القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الإعلام التونسي ما بعد الثورة: من هيمنة السلطة إلى سطوة الإيديولوجيا ولوبيات المصالح

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-11-15 16:26:00 | 494 مشاهدة

ملخص:

عرفت تونس واقعا جديدا بعد الثورة وسقوط نظام الرئيس السابق ابن علي، وثمة ما يُشبه الإجماع أنّ الحريّة كانت أبرز المكاسب التي تحقّقت، من حيث رفع القيود على التنظّم السياسي والمدني ودخول البلاد مرحلة التعدّديّة الحزبيّة، وأيضا على مستوى مجالات متعدّدة من الحوكمة وانفتاح مصادر الخبر والحق في المعلوم. وهذا الوضع الجديد سمح بحرّيّة الإعلام، وحرية التعبير عموما، بما أوجد مشهدا إعلاميّا تعدديا وازدهارا في المادة الإعلاميّة والاتصالية، واكبته مساع لتطوير التشريعات المتعلقة بالصحافة والإعلام ومأسسة هياكل مستقلة لمساعدة القطاع على تنظيم نشاطه وتمكينه من إزاحة العراقيل أمام الوصول إلى مصادر الخبر وتفعيل مبدأ التعديل الذاتي. ولكن برغم الخطوات المقطوعة، فإنّ الممارسة تُفيد بتواصل عدد من المظاهر السلبيّة والنقائص وبروز ظواهر جديدة، بما يجعل الصورة وكأنّ القطاع الإعلامي ما يزال هشّا وفي وضعيّة أشبه ما تكون بمسار فرز متواصل.

 

مقدمة:

إنّ  قطاع الإعلام لم يشهد تحسينا في مستوى التشغيل والأجور والحقوق المهنيّة والاجتماعيّة للصحافيّين، إضافة إلى تواصل تخبّط المؤسسات الإعلامية في صنوف من الصعوبات ناجمة عن ضبابية النصوص القانونيّة وغياب الدعم الكافي من الدولة وأيضا تغييب المعطى الاقتصادي، بما يعنيه من حسن إدارة وتصريف وهيكلة واضحة وإحكام للموارد المالية، لدى أصحاب هذه المؤسّسات، وهذا ما سهّل لمجموعات الضغط ولوبيات المصالح اختراق القطاع، بما لها من قدرات وإمكانيات للتمويل والتحكُّم في التوجهات والخيارات الإعلاميّة الكبرى.

أمّا على المستوى المضموني، فإنّ الإعلام التونسي دخل مباشرة بعد 14 جانفي 2011 في مرحلة "الحريّة المطلقة" وكأنّها هي البديل الطبيعي عن "الحريّة المقيدة". إذ برغم كسر القيود ورفع الحواجز والعراقيل وانفتاح مصادر متعدّدة للمعلومة والتحوّل الكبير على مستوى وسائل الاتصال الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي في اتجاه أن تكون فضاء للمعلومة، فإنّ الممارسة شهدت الكثير من الاضطراب والتداخل، وهذا ما أحدث انفلاتا شوّه، ولا يزال، القيمة الاعتبارية للنشاط الإعلامي، حيث برزت وبشكل لافت ظواهر خطيرة جدا، من أهمّها:

 

 البحث عن الإثارة:

اللافت في الخيارات الكبرى للكثير من وسائل الإعلام بعد الثورة غلبة المنازع التجارية الربحيّة واستسهال السبيل إلى ذلك، هذا الوضع رشّح الإثارة لتكون الأداة والوسيلة الطاغية لجلب الجمهور ورفع نسبتهم سواء في المشاهدة أو الاستماع أو القراءة، وعادة ما تُهيء البرامج الترفيهيّة والألعاب وتلفزيون الواقع Téléréalité ومسابقات الربح المالي الأرضيّة للمشاهد الفضائحيّة، المثيرة، الجالبة للاهتمام والتي تصل مرّات حدّ الصدمة بتجاوزها كلّ الحدود بما فيها من تعدّ على أخلاقيّات المهنة والنصوص القانونيّة ومسّ من الذوق العام ونواميس الفضاء العمومي وضوابطه، لتكون الوسيلة الإعلاميّة لاحقا، بعد تأمين نسبة عالية من المتابعة الجماهريّة، المدخل لبثّ الفتن ونشر الإشاعات وخدمة المصالح والأجندات الضيّقة ذات المنازع الإيديولوجيّة والسياسيّة.

واللافت في هذا المجال، ونظرًا لضبابيّة التشريعات وضعف هياكل المساءلة والتعديل والمراقبة، أنّ أكثر وسائل الإعلام إثارة وفضائحيّة، هي الأكثر على مستوى المقروئيّة ونسب الاستماع والمشاهدة، وهذا ما جعل من تأثيرها يكون كبيرا في توجيه الأحداث والمستجدات طيلة سنوات ما بعد الثورة، والغريب أنّ إعلام ما قبل الثورة، برغم واقع التسلّط والاستبداد، لم يشهد مثيلا لهذا الانفلات وهذه الإثارة بل على العكس كان منشدّا إلى قدر مهم من الذائقة العامَّة واحترام خصوصيّات المجتمع وتقاليده ومعتقداته، والتي كانت في غالبيّتها ذات طابع مُحافظ.

 

 ظاهرة الاصطفاف الحزبيّ والسياسيّ والنقابيّ:

وهو اصطفافٌ في غالبيّته متخفّ، غير مُعلن، وهو من أخطر الظواهر المستجدّة، التي باتت تهدِّد بصفة جديّة حريّة الإعلام، لأنّها تستهدفُ الرأي العام ومحاولة التأثير في اختياراته اليومية وأيضا في اختياراته الانتخابية، باستخدام أساليب التوجيه (الترغيب والترهيب، شيطنة المخالفين، الإطراء والمدح والذم والتشويه…) والتعمية والتعتيم والانتقاء وأيضا الأخبار الكاذبة والتحاليل المغلوطة.

إنّ خطورة ظاهرة الاصطفاف هذه، ارتباطها الوثيق بالصراع على السلطة وحروب التموقع في دوائر الحكم والنفوذ السياسي والمالي، وهو صراع سيبقى مستمرا إلى حين استقرار الممارسة الديمقراطية الأصيلة والنزيهة والشفّافة المبنيّة على تحكيم صناديق الاقتراع والتداول السلميّ.

لهذا تُخلّف هذه الظاهرة ارتدادات مباشرة على الوضع العام في البلاد وعلى الحالة المجتمعيّة وسلوك الأفراد، فهي تدفع الى الاحتقان المجتمعي واستمرارية شحن النفوس والاستقطابات العدائيّة العنيفة داخل المجتمع. ويعكسُ هذا الاصطفاف، الذي يبدو مرّات في مشاهد دغمائيّة مُقرفة، رغبة محمومة من الإعلام في لعب دور سياسي وحزبي مُباشر، وهذا ليس من مهامه إلاّ في ما تعلّق بالقضايا والملفات الوطنيّة الكبرى، فالإعلام يجب أن يكون فوق الأحزاب وأهواء السياسييّن، ناقلا بأمانة أنشطتهم ومواقفهم، مُراقبا لهم باستمرار، ناقدا لأدائهم، كاشفا لما قد يقومون به من أخطاء أو انحرافات. 

ومن الطريف هنا أنّ النقابات المهنيّة وهياكل التعديل الذاتي، ومنها على وجه الخصوص هيئة الاتصال السمعي البصري باتت هي الأخرى متّهمة بخضوعها لإبعاد أيديولوجية وسقوطها في المحاباة وخدمة أصحاب المال ومجموعات الضغط والانخراط في تصفية الحسابات السياسيّة، وبصفة مستمرّة تطفو على السطح سجالات لـ"أعضاء الهايكا" مع أحزاب ومنظمات المجتمع المدني بشكل حوّلها إلى أشبه ما يكون بالحزب السياسي أو التيّار الفكري أو الإيديولوجي.

وتُثير الوضعية القانونيّة لهيئة الاتصال السمعي البصري الكثير من نقاط الاستفهام، فهي وقتيّة وانتهت عهدتها منذ يوم الخميس 2 ماي 2019، كما أنّ قراراتها باتت شكليّة أشبه ما يكون بالحبر على الورق عاجزة عن إحداث تغييرات فعليّة على مستوى الإعلام السمعي البصري.

وفي الوقت الذي يظهر فيه من بقي من أعضاء هذه الهيئة متمسكين بمواقعهم وبظهورهم المطّرد في مختلف المنابر والفضاءات الإعلاميّة يبدو أنّ بقية الأطراف من وسائل إعلاميّة وأحزاب وجمعيات ومنظمات مستفيدة من الفراغ الحاصل وتعطيل تركيز الهيئة الدائمة للاتصال السمعي البصري التي نصّ عليها الدستور.

برغم ثماني سنوات عن الثورة ما يزال الإعلام متلبّسا بالسياسة، الحدود بينهما متداخلة، فمن هيمنة السلطة السياسيّة قبل الثورة لإخضاع الإعلام إلى توجهاتها إلى ارتهان، أغلبيته إرادي، إلى لوبيات المصالح والأحزاب وأيضا السلطة السياسيّة برأسيها أي الحكومة ورئاسة الجمهوريّة.

 

غياب الاستقلاليّة واضطراب الهويّة الإعلاميّة:

وضع الارتهان إلى الأحزاب والسياسيّين والرغبة في لعب دور سياسي غيّب مبدأ او شرط الاستقلاليّة وأحدث لخبطة في هويّات مختلف وسائل الإعلام، حيث أصبح الخط التحريري رهين مراكز النفوذ والقوى المتحكّمة في القرار الوطني ومصالح اللوبيات الاقتصاديّة والماليّة، وهذا ما أحدث تشويشا في المشهد الإعلامي حيث تنقلب المواقف والرؤى والتوجّهات التحريريّة بين عشيّة وضحاها من النقيض إلى النقيض ارتباطا مغلوطا ومشوّها بالتطوّرات والمستجدّات السياسيّة، فيتحوّل الصديق إلى عدو والعكس بالعكس دون منطق ودون تبريرات معقولة، والغريب أنّ هذه التبعيّة قد تتجاوز في مرّات عديد المستوى المحلّي إلى المستويات الإقليميّة والدوليّة حينما تنخرط وسائل الإعلام في تغذية لعبة المحاور فتفقد لا فقط استقلاليّتها التحريريّة والمضمونيّة بل طابعها الوطني فتمسّ من السيادة الوطنيّة واستقلاليّة القرار الوطني وتسمح للأجندات الخارجيّة باختراق المشهدين الإعلامي والسياسي الوطنيين، ماليا من خلال تلقي الأموال المشبوهة ومضمونيا من خلال طرح سجالات ونقاشات وتمرير تقارير إخباريّة وخلق محاور اهتمام موجّهة بعيدة عن استحقاقات التونسيّين والتونسيّات  ولا تخدم المصلحة الوطنيّة بل تصبّ في مصلحة المُموّلين والداعمين الأجانب.

 

صناعة الأخبار وترذيل العمل الإعلامي المهني:

الوضع المشار إليه آنفا أدّى بصفة ملحوظة إلى ترذيل العمل الإعلامي وتراجع في المضامين الإعلاميّة الجيّدة بفقدان الخبر لشروط المهنيّة والأخلاقيات الصحفيّة وضوابطهما واستفحال ظاهرة صناعة الأخبار والأخبار الكاذبة منها على وجه الخصوص.

وبمعاينة بسيطة للمنتوج الإعلامي الناشئ بعد الثورة يظهر جليّا، وقد يكون ذلك من باب الحقيقة الثابتة، وجود غرف مظلمة لفبركة الأخبار الكاذبة وشبه تعاقد مع قنوات إعلاميّة، محليّة وأجنبيّة، لتصريفها بشكل مكثّف ومدروس يجعلها تستقرّ لدى المتلقي (الجمهور) وكأنّها أخبار واقعة وثابتة، فالتكثيف والتكرار يُحدث هجمة على الناس فيعطّل قدراتهم على الفرز ويستهوي نفوسهم وعواطفهم ويستفزّ فيهم المشاعر والأحاسيس ويُغيّب فيهم العقلي والموضوعي.

إنّ مناهج الدعاية الكاذبة التي تعتمد مخاطبة المتلقين كجمهرة واحدة منسجمة، صامتة، عليها تقبّل المعلومة المغلوطة والموجّهة كحقيقة ثابتة دون تفاعل، تمنعُ الحق في التثبت والتدقيق الموضوعي وفرز الكم الهائل من المعلومات.

وهناك أمثلة كثيرة تدلّل تدليلًا قاطعا على خضوع الكثير من الملفات والقضايا إلى آليات الدعاية الكاذبة ممّا جعل الصورة في ذهن الكثير من المتلقين مشوّشة وغير واضحة، وما من شكّ فإنّ القراءة البعديّة المتأنيّة لتناول الإعلام لقضايا مثل الاغتيالات السياسيّة والإرهاب والوضع الاقتصادي على مدار السنوات الفارطة، وانعكاس ذلك على المشهد السياسي والأحداث الوطنيّة الكبرى، سيُيبتُ دونما شكّ كيف استطاع إعلام الإشاعة وصناعة الأخبار الكاذبة توجيه الرأي العام إلى وجهات مغلوطة، البعض منها كان على غاية من الخطورة لأنّها كانت تستهدفُ إيقاع الفتنة والانقسام المجتمعي وتعطيل مسار الانتقال الديمقراطي.

وفي هذا الصدد أشار تقرير أصدرته المجموعة العربية لرصد الإعلام بالتعاون مع جمعيتين تونسيتين هما المجلس الوطني للحريات وشبكة تحالف من أجل نساء تونس حول واقع الإعلام التونسي أنّ:

  • 90 % من الصحف الناطقة بالعربية تتضمن خطابا يحث على الكراهية.
  • 10 % من الصحف الناطقة بالفرنسية تتضمن خطابا يحث على الكراهية.
  • 13 % من وسائل الإعلام فيها دعوة ضمنية أو صريحة إلى العنف.
  • 58 % بمن وسائل الإعلام تعلّق بها خطاب الكراهية بالأحزاب أو الدين.

إنّ المقارنة الممكنة الآن بين عهد ما قبل الثورة وما بعدها، تُفضي إلى الإقرار بشكل يكاد يكون قاطعا بأنّ الإعلام التونسي انتقل عمليّا من عهد استبداد السلطة السباسيّة وهيمنتها إلى عهد استبداد مجموعات المصالح والضغط والأحزاب ولوبيات الفساد.

وهذا ما يطرح رهانات جديدة أمام مختلف الفاعلين في القطاع الإعلامي في البحث عن كيفيّة التخلّص من هذه الهيمنة الجديدة، ففي تواصلها تواصل التهديدات للإعلام الحر والمسؤول، في تنوّعه وتعدّديته وفي مصداقيته وفي مسؤوليّته المحوريّة في خدمة الدولة والمجتمع وتطوير البلاد وازدهارها وتقدّمها وتحقيق التنمية المنشودة.

 

 أولويّات الإصلاح ومتطلباته العاجلة:

لم تؤت محاولات الإصلاح إلى حدّ الآن نتائج جيّدة في إخراج الإعلام التونسي من دائرة الضعف والاضطراب برغم النقاش المطوّل والندوات والملتقيات وورش التدريب والتكوين، والوضع اليوم، بما بلغه من ترذيل وضرب لقيم المسؤولية والمصداقية والشفافيّة التي يجب أن يتحلّى بها العمل الصحفي عموما، يستدعي دونما شكّ وقفة تأمُّل ثابتة ورصينة من مختلف المتدخلين في القطاع لإجراء تشخيص واقعي وحقيقي ورسم معالم إصلاح في أقرب الآجال تنطلق من وضع قواعد وضوابط صارمة لكل ما له علاقة بالشأن الإعلامي وعلى رأسها تخليص القطاع من الدخلاء وتحسين الوضعية المهنيّة للصحافيّين، من حيث التأجير وظروف التشغيل، واعتقد أنّ ذلك الأمر هذا شرط أساسي بل هو الأهم على الإطلاق، فلقد أبقى نظام الاستبداد الوضعية المهنيّة للصحافيّين رديئة لكي يتم التحكّم فيهم وتوجيههم، ففي دراسة ميدانية تم إنجازها قبل الثورة تهم أجور الصحافيات التونسيات، على سبيل المثال، تم التوصل إلى أنّ أكثر من 60% من هن كنّ يتقاضين أجورا أقل من 200 دينار، والى اليوم هناك من الصحفيين يتلقى أجرا شهريا لا يتجاوز ثلاث مائة دينار ومرّات أقل من ذلك، هذا دون الحديث عن عمليات الطرد التعسفي وظروف التشغيل الهش.

 وفي هذا الصدد يُمكن اعتبار الاتفاقية الإطاريّة المشتركة الممضاة بتاريخ الأربعاء 09 جانفي 2019، الأولى من نوعها في تاريخ القطاع الصحفي، فهي بمثابة أرضيّة لما يجب أن تكون عليه فلسفة صياغة السياسة الإعلاميّة من حيث التشاركيّة بين مختلف الأطراف (نقابات مهنيّة، حكومة، مؤسّسات إعلاميّة، هياكل تعديلية مستقلة) وخاصّة في ما يتعلّق بالظروف المادية والمهنية للصحفيّين، فوضع حد أدنى للأجور في حدود 1400 دينار خام وضمان انتفاعه بالمنح والامتيازات المكملة للأجر الأساسي، مهم جدا ويضمن للصحفي كرامته ويدفعه للعمل بأكثر أريحيّة واستقلاليّة والتخلّص من الضغوطات والإكراهات التي لا تخفى على أحد في ظل واقع ضاغط على المقدرة الشرائيّة وتردّي ظروف العيش.

وتنصّ الاتفاقية أيضا على مسائل أخرى مهمّة، منها على سبيل الذكر ضرورة إعطاء أولوية انتداب 50% على الأقل من مراكز عمل الصحفيين بالمؤسسة لفائدة المترشحين الحاملين لشهادة جامعية في مجال الصحافة وعلوم الأخبار والاتصال والتزام الأطراف الموقعة بعدم التعاقد مع المتعاونين (بيجيست) للقيام بأعمال يمكن إنجازها من طرف الصحفيين القارين المنتمين لها.

كما أنّ شفافية تمويل المؤسّسات الإعلاميّة تبقى من أهم المسائل التي يجب التعاطي معها بالكثير من الجديّة والنجاعة، فمظاهر المال الفاسد اخترقت مختلف وسائل الإعلام، بل إن شكوكا كثيرة تحوم حول قيام البعض منها أساسا على مال مشبوه لخدمة أجندات ومصالح فئويّة أو قطاعية او كمدخل لتبييض الأموال، وتفيد معطيات موثّقة أنّه من بين 35 مؤسّسة اتصال سمعي بصري حاصلة على الترخيص القانوني (الإجازة من هيئة الاتصال السمعي البصري) لم تنشر إلاّ خمس مؤسّسات فقط موازناتها المالية مثلما ينصّ على ذلك الفصل 30 من كراس الشروط الموضوع للغرض.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى حرص المشرّع التونسي على ان يكون الصحفيّون والإعلاميون وأصحاب المؤسّسات الإعلاميّة، من ضمن الفئات المشمولة بالتصريح بمكاسبها ومصالحها لدى الهيئة الوطنية لمكافحة الفاسد، وهو تشريع هام جدا.

إنّ مسألة شفافيّة التمويل تتجاوز في جانب كبير منها مخاوف التمويل المشبوه واختراق لوبيات المصالح للقطاع الإعلامي إلى بنيّة وهيكلة المؤسّسات الإعلاميّة نفسها، حيث يُكرّس واقع الارتهان إلى مصادر تمويل مشبوهة، طارئة ومتحوّلة، وسوء التصرّف المالي والإداري إلى حرمان المؤسّسات من الديمومة والاستمراريّة بتغييب ثقافة المؤسّسة الاقتصاديّة وتهديد موارد الرزق والظروف المهنيّة وموارد التمويل السليمة من الإشهار أو المبيعات أو الأنشطة المسموح بها قانونيا.

وغياب ثقافة المؤسّسة الاقتصاديّة ظاهرة بارزة في الإعلام التونسي ليس في القطاع الخاص فقط بل إنّ مؤسّسات الإعلام العمومي نفسها المموّلة من الدولة تشهد مشاكل تسيير مالي وإداري عويصة جدا جعلت جلّها تقع باستمرار في حالة عجز مالي ومديونيّة وتتجاوزها مرّات إلى وجود شبهات فساد وارتهان إلى لوبيات المصالح ومراكز النفوذ المختلفة.

وفي نفس سياق التمويل لا بدّ من الإسراع بإقرار شفافية توزيع الإشهار العمومي حسب مقاييس علمية تراعي الظروف المهنيّة والالتزام بقواعد التشغيل في مختلف المؤسّسات الإعلاميّة لتجنّب المحاباة واستغلال المال العام لكسب الولاء،  وتُطرح هنا أسئلة ملحّة حول أسباب وخفايا تعطّل مشروع بعث وكالة وطنيّة تُشرف على توزيع الإشهار العمومي.

ولا شكّ في أنّ توحيد المدخل إلى المهنة يبقى أحد المطالب الرئيسيّة التي نادت بها مختلف الهيئات المهنيّة على مدار عقود سابقة عبر مشروع اتحاد الصحافيّين الذي  ما يزال معطّلا على الرغم من أنّه أمر على غاية من الأهميّة لسدّ الطريق أمام الدخلاء الذين شوّهوا كثيرا القطاع، واتحاد الصحفيين أمر مشروع على غرار ما هو  معمول به في قطاعات مهنية اخرى على غرار المحامين والأطباء والمهندسين والصيادلة، فهذه الهياكل هي التي تمنح الصفة المهنيّة للمشتغلين بتلك القطاعات وهي المرجع في المساءلة والعقاب وسحب الصفة في حال وجود تجاوزات أو انحرافات.

ولا شيء يُبرّر حرمان القطاع الصحفي من اتحاد مهني غير استفادة عدّة أطراف من حالته الراهنة والرغبة في تواصل الهيمنة عليه وإبقائه في وضع ارتهان للسلطة أو مختلف مراكز النفوذ وقوى السيطرة والتوجيه المالي والاقتصادي والسياسي والإيديولوجي، فهل يُمكن لأي محام أن يُباشر المهنة ما لم يتم ترسيمه بجدول المحاماة من قبل هيئة المحامين، وكذلك الأطباء والمهندسون والصيادلة؟

إنّ تعزيز قدرات التعديل الذاتي للقطاع الإعلامي من الأولويّات العاجلة أيضا لما يمنحه من امكانات للمساءلة والتصويب وتهذيب الأداء الإعلامي من كلّ الشوائب والمظاهر السلبيّة وفق رؤية مهنيّة تحفظ أخلاقيّات المهنة وترتقي بالإعلام نحو المطلوب منه.

وفي هذا الصدد لا بدّ من التأكيد على أهميّة الإسراع بتركيز الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري كما نصّ عليها الدستور، فالهيئة الحالية وقتية وفقدت القدرة على التأثير ولم يعد لها مبرّر قانوني للوجود إضافة إلى أنّها افتقدت إلى عنصري النزاهة والاستقلاليّة، والإسراع ايضا بتركيز هيكل تعديلي للصحافة الالكترونية والمكتوبة، وهناك مشروع مجلس صحافة ولكنّه ما يزال برغم الإعلان منذ فترة سابقة.

كما يُمكن الإشارة في باب أولويات الإصلاح الهيكلي والقاعدي إلى مطلب تطوير المناهج التعليمية في معهد الصحافة وعلوم الإخبار، إذ برغم الإمكانيات والفرص المتاحة ورغم وجود كفاءات جامعيّة مشهود لها فإنّ ضعف المتخرجين وأصحاب الشهائد في الصحافة والاتصال ما يزال لافتا، ويرى كثيرون أنّ تدهور مستوى المتخرجين من التعليم العالي كان أحد أسباب تراجع مستوى الإعلام التونسي، وهذا يُمكن أن يفسّر الى حد كبير، التبيان الكبير بين مستوى الأداء الإعلامي، كتابة وتصوّرا وإخراجا، في عهد بورقيبة وعهد بن علي وما بعد الثورة، ولا يُحمل هذا الخلل فقط على معهد الصحافة إذ هو أصبح ظاهرة عامّة مرتبطة بالنظام التعليمي ككل انطلاقا من الابتدائي إلى الثانوي كما تشهدها أغلب الكليات والجامعات منذ سنوات خاصة على مستوى القدرة على الكتابة السليمة والتمكّن من اللغات.

 

الخاتمة:

إنّ أهم استنتاج يُمكن أن ينتهي إليها مقالنا هذا هو أنّه، برغم حدث الثورة وسنوات الانتقال الديمقراطي، فإنّهُ لم يتم منذ الاستقلال إلى اليوم وضع سياسة عموميّة في القطاع الاعلامي، وأعتقد كذلك أنّ سائر القطاعات، على غرار التعليم والتربية والثقافة والاقتصاد، لم تحقق ذلك المنجز. وهذا في نظري ما يؤكّد غياب منجزات فعليّة في مختلف تلك القطاعات، إذ عجزت الطبقة السياسيّة والأطراف الاجتماعية والمهنيّة ومختلف مكوّنات المجتمع المدني عن وضع تصورات وخطط استراتيجية كبرى لإخراج البلاد من أزماتها، ولا شكّ في أنّ ذلك الأمر يعود أساسا إلى عدم الاستقرار السياسي وتعدّد الحكومات وعدم توافق مختلف الاطراف الوطنيّة على مشتركات يُمكن انطلاقا منها تغيير الأوضاع وإقرار ما يلزم من إجراءات وإصلاحات.

لم يتخلّص الإعلام التونسي بعد الثورة نهائيا من هيمنة السلطة السياسيّة الحاكمة بل انضافت لها أصناف أخرى من الهيمنة تتوزّع وفق موازين القوى الناشئة بعد الثورة من سلطة تنفيذيّة بمركزي نفوذ في القصبة وقرطاج وسلطة الإيديولوجيا والمال ومجموعات المصالح المختلفة والاصطفافات السياسيّة والحزبيّة.

وما عقّد الوضع هو تضارب اجندات مختلف تلك القوى ومراكز النفوذ وعدم استقرار الحالة السياسيّة ممّا غيّب إرادة في بناء سياسة إعلاميّة تُخرج الإعلام ممّا هو فيه من أزمات ومشاكل وما يتلبّسُ بأدائه من ظواهر سلبيَّة البعض منها في غاية الخطورة.

إنّ السياسة الاعلاميّة الناجعة، وأي سياسة قطاعية أخرى، يجب أن تكون:

  • تعدّديّة من حيث المضامين، بمعنى أن يكون الإعلام فضاء مساعدا على الحوار وتناول مختلف القضايا والملفات دون توجيه او انتقاء، مفتوحا للجميع دون إقصاء او استبعاد.
  • تشاركيّة توافقيّة، بمعنى أن يضبط بنودها جميع المتدخلين في القطاع الإعلامي، من سلطة حاكمة وبرلمان وقضاء ومنظمات وجمعيات ونقابات ومختصين وخبراء في الإعلام والاتصال.

 

د. خالد الحدّاد ( صحفي وباحث تونسي) 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك