القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الإستراتيجيات الأمريكيّة في منطقة شمال إفريقيا: ماذا وراء زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى تونس

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-11-11 09:29:00 | 501 مشاهدة

المقدمة
لا شك بأن زيارة وزير الدفاع ألأمريكي إلى تونس جاءت في وقت دقيق وحساس، ومنطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا تشهد حروب وتوترات، يمكن قراءة أهداف الخطوة ألأمريكية بتوقيع اتفاقية عسكرية مع تونس في عدة اتجاهات،  وقد تكون مقدمة لخطوات أمريكية على الأرض للتفاعل أكثر والتعاطي مع التحديات في المنطقة والتي تهدد امن ومصالح الولايات المتحدة ألأمريكية، ما يحدث في ليبيا المجاورة  لتونس لم يعد حربا بين الليبيين أنفسهم، بل هناك تمدد للروس وتحشيد لقواتهم في ليبيا ، والمشهد الليبي ينذر بحرب أمم كبرى، ولأن الروس قد خرقوا اتفاقيات يالطا في عام 1945م، ومالطا في عام 1989م وهي تمثل تفاهمات بين روسيا والغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تنص على عدم وجود الروس في شمال إفريقيا، فإن ما يحدث الآن وما يقوم به الروس في ليبيا يعد محاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ والمصالح في منطقة تعني الكثير للولايات المتحدة الأمريكية.

1-منطقة البحر المتوسط في الإستراتيجية الأمريكية:

إن الخطوة الأمريكية وتوقيع اتفاقية عسكرية مع تونس يمكن تفسيرها في عدة اتجاهات، فهي لا تتعلق فقط بما يحدث في ليبيا، ورغبة الأمريكيين في مواجهة التمدد الروسي في ليبيا، والتمدد الروسي الصيني في أفريقيا بشكل عام، بل تأتي أيضا في إطار أهمية البحر المتوسط في ألإستراتيجية ألأمريكية ، يقول  الاميرال الأمريكي الفريد ماهان: "إن البحر الأبيض المتوسط سيكون لسيد واحد، وسيقع تحت هيمنة قوة عظمى مسيطرة ستدفع بامتيازاتها في كل الاتجاهات، أو انه سيكون مسرحا لصراع دائم". هذا القول للأدميرال الفريد ماهان يؤكد أهمية البحر المتوسط بالنسبة للأمريكيين.

ا-البحر المتوسط في الإستراتيجية ألأمريكية:

يعد اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، ضمن إستراتيجية تأمين مصالحها الحيوية التي يتعين الدفاع عنها، فحسب الرؤية الأمريكية، فإن الاتحاد الأوروبي وحده لا يستطيع أن يحقق الاستقرار والأمن في المنطقة، مما يؤهلها كقوة عالمية لتحمل المسؤولية السياسية، فالدور الأعظم هو لأمريكا في استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة، التي تعد بالنسبة لها منطقة إستراتيجية بكل الأبعاد لعدة اعتبارات إستراتيجية واقتصادية وسياسية. إن الفكر الإستراتيجي الأمريكي لم يغفل لحظة عن هذه الأهمية الجيوستراتيجية  لحوض البحر الأبيض المتوسط، وعن التحولات الإقليمية التي تحدث في داخله من جراء التحول الجوهري للنظام الدولي.(1)

مسألة الأمن المتوسطي

الأمن المتوسطي هو ما يشغل الولايات المتحدة ألأمريكية لأنه يمس مباشرة مصالحها وأمنها القومي كقوة عظمى في العالم، كثرت وتعددت النظريات والإستراتيجيات المرتبط بقضايا الأمن في المتوسط باختلاف الأطراف المعنية والمهتمة به، حيث عرف المتوسط مثلا أثناء فترة الحرب الباردة خطط ومبادرات إستراتيجية عدة لاحتواء المنطقة منها الاقتصادية كمشروع مارشال وترومان من طرف الولايات المتحدة الأمريكية ومبادرة  الكومنفورم الروسية، ومنها الأمنية. حيث عرفت المنطقة ما يعرف بسياسة الأحلاف مثل بروز حلف شمالي الأطلسي الذي كان يرى في تواجده حماية للأمن والاستقرار الأوروبي والمتوسطي معا، إضافة إلى حلف بغداد. أما من الجانب السوفياتي نجد ظهور حلف وارسو(2)

كما أن أهمية وضرورة توفر عنصر الأمن في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، مرتبط بالدرجة الأولى بالبعد والأهمية الجيو إستراتيجية التي تكتسيها المنطقة أكثر من غيرها من المناطق الأخرى. فالأهمية الجيوسياسية والأمنية، والاقتصادية والحضارية لهذه المنطقة هي التي أدت إلى انجذاب عدة قوى نحوها، هذا ما يفسر التنافس والصراع المستمر حول احتواءها والهيمنة عليها عبر جل مراحل التاريخ، قديمه وحاضره. وكون هذه البقعة من العالم تعتبر محور هام من محاور الإستراتيجية العالمية المعاصرة أكد على استمرار هذه القاعدة(3)

إن دوافع اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بمسألة الأمن المتوسطي والمنطقة عامة فهي راجعة إلى عدة أسباب وهي (4)

- تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية سواحل شمال إفريقيا عبارة عن امتداد لسواحل أوروبا الأطلسية، ولإفريقيا المتوسطية، لذلك فهم يرون أن المنطقة بمواصفاتها الإستراتيجية يجب أن تكون تحت نفوذهم ولا يجب أن تكون تحت مراقبة قوة معادية لهم.

- تعتبر المنطقة من أهم خطوط المواصلات البحرية والجوية، فهي طريق وممر لأهم سلعة إستراتيجية النفط  أي هي طريق النفط إلى من الشرق الأوسط، ولذلك ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن وقوع هذه المنطقة تحت سيطرة قوة معادية، سيعرض أمنهم للخطر وسيضاعف مركزهم التفاوضي بشأن مستقبل حوض المتوسط.

- أما من الناحية الاقتصادية فالمنطقة تعتبر سوقا واعدة لترويج وبيع البضائع الأمريكية لأكثر من  300  مليون نسمة، لذالك لبد من تأمين المنطقة بالشكل الذي يمكنها من اندماجها بسهولة في الاقتصاد الأمريكي، نتيجة ضعف تنافسيتها للمنتجات الأجنبية، كما تعتبر خزّانا للبترول والغاز الطبيعي والمواد الأولية.

ب-أهمية موقع تونس الاستراتيجي:

يتضح من الخريطة بأن  موقع تونس الاستراتيجي يفرض نفسه على أيّ قوة عالمية تفكر في تعزيز مواقعها في منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا، ما بين شبه جزيرة قليبية التونسية وجزيرة صقلية هناك مضيق الرأس الطيب أو مضيق صقلية كما يسميه البعض، ويبلغ طول المضيق حوالي 120كم، وهو يتحكم في حركة عبور السفن ما بين حوض شرق البحر المتوسط، وحوضه الغربي

 أهمية موقع تونس الاستراتيجي:

وغير بعيد من مضيق الرأس الطيب توجد مدينة بنزرت التونسية، وهي ذات موقع استراتيجي مهمّ، فقد كانت بنزرت  قاعدة عسكرية هامة خلال فترة الحماية الفرنسية من عام 1881م حتى عام 1955م، وتوجد بها قاعدة بحرية إستراتيجية

لعبت دور هام في الحرب العالمية الثانية. ونظرا لأهمية مدينة بنزرت قام الألمان باحتلالها في  في عام 1942م، واستعادها الحلفاء مرة أخرى في عام 1943م، ثم احتلها الفرنسيون أيضًا وانسحبوا منها في عام 1963م (5)

 

لذا فإن الأمريكيين وهم يعززون مواقعهم في تونس بتوقيع اتفاقية عسكرية لمدة 10 أعوام يعلمون جيدا أهمية موقع تونس الاستراتيجي. 1300 كم طول ساحل تونس، ومضيق الرأس الطيب، ثم  موقع مدينة بنزرت. كلها مواقع إستراتيجية لا يمكن أن تسقط من حسابات ألأمريكيينيخبرنا التاريخ عن زيارة رئيس الوزراء الفرنسي  جول فيري إلى  مدينة بنزرت في عام  1887م،  أي بعد ست أعوام من  إقرار  الحماية الفرنسية على تونس، وقام بجولة بحرية في بحيرة بنزرت وانبهر بما رأى ، وقال :"لقد كنت محقا حين أتيت، إن قيمة هذه البحيرة تضاهي قيمة البلاد التونسية بأسرها وأن احتلال فرنسا لتونس تم من أجل بنزرت". إذا  كان مضيق جبل طارق وقناة السويس هما بوابتا المتوسط فإن مضيق صقلية ومدينة بنزرت تحديدا هي قلبه النابض الرابط بين الشطرين الشرقي والغربي، لذلك احتلت تونس في عصر ما من أجل بنزرت (6)

2-وزير الدفاع ألأمريكي في تونس. الدوافع ودلالات التوقيت:

في الوقت الذي زار فيه وزير الخارجية ألأمريكي بومبيو  اليونان في 28 سبتمبر عام 2020م، في ظل تصاعد التوتر بين تركيا واليونان، وصرح في مؤتمر صحفي بقوله:" إن بلاده تعمل مع أثينا من أجل تطوير كتيبة الإسناد البحري ألأمريكي بما يساهم في التصدي للدور الروسي وأنشطة موسكو الخبيثة".  كما  صرح بومبيو في أثينا أيضا  بقوله:"إن روسيا تعمل على زعزعة الاستقرار وتصعيد الأوضاع في ليبيا".  نجد وزير الدفاع الأمريكي يبدأ جولة مغاربية من تونس، الاربعاء 30 سبتمبر لهذه السّنة 2020م وصل وزير الدفاع ألأمريكي مارك اسبر إلى تونس، والتقي الرئيس التونسي قيس سعيد، وأعلن وزير الدفاع الأمريكي مارك اسبر عن توقيع اتفاق للتعاون العسكري  لمدة عشر سنوات، مؤكدا على أهمية التقارب مع تونس كشريك من أجل مواجهة تأزم الوضع في ليبيا (7)

وقال اسبر:"مسرورون لتعميق التعاون من أجل مساعدة تونس على حماية موانئها وحدودها".كما اكد بقوله: "بأن  الهدف هو مواجهة المتطرفين والذين يمثلون تهديدا، وأيضا منافسينا الاستراتجيين الصين وروسيا بسلوكهما السيئ".

وتعتبر واشنطن تونس حليفا مهما منذ عام 2015م دون أن تكون عضوا في حلف شمال الأطلسي وتقدم لها دعما مع تزايد الوضع تأزما في ليبيا. (8)

 

كما قال اسبر أيضا في خلال لقائه  بنظيره التونسي  إبراهيم البرتاجي: "إن هذا الاتفاق هو وثيقة خارطة طريق لدعم آفاق التعاون العسكري بين البلدين في مجال الدفاع، مشيرا إلى أن الهدف من هذا الاتفاق هو الرفع من جاهزية القوات المسلحة التونسية وتطوير قدراتها لمجابهة التهديدات".(9)

 

السؤال المهم الآن هو: ماذا وراء هذه الزيارة، وفي هذا التوقيت بالذات؟. ما هي دوافع الأمريكيين الحقيقية ؟ يبدو بأن الأمريكيين يريدون إن تكون تونس نقطة ارتكاز رئيسية  في تعاطيهم مع الأزمة الليبية  نظرا لقرب تونس الجغرافي من ليبيا، قبل أيام قليلة من زيارة وزير الدفاع ألأمريكي إلى تونس ظهرت  مؤشرات تؤكد على تغير في الموقف ألأمريكي  تجاه التواجد الروسي في ليبيا، في مدينة سوكنة بمنطقة الجفرة وسط ليبيا  سقطت طائرة روسية على متنها عناصر من مرتزقة الفاغنر، وغرّد وزير الخارجية الأمريكي بومبيو في 23 سبتمبر عام 2020م قائلا:" استهدفت الولايات المتحدة شبكة مرتبطة بالعميل الروسي يفغيني بريغوزين تعمل على تعزيز النفوذ الروسي الخبيث في جمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا". استهداف طائرة روسية يعتبر  موقف أمريكي عملي على ألأرض ضد الروس في ليبيا ، موقف جاء بعد عدة تصريحات للمسؤولين الأمريكيين تفضح الدور الروسي في ليبيا وتندد به.(10)

لذا تأتي زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى تونس في توقيت هام جدا ، خاصة في ظل لقاءات الفرقاء السياسيين الليبيين في بوزنيقة بالمغرب وجنيف ومصر، والزخم الكبير للازمة الليبية في الأوساط الدولية. كما أن توقيع الاتفاقية العسكرية الأمريكية التونسية، وان كانت تخص علاقة البلدين ورغبة الأمريكيين في دعم قدرات الجيش التونسي، وأيضا لدوافع إستراتيجية أخرى تخدم مصالح الولايات المتحدة ألأمريكية في المنطقة والتي من أهمها ألأمن المتوسطي كما اشرنا، إلا أنها  قد تكون أيضا  مؤشرا على سيناريو  فشل الحل السياسي في ليبيا، وان الحرب سوف تشتعل مجددا، واحد أهم أسباب ذلك تواجد الروس في سرت والجفرة والحقول النفطية، ورفضهم للمقترح ألأمريكي بجعل سرت والجفرة والحقول النفطية مناطق منزوعة السلاح، ورحيل كل المرتزقة والقوات الأجنبية عنها .

ولكي نفهم أكثر دوافع وأهداف الخطوة ألأمريكية في توقيع اتفاقية عسكرية مع تونس ، فإننا بحاجة إلى أن نستعرض ما تقوله الصحف ألأوروبية باعتبار أن بعض الصحف   قريبة من دوائر صنع القرار، وتعرف الكثير من الخفايا.كما أنها تنشر أراء وتصريحات لمختصين وخبراء يمكن البناء على تحليلاتهم.

في يونيو عام 2020م ، نشرت صحيفة  أتلايار الإسبانية تقريرا تحدثت فيه عن الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها عن طريق نشر قوات عسكرية في تونس، وقالت الصحيفة في التقرير:" إن وحدة القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا أعربت عن نيتها إرسال قوات عسكرية أمريكية إلى تونس، بهدف تدخل محتمل في ليبيا مواز للتواجد الروسي في هذه المنطقة الواقعة في شمال إفريقيا. بطبيعة الحال، لا يروق للولايات المتحدة هذا الأمر على جميع المستويات".(11)
وأشارت الصحيفة بالقول: "إن الوجود الروسي في الأراضي الليبية بات أمرا معروفا للجميع، حيث يدعم الكرملين قوات اللواء المتقاعد حفتر، الذي يحاول القضاء على نواة المقاومة الأخيرة لخصومه في حكومة الوفاق الوطني في العاصمة طرابلس".(12)

إن رغبة الأمريكيين في التعاون العسكري مع تونس لم تكن جديدة ، ولم تطرح أول مرة في  أثناء زيارة وزير الدفاع ألأمريكي إلى تونس في 30 سبتمبر عام 2020م  فقط ، بل هي امتداد لما تم الاتفاق عليه ما بين الرئيس التونسي الراحل  الباجي قائد السبسي والرئيس الأمريكي اوباما، ففي عام 2015م زار الباجي  قائد السبسي واشنطن والتقى الرئيس اوباما، وفي أثناء اللقاء قال  أوباما:" إنه يعتزم رفع مكانة تونس لتكون  حليفا رئيسياً  غير عضو في حلف ألأطلسي  اعترافا بالتقدم الديمقراطي الذي حققته منذ بدء الانتفاضة في عام 2011م الذي أنهى عقوداً  من الدكتاتورية".  وأضاف اوباما بقوله: "إن التعاون مع البلد الذي بدأ فيه الربيع العربي مهم لتحقيق الاستقرار في المنطقة في ظل الفوضى التي تعم ليبيا المجاورة". وتعهد أوباما خلال اللقاء على تقديم دعم اقتصادي وأمني لتونس،  كما  قال جوش ارنست المتحدث باسم البيت الأبيض: "إن القرار يعكس أكثر من 200 عام من العلاقات الدبلوماسية القوية بين البلدين والتعاون الأمني في مكافحة الإرهاب وأمن الحدود وإنفاذ القانون و الأمور الاستخباراتية".(13)

في 29 مايو عام 2020م أيضا  أعلنت  القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا أفريكوم  بان  الولايات المتحدة تدرس إرسال لواء للمساعدة الأمنية إلى تونس بغرض التدريب في إطار برنامج للمساعدة العسكرية، وسط مخاوف بشأن النشاط الروسي في ليبيا. وأضافت افريكوم  في بيان أصدرته :"مع استمرار روسيا في تأجيج لهيب الصراع الليبي، فإن القلق يزداد بشأن الأمن الإقليمي في شمال إفريقيا،  نحن ندرس مع تونس طرقاً جديدة لمواجهة القلق الأمني المشترك ويشمل ذلك استخدام لوائنا للمساعدة الأمنية". ثم  أكدت افريكوم  لاحقا بأنها  ستكتفي بإرسال وحدة تدريب إلى تونس، ولن تكون لها خطط لمهام قتالية، فيما قالت السفارة الأمريكية في تونس في بيان أصدرته: "إن القوات التي تعتزم الولايات المتحدة نشرها في تونس  ليست عسكرية مقاتلة، وإنما قوات مساعدة أمنية للتدريب".(14)
وأضافت السفارة في بيانها : " للتوضيح، قوات المساعدة الأمنية التي ذكرتها أفريكوم، في بيانها الصحافي الصادر بتاريخ 29 مايو، يشير إلى وحدة تدريب صغيرة، وهي جزء من برنامج المساعدة العسكرية، وليس المقصود بها بأي حال من الأحوال قوات عسكرية مقاتلة، ان التعاون العسكري وسبل تدعيمه كان محور مكالمة هاتفية جرت بين وزير الدفاع التونسي عماد الحزقي وقائد أفريكوم الجنرال ستيفن تاونسند، وأن الطرفين ناقشا خلال المكالمة فرص التدريب القادمة، وجددا تأكيد الشراكة الأمريكية التونسية القوية، وأهمية تحسين الأمن في شمال إفريقيا، مع استمرار العنف في ليبيا، والحاجة إلى ضمان أمن إقليمي أوسع".(15)

2-الاتفاقية ألأمريكية التونسية وانعكاساتها على المشهد السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني في تونس.

لا شك بان الاتفاقية بين الولايات المتحدة الأمريكية وتونس ذات أهمية ولها انعكاسات على المشهد التونسي سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا. خاصة في ظل الصراعات السياسية التي تشهدها البلاد، وأزمة الاقتصاد التونسي. هذه الانعكاسات على المشهد التونسي  هي التي ستحدد نوايا ألأمريكيين الحقيقية من وراء توقيع هذه الاتفاقية. لذا من المهم أن نشخص المشهد التونسي، ونراقب لاحقا ماذا سيفعل الأمريكيون، أو ماذا سيقدمون لتونس من دعم ومساعدات. وما الذي ستجنيه تونس من مكاسب؟. 

ا-المشهد السياسي:

المشهد السياسي في تونس يمكن وصفه بالمضطرب، وإن تونس تعيش مخاضا عسيرا، هنا ينبغي التأكيد على حاجتنا لفهم مدى انعكاسات الاتفاقية الأمريكية التونسية على الاستقرار السياسي في تونس، والاستقرار السياسي هو ما تحتاجه تونس اليوم لنجاح تجربتها الديمقراطية الوليدة،  ولمنع انهيار الدولة وحماية تونس من سيناريوهات مظلمة.

1-الاستقرار السياسي.

تونس ما بعد الثورة شهدت ولا تزال تشهد مخاض عسير بما يشبه الحرب الباردة، وان كانت أفضل حالا من ليبيا التي يعلو فيها صوت المدافع والرصاص. تشهد تونس صراع ما بين قوى الثورة، وقوى الثورة المضادة، وهو صراع تدخلت فيه أطراف خارجية دولية وإقليمية، في ظل الصراع بين القوى السياسية في تونس يتغير اللاعبين في المشهد السياسي، تنهار أحزاب وتولد أحزاب جديدة، والنظام السياسي لتونس ما بعد الثورة في إطار التشكل.

كانت  فترة حكم الترويكا فترة  توافق واستقرار سياسي. إلا أن  وفاة الباجي قائد السبسي قبل الوقت المحدد للانتخابات كان  بداية لمرحلة حرجة في تونس ، جرت الانتخابات وفاز فيها قيس سعيد ، اتضح لاحقا بان تونس دخلت في مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والصراعات القوية في المشهد السياسي التونسي، لم يدم طويلا الود ما بين قيس سعيد القادم الجديد إلى قصر قرطاج وحركة النهضة ابرز قوى الثورة التونسية.

تحركت النائبة عبير موسى في البرلمان التونسي ، وقامت بكثير من أعمال الشغب والتعطيل لجلسات البرلمان، والهدف هو إسقاط راشد الغنوشي وحركة النهضة. وظهرت تصريحات للنخب التونسية تطالب بحل البرلمان ، واتخذ البعض مواقف متشددة تنذر بحرب أهلية وحمام دم. تونس على صفيح ساخن هذا هو الوصف الحقيقي لما يجري في تونس .

 

سقطت حكومة الياس الفخفاخ، وتم انتخاب هشام المشيشي في 2 سبتمبر عام 2020م. السؤال هنا.. هل هذه الاتفاقية ألأمريكية التونسية سيكون لها تاثير على المشهد السياسي التونسي، وتدفع باتجاه الاستقرار السياسي؟. أم أن الأمريكيين سيغضون الطرف عن صراعات القوى السياسية في تونس؟ ويكتفون بالتركيز على أهدافهم العسكرية والأمنية ومراقبة الصراعات السياسية  بدون أي تدخلات وضغط لفرض التوافق والاستقرار؟.

2-تمدد الإمارات وأطماعها في تونس:

لم يكن خافيا دور الإمارات في تأجيج الصراع السياسي في تونس، في محاولة لضرب قوى الثورة والإجهاز على الديمقراطية الوليدة. كما أن موقع تونس الاستراتيجي وقربها من ليبيا يعتبر مهم جدا بالنسبة للأمارات التي تتدخل عسكريا في ليبيا ، وترسل المقاتلين والأسلحة إلى حليفها حفتر، ولأهمية تونس بالنسبة للأمارات فقد زراها وزير الخارجية ألأماراتي عبد الله بن زائد في يناير عام 2020م، لذا من المهم أن نتساءل.. هل ستكون الاتفاقية ألأمريكية التونسية بداية لانحسار الدور التخريبي للأمارات في تونس؟ هل سيقوم ألأمريكيون بمنع الإمارات من التدخل في تونس؟ أم أنهم سيتركون الإمارات تفعل ما تشاء وتستمر في العبث بأمن تونس وضرب الديمقراطية الوليدة؟

3-صراع المحاور:

فرضت الحرب الدائرة في ليبيا والتي تتداخل فيها أطراف دولية وإقليمية على تونس بحكم موقعها وقربها الجغرافي أن تكون في قلب صراع المحاور، كل القوى تريد أن يكون لها موطئ قدم وقاعدة ارتكاز في تونس. لهذا رأينا كيف تدخلت الإمارات بقوة في تونس لمواجهة أي تمدد تركي في المنطقة يمكن أن يشكل خطرا على فرص حليفها حفتر في حسم المعركة في غرب ليبيا، خاصة في ظل عدوان حفتر على طرابلس وسيطرته على قاعدة الوطية الإستراتيجية القريبة من حدود تونس، الآن بعد توقيع الاتفاقية الأمريكية التونسية للتعاون العسكري مؤكدا بأن صراع المحاور على الساحة التونسية سيكون من العيار الثقيل، وسوف تزداد أهمية تونس بالنسبة إلى الروس أيضا، لن تقتصر لعبة صراع المحاور على الأرض التونسية على لاعبين إقليميين فقط، أو صراع تركي إماراتي، بل ألان الصراع هو صراع الكبار.

لا شك بأن ما قالته الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في ابريل عام 2020م  يعبر بوضوح عن أهمية تونس بالنسبة لروسيا، فقد قالت ماريا زاخاروفا: "إن تونس تعد اليوم أحد أهم شركاء روسيا في منطقة شمال إفريقيا". وأضافت بالقول: "أن البلدين يعملان على مزيد تطوير العلاقات الثنائية بينهما بخطى ثابتة، مشيرة إلى توسع هذه العلاقات بين الجامعات الروسية والتونسية، فضلا عن التبادل الثقافي المشترك. وتابعت أن المحطات السياحية التونسية كانت ولازالت الوجهة المفضلة للسياح الروس". وأشارت زاخاروفا إلى أن العلاقات الاقتصادية والتجارية قد حققت تطورا ملحوظا، وذكرت بأن المبادلات التجارية الثنائية بلغت في عام 2019م في حدود 630 مليون دولار.(16)

ب- المشهد الاقتصادي.

منذ نجاح الثورة على نظام بن علي في عام 2011م، ونتيجة للصراعات السياسية، وضربات الإرهاب الموجعة، ثم تفشي وباء كورونا. أصبح الاقتصاد التونسي يعاني من أزمة حقيقية.

1-أزمة الاقتصاد التونسي:

أظهرت مؤشرات رسمية بأن نمو اقتصاد تونس تباطأ خلال الربع الأول من 2015 إلى 1,7 % وهو أسوأ معدل منذ ثلاث أعوام، بينما كان معدل النمو في  الربع الأخير من عام 2014م عند 2,3 %، وأعلنت الحكومة التونسية عن ارتفاع نسبة الدين الخارجي بنحو 62%  خلال الفترة المتراوحة ما بين عامي 2011م و 2016م ، في فبراير عام  2018م حذّر  اقتصاديون ووزراء مالية سابقون من عواقب وخيمة تهدد الاقتصاد التونسي  نتيجة  الانخفاض الحاد في مخزون العملة الصعبة الذي وصل  إلى مستويات حرجة للمرة الأولى منذ 15 عاما،  وجاء في  بيانات البنك المركزي التونسي:" أن احتياطي العملة الأجنبية بلغ 11,868 مليار دينار "خمسة مليارات دولار" في السادس من فبراير عام 2018م، وهي لا تكفي  سوى لتوريد 84 يوما من احتياجات البلاد، ولم يختلف وضع الاقتصاد التونسي كثيرا في عام 2020م عن الأعوام التي سبقته، ففي ابريل عام 2020م  كشف وزير المالية آنذاك عن صعوبات متعددة ومتنوعة تواجه الاقتصاد التونسي في الوقت الحالي، ومصاعب عدة ستبرز خلال فترة قصيرة في ظل الركود الذي طبع الأشهر الأخيرة، ما أدى إلى ضعف حجم الصادرات وتراجع موارد الدولة ونقص السيولة المالية. وأكد أن الوضع الاقتصادي الحالي في تونس صعب جداً، ويتطلب الجرأة وتغيير المسار، وتكاتف كل الجهود والابتعاد عن كل التجاذبات السياسية.

وأفاد الوزير بأن أغلب المؤسسات العمومية تشهد عجزاً مالياً منذ سنوات، وقد زاد الآن وضع عدد منها تعقيداً إثر توقف الأنشطة الاقتصادية وصعوبة العودة إلى النشاط العادي في عدد من القطاعات على غرار القطاع السياحي وقطاع النقل بأصنافه خصوصاً الجوي والبحري. وسيخلف هذا الوضع المعقد فقدان ما لا يقل عن 200 ألف موطن شغل، ما يجعل نسبة البطالة تعرف ارتفاعاً حاداً، إذ قد تقفز من 15 حالياً إلى 25% بعد الأزمة، وهو ما سيولد عائقاً جديداً للنمو والانتعاش الاقتصادي (20)

وزاد وضع الاقتصاد التونسي سوء مع  تفشي جائحة كورونا وأثارها القاسية على الاقتصاد والمجتمع التونسي. في دراسة  تم إنجازها بالشراكة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "PNUD" بتونس ووزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، حول  تأثيرات جائحة كوفيد 19 على الاقتصاد التونسي في عام 2020م.(21)." فإن وباء كوفيد-19 سيؤدي في عام 2020م إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة -4,4 %، وانخفاض بنسبة -4,9 % في إجمالي الاستثمار، و -8% للاستهلاك الأسري والصادرات، مع انخفاض متوقع في الواردات بنحو -9.6٪. بالإضافة إلى ذلك فإن الحجر الصحي وانخفاض الإنتاج يؤديان إلى زيادة في معدل البطالة بـ 21,6% مقارنة بـ 15% حاليًا، أي ما يقارب 274،500 عاطل جديد في عام 2020م، ومن المتوقع أن يرتفع معدل الفقر المالي إلى 19,2% مقابل 15,2% حاليًا. مما سيؤدي إلى انخفاض مستوى دخل حوالي 475,000 فرد ووضعهم تحت خط الفقر. وتُظهر عمليات المحاكاة التي تم إجراؤها في هذه الدراسة أن جائحة كوفيد-19 ستزيد من الهشاشة المالية لبعض القطاعات والنشاطات على غرار قطاع الصناعة "-29% من حجم الأعمال"، وقطاع السياحة "-23%من حجم الأعمال"، وقطاع النقل"-19,6% من حجم الأعمال"، وقطاع النسيج "-17,7%من حجم الأعمال" .(22)

ج- المشهد العسكري والأمني:

يبدو من تصريحات وزير الدفاع الأمريكي في أثناء زيارته إلى تونس مدى اهتمام ألأمريكيين بالملف العسكري والأمني، دعم عسكري كبير تقدمه الولايات المتحدة ألأمريكية لتونس، وأعلن ألأمريكيون عن نيتهم مواجهة خطر الإرهاب وتنظيم داعش، وتامين حدود تونس المهددة من تطورات الصراع والحرب في ليبيا. يمكن القول بان التعاون ألأمريكي التونسي في المجال العسكري والأمني واضح جدا، وبالتالي فان توقيع هذه الاتفاقية سوف يزيد من مستوى هذا التعاون. 

1-أسلحة ومساعدات مالية:

منذ عام  2011م  قدمت واشنطن أكثر من مليار دولار لدعم الجيش التونسي، وفق بيان أصدرته أفريكوم. في يناير عام 2015م تسلمت القوات الجوية التونسية  طائرة نقل عسكرية من نوع "سي 130 جيه. في يناير عام 2017م تسلمت تونس   دفعة من مجموعة من 26 زورقا حربيا سريعا.

وفي أغسطس عام  2017م  تسلمت تونس أربع مروحيات بلاك هوك من مجموع 8 طلبتها في عام 2015م.

في مارس عام  2019م وصلت إلى تونس سفينة البحرية الأمريكية "يو إس إس أرلينجتون" وطاقمها المؤلّف من 1063 فردا، والتقى ضباط من البحرية التونسية بربّان السفينة وبقيادتها وهذا يعتبر دليل على تعاون عسكري وثيق.(23)

2-محاربة الإرهاب وخطر تنظيم داعش.

كثيرة هي ضربات ألإرهاب التي استهدفت تونس، في باردو في مارس عام 2015م ، ثم سوسة في يونيو عام 2015م، وفي قلب تونس العاصمة نفسها في  شارع الحبيب وقتل قوات من الحرس الرئاسي في نوفمبر عام 2015م، ثم العملية الإرهابية  يوم الخميس 3 يناير عام  2019م في مدينة سيدي بوزيد حيث فجر إرهابيان نفسيهما، بالإضافة إلى اغتيال شخصيات سياسية بارزة كما حدث في أثناء اغتيال شكري بلعيد في فبراير عام 2013م، ومحمد البراهمي في يوليو عام 2013م . كما شاهدنا حالات اشتباك كثيرة بين الجيش التونسي والعناصر ألإرهابية في جبل الشعانبي، كان من الواضح بان ضربات ألإرهاب تهدف إلى ضرب الاستقرار في تونس ، وضرب قطاع السياحة ومناخ ألإعمال والاستثمارات لدفع الاقتصاد التونسي إلى أزمة خانقة، كل ذلك من اجل منع الانتقال الديمقراطي والإجهاز على الديمقراطية الوليدة.

3-الاتفاقية الأمريكية التونسية وردود ألأفعال:

ما يهمنا في ردود ألأفعال عن زيارة وزير الدفاع ألأمريكي مارك اسبر إلى تونس، وتوقيع اتفاقية عسكرية لمدة 10 أعوام هو ردود أفعال وموقف قوى الثورة التونسية ، وأيضا موقف ألأتراك، وموقف جيران تونس  ليبيا والجزائر.

قوى الثورة التونسية.

يقول المحلل السياسي مهدي ثابت:" بأن توقيع الاتفاقية العسكرية بين الولايات المتحدة وتونس سوف تحد من النفوذ الفرنسي في تونس، وان ذلك يصب في مصلحة تونس لإحداث التوازن أمام النفوذ الفرنسي القوي. خصوصا وان فرنسا لم تكن متحمسة للانتقال الديمقراطي في تونس وترى فيه بشكل أو بآخر خطرا على مصالحها ألإستراتيجية بعكس الولايات المتحدة التي لم تبدي موقفا سلبيا من الثورة، كما أن فرنسا متورطة في تأجيج  الحرب في ليبيا لأنها تدعم مشروع حفتر وهو مشروع له تأثير وتداعيات على امن واقتصاد تونس". وقال مهدي ثابت: "إن الخطوة ألأمريكية وتوقيع الاتفاقية العكسرية مع تونس ستكون داعمة للدور التركي في ليبيا، وان ألأمريكيين وهم يعززون مواقعهم في تونس مصممون على مواجهة التمدد الروسي في ليبيا وهو خطير جدا، بل أخطر من الدور الفرنسي ".

ب-تركيا.

أما بالنسبة إلى تركيا، فلم نلاحظ وجود أي تعليق لمسؤول تركي عن هذه الخطوة ألأمريكية باتجاه تونس، لذا من الصعب الآن التكهن بموقف تركيا من توقيع الاتفاقية العسكرية بين الولايات المتحدة ألأمريكية وتونس. من الملاحظ أيضا بأن  تونس قد عزّزت  مؤخرا علاقاتها مع تركيا في القضايا الدفاعية. في هذا الإطار، تحدث موقع البوابة الإلكترونية "دوفونس. كوم" في نهاية  أبريل عن بيع شركة أسلسان التركية عددا كبيرا من أنظمة محمولة لتشويش التردد إلى تونس. كما يمكن تركيب هذه الأنظمة في مركبات نقل القوات للحماية من الهجمات. في الأشهر الأخيرة، أصبحت الدولة التركية من أهم الموردين لتونس، وهو أمر لا يروق لبعض بلدان البحر الأبيض المتوسط مثل فرنسا أو اليونان.
وأكّد موقع "أفريكا إنتلجنس" أفاد في شهر  فبراير عام 2020م  بأن الجيش التونسي كان يخطط لبدء تشغيل طائرات دون طيار مسلحة من صناعة الشركة التركية لصناعات الفضاء. وفقًا لهذه المعلومات، وقعت الدولة التركية أول عقد تصدير للطائرة دون طيار من طراز "تي إيه أي أنكا" في  يناير عام 2020م (24)

يقول الباحث  والمحلل السياسي التركي  علي باكير مستعرضا موقف تركيا من  الاتفاقية ألأمريكية التونسية، يقول: "إذا كان هدف ألأمريكيين من هذه الاتفاقية كما أعلنه وزير الدفاع ألأمريكي وهو مواجهة التمدد الروسي في ليبيا، وتمدد الروس والصين في أفريقيا، فان تركيا ترحب بذلك ولن يكون لها موقف رافض لهذه الاتفاقية، أما في المستقبل خاصة إذا تغيرت الأهداف ألأمريكية أو اتضحت أجندات أخرى فان الموقف التركي سيكون مختلفا".

ج- ليبيا.

لم يصدر عن المسؤولين الليبيين في حكومة الوفاق أي ردود أفعال أو تصريحات عن زيارة وزير الدفاع ألأمريكي إلى تونس، وتوقيع اتفاقية عسكرية لمدة 10 أعوام رغم أن الحدث مهم جدا وله علاقة بالأزمة في ليبيا. ناهيك عن الجوار  والحدود المشتركة بين ليبيا وتونس التي تبلغ أكثر من  500 كم.

يرى الباحث والمحلل السياسي الليبي الدكتور محمد إسماعيل: "بأن زيارة وزير الدفاع ألأمريكي إلى تونس، والخطوة ألأمريكية بتوقيع اتفاقية عسكرية بين الولايات المتحدة ألأمريكية وتونس جاءت متأخرة وهي محاولة للحاق بما يجري من متغيرات، السياسة ألأمريكية تغيرت كثيرا في عهد الرئيس ترامب الذي ركز على الشأن  الداخلي ومصالح أمريكا أولا وعلى جلب قدر كبير من  الأموال وخلق الوظائف للاقتصاد ألأمريكي ، ولعل التجربة من خلال الزيارات الأمريكية الخليجية دليل على ذلك، ابتعاد أمريكا عن كثير من هذه الملفات العالمية  والنأي بالنفس  شكل فراغات تمدد فيها الروس والفرنسيون، تفطنت أمريكا في نهاية ألأمر  ودعمت  تركيا، وأرسلت  رسالة إلى ألأوروبيين بقيادة فرنسا التي صرحت بأنها تريد  أن تؤسس جيش أوروبي، خطوة وزير الدفاع خطوة مؤسساتية بعيدة قليلا  عن البيت الأبيض، وسوف تؤدي إلى وصول الديمقراطيين إلى البيت ألأبيض لمواجهة التمدد الروسي والصيني والفرنسي والعودة إلى دور أمريكا السابق".

د- الجزائر.

بالنسبة للجزائر، في عام 2015م عندما زار الباجي قائد السبسي الولايات المتحدة ألأمريكية والتقى بالرئيس اوباما، وأعلن عن منح تونس صفة حليف غير عضو في الناتو  كان للجزائر موقف رافض لذلك، خشية تمدد الناتو قرب حدودها وتهديد أمنها القومي .

لم يغفل الأمريكيون عن أهمية الجزائر، بعد تونس وصل وزير الدفاع الأمريكي مارك اسبر إلى الجزائر يوم الخميس 1 أكتوبر عام 2020م وهي الأولى لوزير دفاع أمريكي منذ حوالي 15 عاما. والتقى الوزير الأمريكي مع الرئيس عبد المجيد تبون، حيث تباحث الطرفان الوضع في ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي.

وقال بيان للرئاسة الجزائرية: "بان الطرفين قد بحثا تطورات الوضع في ليبيا والساحل الأفريقي، واتفقا على ضرورة متابعة التشاور والتنسيق من أجل توطيد أركان الأمن والسلم في المنطقة". وهذه أول زيارة لوزير دفاع أمريكي للجزائر منذ زيارة دونالد رامسفيلد عام 2006م ، وقال دبلوماسي غربي في الجزائر مطلع على الأمر لرويترز :"مارك أسبر يريد مناقشة الدور المحتمل للجيش الجزائري في المنطقة بمجرد إقرار الدستور الجديد، لأنه يسمح بعمليات لحفظ السلام في الخارج"(25)

 

يقول محمد دواجي المحلل السياسي الجزائري: "بأن المنطقة تشهد إنزال عسكري ودبلوماسي للدول الكبرى، وان توقيع الاتفاقية العسكرية بين الولايات المتحدة ألأمريكية وتونس  الهدف منها مواجهة التمدد الروسي في ليبيا ، وأيضا مواجهة التمدد الروسي الصيني في أفريقيا، كما أن الخطوة ألأمريكية لها علاقة بالصراعات والتوتر في شرق البحر المتوسط ، الولايات المتحدة وهي تعزز تواجدها في تونس تريد أن تضمن امن منطقة البحر المتوسط، وأيضا مواجهة التحديات في منطقة الساحل ألأفريقي".

يتضح مما سبق بأن لزيارة وزير الدفاع ألأمريكي إلى الجزائر أهمية كبيرة خاصة في ظل ألأوضاع التي تشهدها ليبيا ، والتغلغل الروسي في ليبيا ، وإذا ما دققنا في تصريحات وزير الدفاع ألأمريكي مارك اسبر والتي تبين رغبة الولايات المتحدة ألأمريكية في مواجهة الروس في ليبيا، فان الأمريكيين لن يكتفوا بترسيخ  مواقعهم وتواجدهم في تونس فقط، بل هناك مكانة ودور للجزائر في ألإستراتيجية ألأمريكية، في مقالة نشرت في صحيفة  يو أس نيوز  الأمريكية جاء فيها:"أن تعويل الدول الغربية على الغاز الجزائري كبديل عن الروسي الذي يمكن أن تستعمله موسكو كورقة ضغط لابتزاز الدول الغربية حول الأزمة الأوكرانية  يحمل الكثير من المخاطر على الأمن الطاقوي لهذه الدول نظرا إلى متانة العلاقات الروسية الجزائرية  التي يمكن أن تكون أساسا لتحالف بين الجانبين في فرض ندرة طاقوية على أوروبا". وأضافت  الصحيفة بالقول:"أن هناك بوادر حصول نفس التقارب المماثل للذي كان خلال الحرب الباردة  أيام  كانت الجزائر قريبة جدا من المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي ولا تزال مستمرة إلى غاية اليوم مستدلة بالواردات الجزائرية من السلاح الروسي التي قاربت 91%  خلال الفترة الممتدة من 2003م إلى 2012م  وبقيمة بلغت 54 مليار دولار حسب أرقام معهد ستوكهولم للسلام الذي أكد أن الجزائر هي ثالث مستهلك للأسلحة الروسية بعد كل من الصين والهند".(26)

يعلم الأمريكيون جيدا أن وراء حدود ليبيا والجزائر في منطقة الساحل ألأفريقي هناك تمدد للنفوذ الروسي ، وهو يمثل تهديد للمصالح الأمريكية. في أكتوبر عام 2019م قال فاسيلي ألكسيفيتش نيبينزيا، مندوب روسيا الدائم في الأمم المتحدة، قال : " خلال السنوات الأخيرة، تبنَّت روسيا استراتيجية نشطة في أفريقيا، أرست بموجبها وجودًا عسكريًّا  محدودًا أو سريًّا في العديد من بلدان القارة، ومن بينها دول الساحل الأفريقي المتحالفة مع فرنسا". (27)

وقد اتجهت روسيا إلى انتهاج سياسة التغلغل في المنطقة عبر توقيع الاتفاقيات العسكرية والأمنية مع بعض دول الساحل ألأفريقي، واستغلال ذريعة مكافحة ألإرهاب كما تفعل الدول ألأوروبية.

وقعت مالي وروسيا اتفاقية تعاون عسكري في عام 2020م  تنص على تدريب المتخصصين العسكريين إلى جانب دعم عمليات حفظ السلام في الحرب على الإرهاب، وصرح وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو بأن روسيا مستعدة للمساهمة في تعزيز الوضع الأمني ​​في مالي. (28)

 

كما وقعت روسيا أيضا  اتفاق  للتعاون العسكري مع بوركينا فاسو  في عام 2018م، حيث تقدم موسكو وفق الاتفاق تدريبات في العديد من المجالات الأخرى، ويحصل الآلاف من طلاب بوركينا فاسو على التعليم العالي في روسيا، كما تم توقيع  اتفاقيات  في مجالات الزراعة، والاقتصاد، والتعليم.(29)

في النيجر تعمل روسيا على توسيع مصالحها التعدينية، إذ يبدو أن شركة   Rosatom الروسية تسعى إلى الحصول على نصيب من كعكة استخراج اليورانيوم. وتعاونت روسيا والنيجر عن كثب في عدد من المشروعات الأخرى، بما في ذلك بناء خط أنابيب للنفط والسكك الحديدية، وبيع  12 طائرة هليكوبتر مقاتلة من طراز Mi-35 . (30)

الخاتمة:

إن الاختبار الحقيقي لنوايا الأمريكيين ومدى استفادة تونس من توقيع هذه الاتفاقية العسكرية سيكون في دعم ألأمريكيين للاستقرار السياسي، وتوجيه رسائل  واضحة إلى الذين يعرقلون الانتقال الديمقراطي، وأيضا في منع ألأمارات من العبث بأمن واستقرار تونس، بالإضافة إلى تقديم دعم اقتصادي حقيقي يساعد تونس على حل أزمتها الاقتصادية وتجاوز تأثيرات ضربات ألإرهاب والصراعات السياسية وجائحة كورونا ، أما إذا ظل الأمريكيون في موقف المتفرج مما يجري في تونس بدون فرض الاستقرار، فهذا يعني بأنهم سوف يتبعون أسلوب القيادة من الخلف، وسيظل المشهد السياسي في تونس في مخاض عسير ، وصراعات محتدمة. وسيستمر الإماراتيون في العبث بأمن تونس أمام أعين الأمريكيين، بل سيتعبرون صمتهم بمثابة الضوء ألأخضر، حينها سنقول بأن الأمريكيين قد جاؤوا إلى تونس من أجل ترويض قوى الثورة، ومنع ألأتراك من تشكيل حلف عربي من الدول المغاربية  لدعم دورهم في ليبيا، ودعم قوى الثورة الليبية. ولقد رأينا ماذا فعل ألأمريكيون بعد توقيع الاتفاقية الليبية التركية في نوفمبر عام 2019م،  فقد قاموا برفع حظر التسلح المفروض على قبرص اليونانية منذ عام 1987م، واتجهوا لتوقيع عقود للتسلح مع اليونان، وإعادة فتح قواعد عسكرية. بل يجري الحديث ألان عن إقامة قاعدة أمريكية جديدة في جزيرة كريت

محمد عمران كشادة (باحث بمركز الدراسات ألإستراتيجية والدبلوماسية)

 

الهوامش.

 

  1. موقع الباحثين السياسيين العرب.
  2. موقع الباحثين السياسيين العرب.
  3. موقع الباحثين السياسيين العرب.
  4. موقع الباحثين السياسيين العرب.
  5. صحيفة القدس العربي.
  6. صحيفة القدس العربي.
  7. موقع سبوتنك الروسية.
  8. موقع سبوتنك الروسية.
  9. موقع سبوتنك الروسية.
  10. موقع سبوتنك الروسية.
  11. موقع عربي 21.
  12. موقع عربي 21.
  13. موقع العراق نت.
  14. صحيفة القدس العربي.
  15. صحيفة القدس العربي.
  16. موقع راديو جوهرة اف ام / تونس.
  17. محمد عمران كشادة الارهاب يضرب تونس، هل ستصمد الديمقراطية الوليدة. صحيفة صوت العرب .
  18. محمد عمران كشادة الارهاب يضرب تونس، هل ستصمد الديمقراطية الوليدة. صحيفة صوت العرب.
  19. محمد عمران كشادة الارهاب يضرب تونس، هل ستصمد الديمقراطية الوليدة. صحيفة صوت العرب.
  20. صحيفة الشرق الاوسط.
  21. موقع وزارة التنمية والاستثمار.
  22. موقع وزارة التنمية والاستثمار.
  23. موقع وكالة الاناضول.
  24. موقع عربي 21.
  25. موقع فرنسا 24.
  26. موقع تونيزياسات.
  27. موقع   sas  بوست.
  28. موقع   sas  بوست.
  29. موقع   sas  بوست.
  30. موقع   sas  بوست.
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك