القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الإرهاب : التفكير ضد النمط

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-08-14 10:46:00 | 146 مشاهدة

ملخص                                                   

التفكير النمطي في سؤال الإرهاب، يمكن اختصاره في العناوين التالية: الإرهاب هو القضية الأولى للعالم لا الاستبداد ولا الاستعمار ولا الفساد ولا غيرها، والإرهابي هو المسؤول الأول عن الإرهاب؛ إذ الإرهاب يصدر أساسا عن مرجعية إسلامية هي المسؤول الأكبر عن الإرهاب في العالم؛ وإن الإرهابي عنصر دخيل على وجودنا السياسي (السوي) وعلى المدنية المعاصرة جملة.

بالمقابل يحتوي المقال تفكيرا غير نمطي للإرهاب، دون أن نعفي الإرهاب والفقه الإسلامي من مسؤولية مؤكدة: فالإرهاب قضية لاحقة للاستبداد والاستعمار والفساد ونحوها؛ الإرهابي ضحية القهر المادي و"الحقرة" والتصحر الفكري قبل أن يكون المسؤول؛ الإرهاب ليس عنصرا دخيلا على وجودنا السياسي، المحرض بظلمه للميول الإرهابية ، ولا على المدنية المعاصرة التي عجزت عن احتواء مفهوم القوة داخل باحة العقل، فانفلتت القوة من خارج العقل على صورة "إرهاب". تماما كما أن العقلانية المعاصرة بروحها الوضعية زرعت الوعي السطحي بالمصالح وبالنصوص على السواء ووفرت بذلك شروط العنف والإرهاب.

مقدمة

ثمة توجه عالمي واضح، أكان ذلك مقصودا أو غير مقصود، نحو تعليق كل الفشل الذي للمدنية المعاصرة في الإرهاب وكسر النظر نهائيا عن ملفات الاستبداد والاستعمار والفساد. هذا السم الزعاف الذي تلقفته بلهفة الجهات الرسمية من قبل حفاظا على مصالحها، وهي تنعت المقاومة في غزة والضفة وفي لبنان بالإرهاب، شاع اليوم بشكل مخيف في أذهان الشعوب بمعارضاتها "الثورية"، وهي تحدثنا عن لعنة الإرهاب، ويزل في كل مرة لسانها بالحسرة على الأيام الخوالي للمستبدين. انتشر بالنتيجة نوع من التفكير النمطي المخيف، إذ لا تكاد تميز الصهيوني والأمريكي عن الروسي والنظام العربي عن الإيراني ورافعي راية المقاومة الموسومة أصلا بالإرهاب، لا تكاد تميز الواحد عن الآخر حينما يتحدثون عن الإرهاب، ويلخصون المشكل الكوني في هذه العبارة غير المكلفة تفكيرا ولا جهدا عضليا، "الإرهاب".إن ما يوسم بالتفكير غير النمطي بالمقابل هو التساؤل عما إذا كان الإرهاب هو فعلا كما نصفه على نطاق واسع، واضح المعالم أولا، وهو القضية الحق للوجود الإنساني ثانيا. نرتب هذا التفكير غير النمطي في مستويين:

مستوى الوجود السياسي والاجتماعي المنتج للإرهاب بواسطة أشكال الحيف المختلفة.

مستوى نموذج المعرفة ونمط العقلانية الحديث المنتج بمعاييره وفهمه للحياة، للإرهاب.

1 - الإرهاب والحيف السياسي والاجتماعي

أ - الإرهابي موضوع وضحية

يصب الجميع جام غضبهم على "الإرهابي". غير أنه من السهل أن نشكك بالمسؤولية المفردة للإرهابي عن الإرهاب. فإن لسان الحال للأسف الشديد، يبرئ المسمى إرهابيا من المسؤولية الأولى عن العنف الكوني. فالإرهابي، على ألسنة الجميع، وفي كل مرة يتعلق فيه الأمر بمعالجة سؤال الإرهاب، يعرف الإرهابي كالتالي:

- ضحية التهميش الاقتصادي ويأتي عادة من الأحياء الشعبية، أو هو ضحية القمع السياسي (التعذيب).

- إذا لم يكن ضحية التهميش المادي والقمع الأمني، وكان يحمل الفكر الإرهابي بنفسه، فإنه صنيعة السياسة التعليمية. هو لذلك يولد حيث التصحر الفكري، وهو من جديد ضحية الثقافة العدوانية.
- إذا لم يكن حتى ضحية للجدب الفكري، ولم يكن من قبل ضحية للقهر المادي، فإن الإرهابي يعرف كضحية للقهر النفسي، الذي يبدأ من الاحتقار الذي يجده الشاب والدونية التي يستشعرها مقابل الطبقات المتملكة، حتى مجرد فقدان الفضاء الملائم للتعبير عن "الرجوله" والحضور في عين الآخر، كما نجده مع الإرهابيين الوافدين من الازدهار الاقتصادي الأوروبي.

إذا تجاوزنا المفهوم المخابراتي لتصور الإرهابي واكتفينا بمفهوم الإرهابي الضحية للتهميش المادي والتصحر الفكري والقهر النفسي. لنتذكر جيدا الحوارات والتقارير والدراسات ذات الصلة، لنجيب عن السؤال التالي: هل ارتفع الإرهابي يوما عن مستوى الضحية كيفما قلبت المفهوم، ضحية لهذا القهر أو لذاك التوجيه؟ هل أكد تقرير من التقارير أو دراسة من الدراسات أن الإرهابي "سيد"maitre  على أفعاله، وصانع لذاته créateur de soi؟

إذا تقدمنا بالسؤال أكثر جهة المسؤول الحقيقي عن الشرور، فإنه سيكون ولا ريب ذاك الذي يختفي خلف القهر المادي والمعرفي والنفسي، والذي أنتج كل ذلك بيديه من غير موقع الضحية، بل من موقع الوعي والإرادة والمسؤولية، أعني المستبد والسارق والمتخلق بكل ألوان الكبر في الأرض. وعلى العكس من "الإرهابي الضحية"،  فهل سمعنا يوما بمستبد أو مستعمر يسمى "مسكينا"، "ضحية" للقهر المادي، وهو الذي لا يجرؤ أحد لدينا على إحصاء الثروات التي بيديه أو التي تحت سطوته؟ هل سمعنا به ضحية للسياسة التعليمية، وهو الذي صنعها بيديه، أكانت سياسة عالمية أو وطنية؟ هل سمعنا بمستبد أو بمستعمر يكون ضحية للقهر النفسي المسلط عليه، وهو الذي يحتقر الناس صباح مساء، وله مع كل طلعة بهية جديدة إبداع جديد في إذلال الشعوب؟

بمسميات لا نجد عمقها إلا في الفلسفة فإن الإرهابي "موضوع "objet، بينما المستبد تماما كما المستعمر أو الفاسد "ذات"sujet . الموضوع هو ما يوضع لفعل الذات التي تتحمل وحدها المسؤولية. والسؤال: أي عقل حصيف هذا الذي يحذرنا صباح مساء من الموضوعات وضحايا الإرهاب، وينسى أصحاب الذوات وسدنة الإرهاب؟

ب - الإرهاب نتيجة ويزداد بحجم العلة أو الإرهاب من الحدث إلى الظاهرة إلى الدولة:

يمكن أن ندرك بوضوح العلاقة الوطيدة للإرهاب بالاستبداد وبالاستعمار والفساد وغيرها، وكونه مجرد معلول لهذه الأخيرة، ولنقارن فقط على سبيل المثال وضع الإرهاب في تونس ووضعه في العراق وسوريا وليبيا. إنه من السهل أن نلاحظ الوضع العرضي للإرهاب في تونس، وكونه ليس أكثر من "حدث événement "، والوضع الأصلي له في سوريا والعراق، وكونه "ظاهرةphénomène " وليس فقط "حدثا عارضا"، بل وأيضا، في درجة عجيبة من تطوراته "دولةétat  (الدولة الإسلامية)". نذكر أن مفهوم "الظاهرة" يحمل من الثقل الكثير، كقولنا ظاهرة البطالة والفقر والفساد. بالمقابل فإن مفهوم "الحدث"، يشير إلى واقعة خفيفة الوزن. لكن ما المحدد لثقل أمر ما أو خفته؟

الذين يرسخون الوعي بالإرهاب كظاهرة يلجؤون إلى عنصر التكرارrépétition ، وقد ضرب الإرهاب فعلا كم مرة في تونس. لكن ما نود التنبيه إليه هو كون التكرار ليس المحدد الأساسي لمفهوم الظاهرة، تماما كما أن الندرة ليست المحدد لمفهوم الحدث، بل عناصر أخرى تتعلق بالعلة لا بالموضوع نفسه. فالحدث يحصل لعلة طارئة، حتى وإن كثر (مثل حوادث الطريق التي مهما تكررت، فهي حوادث accidents)، بينما الظاهرة تحدث لعلة ذات ديمومة حتى وإن ندرت (كما نتحدث عن ظاهرة الكسوف النادرة جدا أو الخسوف). الحدث باختصار لا يملك مقوما ذاتيا، بينما تمتلك الظاهرة مقوما ذاتيا.

يصبح السؤال إذن: هل يملك الإرهاب في تونس علة ذاتية لوجوده تنبع من طبيعة الشعب ومكوناته أم لا؟ والإجابة لدينا سالبة. أما تفسير ذلك فمنسوب الاستبداد الضعيف في تونس، ومساحة التعبير والممارسة الديمقراطية المتاحة واسعا بعد الثورة خاصة. ولنا أن نتساءل: لماذا يحتضن الشعب التونسي الجيش الوطني والأمن الوطني، ويجد الإرهابيون أنفسهم في عزلة وجودية ومفهومية ولا يصدق الناس أن الأمن والجيش "طاغوت"؟

بالمقابل ما الذي يجعل المعارضة السورية المدنية (من أبناء الجيش السوري الحر ومن السوريين الذين لا يعرفون معنى للإرهاب من الطلبة والأساتذة والأطباء والحقوقيين والمثقفين من إسلاميين وعلمانيين) تحمل السلاح في وجه النظام البعثي، بل وتضع يدها مع جبهة النصرة ذراع القاعدة الإرهابية، ويجد الإرهاب حاضنته الشعبية وحتى النخبوية؟ ألم يتحول الإرهاب في العراق من اللاشيء ليصبح أحداثا متواترة، ثم ظاهرة، ثم دولة ذات سلطة موحدة وعملة واحدة في الموصل، ورغم نهايتها، فإن التاريخ قد سجل ذلك لا محالة؟ من كان ينفخ في الإرهاب الروح تلو الروح غير الظلم المستحكم والاستبداد الذي أرسى قواعد دولة الإرهاب؟ من غير الطائفي المالكي في العراق بنى دولة للإرهاب (داعش) بعد أن عجز الأمريكان باحتلالهم كله عن الوصول بالإرهاب إلى أكثر من ظاهرة، ومن غير بشار البعثي في سوريا أبدع ألوان الإرهاب؟

ثم، وهو الأشد طرافة، أليس من العجيب أن يولد الإرهابي في تونس، ولا يجد في تونس الأرض التي يترعرع فيها بل في العراق وسوريا؟ هل من الصدفة أن يولد الإرهاب كدولة (وهي أرقى درجات تطور الإرهاب: حدث، ظاهرة، ثم دولة) في سياق أعتى الديكتاتوريات العربية وبعض أعتى الديكتاتوريات الكونية، العراقية والسورية والليبية، وبالمقابل لا يرتقي في تونس حتى إلى مستوى "الظاهرة"؟

إن مقاومة الإرهاب نفسها في تونس قد تمت بشكل عفوي، وكل المقاومة الأمنية كانت مهمة بالدرجة الثانية، إذ لم يشع استبداد في تونس كما هو في الشرق ولذلك جذور تاريخية يجب أن تحمد: رغم سوء الأنظمة السابقة منذ الاستقلال، يجب أن نقر أنها لم تكن أنظمة كليانية عقدية إلا في الحدود البدائية لها، بما لم يجعل الأمن التونسي والجيش يشتغلان لحساب طائفة مجرمة إلا في الحدود البدائية للكلمة أيضا، وظلا لذلك لجهة الوطن والشعب أقرب منهما لجهة الزعيم والقائد والحزب. فالإرهاب إذن قرين الحيف المادي أو النفسي أو المعرفي، دون نسيان المخابرات وصناعة الإرهاب. وهو يزداد رسوخا من "حدث" إلى "ظاهرة" إلى "دولة" كلما تحول الحيف من حدث إلى ظاهرة مستحكمة. إن الدعاية الواسعة التي تريده قرين الدين (الإسلامي) رأسا ليست علمية بالمرة بدليل الوجود الدائم لنصوص الدين حيث لم يولد الإرهاب إلا لواقع الحيف الذي يدفع نحو التأويل السيء للنصوص نفسها.

2 - الإرهاب معلول لقصور العقلانية الحديثة

لكن كل التفكير الآنف ضد النمط قد لا يكون من الأهمية بمثل ما ندفع إليه هنا تحت هذا العنوان. فإن الحيف الاقتصادي والقمع السياسي و"الحقرة" الاجتماعية، التي يريد المستكبرون كتمها، قد لا يغفلها عقل عاقل. لكن ما يتم إغفاله بالتأكيد علة للإرهاب هي ما يريد العالم الحديث برمته كتمها، أعني نقائص واضحة في العقلانية الحديثة برمتها (وليس فقط عصا المستبدين وحيل اللصوص) تدعو إلى الإرهاب، وهو المخالف مطلقا للنمط. نكتفي فقط بمثالين:

أ - العقلانية الوضعية علة للإرهاب

من العجيب أن نجد خيطا رابطا بين العقلانية الحديثة في ما ضخته من دماء وضعية في روح الإنسانية، وبين الإرهاب. فالوضعية إذ تعلم الناس أن حدود العالم هي حدود العالم المباشر، وتعلم البراغماتية وقصر النفس، تفتح الباب واسعا على العنف والإرهاب. والسؤال: كيف نربط الإرهابي (الوافد من الدين، بعيدا عن الوضعية، بحسب الاتفاقات الكونية) بالعقلانية الوضعية؟

يمكن أن نلاحظ بسهولة أن أقرب التيارات الإسلامية إلى الإرهاب هي تلك التي تتبنى "تطبيق الشريعة"، وأبعدها عن الإرهاب التيارات الروحانية مثل الصوفية. وإذا حللنا على عجل مفهوم "تطبيق الشريعة"، فإن المقصد الواضح هو أن يرى الدين عيانا وواقعا، لا أن يظل فقط حيا في روح المؤمنين أو على صورة قيم روحية واجتماعية (عدالة وأمن ومحبة..). إن الوعي المسمى "سلفيا" بالدين لا يتخيل أن الدين متحقق في الأرض إلا إذا رأى رؤوسا تقطع وأيادي ورأى أجسادا تجلد. نشدد على العبارة "رأى"، أي إذا تحول الدين إلى وجود عياني، وضعي. لكن ماذا يعني ذلك أكثر من الوعي الوضعي بالإسلام، أي الوضعية وقد بدأت تتأول الإسلام؟

يصبح السؤال إذن: من هذا الذي نشر الوعي الوضعي في العالم ولقنه الأجيال في البرامج التعليمية وربى الشعوب على البراغماتية والمصالح القريبة والفهم الحرفي، الظاهري للنص، حتى باتت ترى العالم في "التطبيق" المباشر والقسري للأهداف؟ من غير العقلانية المعاصرة التي هيمنت في مناهج التعليم وفي الحياة العامة لقن الناس الركوض إلى أقرب الطرق؟

لذلك فإننا نقرر بشكل غير معهود أن مسؤولية جسيمة عن نشر الإرهاب تعود إلى نمط التربية والتعليم ونمط العيش الحديث الوضعي، الذي بات نمطا كونيا.

ب - الموقع السيء لمفهوم القوة في العقلانية الحديثة علة للإرهاب

بالإضافة إلى الطابع الوضعي لها، فإن العقلانية الحديثة تلخص المشكلات الكونية في سؤال العقل ولا تحسن تحديد موقع مفهوم القوة من المعاملات الإنسانية، بما هو مفهوم يعني مباشرة غياب الحجة، أي فقدان العقل. لكن التفكير من هذا الأفق يضعنا أمام إشكال عصي: فالعقل الذي تبوأ اليوم المكانة العلية لا يقدر على حسم المشاكل بمجرد "الحوار المتمدن" (بيانات حقوق الإنسان تنتهك جهارا؛ قرارات الأمم المتحدة معلقة من قرار تقسيم فلسطين حتى اليوم؛ نداءات المجتمع الدولي في الحروب لا يسمع لها أطراف الصراع...، ولا شيء يبدو ممكن التحقق إلا ما أسندته قوة ما). غير أن ممارسة القوة من جهة ثانية غير ممكنة إلا على هيأة إرهاب. فاليوم لا يستطيع أحد أن يتحدث عن حقه في القوة (من المقاومة الفلسطينية حتى الثورات على الأنظمة الاستبدادية) إلا بعد أن يأتي بشهادة براءة من داعش وأخواتها. في العقلانية المعاصرة لا يوجد لدينا بشكل مريح مفهوم "العادل القوي"، "الديمقراطي القوي"، "العقلاني القوي"..

العقلانية المعاصرة للأسف قدمت درسا سيئا عن تناقض العدل/الجمال/الخير مع القوة وتركت الإنسانية في وضع لا تحسد عليه حيث الحقوق ضائعة والعقل عاجز والقوة إرهاب. إنه النقص القاتل في العقلانية، والذي، إذ يعجز فيه العقل عن إنفاذ الحق ولا يكون قد ترك مجالا للقوة في حدوده، فإن هذه  تهاجمنا من خارج دائرة العقل على هيأة "إرهاب".

بالمقابل فإن الذي ينسب إليه الإرهاب، الدين (الإسلام بالذات)، لا يفترض بحسب هذه التحليل أن ينتج الإرهاب، لعلة هي التالية: عقلنة القوة ووضعها موضعها من نسق المعاملات الإنسانية، على نحو لا يسمح بخروجها عن العقل في شكل 'إرهاب". فآيات القرآن محتشدة بمفاهيم السلام في موضع السلام (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها – الأنفال 61..)، والقوة في موضع القوة (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا – البقرة 190..). لذلك نعجب من كل التاريخ الإسلامي لم ينتج إرهابيا يعتدي على المسيحيين أو اليزيديين أو غيرهم الذين عاشوا في ظل الإسلام، حيث كانت القوة معقلنة ضد الاعتداء فحسب، بينما يولد الإرهاب بعد تسلم العقل الحديث مقاليد الحكم، أي حيث اختلال العلاقة بين العقل والقوة. هذا التوازن بين العقل والقوة، أي عقلنة القوة على نحو لا يسمح بخروجها في صورة إرهاب، نجده واضحا أيضا في الشعر العربي، ولنكتف بمثالين حديثين، الشابي ومحمود درويش، الدرسان الباهران عن انسجام القوة والجمال، القوة والعدل. أما درويش ذو الروح الرقيقة، فهو عينه الذي يقول إذا ظلم: "أنا لا أكره الناس ولا أسطو على أحد، ولكن إذا ما جعت آكل لحم مغتصبي، فحذار حذار من جوعي ومن غضبي". وأما الشابي فمجمل شعره براهين قوية على انسجام القوة والجمال والعدل:

هاهنا مثلا المستهدف هو الظالم، والخطاب خطاب القوة: "سيجرفك السيل سيل الدماء...ويأكلك العاصف المشتعل". وهاهنا المستهدف هو الطبيعة، والخطاب خطاب الجمال: "أقبل الصبح جميلا...يملأ الأفق بهاء، فتمطى الزهر والطير وأمواج المياه".... ليس فقط بين قصيدة وأخرى يكون الشابي قويا هنا وجميلا هناك بل داخل القصيدة الواحدة بين بيت وآخر.

لنكتف بمثال قصيدته الشهيرة "فلسفة الثعبان المقدس" التي تنبسط معاني الجمال فيها والقوة بشكل مثير للدهشة. فالقصيدة أولها جمال وأوسطها قوة وآخرها حوار الجمال والعنف. أول القصيدة: كان الربيع الحي روحا حالما...غض الشباب معطر الجلباب، يمشي على الدنيا بفكرة شاعر...ويطوفها في موكب خلاب؛ أوسطها: "ورآه ثعبان الجبال فغمه...ما فيه من مرح وفيض شباب"، ثم: "أن السلام حقيقة مكذوبة...والعدل فلسفة اللهيب الخابي، لا عدل إلا إن تعادلت القوى...وتصادم الإرهاب بالإرهاب".

خاتمة

إذا انطلقنا من النتيجة التي انتهينا إليها فإننا نستنتج أن الإرهاب ليس كما نقرؤه على نطاق واسع فالقضية الأولى للعالم التي مصدرها الدين (الإسلامي) رأسا والتي تقض مضجع العالم الحديث الممتلئ عقلانية وعدلا، بل هو الرد الرديء على الواقع الثقافي والسياسي والاقتصادي والحضاري الرديء مثله، والذي أنتجه أصلا، وهو الثمرة المناسبة لعقلانية تقنية وضعية مدمرة للروح، ومختلة التوازن بين مركباتها – إذا انطلقنا من هنا، فإن الأسئلة تتعاظم بوجه التفكير ويزداد غموض المستقبل الذي نحن مقدمون عليه: كيف نفهم هذا الذي جرى من استحكام الاستبداد في العالم العربي ومن دمار في سوريا والعراق وغيرها ومن تزكية دولية واضحة، كل ذلك بتعلة مقاومة الإرهاب؟ وبالطبع فإن السؤال مطروح بالمقابل، ليس فقط عن كيفية إحداث خرق ضد التفكير النمطي، بل عن كيفية إشاعة تفكير غير نمطي في شكل ثقافة مضادة من أجل تحرر مقبل.

الدكتور بلغيث عون

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك