 مليار مكعب من الغاز الطبيعي، أي ما نسبته 27% من حجم الغاز الطبيعي الروسي الإجمالي، وبذلك تُعتبر تركيا المستورد الثاني للغاز الروسي، بينما تعتبر روسيا المُصدر الأول للغاز الطبيعي لتركيا.(13)وتكشف صحيفة خبر ترك  في تقريرها بعنوان :  "مصادر الطاقة الخاصة بتركيا"،
 أن تركيا تؤمن حاجتها من الغاز الطبيعي من خلال استيراد ما نسبته 58% من روسيا، و19% من إيران، و 9% من العراق ، و3% من نيجيريا. وتوضح الصحيفة أن تركيا توفر حاجتها من النفط من خلال استيراد ما نسبته 32% من العراق، و28% من إيران، و15% من المملكة العربية السعودية.(14)
يشير البروفسور المختص في هندسة المعادن  علي كهريمان ، في مقال بصحيفة  ملييت  بعنوان  إستراتيجية تركيا للطاقة  إلى أن :  "تركيا توفر حاجتها للطاقة من مصادرها المحلية بنسبة ¼ فقط، بينما تستورد الثلاث أرباع الأخرى من الدول الأخرى مقابل 60 مليار دولار سنويًا، وتشكل مصادر الطاقة الروسية ما نسبته 1/3 من كميات الطاقة المستوردة".(15)
ويتابع كهريمان بالقول: "هذه النسب وغيرها من الإحصاءات الخاصة بمصادر الطاقة المستوردة، تُظهر مدى التبعية التركية للخارج ومدى الخطر  الجيو اقتصادي الاستراتيجي الذي تعيشه تركيا والذي ظهر جليًا إبان الأزمة الروسية ، إذ لوحت بعض التحليلات بإمكانية قطع روسيا لمصادر الطاقة، فدقت القيادة التركية ناقوس الخطر، وبدأت ملهوفة ومُسرعة للبحث عن مصادر بديلة لمصادر الطاقة التي يُستورد ثلثها من روسيا".(16)
ويضيف  كهريمان : "  إلى أنه في الوقت الحاضر هناك موجة حروب شديدة على مصادر الطاقة، مؤكدًا أنه في ظل هذه الحروب يجب على تركيا أن تؤمن نفسها بشكل حذر جدًا، لأن الإطار العام للحروب والصراعات في وقتنا الحالي، هو إطار جيو اقتصادي بالدرجة الأولى، وهذا ما يجعل تركيا بحاجة ماسة إلى تنويع  مصادر الطاقة بقدر المستطاع لتقي نفسها من أي تحدي جيو سياسي يكون أحد أطرافه ذو قوة جيو اقتصادية نابعة عن مصادر الطاقة، مثل ما يحدث الآن مع روسيا تمامًا".(17)

توقيع الاتفاقية  الليبية التركية. صراعات منطقة شرق البحر المتوسط والموقف الدولي والإقليمي .

  • منطقة شرق البحر المتوسط . صراعات النفط والغاز

منذ أعوام ومنطقة شرق البحر المتوسط تشهد صراعات بين دول الإقليم على موارد النفط والغاز. .صراع بين لبنان وإسرائيل من جهة ، وصراع بين تركيا واليونان  وقبرص اليونانية من جهة أخرى ، وألان بتوقيع الاتفاقية الليبية التركية دخلت ليبيا طرفا رسميا في هذا الصراع ، لذا فان فهم وقائع الصراع على موارد النفط والغاز في شرق البحر المتوسط  وكل تفاصيله مهم جدا بالنسبة لنا في ليبيا ، ونعلم جيدا بان الدول التي وقعت اتفاقية ترسيم الحدود فيما  بينها في عام 2013م وهي مصر وقبرص اليونانية  واليونان وإسرائيل  كلها ترفض توقيع الاتفاقية الليبية التركية ، وأنها سوف تشكل محور معادي لنا.


أهمية غاز شرق  البحر الأبيض المتوسط .
قدَّرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية في عام 2010م  احتمال وجود ما يقرب من 122 تريليون م3 من مصادر الغاز غير المكتشفة في حوض شرق المتوسط قبالة سواحل سوريا ولبنان وإسرائيل وغزة وقبرص، بالإضافة إلى ما يقارب 107 مليارات برميل من النفط القابل للاستخراج . وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تبقى في إطار التقديرات ولا تشمل أيضًا الأرقام المتعلقة بحوض دلتا النيل، إلا أنها لم تأت من فراغ، فخلال العقد الماضي  جرى اكتشاف العديد من حقول الغاز في منطقة شرق البحر المتوسط . وبدأت عمليات الاستكشاف بالازدياد بعد نجاح الكونسورتيوم الذي تقوده شركة  نوبل إنرجي  الأمريكية في اكتشاف حقل تمار في عام 2009م قبالة ساحل إسرائيل، ومع توالي الاكتشافات أصبحت دول المنطقة أكثر اهتمامًا بتكليف الشركات الأجنبية بالقيام بأعمال الاستكشاف. (18)

ويحظى الغاز في شرق منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط بأهمية خاصة نظرًا لعدة عوامل هي :-

  • الأهمية الجيوبوليتيكية للمنطقة الأوسع التي يقع فيها وهي منطقة الشرق الأوسط التي تضم حوالي 47% من احتياطي النفط  ، و41% من احتياطي الغاز في العالم. وزاد من أهميتها انفتاح البحر المتوسط على تقاطع آسيا وأوروبا وإفريقيا، واتصاله بطرق التجارة العالمية عبر مضايق السويس والبوسفور وجبل طارق.
  • الآمال الجيو- سياسية والجيو-اقتصادية والجيو- أمنية التي يحملها الغاز في تلك المنطقة بالنسبة إلى دول الجوار والتي راهن البعض على أنها ستغير المعطيات السياسية والاقتصادية لدول المنطقة.
  • الصراع على استغلال ثروات الهيدروكربون والتنافس على طرق تصديرها والتزاحم على حصص الأسواق الخارجية، بالإضافة إلى تحويل دول المنطقة إلى لاعب دولي صاعد في لعبة الغاز.
  • المنافع السياسية والاقتصادية والأمنية التي افترض كثيرون أن الغاز سيأتي بها لدول المنطقة

جدول رقم (1) يوضح أبرز الاكتشافات المتعلقة بالغاز في شرق البحر المتوسط

اسم الحقل

سنة الاكتشاف

المكان

تقدير الكميات الممكن استخراجها (مليار م3)

غزة مارين

2000

أراضي السلطة الفلسطينية

30

تمار

2009

إسرائيل

280

ليفيثان

2010

-

620

تانين

2012

-

34

كاريش

2013

-

51

رويي

2014

-

90

افروديت

2011

قبرص

140

ظهر

2015

مصر

850

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر: ECEG

 

 

دول شرق البحر المتوسط . الصراعات والخلافات على موارد النفط والغاز

ا-قبرص التركية- قبرص اليونانية: تَعتبر قبرص التركية أن ثروات الجزيرة هي ملك لجميع أبنائها، ولا يجوز استغلالها بمعزل عن الطرف الآخر، لكن قبرص اليونانية تجاهلت هذا الأمر وقامت بالانتهاء من ترسيم حدود منطقة اقتصادية خالصة لها (EEZ) تمكنها من استغلال ثروة الغاز بشكل أحادي في  عام 2010م  مما دفع قبرص التركية للرد بخطوة مماثلة، فقامت بتحديد حدودها البحرية، كما وقَّعت اتفاقًا مع تركيا لترسيم الجرف القاري في عام 2011م. ونتيجة لهذه الإجراءات، أصبح هناك تداخل بين المناطق المحددة من قبل الطرفين القبرصيين  التركي واليوناني . ولذلك تطالب قبرص  التركية  بحقها في المناطق رقم 1و2 و3 و8 و9 و12 و13 التي قامت قبرص  اليونانية  بترسيمها. (19)

جدول رقم (1) يبين اتفاقيات تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة

قبرص-مصر

2003م

قبرص-لبنان

2007م

قبرص-اسرائيل

2010م

 

 

 

 

المصدر: تجميع الباحث من مصادر مختلفة

 

ب- تركيا–قبرص اليونانية:  تركيا ليست عضوًا في معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار التي تتيح تحديد المناطق البحرية، وأحد أسباب ذلك هو نزاعها مع اليونان في بحر إيجه. تعتبر تركيا أن المنطقة الاقتصادية الخالصة التي حددتها قبرص اليونانية تتداخل مع الجرف القاري التركي ومع المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها "لم يتم الإعلان عنها رسميًّا" في المناطق 1 و4 و5 و6 و7.  واستنادًا إلى هذه المطالب، لا تعترف تركيا بالاتفاقات التي أقامتها قبرص اليونانية  لترسيم منطقتها الاقتصادية الخالصة مع كل من مصر وإسرائيل ولبنان، وترى أن إرساء المناقصات على الشركات الأجنبية للبحث والتنقيب على الغاز في هذه المنطقة غير قانوني، لأنه ينتهك حقوق أنقرة .  كما تدعم تركيا مطالب قبرص التركية في حقوقها في المناطق التي أعلنتها. (20)
يتضح مما سبق حجم الصراعات في شرق البحر المتوسط  بين تركيا وجيرانها حول موارد النفط والغاز ، إن توقيع مذكرتي التفاهم التركية الليبية هي محاولة تركية شجاعة لكسر الطوق والعزلة المفروضة على تركيا . تركيا بهذه الاتفاقية تزداد قوة في مواجهة خصومها وأعدائها التاريخيين .

الخريطة رقم 1 توضح احتياطات الغاز التركية والقبرصية المتداخلة والمتنازع عليها 

 

إسرائيل- لبنان.

هناك صراع متعدد الأبعاد بين لبنان وإسرائيل. البلدان لم يُرسِّما حدودهما المائية مع بعضهما البعض، أضف إلى ذلك أن إسرائيل ليست موقِّعة على معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، وهي تعتبر أن هناك رقعة تابعة لها ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة التي رسَّمها لبنان.  يبلغ حجم الرقعة التي تدعي إسرائيل أن لها فيها حقوقًا حوالي 850 كلم2 ،  ويثار الإشكال تحديدًا حول المناطق 8 و9 و10 من المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان ولاسيما المنطقة رقم 9 حيث يعتقد أن هناك موارد طبيعية هائلة من الغاز والنفط (21)
في المقابل، يرفض لبنان هذه المزاعم الإسرائيلية، ويعتبر أن استناد إسرائيل إلى الخط الأزرق البري في رسم حدود بحرية غير قانوني ولا يُعوَّل عليه، كما ترفض الحكومة اللبنانية أيضًا اتفاق الترسيم الذي تم بين قبرص وبين إسرائيل، وتطالب نيقوسيا بأن تقوم بتعديل هذا الاتفاق ليعكس الترسيم اللبناني لحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها، وهو الأمر الذي ترفضه نيقوسيا أيضًا .(22)

الخريطة رقم (2) توضح الحدود المائية اللبنانية التي تزعم إسرائيل تبعيتها لها 

 

د- لبنان - قبرص .

وقع لبنان  مع قبرص في عام 2007م اتفاقية ثنائية لترسيم الحدود البحرية اللبنانية القبرصية يتم بموجبها تحديد المنطقة الاقتصادية الحصرية الخالصة لكل من الدولتين ، وذلك بهدف توطيد علاقات حسن الجوار والتعاون فيما بينهما لاستثمار الثروات النفطية. وقد تم الترسيم وفقا لقاعدة خط المنتصف، وبالاستناد إلى النقطة 23 باعتبارها نقطة ثلاثية ألأبعاد ، وجرى تحديد خط حدود بحري بين نقطتين مؤقتتين غير نهائيتين هما النقطتين "1 جنوبا و6 شمالا" بانتظار التفاوض مع الدول المعنية، بحيث ألزمت الاتفاقية أي طرف يدخل في تفاوض مع طرف أخر للترسيم وفقا للإحداثيات 1و6 الرجوع للطرف ألأخر أولا. واستندت هذه الاتفاقية إلى القوانين المرعية ألأجراء في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ، غير أنها لم تدخل حيز التنفيذ كما لم تودع نسخة منها لدى ألأمم المتحدة ، لكون الدولة اللبنانية لم تبرم الاتفاقية ولم تصدق عليها . من جهتها، وقعت قبرص لاحقا اتفاقية أخرى لترسيم  الحدود البحرية مع دولة الاحتلال في 17 أكتوبر عام 2010م  لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، دون الرجوع إلى لبنان بشان ما تم الاتفاق عليه وفقا للإحداثيات المذكورة، وقد أدى ألأمر إلى خسارة لبنان مساحة مائية تزيد على 860 كم2 ، وسمح لإسرائيل أن تدعي بحقوق التنقيب في المياه اللبنانية بعد التصديق على الاتفاقية .(23)
اليوم من المهم جدا على صانع القرار السياسي في ليبيا ، أن يدرك أهمية الانفتاح على لبنان والتنسيق مع لبنان في صراعات شرق البحر المتوسط على موارد النفط والغاز.

  1. الموقف الدولي والإقليمي .

معظم المواقف الدولية والإقليمية ترفض مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا ، ولكل دولة دوافعها وأسبابها في الرفض.

الموقف ألإقليمي .
يعتبر الموقف اليوناني اشد المواقف ألإقليمية الرافضة لتوقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا ، حيث لجأت اليونان إلى الأمم المتحدة، كما طلبت من الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على تركيا. وقال متحدث باسم الحكومة اليونانية : "  إن بلاده أحالت إلى الأمم المتحدة اعتراضاتها على الاتفاق التركي الليبي باعتباره انتهاكا للقانون الدولي، لأن المناطق البحرية لتركيا وليبيا لا تلتقي، ولأنه لا توجد حدود بحرية بين الدولتين، حسب تعبيره. (24)
وبالإضافة إلى قولها إنه لا توجد حدود بحرية بين تركيا وليبيا، تقول أثينا : "  إن مذكرة تحديد النفوذ البحري التركية الليبية تخترق الجرف القاري لجزيرة كريت اليونانية". (25)  الجزيرة
مصر هي ألأخرى كان لها موقف رافض ، في 28 نوفمبر عام 2019م    أدانت وزارة الخارجية المصرية توقيع ليبيا وتركيا مذكرتي التفاهم في المجال الأمني والبحري . ووصفت الخارجية المصرية في بيان لها  الاتفاقية بمعدومة الأثر القانوني . (26)  

بالنسبة لإسرائيل ،  أعلنت عن موقفها  الرافض لتوقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا . في 24 ديسمبر عام 2019م   أعلن  وزير خارجية ألإسرائيلي  يسرائيل كاتس  في  مقابلة مع القناة  13  العبرية عن  رفض الاتفاقية مع عدم الرغبة في الدخول بصراع مع أنقرة. (27)

  • الموقف الدولي .

يبدو بان غالبية المواقف الدولية تصب في صالح اليونان وبقية دول منتدى غاز شرق المتوسط ، وان كانت بعض الدول الكبرى لا تعلن رفضها صراحة بشأن توقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا ، إلا أن ما يفهم من تصريحاتها أنها غير راضية.

 في 5 ديسمبر عام 2019م طالب الاتحاد الأوربي في بيان له  بمزيد من الإيضاحات حول الاتفاقية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبي بشأن الحدود البحرية وأعلن الاتحاد الأوروبي في بيانه تضامنه التام مع اليونان وقبرص ، وشدد على ضرورة أن تحترم تركيا السيادة والحقوق السيادية لجميع الدول  .(28)

وجاء في  البيان الختامي لقمة زعماء الاتحاد الأوروبي في بروكسل بان  مذكرة التفاهم المبرمة بين تركيا وليبيا  تتعارض مع قانون البحار، وأنه  لا يتمخض عنها نتائج قانونية ملزمة  بالنسبة للدول الأخرى.(29)  

بالنسبة لموقف روسيا ، في 3 ديسمبر عام 2019م  قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية  ماريا زاخاروفا  : " لا يمكن تقديم أي تقييم قانوني لهاتين الوثيقتين إلا بعد الاطلاع على فحواهما الذي لم يتم الكشف عنه بعد. لكننا لفتنا مع ذلك اهتمامنا إلى الرد الحاد بما فيه الكفاية على توقيعهما من قبل بعض دول منطقة البحر  المتوسط  خاصة اليونان وقبرص ومصر".(30)

وأضافت زاخاروفا: "على الرغم من التصريح الرسمي للخارجية التركية الذي جاء فيه أن المذكرة التركية الليبية حول تحديد المناطق البحرية لا يتعارض مع القانون الدولي، إلا أن أثينا ونيقوسيا اتهمتا أنقرة بانتهاك اتفاق الأمم المتحدة الخاص بالقانون البحري والعبث بمصالحهما".(31)

وأضاف زاخاروفا بقولها : "أما مذكرة التفاهم حول التعاون في مجال الأمن، فأعطى إبرامها أسسا للحديث عن محاولات تركيا لشرعنة دعمها العسكري للحكومة في طرابلس في المواجهة مع الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، بما في ذلك عبر الخرق السافر لحظر توريد السلاح.  (32)

أما عن موقف الولايات المتحدة ألأمريكية بشأن توقيع مذكرتي التفاهم .  ففي 21 ديسمبر عام 2019م  أكد مسؤول أمريكي على أنها "استفزازية ومثار قلق للولايات المتحدة"، وقال بان  بلاده  قلقة للغاية  تجاه التصعيد العسكري من جانب حفتر  وتدعو كل الأطراف لعدم التصعيد.(33)

فرنسا أيضا ترفض توقيع مذكرتي التفاهم بين تركيا وليبيا ،  ويتضح في كثير من المناسبات والمحافل الدولية حجم الصراعات بين تركيا وفرنسا ، وعدم التوافق في ملفات عديدة خاصة ألازمة الليبية ، وبالتالي ترفض فرنسا توقيع الاتفاقية الليبية التركية، بعد  أيام من توقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا وتحديدا يوم الجمعة 29 نوفمبر عام 2019م هاجم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان نظيره الفرنسي  ماكرون  على خلفية انتقاده التدخل العسكري التركي في سوريا، مشيراً إلى أن سيّد الإليزيه في حالة موت دماغي ،  مستعيراً العبارة التي استخدمها ماكرون مؤخراً لوصف حلف شمال الأطلسي. (34)

ايطاليا وفي 15 ديسمبر عام 2019م وعلى لسان  رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي أعلنت عن رفضها توقيع  مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا.  وقال كونتي في تصريح نقلته عنه وكالة سبوتنيك:" إن الاتفاقيتين غير مقبولتين بالنسبة لإيطاليا، وإنه سيبحث تفاصيلهما لاحقا مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ". (35)

مذكرة التفاهم  الليبية التركية وانعكاساتها على المشهد السياسي في ليبيا:

لا شك بأن توقيع الاتفاقية الليبية التركية سيكون له انعكاسات على المشهد السياسي الليبي ، وهو ما نراه ألان واقعا ملموساً. بعض الدول الرافضة لتوقيع الاتفاقية الليبية التركية سيكون ردها على ألأرض الليبية من خلال دعم حفتر في مواجهة حكومة الوفاق . وبالتالي يتجه المشهد السياسي والعسكري إلى مزيد من التصعيد والتعقيد.

  • انعكاسات محلية.

هناك انعكاسات محلية تتعلق بالداخل الليبي ، وسير المعارك بين قوات حفتر ، وقوات حكومة الوفاق ، وهي انعكاسات وان كانت تتم على ألأرض الليبية إلا أنها لا تخلو من مؤثرات خارجية دولية وإقليمية .

  1. معركة طرابلس.

بات من الواضح بعد توقيع الاتفاقية الليبية التركية خاصة في شقها الامني والعسكري المتعلق بمذكرة التفاهم ألأمنية والعسكرية ، بان مسالة سقوط طرابلس ودخول حفتر بقواته  منتصرا أمرا مستبعدا بكل المقاييس . على مدى أكثر من  10 أشهر عجز حفتر عن دخول طرابلس ، وألان في ظل الدعم التركي لن يستطيع أن يحسم معركة طرابلس ، صوت البرلمان التركي على مذكرة التفاهم ألأمنية والعسكرية ، وطلبت حكومة الوفاق رسميا من تركيا الدعم وإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا .
وتحصلت حكومة الوفاق على أسلحة نوعية من تركيا ، من ضمنها أنظمة دفاع جوي . وأصبح سلاح الطيران التابع لحفتر وداعميه عاجزا عن شن هجمات جوية على طرابلس ، واقع جديد فرضه الدعم العسكري التركي ، وتغير لموازين القوة فرض حقائق جديدة على ألأرض.

  1. سيناريو التقسيم .

لان حفتر أكثر من غيره يرى حقيقة واضحة أمامه بان مهزوم على أسوار طرابلس ،  ولان مصر التي تدعمه وتؤجج الصراع في ليبيا لن تكون قادرة على مواجهة تركيا في ليبيا لفترة طويلة . فان سيناريو التقسيم أصبح هو ألأقرب في الحالة الليبية، لن يكون من مصلحة نظام السيسي أن يخرج مهزوما من ليبيا وهو قد راهن على حليفه حفتر منذ أعوام ، ولان صورته وشرعيته سوف تهتز أمام الرأي العام المصري وخصومه كثر . فان السيسي سوف يستميت في تأجيج الصراع في ليبيا ودعم حفتر ، وإذا وصل إلى قناعات بان سقوط طرابلس لن يحدث فانه سيراهن على تقسيم ليبيا ليحقق جملة من المكاسب ليس لمصر الدولة والتاريخ والحضارة والتي لن يكون من مصلحتها تقسيم ليبيا ، بل لمصلحة نظامه حتى لا ينهار .
سوف يعمل السيسي على دغدغة مشاعر  المصريين الرافضين لاتفاقية عام 1925م لترسيم الحدود بين ليبيا ومصر ، سوف يعمل بكل ثقله لكي يحدث تغييرا في الحدود الليبية المصرية ، ونهب ثروات برقة من النفط والغاز. إطالة أمد الصراع والفرقة بين الليبيين هو ما يخدم مصلحة السيسي لكي يسيطر على برقة ويظل يوهم المصريين بان جيشهم يحارب ألإرهاب في ليبيا ويدافع عن امن مصر القومي ، وقد يدفع بموجات من العمالة المصرية إلى برقة ليحدث تغييرا ديموغرافيا في التركيبة السكانية يشكل  حالة  من الغزو المصري للأراضي الليبية.
سوف تسعى ألإمارات بقوة لتقسيم ليبيا، وستتبع نفس السياسات التي اتبعتها في اليمن ، فقد سيطرت على المواقع ألإستراتيجية  الهامة مثل جزيرة ميون في مدخل مضيق باب المندب ، وجزيرة سوقطرى ، والمدن الهامة على بحر العرب مثل عدن .
إن اجتماع القاهرة المنعقد في 9 فبراير عام 2020م وفق المسار الاقتصادي المعلن عنه في مقترح البعثة ألأممية يمثل خطوات عملية من جانب مصر والإمارات وداعمي حفتر للسيطرة على الموارد الاقتصادية لبرقة ، حيث توجد ثروات هائلة من النفط والغاز .

  • انعكاسات دولية وإقليمية.
  1. ليبيا تدخل إلى حلبة الصراع في شرق البحر المتوسط .

بتوقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية تكون ليبيا قد دخلت إلى مسرح ألأحداث المضطرب في شرق البحر المتوسط ، وستكون طرف أساسي ورئيسي في الصراعات بين دول ألإقليم على موارد النفط والغاز . ستجد ليبيا نفسها في مواجهة مصر وقبرص اليونانية وإسرائيل . هذا ما تؤكده ردود ألأفعال القوية الرافضة لتوقيع مذكرة التفاهم بين ليبيا وتركيا .
قد لا تشكل اليونان خطرا كبيرا على ليبيا ، مثل الخطر الذي تشكله مصر . رغم أنها كشرت عن أنيابها ورفضت بقوة توقيع مذكرتي التفاهم الليبية التركية، وأرسلت وزير خارجيتها نيكوس دندياس  إلى بنغازي في 22 ديسمبر عام2019م غير أن مصدر الخطر ألأكبر هو في مكان أخر على خرائط الجغرافيا السياسية في شرق البحر المتوسط . أنها إسرائيل ،  هي غير راضية على توقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية ، وقد لا يكون السبب في ذلك هو إفشال مشروعها لنقل الغاز إلى أوروبا بعد توقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية فقط . بل هناك أسباب أخرى ومصالح تفرض نفسها من أهمها دعم بعض أعدائها العرب الذين أصبحوا حلفاء لكي يقوموا  نيابة عنها  بتدمير الدول العربية.
إسرائيل تعيش ألان  في عصرها الذهبي ، فهي أصبحت دولة تنتج النفط والغاز ، وبالتالي تخلصت من عقدة ونقطة ضعف في تكوينها وهي فقرها إلى الموارد وحاجتها للدعم الغربي لكي تظل صامدة وسط محيط عربي يرفضها. لهذا فان موارد النفط والغاز في شرق المتوسط ذات أهمية كبرى لأمنها القومي ، فلن تكون بعيدة عن حلبة الصراع .
إسرائيل معنية بالصراع في ليبيا خدمة لمصالحها ، في أغسطس عام 2019م دعا   مركز أبحاث الأمن القومي  الإسرائيلي  لمراقبة الدور التركي في ليبيا، على اعتبار أن أنقرة ترى في تكريس نفوذها هناك وسيلة لمواجهة التعاون الإسرائيلي-المصري-اليوناني-القبرصي في مجال استخراج الغاز واقتصاديات الطاقة، وأن التحولات التي قد تشهدها ليبيا يمكن أن تؤثِّر سلبًا على مصالح تل أبيب ألإستراتيجية.(36)

وفي محاولة لقراءة حقيقة الموقف الإسرائيلي .  قال الخبير الإسرائيلي   كارتشر : "  أنه لا يتوقع أن تكون إسرائيل طرفا مباشرا في الأزمة الليبية، من الممكن أن يكون الدعم الإسرائيلي لطرف ما بالأزمة الليبية ليس بشكل مباشر، وإنما بواسطة طرف ثالث، وعلى شكل مساعدات أو تقديم استشارات على أكثر تعديل". (37)

الصراع بين إسرائيل ولبنان . الموقف ألأمريكي ودور ألأمم المتحدة

في صراعات شرق البحر المتوسط مهم جدا أن نعرف الموقف ألأمريكي ، ودور ألأمم المتحدة في الصراع بين إسرائيل ولبنان ، لنعلم بان حلبة الصراع التي دخلناها حديثا لن يكون مجديا فيها أن نراهن على الدعم  ألأمريكي ، أو دعم  أي دولة كبرى ، أو ألأمم المتحدة في ترجيح كفتنا في صراع لن يكون سهلا ، بل سيكون اللاعبون ألأقوى على حلبة الصراع من يملكون القدرة على خلق التحالفات ، واستثمار أوراق القوة الحقيقية.

  1.  دور الولايات المتحدة ألأمريكية.

شهدت ألازمة الحديثة الناشئة حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان ودولة الاحتلال ، حيزا من المساعي الدبلوماسية من قبل الولايات المتحدة ألأمريكية بالتعاون مع ألأمم المتحدة بهدف معالجة القضية ومنع تحول الحدود البحرية إلى بؤرة توتر بين إسرائيل ولبنان . فقد تحركت الولايات المتحدة ألأمريكية جديا لمعالجة هذا الملف انطلاقا من أنها وحدها القادرة على ممارسة الضغط على إسرائيل . (38)

وعلى الرغم من المساعي الجدية ألأمريكية نحو حل ألازمة في ملف النفط والنزاع البحري بين إسرائيل ولبنان ، وصف الدور بالمتقلب ، وكان للدولة اللبنانية مأخذ على السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة في هذا ألإطار ، مما دفع لبنان إلى العدول عن الوساطة الخارجية والسير بالحل الداخلي . فقد قامت الولايات المتحدة ألأمريكية في بداية المفاوضات بتعيين فريدريك هوف احد كبار موظفي وزارة الخارجية لتولي الوساطة بين لبنان وإسرائيل في قضية ترسيم الحدود البحرية، ولاقى هوف ترحيبا لبنانيا واسعا ، إذ كان وفق تعبير الرئيس بري منفتحا على النقاش ، فاقر هوف في خلاصة النقاشات مع الطرفين بحق لبنان في 530 كم2 من المساحة البحرية المتنازع عليها ، والتي عاد وأضاف إليها لاحقا عشرات الكيلومترات ، لتقارب النسبة المعترف بسيادة لبنان عليها 700 كم2 . غير أن الولايات المتحدة ألأمريكية سرعان ما كفت يد هوف عن الملف ، وتولاه عوضا عنه مساعد وزير الخارجية لشؤون الطاقة أموس هوشتاين ، والذي يؤخذ عليه طابعه اليهودي مما أثار هواجس لبنان وما لبث أن اصدق المخاوف اللبنانية في تراجعه عن السقف الحدودي الذي كان قد اعترف به هوف.  (39)

  1. دور ألأمم المتحدة.

وجه لبنان رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة تشرح حيثيات المطالب اللبنانية، من خلال السؤال عن إمكانية الحصول على مساعدة ألأمم المتحدة في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل ، مشيرا في سياق السؤال إلى دور قوات اليونيفيل في ردع الاعتداءات ألإسرائيلية على سيادة لبنان وحقه في الثروة النفطية، اثر قيام إسرائيل بالتفرد بترسيم حدودها. وجاء جواب أولي من ألأمم المتحدة على لسان  الناطق باسم ألامين العام مارتن نيسيركي بان قوات اليونيفيل ليست مخولة بموجب القرار 1701 ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل .(40)
كذلك كان جواب نائب ألامين العام للأمم المتحدة يأن الياسون في تصريح لصحيفة السفير، أن  أي وساطة من الأمم المتحدة تفترض طلبا من الطرفين اللبناني وإلاسرائيلي ، فيما ألأمم المتحدة لم تتلق طلبا إسرائيليا في هذا الخصوص. ومع ألأخذ بالعلم أن اليونيفيل البحرية استقدمت بعد صدور القرار 1701  الذي لم يلحظ صلاحياتها، فان وجهة النظر اللبنانية تتلخص في هذا الخصوص بان مهمة هذه القوات تكمن بحسب منطوق القرار 1701 في مساندة لبنان على بسط سيادته على كامل حدوده ومنها البحرية، إذ أن قوات يونيفيل لم تقم بتعريف وتحديد منطقة عمليات القوات البحرية بوضوح.(41)

مما يؤكد بأننا على موعد مع صراعات كبرى ومصيرية في شرق البحر المتوسط هو ما قامت به فرنسا مؤخرا عندما أرسلت حاملة الطائرات شارل ديغول إلى المنطقة  في إطار عملية أوروبية بحجة محاربة ألإرهاب .
يوم الخميس 16 يناير عام 2020م ، قال ماكرون : "  إن القوة البحرية- الجوية ستذهب دعما لعملية الشمال  الشق الفرنسي ضمن عملية التحالف الدولي  العزم الصلب من يناير  إلى أبريل  قبل أن تنتشر في المحيط الأطلسي وبحر الشمال".(42)
وأكد أنّ حاملة الطائرات  ستكون في صلب عمليات مشتركة بين عدة دول أوروبية ، موضحا أن  ألمانيا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا والبرتغال واليونان ستشارك في مواكبة  شارل ديغول خلال عملياتها .  (43)
بعد حوالي أكثر من شهر  من  إرسال حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول إلى شرق البحر المتوسط ، هناك حدث أخر مهم يؤكد لنا بان الهدف الحقيقي من إرسال حاملة الطائرات الفرنسية وتشكل القوة ألأوروبية التي تحدث عنها ماكرون  هو ذي صلة بصراعات النفط والغاز .
يوم الثلاثاء 25 فبراير 2020م  أعلنت شركة  توتال  الفرنسية والحكومة اللبنانية وصول سفينة حفر للقيام بعمليات التنقيب لأول بئر استكشافية للنفط والغاز قبالة السواحل اللبنانية،
وقالت شركة توتال:"إن سفينة الحفر تنغستن إكسبلورر  موجودة الآن في المنطقة الاقتصادية الخاصة للبنان لبدء عمليات التنقيب في أول بئر استكشافية في القطعة رقم 4، والتي تقع على بعد حوالي 30 كيلومترا قبالة العاصمة بيروت. (44)
وافق لبنان في عام 2017م  على تراخيص لكونسورتيوم دولي بقيادة شركة توتال وإيني الإيطالية ونوفيتك الروسية للمضي قدما في تطوير حقول النفط والغاز في البحر في قطعتين من بين 10 قطع في البحر المتوسط . (45)
لا شك بان مؤشرات الصراع والتصعيد في شرق البحر المتوسط واضحة، وان الغرب لن يسمح لتركيا بان تعيد هندسة خرائط النفوذ والمصالح في منطقة إستراتيجية بها ثروات هائلة من النفط والغاز.
في 29 فبراير عام 2020م أعلن وزير البترول المصري طارق الملا، أن إسرائيل وقبرص واليونان وجهت الدعوة لمصر للمشاركة في مشروع خط لأنابيب الغاز بالبحر المتوسط .
وأوضح الملا لموقع  مستقبل وطن نيوز  بقوله : " أن الدعوة جاءت لمصر للمشاركة في مشروع  إيست ميد  لمد خط أنابيب من إسرائيل يمر باليونان وقبرص لتصدير الغاز إلى أوروبا". (46)
وأضاف بقوله : " تلقينا دعوة من إسرائيل واليونان وقبرص للانضمام للمشروع وهذا شيء متروك لنا، لكن ما الداعي للانضمام لهذا المشروع ونحن نمتلك الإمكانيات لتصدير الغاز لأوروبا ولأي دولة في العالم عن طريق محطات تسييل الغاز؟ ". (47)
ويظل السؤال المهم .. ما هو حجم التوافق ما بين فرنسا وإسرائيل بشأن الخطوة الفرنسية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الاقتصادية اللبنانية؟. وهل هناك نوايا لدى فرنسا والغرب  لمواجهة تركيا في شرق البحر المتوسط ؟. هل بدا العد التنازلي للمواجهة بالتزامن مع  التوتر في ادلب بين روسيا وتركيا، وأين  ليبيا من هذه الصراعات، ما هو موقفها ، وكيف ستتعامل معها ؟

  1. احتدام الصراع التركي المصري على النفوذ والمصالح  في ليبيا.

يحتدم الصراع المصري التركي على ألأرض الليبية ، وله خلفيات تاريخية تعود الى فترة الصراع على النفوذ في منطقة البحر المتوسط والشرق ألأوسط بين مصر في عهد محمد علي باشا والدولة العثمانية .
وفي عالم القرن الواحد والعشرين وعلى ارض ليبيا المضطربة يبدو بان الصراع التاريخي قد تجدد .  قال أردوغان في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء التركية الرسمية  الأناضول : " إن الوضع في ليبيا بات يهدد بسيناريوهات مظلمة  يمتد خطرها لأمن المنطقة ، ليبيا فيها  حكومة تتلقى شرعيتها من الشعب، ودكتاتور مدعوم من أوروبا وبعض الدول العربية".
وطبعا أردوغان هنا يقصد مصر والإمارات والسعودية " .
في يونيو عام 2019م قال الفريق محمود حجازي مسؤول اللجنة المصرية المعنية بمتابعة الملف الليبي في تصريحات صحفية : " إن تركيا تهدد المصالح المصرية في ليبيا ". وأشار حجازي  إلى أن أردوغان يدعم بشكل علني مباشر السلطات في طرابلس، والمتمثلة في رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، ورئيس مجلس الدولة خالد المشري. لقد مثلت هذه التصريحات بالنسبة لنا مؤشرا واضحا على وجود صراع مصري تركي على النفوذ في ليبيا ، لكن هناك فرق في السياسات والأهداف بين مصر وتركيا. (48)
ويمكن أن نفهم أيضا من تصريحات بعض النخب المصرية حقيقة الصراع المصري التركي على النفوذ والمصالح في ليبيا . حيث يرى الكاتب محمد منصور بأنه  هناك مواجهة إقليمية جيوسياسية بين القاهرة واسطنبول ، تمتد ما بين جزيرة سواكن السودانية، وقاعدتي مصر البحرية والجوية في برنيس، وصولاً إلى التخوم التركية في اليونان وقبرص، لكنها مواجهة ردع وتهديد لا تتطلب مواجهة مباشرة بالنيران الحية، المواجهة الحقيقية والحاسمة ستكون غالباً على أرض ليبيا.(49)
وتابع منصور قائلا :"الصبغة الإقليمية للصراع حول مصر لم تقتصر على التطورات الميدانية على أرضها، بل تعدتها لتصبح دول أخرى مسرحاً لهذه المبارزة التي تؤدي فيها تركيا دور البطولة، وتريد فيها حصار دور مصر الإقليمي. ولعل آخر إرهاصات هذه المبارزة، زيارة الرئيس التركي إلى السودان، وتوقيعه عشرات الاتفاقات مع حكومتها وعلى رأسها اتفاقية إستراتيجية تسمح لدولته بالتمركز في جزيرة  سواكن  السودانية، التي تقع على بعد نحو 350 كم من الحدود بين السودان ومصر، لتأهيلها خلال مدة زمنية غير محددة، وهو ما يسمح للأسطول التركي بالتحرك في هذه المنطقة بشكل شبه دائم ، ومن ثم من الممكن اعتبار هذه الجزيرة قاعدة جديدة للجيش التركي تضاف إلى قاعدته الموجودة في العاصمة الصومالية مقديشو وقواته التي تم تعزيزها خلال الأيام الماضية في قطر". (50)
في 21 فبراير عام 2020م قالت  صحيفة  العرب ويكلي نقلا  عن مصادر أمنية لم تسمها أن رئيس المخابرات العامة المصرية عباس كامل زار سرّا عدة دول عربية وفي شمال أفريقيا سعى من خلالها إلى تشكيل تحلف استخباري وعسكري لمواجهة تركيا وقالت المصادر للصحيفة المقربة من التحالف السعودي الإماراتي : "  إن كامل عرض معلومات فائقة الحساسية، على نظرائه في الدول التي زارها، عن التحركات والعمليات التركية في ليبيا وسوريا بالإضافة إلى وجودها العسكري في قطر". (51)
وقال مصدر في القاهرة للصحيفة : "  إن رئيس المخابرات المصرية نجح في تحقيق هدف أساسي من جولته، وهو تكوين خلية أمنية عالية المستوى شبيهة بغرفة عمليات تضم ممثلين رفيعي المستوى عن أجهزة أمن هذه الدول لمواجهة ما أسماه المخطط التركي والرد عليه. ولكن  الخبير المصري في شؤون الأمن القومي  محمد مجاهد الزيات، استبعد في تصريح للصحيفة أن تصل التحركات المصرية إلى مستوى التحالف الأمني بين القاهرة والعواصم المعنية ، وأوضح أن تونس والجزائر تحتفظان بعلاقات جيدة مع أنقرة، ولهما تقديرات حول الأزمة الليبية لا تتطابق مع الرؤية المصرية. (52) ترك برس

  1. سيناريو الصدام الروسي التركي.

هناك مؤشرات على سيناريو صدام روسي تركي على ألأرض الليبية ، ويمكن أن نلاحظ ذلك من تصريحات الساسة والمسؤولين ألأتراك والروس التي أخذت   وجهة تصعيدية ،  وأعطت  مؤشرات قوية على عدم التوافق في وجهات النظر  ما بين تركيا وروسيا في الملف الليبي .
قال الرئيس التركي  أردوغان : "  إنه لن يكتفي بمشاهدة الأحداث التي تحصل في ليبيا وإنه سيستمر في الوقوف إلى جانب ليبيا كما فعل مع سوريا من قبل ". وأعلن أردوغان عبر قناة تي آر تي التركية : "  أن من يقف وراء الأحداث العسكرية في ليبيا هم دول مصر والإمارات وفرنسا و إيطاليا إضافة إلى روسيا من خلال إرسالها قوات الفاغنر التي تقاتل إلى جانب مسلحي حفتر ". (53)
ونقلا وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء عن مصدر بوزارة الخارجية الروسية  قوله يوم الجمعة 20 ديسمبر 2019م : " إن موسكو قلقة بشدة من احتمال إرسال تركيا قوات إلى ليبيا مضيفا أن الاتفاق الأمني بين تركيا والحكومة الليبية المعترف بها دوليا يثير تساؤلات كثيرة". (54)
لقاء اردوغان بوتن  في 8 يناير 2020م  لم يأتي بجديد لحل الازمة الليبية ، بل كان يمثل توافق مؤقت بين ألأتراك والروس حول الملف الليبي . وفي اجتماع موسكو بشان ألازمة الليبية   أبدى  ألأتراك جديتهم في دعم الحل السياسي في ليبيا ، بينما  نجد الروس قد سمحوا لحليفهم حفتر بالتهرب من التوقيع على وقف إطلاق النار بدون أن يمارسوا عليه أي ضغوط حقيقية.
كما استخدم الروس حق الفيتو ضد مقررات مؤتمر برلين الداعية إلى حل سياسي للازمة الليبية ، وهذا يؤكد رغبة الروس في دعم حليفهم حفتر والاستمرار في عسكرة ألازمة الليبية، وهو موقف مناقض للموقف التركي .
يقول الدكتور نبيل عكيد المظفري في دراسة له بعنوان .. الموقف التركي  من قضية الاستقلال الليبي خلال الفترة 1950م-1960م.. يقول :  " إن  تركيا كانت تمتلك رؤية إستراتيجية بعيدة المدى حول ليبيا ، وان دعمها لا ينبع من إيمانها بحق الشعوب في الاستقلال والحرية فقط ، بل كانت تريد إبعاد النفوذ السوفييتي عن المنطقة لما له من مخاطر على أمنها القومي ، وبالتالي فإنها كانت تريد أن يكون لها دور كبير في هذه المنطقة الحيوية ، وقد أكد السكرتير العام في وزارة الخارجية التركية فؤاد جارم ، إن بلاده مع استقلال ليبيا ، لكنها في الوقت نفسه تعمل وبشتى الوسائل على منع وصول النفوذ السوفييتي إلى ليبيا إذا تعذر تحقيق الاستقلال ، كما أكد إن تركيا مستعدة لتقدم العون والمساعدة لليبيا وفق هذه الرؤية ". (55)
كما أن ما يحدث في ادلب ألان من حرب بين تركيا والنظام السوري المدعوم من روسيا  ، سوف ينعكس على ألازمة الليبية، فبعد أن وجهت تركيا ضربات موجعة لقوات ألأسد في سراقب، رأينا تصعيد في مكان أخر. حيث بدا القصف على  أحياء طرابلس بالقذائف . وتبين فيما بعد بان مرتزقة الفاغنر الروس هم من قاموا بالقصف ، وفق تصريحات وزير الداخلية فتحي باشاغا.
ثم كان توقيع مذكرة التفاهم لاستئناف  العلاقات الدبلوماسية بين الحكومة المؤقتة في شرق ليبيا ونظام ألأسد يوم ألأحد 1 مارس عام 2020م  لا يمكن أن يتم بدون ضوء اخضر من روسيا لنظام ألأسد ، وهذا مؤشر خطير يؤكد حقيقة  التدخل الروسي في ليبيا، والترابط بين ألازمة الليبية وما يحدث في سوريا من صراعات بين الروس والأتراك.

 

محمد عمران كشادة (باحث ليبي)

 

هوامش.

  1. محمود سمير الرنتيسي ، ليبيا في سياسة تركيا الخارجية. حقائق جديدة في معادلات البر والبحر ، مركز الجزيرة للدراسات.
  2. صحيفة الاتحاد.
  3. محمود سمير الرنتيسي ، ليبيا في سياسة تركيا الخارجية . حقائق جديدة في معادلات البر والبحر ، مركز الجزيرة للدراسات.
  4. تقدير موقف، مكتب دعم السياسات العامة
  5. محمود سمير الرنتيسي ، ليبيا في سياسة تركيا الخارجية. حقائق جديدة في معادلات البر والبحر. مركز الجزيرة للدراسات.
  6. ممدوح الولي ، نقص الطاقة والعجز التجاري التركي ،  عربي 21.
  7. ممدوح الولي ، نقص الطاقة والعجز التجاري التركي ،  عربي 21.
  8. ممدوح الولي ، نقص الطاقة والعجز التجاري التركي ، عربي 21.
  9. ممدوح الولي ، نقص الطاقة والعجز التجاري التركي ،  عربي 21.
  10. ممدوح الولي، نقص الطاقة والعجز التجاري التركي ، عربي 21.
  11. ممدوح الولي ، نقص الطاقة والعجز التجاري التركي ، عربي 21.
  12. مصادر الطاقة الخاصة بتركيا من منظور جيو اقتصادي، ترك برس.
  13. مصادر الطاقة الخاصة بتركيا من منظور جيو اقتصادي، ترك برس.
  14. مصادر الطاقة الخاصة بتركيا من منظور جيو اقتصادي، ترك برس.
  15. مصادر الطاقة الخاصة بتركيا من منظور جيو اقتصادي، ترك برس.
  16. مصادر الطاقة الخاصة بتركيا من منظور جيو اقتصادي، ترك برس.
  17. مصادر الطاقة الخاصة بتركيا من منظور جيو اقتصادي، ترك برس.
  18. علي حسين باكير، النزاع على الغاز في شرق المتوسط ومخاطر الاشتباك. مركز الجزيرة للدراسات.
  19. علي حسين باكير، النزاع على الغاز في شرق المتوسط ومخاطر الاشتباك. مركز الجزيرة للدراسات.
  20. علي حسين باكير، النزاع على الغاز في شرق المتوسط ومخاطر الاشتباك. مركز الجزيرة للدراسات.
  21. علي حسين باكير، النزاع على الغاز في شرق المتوسط ومخاطر الاشتباك. مركز الجزيرة للدراسات.
  22. علي حسين باكير، النزاع على الغاز في شرق المتوسط ومخاطر الاشتباك. مركز الجزيرة للدراسات.
  23. لارا رجا الذيب ، مركز البحوث والدراسات الإستراتيجية، الجيش اللبناني ،" تنقيب عن الثروة في بحر من الصراع ، ثروة لبنان من النفط والغاز ما بين ترسيم الحدود البحرية ومغانم الدول الكبرى ". ورقة بحثية مشاركة ضمن فعاليات المؤتمر الإقليمي الثامن، المحور الثاني، عام 2018م .
  24. موقع الجزيرة نت.
  25. موقع الجزيرة نت.
  26. موقع قناة ليبيا الاحرار.
  27. موقع ترك برس.
  28. موقع عربي 21.
  29. موقع عربي 21.
  30. موقع قناة RT  الروسية.
  31. موقع قناة RT  الروسية.
  32. موقع قناة RT  الروسية.
  33. موقع عربي 21.
  34. موقع DW .
  35. موقع الجزيرة نت.
  36. موقع الجزيرة نت .
  37. موقع عربي سبوتنك.
  38. لارا رجا الذيب ، مركز البحوث والدراسات الإستراتيجية، الجيش اللبناني ،" تنقيب عن الثروة في بحر من الصراع ، ثروة لبنان من النفط والغاز ما بين ترسيم الحدود البحرية ومغانم الدول الكبرى ". ورقة بحثية مشاركة ضمن فعاليات المؤتمر الإقليمي الثامن، المحور الثاني، عام 2018م .
  39. لارا رجا الذيب ، مركز البحوث والدراسات الإستراتيجية، الجيش اللبناني ،" تنقيب عن الثروة في بحر من الصراع ، ثروة لبنان من النفط والغاز ما بين ترسيم الحدود البحرية ومغانم الدول الكبرى ". ورقة بحثية مشاركة ضمن فعاليات المؤتمر الإقليمي الثامن، المحور الثاني، عام 2018م .
  40. لارا رجا الذيب ، مركز البحوث والدراسات الإستراتيجية، الجيش اللبناني ،" تنقيب عن الثروة في بحر من الصراع ، ثروة لبنان من النفط والغاز ما بين ترسيم الحدود البحرية ومغانم الدول الكبرى ". ورقة بحثية مشاركة ضمن فعاليات المؤتمر الإقليمي الثامن، المحور الثاني، عام 2018م .
  41. لارا رجا الذيب ، مركز البحوث والدراسات الإستراتيجية، الجيش اللبناني ،" تنقيب عن الثروة في بحر من الصراع ، ثروة لبنان من النفط والغاز ما بين ترسيم الحدود البحرية ومغانم الدول الكبرى ". ورقة بحثية مشاركة ضمن فعاليات المؤتمر الإقليمي الثامن، المحور الثاني، عام 2018م .
  42. موقع قناة فرنسا 24.
  43. موقع قناة فرنسا 24.
  44. موقع قناة الحرة الامريكية.
  45. موقع قناة الحرة الامريكية.
  46. موقع قناة RT  الروسية.
  47. موقع قناة RT  الروسية.
  48. عفاف الفرجاني ، صحيفة الموقف الليبي .
  49. موقع سبوتنك عربي.
  50. موقع سبوتنك عربي .
  51. موقع ترك برس.
  52. موقع ترك برس.
  53. موقع قناة ليبيا الاحرار .
  54.  نبيل عكيد المظفري ، الموقف التركي  من قضية الاستقلال الليبي خلال الفترة 1950م-1960م.
  55.  نبيل عكيد المظفري ، الموقف التركي  من قضية الاستقلال الليبي خلال الفترة 1950م-1960م.
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك