القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الاتحـــاد العـــام التونســـــــي للشغـــــــل  بيــــــــن النقابــي  و السياســـــــــــي أو من النقابــــــي الى السيــــــــــــاسي ؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-12-13 10:29:00 | 162 مشاهدة

المقدّمة:

يتبوّأ الاتحاد  العام التونسي للشغل  بما له  من تراكم تاريخي  وثقل اجتماعي  دورا وطنيا  بارزا ومكانة مرموقة  في المشهد الوطني  التونسي . لقد كان الاتحاد أحد أعمدة  الحركة  التحريرية  منذ تأسيسه سنة 1946 على يد الزعيم الوطني  الكبير و الشهيد  الخالد فرحات حشاد.  كما كان طوال  فترة دولة  الاستقلال شريكا  اجتماعيا بارزا  وعنصر توازن  مجتمعي فعّال  في علاقة  الدّولة بالمجتمع  وصرحا متينا وفضاءا رحبا للقوى  الديمقراطية خاصّة  بعد خوضه معركة الاستقلالية  في أواخر  السبعينات و التي بلغت  أوجها في أحداث 26 جانفي 1978. وكان الاتحاد في مختلف  مراحل  مسيرته  حريصا على الربط بين  البعد النقابي  الاجتماعي  المطلبي و البعد السياسي  العام الوطني  المتمثل  في الدّفاع  عن الاستقلال و السيادة الوطنية و الحريات العامّة و الدّيمقراطية.

وقد أصبح  البعض يلاحظ أن الدور  السياسي للإتحاد اخذ يتضخم شيئا فشيئا  خاصة بعد الثورة وأنه ربما  انتقل من السياسي الوطني  العام إلى  السياسي الخاص  البحت و الصّرف.

فإلى أيّ مدى يصحّ هذا الرأي  وماهي أبرز انعكاساته  على الحياة  الوطنية؟

  1. في التلازم  بين البعدين  النقابي الاجتماعي و السياسي الوطني :

لقد بنيت المنظمة  الشغيلة  منذ تأسيسها  على أساس  تلازم  البعد النقابي  الاجتماعي مع البعد  السياسي الوطني.

وقد كان هذا التلازم  مطلوبا بل ضروريا  في مرحلة  الكفاح التحريري حتى إنّ الاتحاد وزعيمه حشّاد كانا في قلب الحركة الوطنية  المناضلة من أجل  الاستقلال وقاد حشاد عمليّا الحركة منذ أواخر الأربعينات من القرن العشرين حتّى تاريخ اغتياله  يوم 05 ديسمبر 1952.

وقد واصل الاتحاد  القيام بدوره السياسي  الوطني على يد  قيادات مركزية  وجهويّة بارزة كمحمود المسعدي احمد بن صالح –أحمد  التليلي -  الحبيب عاشور وكان هو الحاسم  في الخلاف  البورقيبي  اليوسفي  عندما أمّن الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس بقيادة  الحبيب عاشور  انعقاد مؤتمر  جوان 1955 وتغليب شق بورقيبة

وكان الاتحاد  بعد الاستقلال  جزءا من  منظومة  الحكم البورقيبي باعتباره  الطرف  الاجتماعي البارز في الوحدة  الوطنية وإلى جانب طرفها السياسي  القوى المتمثّل  في الحزب الدستوري  لقيادة بورقيبة

ومن أبرز دلالات الانخراط  السياسي  الوطني العام  للاتحاد في الفترة  البورقيبية تقديم البرنامج الاقتصادي و الاجتماعي سنة 1956 و الذي اعتبر بمثابة برنامج  حكم وعلى أساسه دعى أحمد بن صالح  للانضمام إلى الحكومة.  كما كان هناك دائما  أعضاء نقابيون  في البرلمان (مجلس  الأمّة آنذاك) في قائمات الوحدة  الوطنية أو حتى قائمات الحزب  الدستوري  إلى جانب مشاركة بعض النقابيين كوزراء في الحكومة (بن صالح – الفيلالي – المسعدي – الدشراوي – كريّم)

  1. الاتحاد طرف  في صراعات أجنحة السلطة ؟

منذ تأسيسه و إلى غاية أواسط السبعينات كانت اغلب قيادات الاتحاد وخاصة  الأمناء العامين باستثناء  الزعيم الشهيد و القائد المؤسس فرحات حشاد  أعضاء في الحزب الدستوري ( المسعدي – بن صالح- التليلي -  عاشور – بللاغة )

وكان الاتحاد باستمرار و الى غاية أواسط السبعينات عضدا اجتماعيا للحزب الدستوري  وسندا أساسيّا لبورقيبة.  لكن ذلك لم يمنع الاتحاد من الانخراط في الكثير من الأحيان  في أدوار ومعارك  وخلافات وصراعات  سياسية  مباشرة داخل المنظومة الحزبية و الحكومية  كانت في الغالب تؤدّي  إلى تغييرات  صلب قيادة الاتحاد  (بن صالح ، التليلي ،  عاشور) وكانت ابرز هذه الخلافات و الصّراعات والتحالفات  مع الصّياح ونويرة  و عبد الله  فرحات ومزالي و الطاهر بلخوجة  ووسيلة بورقيبة...  وبلغ الأمر قمّته بمصادمات 26 جانفي 1978 لتخرج الاتحاد نهائيا  من الجبة الدستورية ويتجه يسارا  نقابيا و سياسيا وازداد الأمر  استفحالا بالهجوم على الاتحاد  سنتي 1984 و 1985 وانقسام الاتحاد مرة أخرى بين الاتحاد  العام بقيادة  الحبيب عاشور و الاتحاد الوطني  بقيادة عبد العزيز  بوراوي وقد كان ذلك خلال فترة  تولي مزالي من رئاسة الحكومة ، بالطّبع إلى جانب هجوم ما أطلق  عليهم اسم "الشرفاء" الذين استولوا  على  الاتحاد  طيلة 3 سنوات  

  1.  الاتجاه يسارا

بدأت  بعض  التيارات السياسية  اليسارية  الانخراط  عبر بعض  عناصرها في  الاتحاد العام التونسي للشغل  منذ  أواخر الستينات و أواسط السبعينات ومن أهم القطاعات  التي انضم إليها  وافدون يساريّون "جدد" قطاعات التعليم الثانوي والعالي والبنوك. وبالطبع جاءت أغلب هذه الوفود من الجامعة التونسية  ومن "مناضلي"  اليسار خاصّة آفاق و العامل التونسي و الشّعلة واخذت تتشكل داخل الاتحاد التيارات  المعروفة بــ l’intersyndical ومجموعات الإفتكاك والمقاطعة  (لقيادة التيجاني  عبيد 1978-1981) ومن أهمّ مكوّنات الشعلة في تلك الفترة  مالا يعرف بجماعة الشعب السّرية، الى جانب نقابيين من الحزب الشيوعي و قوميّين عرب (البعث – الناصريّون). وقد كانت كلّ هذه التيارات سريّة باستثناء الحزب الشيوعي الذي تمّ رفع الخطر عنه سنة 1981 .

وبدأ الاستقطاب  النقابي طوال الثمانينات  يتمّ على أساس  الانتماء  السياسي و البعد  الإيديولوجي ، واتجهت بوصلة المنظمة  الشغيلة  شيئا فشيئا  إلى اليسار أولا  في الهياكل القطاعية  القاعدية و الوسطى  وبرزت مقولة  ما يعرف  بالصّراع مع البيروقراطية النقابية. وشيئا فشيئا  استطاعت  الاتجاهات السياسيّة  اليساريّة الوصول  إلى مواقع  قيادية في النقابات  الأساسية و الفروع الجامعية أولا ثم وطنيا  في مكاتب بعض الجامعات و النقابات  العامة إلى أن وصل  الأمر  إلى عضويّة  المكتب التنفيذي وبعض المكاتب التنفيذية  الجهوية ليصبح  التمثيل السياسي  اليساري و القومي  العربي في الهيئة  الإدارية ذا شأن ووزن طوال فترات  قيادة  السحباني  وجراد  ثم العباسي  وحاليا الطبوبي ، بل وأصبح هناك  ما يشبه التوزيع  الضمني و المحسوب  للمواقع القيادية على أساس  الانتماء  لحزب العمال وحزب الوطد وحركة الشعب الخ... وذلك  ضمن  القائمات المدعومة رسميا من قيادة الاتحاد في  الانتخابات  النقابية  الجهوية والوطنية.

وهكذا تحوّل  الاتحاد  شيئا فشيئا من أرضية الهويّة  الوطنية التي  تأسس عليها  على يد الزعيم  القائد والشهيد  الخالد حشاد ومن معه من رموز أبرزها الشيخ الزيتوني الفاضل بن عاشور إلى أرضية يساريّة ، ومن شريك وطني اجتماعي فاعل  في بدايات دولة الاستقلال  ومتدخّل مهمّ في الشأن السياسي  من داخل السلطة  وشقوتها حتى نهاية السبعينات إلى طرف له حساباته السياسية واعتباراته الاجتماعية  بها يساند السلطة  ويتحالف معها (عاشور في بعض المراحل السحباني ، جراد) أو يصارعها (عاشور في مراحل  أخرى خاصّة منذ بداية الثمانينات). وفي أغلب هذه المحطات منذ بداية  الثمانينات  كان التيار  النقابي  حاضرا بشكل  كانت فيه التحركات الاحتجاجية ومستفيدا بشكل لافت في التموقع ضمن الهياكل النقابية .

  1. بعد الثورة:من عنصر توازن إلى عنصر ضغط (الاتحاد أكبر قوة في البلاد):

بعد الثورة واصل الاتحاد العام التونسي  للشغل  الاهتمام  بالشأن السياسي الوطني  العام اجتماعيا وسياسيا وشارك  النقابيون بحماس  في التحركات  الجهوية واحتضنت مقرّات الاتحاد العديد من الاجتماعات التشاورية  بعد هروب  المخلوع  وتكونت ما يعرف  بلجان حماية الثورة  قبل أن تتخلّى  وتساهم اغلب مكوناتها في لجنة تحقيق أهداف الثورة (المعروفة بلجنة رافع بن عاشور).

ووصلت قمة اهتمامات الاتحاد بالشّأن الوطني السياسي المباشر في إشرافه على جلسات الحوار الوطني التي أدّت  إلى إحداث الانفراج  في الحياة السياسية  التونسية وإلى فوزالاتحاد وشركاؤه في  الإشراف على الحوار الوطني بجائزة نوبل للسلام.

ومنذ ذلك الحين  اخذ  الدّور السياسي  للاتحاد يتصاعد  ويتنامى  حتى أصبح يعتبر احد مراكز التوازن السياسي  وأحد مراكز الموافقة أو المعارضة  لأغلب القرارات و التوجّهات السياسية و الحكوميّة حتى أصبح الكثير  من الملاحظين يتساءلون  عن حدود التدخل السياسي للمنظمة  الشغيلة وعمّا إذا صار هناك تحوّل من التدخل العام في السياسة  إلى التدخل في التفاصيل و إلى الاقتراب أكثر من الدور السياسي  الحزبي البحت و الصّرف و الانخراط  في تحالفات وعلاقات عادة ما تكون من خاصيات الأحزاب.

فهل صارت السياسة هي الخاصّية الأولى للاتحاد وتجرّ وراءها البعد النقابي  الاجتماعي أم  أن الدّور النقابي  تضخّم إلى درجة  انه أصبح معروضا عليه  الاشتغال  بالسياسة على أساس  مقولة الاتحاد  أكبر قوة في البلاد ؟

لقد تحوّل انشغال الاتحاد بالسياسة إلى ما يشبه  "التحزّب" وهذا التحزّب بدا "يتغوّل" تدريجيا كلما استطاع  الاتحاد  فرض بعض شروطه  ومواقفه  باعتماد "سلاح"  الإضرابات العامّة و القطاعية كوسائل  ضغط و التأكيد على  انه لا يمكن تجاوز الاتحاد  أكبر قوة في البلاد و التي لا يستطيع  أحد أن يدبّر عليها  وأن يبعدها عن الاهتمام  بالمجال السياسي الوطني. وهكذا صار الاتحاد يتدخّل  في الشؤون السياسية  "البحتة" و "الصّرفة"  فيقترح أسماء وزراء ويطالب بإقالة وزراء ويشترط على الوزراء استشارته في تعيين  المسؤولين  السامين في وزارتهم ويستغرب من عدم  استشارته  في تأليف  حكومة أو في  إجراء تعديل وزاري أو في تسمية مديرين عامين أو ولاّة الخ...

وهذا النوع من "التحزّب"  يخدم أجندات تحزّب أخرى أكثر وضوحا و أكثر "انتفاعا"  وهو التحزب اليساري و القومي  المتغلغل  في قيادات الاتحاد  المركزية و الوسطى و في قطاعات حيوية  كالتعليم بمختلف درجاته و البريد و النقل و الشيمينو...و بالطبع فإن هذه  القوى  اليساريّة و القوميّة ترفع يافطات المطالب  القطاعية الخاصّة و النقابية  العامّة وتعبئ القواعد على أساسها ثم سرعان ما تكشف أجنداتها  الخاصة من خلال  الشعارات المرفوعة و الدّفع نحو الأشكال القصوى لـ"النضال" لخلق مناخ إجتماعي متوتر وإرباك  العمل الحكومي ودفعه إلى الزّاوية باعتبار معرفة  الجميع  بإمكانيات الدولة وحدّة  الأزمة الاقتصادية... ولذلك فإن  رفع مطالب من هنا ومطالب  من هناك و الحبل على الجرّار لم يفعل سوى مزيد التأزيم ومزيد الاحتقان و هذا بالضبط ما تسعى إليه القوى اليساريّة و القومية التي تفتقر  إلى الشعبيّة  في الشارع و إلى التمثيلية  المهمّة  في مجلس النواب ولا تجد غير القواعد  النقابية  جمهورا يمكن  توفيره بالمطلبيّة وجرّها إلى "معارضة"  السلطة لتكون  الحطب الذي تشتغل به النيران السياسيّة  الدافعة و المندفعة...و هكذا نلاحظ أن هذه القوى السياسية  تسعى دائما  إلى إفشال الحوارات النقابية مع السّلطة وكم يخيب أملها  كلما  تحقق انفراج  في الوضع. وبالطبع فإن العناصر  اليسارية و القوميّة  صاحبة المواقع  القيادية  في المنظمة  الشغيلة  هي دائما رافعة لواء "الكميّة القصوى"  في المطالب و "الكيفية المطلقة في النضال ".

   الخــاتمـــــــــــــة

لقد أصبح الأمر خطيرا  على الدّولة وعلى المجتمع وكذلك على المنظمة  الشغيلة  نفسها  باعتبار تنوّع  قواعدها  وتنوّع القوى  السياسية  صلبها وما تمثله  الرافعات  المطلبية القصوى على واقع المؤسسات وبالتالي  على الأجراء ذاتهم، هذا مع الإشارة  إلى بروز عدة أصوات قاعدية  مستغربة من انخراط  الاتحاد في "اللعبة السياسية المباشرة واندفاعه في أجندات سياسية مفضوحة ومكشوفة لصالح  المعارضة السياسية  اليسارية و القومية حتى وإن تدثرت بغطاءات مطلبية واسعة وعامّة لان اللعب بات على المكشوف  بالنسبة إلى هذه الأصوات  القاعدية. وما على المشكّكين في هذه التطورات سوى متابعة  ما يكتب في الصفحات  الاجتماعية  وما يتردّد في بعض  المواقف المستنكرة  للتصعيد الحاد الذي  تشهده  خاصة نقابات  التعليم من أنواع مقاطعة  الامتحانات ورفض تسليم الأعداد.

 

وحـــدة التقديـــر السياســــي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك