القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الاتحاد العام التونسي للشغل وفرصة المراجعات الكبرى

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-09-03 12:17:00 | 758 مشاهدة

ملخص:                                                  

يشهد الواقع النقابي في الفترة الأخيرة حركية تتمحور حول تعديل الفصل 20 من النظام الداخلي من عدمه. وإذا كان هذا الحراك يعيد إلى الواجهة مسألة الديمقراطية داخل المنظمة الشغيلة فإنه مناسبة لطرح مسألة أعمق وهي المراجعات الضرورية المطلوبة منها حتى تتناسق مع التحولات التي فتحت الثورة أبوابها. وهي مراجعات تتأكد بالنظر إلى مكانة المنظمة باعتبارها ضرورة وطنية (وهو ما يفرض الحفاظ عليها) من ناحية، وإلى موجة الانتقادات التي تتعرض لها حول مواقفها منذ 2011 من ناحية ثانية. ومن جملة المراجعات الضرورية هناك مسألتان مستعجلتان نظرا لأثرهما في مستقبل المنظمة: العلاقة بالدولة، والديمقراطية داخل المنظمة ذاتها.

مقدمة:

منذ تأسيسه في 20 جانفي 1946 ولد الاتحاد العام التونسي للشغل في خضم المعركة الوطنية التي احتدت بما خلقته الحرب العالمية الثانية من ظرفية ملائمة للتحرر في العالم. وكان مع بقية المنظمات الوطنية بل وفي مقدمتها الإطار الذي جند الطاقات الوطنية لفرض الاستقلال على الحماية الفرنسية. وقدم من دماء أبنائه (وعلى رأسهم الرمز المؤسس الشهيد فرحات حشاد) وآلامهم ما عمده ليكون في عمق الوعي الشعبي وخلية في نسيج الحياة الوطنية حينها وبعد الاستقلال.

إلا أن الاعتراف بهذا الدور الوطني والشرعية التاريخية المترتبة عنه لا ينبغي أن تجمد كبرى المنظمات الوطنية في دور المدافع المستميت الذي يدس رأسه في التراب ولا ينتبه إلى التحولات التي هي إحدى حتميات التاريخ.

في ندوة تاريخية نظمت بالمكتبة الوطنية إحياء لذكرى الراحل "سارج عدة" شد انتباهنا تعليق لرئيس إحدى الجلسات وهو المؤرخ السيد علي المحجوبي حول بعض خصال الراحل. وتركز فحوى التعليق حول جرأته في معاكسة التيار السائد داخل الاجتماعات النقابية بشكل صادم للمسلمات النقابية ذاتها أحيانا مثل الموقف من بعض جوانب قانون الشغل. وكان يعتبر تلك المواقف الصادمة لصالح العمل النقابي. وكان النقابيون يقدرون له تلك الجرأة حتى وإن اختلفوا معه. ومن هنا نقول بأن المنظمة مثل كل اجتماع بشري بحاجة إلى الاستماع إلى الأصوات المتنوعة داخلها حتى وإن كانت صادمة. ولعل المواقف الصادمة هي الأقدر على فتح مسالك جديدة في مسيرتها. وعلى ذلك الأساس يأتي مقالنا هذا الذي نعتبره تفكيرا من داخل الفضاء النقابي من أجل الصالح النقابي.

  1. الاتحاد العام التونسي للشغل ضرورة وطنية:

قد يكون مبلغ أماني بعض من ضاقوا بالمنظمة الشغيلة اختفاؤها أو على الأقل ضعفها. وهو يتصورون أن ذلك سيفتح أبواب الجنة أمام البلاد. لكن مثل هذا التفكير لا يعبر إلا عن قصر نظر صاحبه أو تفكير قاصر في مآلات مثل هذا الحدث. ذلك أن وجود المنظمة بحد ذاته فيه من المكاسب للبلاد والعباد ما يدعو إلى الحفاظ عليها.

  • قوة توازن مع السلطة:

تنزع كل سلطة بطبيعتها إلى الهيمنة وتعتبر ذلك شرطا من شروط نجاعتها في إنفاذ إرادتها. وإن لم تجد ما يحدها فإنها تنتهي إلى الإطلاق والتغول. ولقد نوعت المجتمعات الحديثة في وسائل خلق التوازن بين سلطة الدولة وسلطة المجتمع بدءا بفصل السلط ذاتها وإعطاء دور للمجتمع في إدارتها من خلال المشاركة في مختلف المجالس عبر ممثليه (الانتخابات) مرورا بإحداث مراكز سلطة جديدة من الإعلام إلى المجتمع المدني بمختلف مكوناته من جمعيات ومنظمات. ويمثل الاتحاد العام التونسي للشغل بحكم انتمائه ووزنه ركيزة هامة من ركائز المجتمع المدني وقوة توازن مع الحزب الحاكم منذ الاستقلال. يمكن أن نشير هنا إلى رسالة السيد أحمد التليلي (1964) ضد حل الأحزاب وقتل الديمقراطية. ولقد تعمق دور قوة التوازن مع السلطة تدريجيا بتسرب تيارات سياسية معارضة ومقموعة (من مختلف التوجهات وفي فترات متباينة) إلى داخل الاتحاد وافتراق طريق القيادتين الدستورية الحاكمة والنقابية في ظل تعمق الخيارات الليبرالية منذ فشل التجربة التعاضدية التي تعتبر مشروع الاتحاد العام التونسي للشغل. ومثلت أحداث جانفي 1978 لحظة القطيعة الكبرى بين الطرفين والتي سالت فيها دماء النقابيين واستنجد الحزب الحاكم بكل ما يملك من أدوات العنف والحكم (أمن وميليشيا وقضاء وإعلام...) ليحسم مؤقتا معركته. لكنه لم يقدر أن ذلك الخيار أعاد المنظمة إلى موقعها الطبيعي، موقع القوة الموازنة للسلطة. وفي ظل توحش الحزب الحاكم المتصاعد ضد مخالفيه تصاعد دور الملجأ الذي لعبه الاتحاد. ومرت المنظمة بعشرية سوداء في علاقتها بالحكم ساهمت في تهرئة السلطة نفسها وانهيارها الذي تداركته بانقلاب من داخلها (1987).

ويمكن القول إن الثورة أعادت للمنظمة الشغيلة هذا الدور الحيوي في موازنة الحكم. لكن معارضيها مرة أخرى يعتبرون أن ذلك يأتي في إطار توظيفها من قبل بعض القوى المعارضة التي لم تستطع إثبات وجودها السياسي. وأن هذا الدور غير متوازن بما يقربها حسب قولهم أكثر من قوى "الدولة العميقة". وعليه يطالبون بالفصل بين الحزبي والنقابي. لكن هذا النقد يجب ألا يخفي أهمية وجود المنظمة مع قوى أخرى في استيعاب ردة فعل تلك القوى المناهضة للحكم وتصريفها بطريقة مدنية فيما عرف بالحوار الوطني، والمرور بالبلاد من مخاطر تناحر دموي إلى جدل بالطرق السلمية.

  • قوة توازن مع القوى الدولية:

لا يخفى على من يتابع الشأن الوطني ما تتعرض له البلاد من ضغوط خارجية من المؤسسات المالية الدولية نتيجة الخيارات الاقتصادية التي تورطت فيها منذ مطلع الاستقلال وتعثر المسار التنموي وما انجر عنه من لجوء إلى الاستدانة لا اضطرارا فحسب بل خيارا كذلك. وتعمق هذا التوجه مع وصول البلاد إلى حالة عجز فادح في أواسط الثمانينات انتهت إلى تدخل صندوق النقد الدولي وفرضه سياسة الإصلاح الهيكلي التي تعمقت لاحقا باتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي (1996).

استتبع ذلك تدخلا كثيفا من المؤسسات الدولية المانحة في تحديد الخيارات الاقتصادية للبلاد بما يهدد أحيانا السلم الاجتماعية. فخيار تحرير الاقتصاد والانفتاح يطال بالضرورة الدور الاجتماعي للدولة والذي يعد حيويا في وضع اقتصادي واجتماعي هش مثل الذي تعيشه البلاد. ويبقى صندوق الدعم أحد أهم المحاور التي تدور حول معركة الخيارات الاقتصادية بين القوى السياسية الرئيسية في البلاد من ناحية وبين الدولة التونسية والمؤسسات المالية المانحة والضاغطة من أجل تقليص دوره باتجاه إلغائه.

في هذا الوضع الذي تحتل فيه الدولة التونسية وضعية "اليد السفلى"، يمثل الاتحاد العام التونسي للشغل باعتباره القوة الاجتماعية الرئيسية ورقة ضغط بيد الدولة التونسية في المناورة مع تلك المؤسسات المالية الدولية. وهي ذاتها المؤسسات التي لا تتواني عن الاتصال بالمنظمة والحوار معها في الخيارات الاقتصادية وتوجهات الميزانيات السنوية بصفة موازية للتفاوض مع الحكومة وربما حتى قبلها، سواء مباشرة أو عبر منظمة السيزل.

وتقوم معادلة المناورة على أن انفتاحا أكبر، وتحريرا أكبر للاقتصاد يعني ضرورة تراجعا لموارد الدولة، بما يؤول ضرورة إلى الاستعاضة عنها برفع في الأسعار والضغط الجبائي على الداخل، بما ينتهي ضرورة إلى تدهور القدرة الشرائية للفئات المتوسطة والضعيفة التي هي في جزء منها من منظوري المنظمة الشغيلة، المضطرة حينها إلى خوض تحركات احتجاجية من أجل تحسين وضع منظوريها، وهو ما سيعيد إنتاج حلقة سباق الأسعار والأجور من جديد. ولئن كان هذا التسلسل يزيح شيئا من حمل الضغوط الخارجية عن أكتاف الحكم ليلقي بها على كاهل المنظمة الشغيلة، فإن المطلوب من الحكم أن يثمن هذا الدور المتكامل معها ويحسن استثماره، ويقدر ذلك من أجل المحافظة على المنظمة بدل التفكير في إلغائها.

  • قوة تأطير اجتماعية:

تتفق الدراسات التاريخية والاجتماعية على الدور الحيوي للمجتمع المدني في تأطير القوى الاجتماعية وصناعة القيادات. وفي كل المجتمعات وخاصة التي تتسع ديمغرافيا ومجاليا، وحتى قبل أن تبدع أوروبا الجمعيات على الطريقة الحديثة، تنمو أطر موازية لأطر الدولة تنتظم فيها العلاقات الاجتماعية إما رديفا للدولة أو بديلا عنها وتساهم في نظم مختلف العلاقات داخل المجموعات وفيما بينها من ناحية وبينها وبين الدولة من ناحية ثانية.

ومن ثمة فإن غياب هذه التنظيمات يحيل المجتمع إلى أفراد في مواجهة الدولة مع ما يمكن أن يعنيه ذلك من تسلطها وتغولها من ناحية، وفي صورة ردود الفعل الجماعية من شاكلة الثورات تتحول ردود الأفعال إلى أعمال لا يمكن التنبؤ بها ولا التحكم فيها، وهو ما يعقد دور السلطة في السيطرة والخدمة. ولعل هذا ما يجعل الدول الحديثة تقبل ولو على مضض وبصفة شكلية بوجود هذه الأطر وإن لزم الأمر إحداثها على شاكلة ما فعلت الأنظمة الطوطاليتارية في أوروبا بين الحربين.فهي تجعل القوى الاجتماعية وتوجهاتها ظاهرة وقابلة للتحكم والتوجيه.

وبناء عليه فإن من مصلحة المجتمع والسلطة في نفس الوقت وجود أطر اجتماعية معبرة عن القوى الاجتماعية المختلفة. إلا أنه من المسلمات والحتميات التاريخية أن من لا يأخذ الزمن وفعله بعين الاعتبار سيجد نفسه خارج التاريخ وهو ما يقتضي ضرورة التأقلم مع الجديد من أجل البقاء.

  1. في دواعي ضرورة المراجعات الكبرى.
  • أوزار مرحلة المشاركة في الحكم:

لم تسلم ذاكرة المنظمة من مآخذ على انخراطها في السلطة وتحمل تبعات تلك المشاركة. فبرنامج التعاضد مثلا كان بالأساس مشروعها، والقائم على تطبيقه – السيد أحمد بن صالح - كان أحد زعمائها التاريخيين، والفشل المدوي للتجربة وآثاره العميقة على مسيرة البلاد اللاحقة ودفعها نحو اللبرلة لا يخفى على أحد بعد أن أعطيت مداها حتى اصطدمت بالإرادة الشعبية ذاتها (معارضة الفلاحين الصغار للتأميم فضلا عن كبار الملاكين). والدور الوطني في مقاومة الاستعمار الفرنسي ثم معارضة الاستبداد "الوطني" لا يمكن أن يمحو ما تكشفه بعض الشهادات التاريخية عن الأضرار التي لحقت المنظمة ذاتها والبلاد من جراء عدم وضع ضوابط وحدود لعلاقة السياسي والنقابي والمدى الذي تلزم المنظمة نفسها بالوقوف عنده. وقد تعالت أصوات من داخل المنظمة ذاتها تنتقد طريقتها في إدارة العلاقة بالسلطة. وعرف الخطاب النقابي بروز مصطلح "البيروقراطية النقابية" للتدليل على قيادات المنظمة والفصل بينها وبين القواعد. وامتد نقد هذا الدور إلى مرحلة 1987-2011 حيث اعتبر المرحوم الهادي البكوش أن نظام 7 نوفمبر هو الوحيد الذي عرف كيف يتحكم في المنظمة النقابية.

واعتقادنا أن قراءة نقدية في الذاكرة النقابية سيساهم بدور كبير في المصالحة بين المنظمة والمرحلة الجديدة من تاريخ البلاد ويعطيها نفسا جديدا ويمد في حياتها.

  • الاتحاد وموجة الانتقاد ضده:

لا يخفى على أحد حجم الحضور الذي أصبحت المنظمة الشغيلة تحظى به في الإعلام بدرجة فاقت ما كان عليه الأمر قبل الثورة. ولا شك أن اندفاع المنظمة نحو الضوء بالمساحة التي شغلتها سيجعلها عرضة للتقييم. وهي عندما قبلت أو اختارت الحضور بذلك الحجم يجب أن تقبل تقييم خياراتها.

خلال مرحلة ما قبل الثورة كانت الانتقادات للمنظمة الشغيلة تأتي أساسا إما من السلطة التي تريد تهميشها، أو بعض مكوناتها ذات التوجه المعارض للسلطة والتي تتبنى الخيار النقابي الثوري الذي يحولها إلى رأس حربة في مواجهة الحكم.

أما بعد الثورة فقد أصبحت الوضعية معقدة. ذلك أن جزءا من الشعب تكونت لديه قناعة بأن المنظمة اختارت طرفا من أطراف الصراع الدائر في البلاد واصطفت إلى جانبه. وهو ما جعل التقييم يتجاوز النقد إلى اتخاذ موقف من المنظمة. واتجهت الانتقادات إلى الانغماس المفرط في الشأن السياسي بشكل وصفه المنتقدون بالتغول إلى درجة التحول إلى طرف في التجاذبات والانحياز إلى طرف دون آخر بدل الوقوف فوق النزاعات. واعتبر هؤلاء أن إفراط الاتحاد في المطلبية كان بهدف سياسي وليس اجتماعيا وخدمة لطرف ضد طرف آخر، وأن المنظمة تحولت إلى رأس حربة للثورة المضادة. كما طالت تلك الانتقادات تجاوزات بعض النقابيين لتتهم المنظمة ذاتها دون تخصيص بحماية التجاوزات والفساد.

لقد فتحت مساحة الحرية التي وفرتها الثورة والفضاء الافتراضي الباب لوضع المنظمة الشغيلة تحت المجهر كما لم يحدث من قبل. واهتزت صورتها لدى الرأي العام. وازدادت الجرأة عليها. ولم تعد محل إجماع. ولم تفلح ردود الفعل التي تلقي التهمة على "أعداء العمل النقابي" إلا في تأكيد الشرخ الذي أصاب علاقة المنظمة بالفئات الشعبية أو جزء منها على الأقل. ذلك أن مصدر الانتقادات لم يعد من قبل السلطة بل من فئات شعبية واسعة غاضبة تجرأت على نعتها بأبشع النعوت.

من هنا يفترض أن تكون المنظمة حريصة على استرجاع مكانتها وموضع الإجماع عليها خاصة من الفئات الاجتماعية المتقاطعة مع اهتماماتها.

  1. في موضوع المراجعات الكبرى الضرورية:

عادة ما تفتح الثورات الباب أمام مراجعات عميقة في المنظومات القديمة لتتأقلم مع آفاق الوضع الجديد. لكن ذلك يترافق بدوره مع محاولات المنظومات القديمة تعطيل تلك التحولات حفاظا على مصالحها بل ووجودها ذاته أو على الأقل التحول لنفس الغرض. ويكون مصير المنظومات العاجزة عن إدراك ضرورة التحول الاندثار. ويمكن الإشارة هنا إلى مقارنة وضع الأرستقراطية الفرنسية والبريطانية بعد تحولات الفترة الحديثة.في فرنسا اندثرت الأرستقراطية التي تمسكت بامتيازاتها فمسحتها ثورة 1789. بينما اندمجت أرستقراطية بريطانيا في سياق التحولات الاقتصادية والسياسية منذ القرن 17 فتبنت الأنشطة الاقتصادية الجديدة (التجارة والفلاحة الرأسمالية ثم الصناعة) وانفتحت على الفئات الاجتماعية الصاعدة وأساسا البورجوازية بإدخال تعديلات على النظام السياسي (البرلمان للبورجوازية ومجلس اللوردات للنبلاء) فحافظت على مكانتها. واليوم يكافأ من يقدم خدمة للوطن في بريطانيا بإسناد رتبة السيد (Sir)له، أي رفعه إلى مرتبة النبلاء.

في هذا السياق، يكون من الضروري أن تدرك المنظمة الشغيلة أن التحول حتمية تاريخية، ومن لا يتحول ليتأقلم مع السياق الجديد ويعاند مسار التاريخ مصيره الاندثار. ومن يتوهم أنه يتحول بتحصين مواقعه القديمة لمزيد التشبث بالماضي سيلقى نفس المصير. وأهم شروط التحول هو مراجعة الذات وفهم متطلبات المرحلة الجديدة دون مكابرة. ومع اعتقادنا أن عمق المراجعات وأفقها محكوم بالقوى الفاعلة داخل المنظمة ذاتها ومدى استعدادها لتقبل الواقع الجديد، فإنه من أكبر الأخطار على مصيرها أن تسلم قيادها لتلك القوى. من الحكمة أن يكون لعقلاء المنظمة من الأوفياء لها قبل الوفاءللمصالح الفئوية أن يكون لهم من الجرأة والقوة والقدرة على فرض تلك المراجعات.

واعتقادنا أن حقول المراجعات عديدة. لكننا نعتقد أن الأوكد بصفة استعجالية يهم مستويين: العلاقة بالدولة من أجل تحقيق أهداف الثورة وتحقيق مطالب الثورة وشعارات المنظمة ذاتها في الإصلاح والتنمية والتشغيل، والمسألة الديمقراطية الداخلية من أجل احتضان أبنائها بمختلف مشاربهم حتى لا يضطر بعضهم إلى هجرتها نحو منظمات أخرى ولا يشعر أحد بالإقصاء وهو داخلها.

  • في العلاقة بالدولة، نحو المزيد من المدنية والشفافية:

أفرزت العلاقة التاريخية بين الدولة والمنظمة الشغيلة جملة من الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية. فقد استفادت من الدعم العمومي. وتمتع عدد من كوادرها بالتفرغ النقابي مقابل تواصل خلاص جراياتهم على حساب الدولة.  وامتلكت مشاريعها الاقتصادية الخاصة... وبدت هذه الامتيازات كنوع من العلاقة الزبونية بين الطرفين، ومن منظور آخر يقدمه البعض كـ"جزية" لكسب رضا المنظمة واتقاء "شرها".

بعد 2011 ظهرت هذه الصورة مضخمة واضحة. يؤكد منتقدو المنظمة على أن سلوكها قام على ابتزاز الدولة، مكاسب مادية واحتجاجات اجتماعية في سياق تجاذبات سياسية. ويؤكد هؤلاء على أن الأمر لم يكن بريئا بل كان اصطفافا إلى جانب طرف ضد طرف. وأن الطرف المستفيد هو الطرف الذي تضرر من الثورة، وأن تحركات المنظمة تركزت في القطاع العمومي والوظيفة العمومية بينما تجنبت القطاع الخاص. وهو ما أوله هؤلاء على أنه استهداف للدولة ومن ورائها الوافدون الجدد على الحكمالذين لجؤواإلى استرضاء المنظمة على طريقة ما قبل الثورة: ترضياتفي محاولة لكبح التحركات الاجتماعية.

إن هذه العلاقة تجعل المنظمة في موضع المستعصي على الدولة والمبتز لها باستغلال قدرتها على التجييش وتعطيل اقتصاد البلاد. ويستمد هذا الشعور لدى منتقدي المنظمة من سلوكات فردية أو جماعية في بعض القطاعات الحساسة والتي تذهب في تحركاتها إلى الأقصى دون البحث عن حلول وسطى. بل إن بعض تلك التحركات تأتي لتعطيل سير أجهزة الدولة نفسها ومصالحها. فملف إصلاح المؤسسات العمومية مثلا من أكثر الملفات حساسية. والدولة بين سندان المنظمات الدولية والوضع المزري لبعض تلك المؤسسات من ناحية ومطرقة المنظمة الشغيلة التي تقدم نفسها على أنها حامية لتلك المؤسسات من التفويت فيها. وفي عدد من الحالات تضع المنظمة نفسها في شبهة الدفاع عن الفساد في ثوب الدفاع عن المؤسسة العمومية وهو ما مس من مصداقيتها. ففي حالة تونس الجوية مثلا وضعت المنظمة نفسها غير الموضع المطلوب منها. فكيف يمكن فهم دفاعها عن مدير المؤسسة ممثل الدولة ضد قرار عزله من الدولة ذاتها؟ ألا يمكن فهم ذلك على أن للمنظمة دولتها داخل الدولة؟ وكيف يمكن فهم وضعية تونس الجوية ذاتها؟ كيف يمكن التوفيق بين المطالبة بالإصلاح من ناحية والدفاع عن وضعية مكبلة ومرهقة داخلها (ثقل الانتدابات وسوء الحوكمة)؟

وفي أحداث صفاقس ظهرت المنظمة في موضع المطالب بتعطيل القضاء في حق أعضائها المتجاوزين للقانون بعد الاعتداء على نائب شعب بشكل جعلها تقدم نفسها على أنها فوق القانون ويتمتع أعضاؤها بحصانة خاصة.

وفي مواقف أخرى ظهرت المنظمة وكأنها حليفة لبعض اللوبيات الاقتصادية ضد الدولة ذاتها. ويستغرب البعض الانسجام الكبير بينها وبين منظمات الأعراف التي يفترض أنها تمثل النقيض الاجتماعي للطبقة الشغيلة. وهو أمر يفسره منتقدو المنظمة على أن بوصلتها ليست المسألة الاجتماعية بقدر ما هي السياسية.

في ظل كل هذه التجاذبات تبدو المنظمة مدعوة إلى استعادة موقعها الطبيعي وهو الحياد بين مختلف مكونات المشهد السياسي.

أما الجانب الآخر فهي مسألة الشفافية والانضباط إلى القانون. فقد فتحت الثورة الباب لثورة أخرى وهي الحق في الوصول إلى المعلومة. وفي إطار الانخراط في دولة القانون يفترض أن تتساوق المنظمة مع التوجه الجديد للبلاد. وتناسقا مع القانون الذي يفرض مراقبة المصاريف العمومية وباعتبار المنظمة تتمتع بالدعم العمومي يعتبر البعض أن تمنع المنظمة عن الخضوع لهذه الرقابة لا يأتي إلا في سياق الاستثناء والخروج عن القانون أو العلوية عنه. وهو ما لن يصمد أمام قطار التغيرات الزاحف رويدا رويدا عن القديم.وهذا يفترض من المنظمة استباقا ومراجعة للعلاقة بهذه المسألة. ولا يمكنهاالتمترس وراء قوتها الاحتجاجية لتعطيل هذا التحول. كما أنه من غير المقبول أن تبقى المنظمة رهينة سياسات بعض الأحزاب المتموقعة داخلها. ومن غير المقبول أن تبقى قراراتها رهينة التوازنات الحسابية لعدد نيابات كل طرف في مؤتمرات المنظمة.

لكن في نفس الوقت لا يمكن توقع أن تراجع المنظمة هذه الخيارات طالما لم تقم تلك القوى السياسية بمراجعاتها ولم تنخرط بكليتها في الواقع الجديد.

  • في الديمقراطية الداخلية.

يقدم الاتحاد نفسه على أنه منظمة الشعب التونسي. وعليه فإنه من المفترض أن يعكس التنوع الذي يميز هذا الشعب. ولا يكون ذلك إلا بتوسيع دائرة الديمقراطية الداخلية. فالملاحظ أن واقع الاتحاد لا يتطابق مع واقع الشعب التونسي. بل يمكن القول إنها عكسية تماما. فالقوى الأقلية في السياسة هي الغالبة على مشهد المنظمة. الأمر الذي جعل البعض يتهم تلك القوى باتخاذ المنظمة رهينة لخططها والتمترس داخلها لفرض خياراتها السياسية وتحويلها إلى رافد لأحزابها وتعويض ضعفها الانتخابي برصيد المنظمة الشغيلة.

ويقتضي الحفاظ على هذا المشهد التعسف على الديمقراطية داخل المنظمة لمنع تحول توازناتها. وتبرر الأطراف القائمة على ذلك بمقتضيات عديدة. فهي تارة تحتج بضرورة الحفاظ على تمثيلية مختلف العناصر المكونة للمنظمة. وهي تبرر منع بعض المكونات الأخرى المقصية من ولوج حلقات المنظمة العليا بضرورة حمايتها من الاختراقات وكأنما هي كائنات غير منخرطة في المنظمة، وكأنما المنظمة ملكية حصرية على بعض أبنائها دون غيرهم.

هذا المنطق داخل المنظمة يعطي الحجة لمن يهاجمونها لاتهامها بممارسة الإقصاء والدعوة إلى الانسلاخ منها والمطالبة بالتعددية النقابية. وهو على ما يبدو ما تفرح له مكونات المنظمة المتضايقة من "تسرب" أطراف أخرى لا ترى فيها الصفة النقابية بل تنظر إليها من ثقب السياسة والحزبية. لكنها في الحقيقة تفرض على المنظمة العزلة الشعبية والاصطفاف في واقع يعاني الاستقطاب ويدعو إلى أن تكون المنظمة الشغيلة خيمة الجميع ومنظمة الشعب.

يتطلب هذا الأمر مزيد انفتاح المنظمة على أبنائها من مختلف المشارب واحتضانهم. وقد يقتضي هذا الأمر تعديلا في طريقة إدارة طموحاتهم نحو مزيد من الشفافية. في هذا السياق يمكن أن نفهم ما يطرحه البعض من ضرورة انفتاح كبرى المنظمات الوطنية أمام الهيئات المشرفة على الانتخابات في البلاد وعلى رأسها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات من أجل إبطال كل الانتقادات التي تطال نزاهتها وتضمن مصداقية العملية الديمقراطية الداخلية. سيواجه البعض مثل هذه الدعوات بأنها تدخل في الشأن الداخلي للمنظمة وتعد على تقاليدها في إدارة تنوعها بطريقة توافقية. لكن هذه الأطراف المعترضة هي ذاتها المعترضة على احتضان جزء من أبناء المنظمة والنظر إليهم على أنهم أعداء للمنظمة وغرباء عنها ومتسربون إليها ومخترقون لصفوفها... وهم بذلك يغلبون انتماءاتهم الحزبية على انتماءاتهم النقابية ولا يهتمون لانعكاسات ذلك على صورة المنظمة لدى الشعب والقوى المتضررة من هذا الإقصاء الذي يفرضونه في سلوك المنظمة.

وفي قلب المسألة الديمقراطية الداخلية يأتي المجلس الوطني الأخير (24-26 أوت 2020) الذي صوت بالإجماع تقريبا على عقد مؤتمر مضموني غير انتخابي في أفق سنة 2021 من أجل تحوير الفصل 20 من النظام الداخلي للمنظمة من أجل إلغاء تحديد المدد النيابية لأعضاء القيادة المركزية. وهو ما يرى فيه جزء من أبناء المنظمة إغلاقا لأبواب التداول على قيادتها.بينما يبرر أصحاب المبادرة الأمر بضرورة الحفاظ على خبراتها.في حين تفصح أطراف أخرى متنفذة في المنظمة عن خلفية هذا المسعى بالقول إن عدم التمديد سيفتح الباب أمام صعود قوى معادية للمنظمة. وأصبحت هذه القوى تفرق بين الانتماء للمنظمة والانخراط فيها. وهو ابتداع جديد يبرر لسياسة الإقصاء والتفريق بين أبناء المنظمة.في المقابل ترى قيادات أخرى سواء من بين أعضاء المركزية المستفيدين من وجود الفصل 20 أو القيادات الشابة الطموحة للارتقاء في هياكل المنظمة، أن تحوير هذا الفصل قتل للديمقراطية والتداول داخل المنظمة.

هل يمكن التوفيق بين الحفاظ على خبرات المنظمة من ناحية والممارسة الديمقراطية داخلها؟

برأينا الأمر ممكن جدا. يمكن ابتداع هيكل داخل المنظمة يضم قدماءها ويمكن تسميته مثلا مجلس حكمائها أو قدمائها مثلما تفعل الدول مع رؤسائها وسياسييها القدامى. ويمكن لهذا المجلس أن يدعم المركزية بخبرته في المناسبات التي تحتاجها فيه مثل المفاوضات الاجتماعية أو المخاضات الداخلية. كما يمكن إيجاد تحوير جزئي للفصل يسمح للأمين العام للمركزية النقابية تحديدا أن يشغل خطته مرتين بغض النظر عن عضويته الأولى في المركزية بهدف ضمان استقرارها. وهي حلول يمكن أن توفر مخارج للمخاض الحالي تنقذ المنظمة من الانتكاس إلى ما قبل الفصل 20.

الخاتمة:

تبدو المنظمة الشغيلة مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى وقفة مراجعة لخياراتها في علاقة بمكوناتها الداخلية وبالدولة. بعد عشر سنوات من الثورة تتهم بأنها كانت أحد كوابحها من الانطلاق نحو تحقيق شعاراتها في التنمية والتشغيل، وأنها أداة بعض مكوناتها الحزبية في مواجهة مكونات سياسية أخرى، وأنها لا تلتزم بالديمقراطية في إدارة العلاقة بين مكوناتها الداخلية... كل هذا يطال صورة منظمة الشعب. قد لا يهتم البعض بانكسارات تلك الصورة لدى الشعب لأنه لا يراهن على الخيار الشعبي بقدر ما يراهن على التمكن من مفاصل المنظمة، لكن لا بد من الوعي بأن التحول سنة التاريخ، وأن المكابرة بتقديم المصالح الفئوية على المصلحة الجامعة للمنظمة سينعكس يوما عليها. والانتماء فعلا للمنظمة يقتضي إعلاء المنظمة ومستقبلها على كل الأجندات. عندها فقط سنتمكن من الحديث عن مراجعة أخرى ليست أقل خطورة مما طرحنا: إعادة بناء الذاكرة النقابية.

 

الدكتور عبد الرحمان الهذلي 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك