القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الإسلاميون: الضمانة الإستراتيجية للديمقراطية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-10-22 15:41:00 | 231 مشاهدة

 

مقدمة:

ظل حكام العرب من غير العسكريين يتخذون من الديمقراطية ستارا يتخفون به لممارسة السلطة المطلقة ولمحاربة معارضيهم يتهمونهم بمعاداة الديمقراطية والتقدمية والحداثة، تلك الأنظمة العربية المستبدة كثيرا ما تضطر لتقريب بعض الأيديولوجيين إليها من يساريين أو عروبيين تستقوى بهم على الإسلاميين الذي ظلوا دائما مستثنين من "الاستيعاب" الديمقراطي.

الإسلاميون كلما أتيحت لهم فرصة المشاركة في انتخابات ديمقراطية كانوا هم الفائزين ولكنهم سرعان ما ينقلب عليه خصومهم في الداخل والخارج.

لماذا ظلت الديمقراطية "غريبة" في المجتمعات العربية؟ لماذا ظل الإسلاميون مستثنون من "الاستيعاب الديمقراطي"؟

 

1- غربة الديمقراطية

"الديمقراطية" ليست منتوجا عربيا إسلاميا وليست من مشتقات ثقافتنا، إنما تسربت إلى فضائنا ضمن المشهد الحضاري، الذي اصطحبته حملة نابليون على مصر سنة 1798، ثم اشتغل عليها بعض رجال الإصلاح تباعا مصدومين بغلبة الاستعمار "المتقدم"، مستنتجين بأن من شروط التقدم الاستفادة من "الغالبين" في التنظيمات وفي أسباب القوة، مما لا يصطدم بأسس العقيدة ومقاصد الشريعة...

تكلم مصلحون كثر في الحرية وفي العدالة والمساواة وفي مقارعة الاستبداد.. تحتاج الأفكار دائما أجواءً هادئة لتأملها وترسّخها، ضمن تصور فلسفي متناسق، أو ضمن رؤية سياسية منسجمة... حملات الاستعمار على البلدان العربية لم تسمح لفكر النهضة أن يتماسك، ولم تدع في النفوس هدوءا وأمانا ينجذب للفكرة "المتمدنة". لم يكن الناس بحاجة إلا لأدوات المقاومة...

لقد شغل المستعمرون العقل العربي لعقود بالبحث عن مسالك تهريب السلاح وابتداع طرائق المقاومة... الاحتياطات الأمنية في "الجسم المقاوم" تقتضي السرية والحيطة وتشفير الخطاب... هل كان ممكنا أن تتدرب الجماهير العربية يومها على الديمقراطية تحت سقف الاحتلال؟ أم كانت أوطانها مُحتاجة إلى ذوي "الجرأة والإقدام وخُلق الشجاعة والبسالة (و) اقتحام المهالك.. واحتمال المكاره ومقارعة الأهوال (و) بذل الأرواح في سبيل الحق"؟ ـ كما يقول المصلحان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في نص مشترك بمجلة العروة الوثقى ـ إن جهود الدفاع عن الكيان المهدد خارجيا مقدّمة دائما على جهود "المدنية"... الاستعمار الذي جثم في أقطارنا عقودا هو الذي أجهض مشاريع الإصلاح وشغل الناس عن كل مقدمات التمدن والتنمية، وهو الذي شحن الأنفس بنزوع قتالي دفاعي، وبتوجس من كل منتجات "الإفرنج" المستعمر... هل كان ممكنا أن ينجذب الناس إلى فلسفة الأنوار حين يستمعون إليها مترجمة في فوهات المدافع والدبابات؟

2- دولة الاستقلال وأولوية التنمية

إثر تصفية الاستعمار بفعل حركات التحرر أو بفعل قرارات دولية، استقر الأمر لحكومات وطنية شكلها في الغالب زعماء التحرير، ممن يعرفهم الرأي العام الداخلي والخارجي... تلك الحكومات لم تكن مسكونة بسؤال الحرية، ولا بتصريف الديمقراطية. كانت منشغلة أولا بتأكيد سلطانها، ثم ثانيا بتحقيق تنمية بمعنى الكم المعاشي وليس آليات التنمية... بل إن الحرية ذاتها لم تكن مطلبا شعبيا فالجماهير كانت قانعة بنشوة النصر وفرحة الاستقلال... لم تكن معنية بحراسة فرحتها تلك، فقط بعضٌ من المدربين سياسيا من شركاء معارك التحرير كانت لهم الجرأة على الاختلاف في أصول أو فروع... لم تكن اختلافاتهم كافية لطرح سؤال الديمقراطية وقد مات بعضهم في ظروف لم تسمح المرحلة الانتقالية بكشفها. وربما كان المستعمر المنسحبُ لتوه ـ عسكريا ـ لا يسمحُ بنشأة الأفكار المختلفة الذاهبة إلى مستقبل متعارض مع استراتيجيا العقل الاستعماري.

لقد زرع الاستعمار في بيئتنا العربية الإسلامية قبل انسحابه ذاك "المبيد الديمقراطي" كي لا تنشأ ديمقراطية أصيلة تُصعّد بها شعوبُنا إلى الحكم من تثق بانتمائه العميق إلى قضاياها الجوهرية، ومن يُؤتمن على الثروة وعلى الهوية وعلى الالتزام الدائم تجاه قضايا التحرر العادلة... العقل الاستعماري يريد لنا ديمقراطية مُعَلبة، تدرس في الكتب ولا تُنتج نظاما ديمقراطيا حقيقيا.

3- ديمقراطية التحرر

إذا كان الإخفاق الديمقراطي في بلادنا العربية مرتبطا بجذور استعمارية، فإن الرهان الديمقراطي لن يتحقق إلا بخوض معركة التحرر بكل آلياتها، وفي كل مساحة ترتبط بها هويتنا ومعاني وجودنا... على الأحزاب العربية المعارضة كما على النخب وكل مكونات المجتمعات الوطنية أن يسعوا جادين إلى تحرير "أنظمة الحكم"، لا بما هي أشخاصٌ أو أحزابٌ، وإنما بما هي أجهزة لاتخاذ القرارات وتصريف الشأن العام والتكلم باسم الأوطان. وكم قدمت شعوبنا العربية من تضحيات على امتداد عقود... عشرات الآلاف ممن سجنوا ـ قرون من سنوات السجن ـ وممن قضوا وممن فقدوا عقولهم وذاكرتهم وممن تركوا ديارهم وممن اختلطت عليه السبل، لا يدري أهو مطلوب لبلده أم مطلوب فيه... ولم تتحقق ديمقراطية لا أصيلة ولا مُترجمة... ديمقراطية لا يُنتظر منها فقط تحقيقُ تداول على السلطة، وإنما أساسا يُنتظرُ منها تحقيقُ المواطنة الحقيقية للأفراد، حين يجدون في أنفسهم شعورا عميقا بالانتماء لوطن يتسعُ لأفكارهم ولأشواقهم ولرغبتهم في العيش وفي الحياة ... وطن يشتركون فيه مع شركاء الانتماء في كل الحقوق والواجبات، ويتساوون أمام القانون وفي شوارع المدن... لا يكفي معرفة ما نريد.. بل يجب معرفة الطريق إليه.

ليس مجديا الاكتفاءُ بإلقاء مسؤولية الإخفاق الديمقراطي على أطراف خارجية أو على الأنظمة المستبدة، فللأزمات دائما جذورها في الذوات بما هي آليات تفكير وأجهزة نفسية، لنا أن نتأمل طبيعة العلاقات والتعاملات بين أفراد المجتمع داخل الأسر والمؤسسات المدنية وحتى داخل المؤسسات التربوية وداخل الأحزاب المصنفة معارضة ... نتأمل تعامل المتعلمين مع الأقل علما وتعامل المسؤول الإداري مع منظوريه وتعامل رب الأسرة مع زوجته وأبنائه وبناته وتعامل الشيخ مع مريديه وتعامل الصغار مع الكبار وتعامل ذوي المال مع الأقل مالا ...لا يمكن إغفال آثار طبيعة النظام الاقتصادي في تحديد العلاقات وأساليب التعامل داخل المجتمع، هل تمثل مجتمعات الثراء الفاحش قُبالة الفقر المدقع منبتا خصبا لمشروع ديمقراطي أو ثقافة التنوع والتعدد والاختلاف؟

هل يمكن الحديث عن ديمقراطية أو عن انتخابات في ظل الأمية السياسية وفي ظل الفقر المعرفي؟ هل يُعتد بانتخابات تنجزها طوابير العامة من الذين لا يُجيدون قراءة البيانات السياسية والبرامج الانتخابية بل ولا يَعون أصلا معنى "الانتخاب" بما هو عملية واعية حرة في تفريز النخبة بما هي أجود ما يكون من بين المترشحين، وحتى نستطيع فرز النخبة من الكل يجب معرفة الكل أي كل الأحزاب لا بما هي أفراد وأسماءٌ و إنما بما هي برامج اقتصادية وثقافية وسياسية وتعليمية.

كثيرا ما تنتهي "انتخابات" إلى تشريع الاستبداد باسم العامة حين تتجه الجماهير مدفوعة بحالات خوف وطمع وجهل نحو صناديق تُحملها أوهامها. إن الديمقراطية لا تحتج فقط ثقافة وإنما تحتاج بالأساس جرأة  على الجهر بالرأي وعلى تحمل المسؤولية الفكرية والأدبية والأدبية، تحتاج شجاعة ووضوحا واستعدادا لتحمل تبعات الجهر  بالاختلاف وبالنقد، تحتاج صدقية ومبدئية بحيث نقول ما نرى وما نعتقد وبحيث نتحرر من "شهوة السلطة" سواء بالتودد للسلطة القائمة ـ طمعا في منافع آنية ـ أو بالطمع في الوصول إلى السلطة حتى وإن كان باستجلاب العامة بخطاب شعبوي مستثمر في عادات أو معتقدات أو عواطف مشتركة وذاك من أخطر ما يتهدد البناء الديمقراطي، وهنا نسأل إن كان للحاجة أثرها على الإرادة والشجاعة والوضوح والمبدئية ؟ من يملك قوتك يملك أن يقودك ومن يُطعمك يُلجمك..الذين يُمسكون بأرزاق الناس يُمسكون بأعناقهم أيضا حين يُهددونهم بحرق رغيفهم فيُرغمونهم على الصمت أو على النفاق، ولا فرق بين أن تكون السلطة هي الماسكة بأرزاق الناس وبين أن يكون الرأس مال المحلي "الخاص" هو المتحكم بأقوات من لا رأسمال لديهم فرأس المال سلطة بذاته بإمكانه صنع رأي عام مناصر أو مُعادٍ وبإمكانه ـ وإلى حد كبير ـ التصرفُ في إرادة الكثير من ذوي الحاجة ومن ذوي الاحتياجات الذهنية ومن فاقدي السند المعرفي.. قد يكون رأس مال الدولة أخف وطأة من رأس مال طبقات الاستثراء الهمجي إذ يمكن خوض صراع سياسي بآليات سياسية وإيديولوجية مع رأس مال الدولة في حين أن رأس المال المشوه المفتقر حتى للحد الأدنى من فلسفة الرأسمالية لا يخوض إلا عمليات استنزاف شامل لكل من يقع بين فكيه مدفوعا بنزعة صادية يلتذّ بمشاهد المذلة والضنك والشقاء مما تعانيه الطبقة الكسيحة. المنشغلون بتدبير أمور معاشهم لا ينشغلون بالتدبير السياسي ولا تعنيهم "ديمقراطية" ولا يعنيهم من يحكم ولا بما يحكم قدر ما يعنيهم من يعالج مشاكلهم المعيشية ومن يخفف عنهم من أثقال رحلة العمر البيولوجي.

يبدو أن لوثة الاستبداد كامنة في بنية الشخصية العربية منذ انهارت دولتهم وتعرضوا إلى أذى خارجي حين سلبهم المستعمر حريتهم وكسر أنفسهم، والمغلوب يحتاج دائما من هو أضعف منه يمارس عليه الغلبة كي يستعيد توازنه النفسي "نحتاج أن نظلم أحيانا كي نستعيد توازننا" ـ يقول علم النفس ـ.

 الأزواج الذين يتعرضون في مواطن عملهم إلى اعتداءات "أعرافهم" هم الأكثر ظالمية في بيوتهم لمن هم تحت قوامتهم،يسكت رجال كثيرون يُطأطئون رؤوسهم أمام "أعراف" تحكمهم عُقد استعلاء ثم يعودون إلى بيوتهم يريدون استعادة "رجولتهم" المهدورة وكذا يفعل موظفون وسياسيون ممن يمارس عليهم القهرُ.

" علينا أحيانا توجيه أصابع الاتهام نحو أنفسنا" ـ يقول المثل الفرنسي ـ و "كما تكونون يُولّ عليكم" يقول الرسول الكريم. إن الاستبداد بما هو سلب لإرادة الآخرين إنما هو فعل بشري وليس كارثة طبيعية غير مقدور عليها وليس قدرا محتوما خارج الإرادة البشرية ...المستبدون بشر كغيرهم لديهم دوافع التسلط على غيرهم من البشر ممن لديهم قابلية الخضوع والانقياد. ويبدو أن أزمة الديمقراطية العربية كامنة في الذات المأزومة، ذات في مجملها تتهيب الاختلاف والنقد وتميل إلى المجاملة واللامبالاة وتنساق في الانقياد الجماعي وتخاتل لتحصيل مرضاة ذي مال وسلطان وتبخل بأثمان الفكرة الحرة والرأي الشجاع ـ للتحرر ثمنه ـ وهي في ذات الوقت ذات متوجسة/نافرة/مستعلية /نرجسية /فخورة ومتحفزة لاقتناص لحظات الغلبة على من هم دونها قدرة ومكانة. إن الديمقراطية ليست مجرد آلية تفريز سياسي بقدر ما هي روحانية منفتحة على الآخرين في آرائهم وفي حقوقهم الطبيعية في التعبير والممارسة والاختلاف والتشكل سياسيا وسلوكيا وفنيا واجتماعيا وتعبديا ضمن أغلبية أو ضمن أقلية فالديمقراطية ليست فقط حكم الأغلبية إنما هي ضمانة حقوق الأقلية بالأساس حتى لا تكون استبدادا باسم العامة.

 4- الإسلاميون ضمانة إستراتيجية للديمقراطية

سألني أحد السياسيين "العلمانيين:"أليس ممكنا الذهاب إلى الديمقراطية دون الحركة الإسلامية؟ هذه الحركة معيقة للديمقراطية، ليس حولها إجماع شعبي، لماذا لم يساندها الشعب في محنتها؟"

أجبته" هذا الكلام أشبه ما يكون بكلام من نفض يديه من دماء ضحيته ثم نظر إلى شركائه قائلا بدم بارد:هلمّ بنا ندرك صلاة الجمعة.

شركاء "المدنية" يريدون الذهاب إلى موسم الحصاد الديمقراطي وخصومهم نائمون...يعرفون أن خصومهم أولائك يُقيمون الليل وينهضون قبل الشمس ...تلك معضلة الديمقراطية في البلاد العربية: إما تأجيل الديمقراطية والاحتماء بنظام مستبد ـ عادل أو غر ذلك ـ وإما الذهاب إلى الرهان الديمقراطي مع فائض احتمال "الغرق" في الظاهرة الإسلامية. يُحتاج إلى عقل سياسي شجاع يُشخص الحالة كما هي وليس كما يشتهي خصوم الإسلاميين . وإن الظاهرة الإسلامية واقعٌ ـ بإيجابياتها وأخطائها ـ وهي أشبه ما تكون بعشب "النجم" كلما اقتُلع استنبتته التربة أغزر وأغلظ ـ ليس هذا كلام عاطفة وإنما كلام طبيعة الأشياء لا يريد قوله الكثير ممن يعرفه .. و"النجم" عشب دائم الاخضرار ينبت كثيفا في التربة المائية يعسُر استئصاله ـ.

هل يستطيع عاقل الاطمئنان إلى أن آلاف الأشخاص أو عشرات الآلاف لا يمكن أن يرث عنهم أهلهم بعضَ أو كل أوجاعهم؟ كيف لا يُنبه علماء الاجتماع السياسي إلى حقيقة كون الروابط العقدية والدموية هي أوثق عُرًى من روابط التحزب والاستثمار الإيديولوجي؟ كيف لا يُنبه المثقفون إلى حقيقة كون الأفكار والمعتقدات كلما اعتُصِرت كلما تهيأت لتكون خميرة أحداث قادمة؟ .

الظاهرة الإسلامية ليست مستوردة حتى تُعاد إلى أهلها وليست متسللة من خارج تاريخ وثقافة أوطانها إنها نبتٌ شرعي لبذور ثقافية وتعليمية وسياسية واجتماعية وإن الانقضاض عليها هو أشبه ما يكون بفعل الآباء الفاشلين ينقضون على أولادهم يضربون ويتبرؤون.

خاتمة

ستظل طرائق التعامل مع الظاهرة الإسلامية محددة لمسافة الاقتراب من أو الابتعاد عن الديمقراطية وستظل البلاد العربية ـ بأحزابها ومثقفيها وعامتها ـ تدفع ثمن الأوجاع التي تأكل أعمار بناتها أبنائها حين لا تقتنع بأن "الاستيعاب الديمقراطي" يجب أن يسَع الجميعَ وأن كل محاولة لاستثناء طرف إنما هي فتح باب العودة إلى الاستبداد من جديد.

"الاستيعاب الديمقراطي" التونسي أثبن أن حركة النهضة الإسلامية هي الضمانة الإستراتيجية للديمقراطية وللاستقرار محليا وإقليميا ودوليا.

 

بحري العرفاوي (باحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك