القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الأزمة الحكومية في مفترق طرق : رهانات القوى الداخلية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-07-16 15:52:00 | 338 مشاهدة

ملخص:

تنقسم الساحة اليوم إلى مخيمين كبيرين: الداعون إلى التحوير العميق والكلي وأبرز مكوناته حزب النداء والاتحاد العام التونسي للشغل، مقابل دعاة الاستقرار الحكومي وعلى رأسهم حركة النهضةويشمل رئيس الحكومة ذاته. لكلّ من هذه الأطراف دوافعه وحساباته في هذه الأزمة التي تعكس تقييما لحصيلة تجربة أربع سنوات من الحكم (منذ انتخابات 2014) في ضوء ارتدادات الانتخابات البلدية الفائتة وحسابات الانتخابات التشريعية والرئاسية القابلة.

في الجزء الأول من هذا المقال تناولنا رهانات الأطراف الخارجية. (انظر رابط المقال)

في هذا الجزء الثاني نتناول رهانات القوى الداعية إلى التغيير الجذري التي تختلط لديها الحسابات الشخصية بحسابات المصالح الحزبية والجماعية في ضوء توازنات القوة الداخلية لهذه التجمعات وآفاق انتخابات 2019. ونركز خصوصا

على القوتين الرئيسيتين في هذا المخيم: المدير التنفيذي لنداء تونس والاتحاد العام التونسي للشغل.

 

رهانات مخيم التغيير العميق:

يتميز هذا المخيم بتعدد قواه وأحيانا تضارب مصالحها ومنطلقات مواقفها في الأزمة الحالية. وهو لا يجتمع إلا حول التغيير الحكومي العميق واستهداف رئيس الحكومة.الأمر الذي يستدعي تناول رهانات تلك المكونات ونخص الرئيسية منها.

  1. حزب النداء: وجع الانتخابات البلدية وتناقضات الداخل في ضوء انتخابات 2019.

ليس هناك أغرب من وضعية حزب النداء في هذه الأزمة. فهو الحزب الحاكم الذي يختار رئيس الحكومة ولا يلبث أن يطالب بعزله. حصل ذلك مع الحبيب الصيد وبطريقة مهينة. ويتكرر اليوم مع يوسف الشاهد. والخطير هو أن هذا السلوك الذي يمس بإدارة الدولة والأزمة التي تتخبط فيها البلاد ليس إلا انعكاسا لأزمة داخل هذا الحزب قبل أن يكون مبنيا على تقييم موضوعي للأداء الحكومي. وهي أزمة نابعة من طبيعته. فقد تربى (وهو وريث الحزب الحر الدستوري ثم التجمع الدستوري الديمقراطي)على الالتصاق بالدولة. ويمكن وصفه حينئذ بأنه حزب الدولة. وإذا كان هذا الالتصاق منحه القدرة على الاستقطاب من خلال تقديم الخدمات والإيهام بالقدرة على الحكم، والبقاء دون عقد مؤتمره التأسيسي منذ تأسيسه، فإنه بالمقابل يرهن الدولة لتقلبات أوضاعه وعلاقاته. وهذا هو عمق أزمة إدارة الدولة والأزمة الحالية. فالانقسام الحالي بين المدير التنفيذي للحزب ورئيس الحكومة المنتمي لنفس الحزب، هو في بعد منه صراع بأدوات الدولة حول الهيمنة على الدولة وتوظيفها في أفق 2019. ومن هنا نفهم الشلل الذي يصيب الحياة السياسية منذ هذا الانقسام.

ولا يمكن إغفال الحصيلة المرة لموعدين انتخابيين متتالين في ارتجاج وضع الحزب، الأول انتخابات ألمانيا وخسارة منصب برلماني لم تنافسه عليه النهضة وخسره قبالة شاب لا يملك ماكينة انتخابية داعمة، وارتداده إلى الموقع الثاني في المشهد السياسي بعد الانتخابات البلدية (6 ماي 2018) بفارق 5 نقاط (ما يقارب 600 مستشار بلدي) رغم احتكاره لأهم مناصب الدولة في مستوياتها المختلفة. وكانت الصدمة في الحالتين بمستوى اطمئنانه لعمليات سبر الآراء التي تعطيه الأسبقية. ومن هنا جاءت ردة فعله الانفعالية "غير المتعقلة"، والتي انعكست على الدولة. وفي سياق هذه الارتدادات يبدو أن الحزب يريد استباق موعد 2019 بإجراءات تمتصها، وتضعه على طريق استعادة بريقه. ويبدو أن إعادة تشكيل الحكومة جذريا تندرج في هذا الإطار. وهو ما لم يحز إجماع مكونات الحزب بدءا برئيس الحكومة ذاته. وهو ما يدعونا إلى توسيع التحليل لنفهم رهانات كل من رأسي هذا الانقسام.

  • رهانات مخيم المدير التنفيذي للنداء:

يمكن حصر هذه الرهانات إجمالا في مستويين: الأول داخل الحزب ويتمثل في سعي حافظ قايد السبسي إلى استبعاد أي شخصية منافسة له تملك مقومات الزعامةفضلا عن أدوات الدولة. وهو أمر يفسره البعض بمسألة مزدوجة: افتقاده للكاريزما الشخصية التي تعطيه القدرة على التحكم في فريقه بما يجعله يفكر في إزاحة أي شخص يشعر أنه يتفوق عليه من ناحية، وطموحه نحو موعد 2019 من ناحية ثانية بما يجعله يتصرف بنفس الطريقة ليتفرد بزعامة الحزب. أما الثاني فهو خارجي وهو مزيد التحكم في الدولة بالتخلص من التوافق الذي اعتبره مضرا بالنداء ويخدم شريكه في الحكم أكثر منه. وهو يعتبر التحوير الوزاري المعمق فرصة لفرض هذا الخيار بإعادة تشكيل الحكومة دون النهضة. وهو ما راج مباشرة بعد الانتخابات الجزئية على مقعد ألمانيا من أن المدير التنفيذي لنداء تونس واجه النهضة بتخييرها بين أن تحكم هي أو يحكم النداء أي تفرده بالحكم. وهذا مطلب انفعالي أكثر من كونه نابعا من قراءة واقعية لمكونات المشهد السياسي. فهو يطلب من شريكه أن ينسحب من الحكم بينما هو لا يملك كتلة نيابية قادرة على دعمه دون سند من ذلك الشريك.

ولعله بهذا التوجه يريد أن يفتح الباب لإعادة استقطاب الغاضبين من "خيانة" وعود 2014 الانتخابية بإقصاء النهضة من الحكم وإعادة تشكيل "جبهة إنقاذ جديدة". لكننا نعتقد أنه لا يقدِّر خطورة هذا التمشي عليه هو ذاته. فهو بين خيارين أحلاهما مر: تصحير الحزب من زعامات تتفوق عليه في الكاريزما والعلاقة بالدولة من ناحية، وإعادة استقطاب الزعامات الغاضبة لإنعاش الحزب وهي التي تتفوق عليه في الكاريزما وامتلاك الرؤية السياسية وربما العلاقة بالدولة في بعض الحالات من ناحية ثانية. ويدرك الفاعلون في الحقل السياسي أن بقاء زعامة حافظ قايد السبسي رهينة بعاملين رئيسيين: دعم والده، وشراكته مع النهضة. وقد وضعت الأزمة الأخيرة هاتين الدعامتين على المحك. فقد اختار الافتراق عن النهضة لكنه لا يملك دعامة بديلة بنفس الدرجة من الثقة في الالتزام بالوعود. بينما وضع والده في وضع حرج بانقسام حزبه فضلا عن المشهد السياسي وتحوله إلى حكم في وضع لا يحسد عليه. وفي كلا الاتجاهين قد يكون خيار والده قاتلا لمستقبل السبسي الابن وربما الحزب نفسه. فدعم الاستقرار الحكومي بالإبقاء على الشاهد يعني إضعاف الابن في المشهد السياسي ومن ورائه شقه الحزبي الذي قد يلتحق برئيس الحكومة الخارج من الأزمة أقوى. بينما يؤكد الخيار الثاني بدعم الأب للابن الصبغة العائلية للحزب مع ما قد يخلفه ذلك من مزيد نفور الفاعلين من الحزب الذي سيتغذي بالمتسلقين وقليلي الجدوى فيتقلص أكثر ليتحول إلى حزب صغير ضمن مشهد حزبي يشكو التشظي. وهذا الأمر يخالف الهدف الذي أحدث من أجله وهو تحقيق التوازن في المشهد السياسي. ومن هنا نفهم طول تردد الرئيس في حسم الأزمة بعد أن حاول طويلا الترفع عن الانغماس فيها. ويرجح أن يلجأ الرئيس بما عهد عليه من ذكاء سياسي إلى تجنب الحلول الحاسمة والحدية.

وقد تخلخل وضع السبسي الابن في الأيام الأخيرة من شهر جوان 2018 بإعلان الكتلة النيابية للنداء ولاءها لرئيس الحكومة ورغبتها في الاستقرار الحكومة. وهو ما رأى فيه الملاحظون عملية استباقية من هؤلاء لتأمين مواقعهم في قراءة مبنية على تراجع نفوذ رئاسة الجمهورية وغموض مستقبل الرئيس نفسه في علاقة بتجديد ترشحه من عدمه. وهي ضربة موجعة للمدير التنفيذي للحزب الذي تجرأ منافسوه من مؤسسي النداء على وصفه بـ "صاحب الباتيندة" (أي رخصة الحزب)، و"ولد بوه" (أي ابن أبيه كناية على أنه مدين لوالده في رئاسة الحزب وليس لقدراته القيادية). يأتي كل ذلك في ظل فقدانه لإحدى دعامتيه، شريك النداء في الحكم (النهضة) في مواجهة غريمه الشاهد، بما يعني خلخلة اتفاقات باريس. وقد يكون السبسي الابن رأى في الاتحاد العام التونسي للشغل القوة البديلة عن النهضة في دعم شقه. فهل تلتقي رهانات الطرفين في هذه الأزمة؟

  1. الاتحاد العام التونسي للشغل: بين توازنات الداخل والتزامات الخارج.

ترافقت مطالبة المنظمة الشغيلة بإزاحة الحكومة وتحويلها إلى حكومة تصريف أعمال منذ بداية السنة السياسية في خريف 2017 وما شهدته من نقاشات حامية حول ميزانية 2018. واحتدت الأزمة أثناء أحداث العنف التي رافقت احتفالات الثورة واتهام رئيس الحكومة لطرف سياسي مؤثر داخل الاتحاد وهو الجبهة الشعبية بتغذية تلك الأحداث.ويثير توافق مساعي الاتحاد مع بعض الأطراف السياسية سواء داخله أو خارجه في هذا المسعى تساؤلات حول الرهانات التي تحكم موقفه من الحكومة ورئيسها. وهي باعتقادنا تتنزل ضمن حسابات تتقاطع فيها التوازنات الداخلية للمنظمة مع التزاماتها في الحياة العامة.

داخليا، يشير البعض إلى التقاء مطلب إزاحة رئيس الحكومة مع توجه الجبهة الشعبية في الاقتصاص ممن جهر باتهامها وتحميلها مسؤولية أحداث ديسمبر 2017 وجانفي 2018. ولا يخفى الحضور الكثيف لهذا الطرف السياسي في هياكل الاتحاد. كما لا يخفى تأثير ذلك على القيادة النقابية التي تسعى إلى الحفاظ على وحدة المركزية النقابية خاصة في ظل ما يروج عن المساعي لمراجعة النظام الداخلي للاتحاد في اتجاه إلغاء التحديد الذي وضعه مؤتمر طبرقة (2012) على عدد مرات عضوية المكتب التنفيذي بمرتين فحسب وأكده المؤتمر 23 الأخير (2017). وفي هذا السياق يشيع البعض أن قيادة المنظمة وضعت أمام خيار رأس الشاهد مقابل الموافقة على مؤتمر استثنائي يقبل بالتمديد والعودة إلى عدد مفتوح من النيابات. وهي مسألة طرحت تحت غطاء الحفاظ على خبرات الاتحاد.

إلا أن انخراط المنظمة الشغيلة في الشأن العام الذي يتجاوز المطلبية فرض عليها خيارات في تموقعها وما يستتبعه من مواقف تعبر عن تلك التوازنات الداخلية. ولا يمكن التغاضي هنا عن تضخم دور المنظمة الشغيلة بعد الثورة بصفة متوازية مع انفتاح الحقل السياسي لاستيعاب النشطاء الإسلاميين وخاصة النهضة وخطر اختلال المشهد السياسي بعد حل التجمع. كما لا يمكن نسيان التماهي بين توجهات المنظمة الشغيلة والأطراف المعارضة لحكم الترويكا بشكل حولها إلى واجهة لتلك الأطراف. بل إن البعض يذكر بدعوة قيادة المنظمة إلى باريس وتدشين ساحة باسم الشهيد فرحات حشاد (30/04/2013) بالعاصمة الفرنسية فيما يشبه التفافا على مطلب كشف الحقيقة في اغتيال حشاد. بل إن البعض ذهب حينها إلى أن ذلك يأتي ضمن عملية استقطاب للمنظمة وحشرها في خطة إقليمية ودولية لمحاصرة الزخم الثوري في تونس من قبل دولة لم تخف عداءها للثورة من أول يوم. كما لا يمكن نسيان جائزة نوبل (2015) التي اعتبرها البعض مكافأة على كبح جماح الثورة وإفرازاتها الدستورية وفرض إعادة تشكيل المشهد السياسي عبر انتخابات 2014 التي دفعت بالنداء إلى واجهة المشهد السياسي.

ولعل البعض ممن تصدر المشهد السياسي آنذاك اعتبر هذا التطور نهاية الدور الموكول للمنظمة الشغيلة في غياب قوة موازنة للترويكا ورأسها (النهضة)، وأن بروز النداء يعفي المنظمة من مواصلة ذلك الدور ويملي عليها العودة إلى مهمتها الأصلية وهي المهمة الاجتماعية بالأساس. لكن هذا الرأي لم يكن محل إجماع خاصة بعد أن التجأ النداء إلى الشراكة في الحكم مع النهضة وهو ما اعتبره البعض خيانة للتصويت المفيد له لعزل النهضة. ومن هنا انتقل الانقسام حول دور الاتحاد إلى صفوفه الداخلية. وبدأت منذئذ معركة طويلة وبطيئة حول "استرداده".

اتخذت هذه المعركة أشكالا عديدة منها الداخلية عبر المؤتمرات القاعدية التي سعى كل طرف من خلالها إلى تدعيم مواقعه للتأثير في قرارات المنظمة وإعادة تشكيل قيادتها. ويعتبر المكتب التنفيذي الذي أفرزه المؤتمر 23 بقيادة السيد نور الدين الطبوبي تعبيرا عن هذا المسعى لإعادة التوازن لتوجهات المنظمة الشغيلة. كما فتح الباب أمامها للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية لتحمل جزءا من مسؤولية الحل أمام الأزمة العميقة. وهي وضعية لم تكن مريحة تماما إذ أن الحكومة كانت أمام خيارات صعبة ليس أقلها ما يسمى بالإصلاحات الكبرى المملاة من صندوق النقد الدولي. ولئن بقي الخطاب العلني للمنظمة داعما لمطالب الشغيلة فإنها وجدت نفسها مجبرة على النظر بعين الواقع إلى بعض الخيارات الصعبة مثل وضعية الصناديق الاجتماعية. فقد قبلت برفع سن التقاعد مرحليا إلى 62 سنة علما وأن الوزير المسؤول عن هذا الملف هو ممثل الاتحاد وعضو سابق في مكتبه التنفيذي السيد محمد الطرابلسي. وهي تسعى إلى منع التفويت في القطاع العمومي. وما فتئ أمينها العام يهدد بالتصدي إلى تلك السياسة.

إلا أن الأزمة الأخيرة أعادت الاتحاد إلى واجهة الأحداث فيما يشبه وضعية 2013. ويبدو أن البعض اختار، بعد أن لاحظ استعصاء النداء على التوظيف وخروجه عن سيطرتهم ونكوصه عن المهمة الموكلة له عند التأسيس، العودة إلى التمترس وراء المنظمة الشغيلة.وهو خيار عبر عنه أخيرا أحد مؤسسي النداء المنسحبين السيد حمادي بن جاب الله الذي عبر عن ضرورة تشكيل كتلة يتزعمها الاتحاد. وقد تدعم هذا الخيار باصطفاف السبسي الابن إلى جانب المنظمة الشغيلة.وبعد أكثر من شهر من انفجار الأزمة بين شقي النداء وتعليق وثيقة قرطاج ونقل قرار الحل إلى رئاسة الجمهورية، وبعد راحة المحارب التي اتخذتها مختلف الأطراف لمحاولة حلحلة الأزمة، يعود هذه الأيام الحراك إلى شقي الاصطفاف ويتحول مقر الاتحاد إلى غرفة عمليات الكتلة المناهضة لبقاء رئيس الحكومة. (وصفته صحيفة الصباح يوم 22/06/2018 بسقيفة بني ساعدة).

لكن هذا الخيار بالعودة إلى واجهة الحياة السياسية ولعب دور فوق حزبي ودستوري يضع المنظمة في وضع غير مريح. فبخلاف 2013، حينما حظي "بالإجماع "على دوره بما في ذلك من قبل من كانوا في السلطة، يجد الاتحاد نفسه اليوم طرفا في الانقسام الحاصل. وهو على ما يبدو في المخيم غير المناسب. فهو يلتقي مع طرف لا يلتقي مع خيارات المنظمة في الحفاظ على القطاع العام. فما الذي يجمع الاتحاد بنداء تونس (شق السبسي الابن) غير إسقاط الشاهد؟ ولهذا اللقاء كلفته التي ظهرت في بيان نداء تونس الأخير المؤرخ في 20 جوان 2018 بعد اللقاء بقيادة الاتحاد. في هذا البيان وردت فقرة تعتبر خطيرة ونبه إليها عدد من النقابيين وهي التالية: "وقد لمس وفد حركة نداء تونس من خلال هذا اللقاء استعداد الاتحاد العام التونسي للشغل للانفتاح على الاصلاحات الضرورية الممكنة شريطة وجود الأطراف الحكومية الجادة والأطراف السياسية القابلة للتضحية الجماعية". ماذا يعني هذا غير وضع إقالة الشاهد في كفة مقابل تمرير الإصلاحات الكبرى مع حكومة أخرى؟ أليس هذا مغازلة للقوى الخارجية الداعمة للشاهد على حساب شعارات الاتحاد التي يرفعها بالحفاظ على القطاع العام؟

لقد وضع الاتحاد نفسه بهذا التموقع والإصرار على عزل الشاهد في موقع محرج حتى مع مناضليه فضلا عن مسانديه. يتساءل عدد من النقابيين عن مدى مساندة النداء لمطالب الشغالين، ومدى مناهضته لقرارات صندوق النقد الدولي ليلتقي به الاتحاد. وبدأ البعض يشككون في استقلالية الاتحاد. فقد تساءلت بشرى بالحاج حميدة في تدوينة لها على صفحتها بالفايسبوك عن الدور الذي يلعبه الاتحاد ولصالح من؟ وقالت بأنها لم تعد تعرف الاتحاد[1].

بل إنها أشارت في لقاء إذاعي (مع إذاعة كاب أف أم)[2] إلى تصريح اعتبرته خطيرا لأحد قيادات الاتحاد وهو السيد بوعلي المباركي الذي خاطب وزير العدل قائلا: "نحن أوصلناك إلى الوزارة، وأنت اليوم تخرج الملفات؟ (ملاحظة: الإشارة هنا إلى اتهام الأمين العام المساعد للاتحاد السيد بوعلي المباركي في قضية التجسس التي كشف عنها منذ فترة). واعتبرت أن هذا يضرب حلم التونسيين في قضاء مستقل[3].

ومنذ بداية السنة الحالية تعرضت صورة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى الاهتزاز. وبعد أن اقترن بحل الأزمات في 2013، أصبحت استطلاعات الرأي تقدمه على أنه سبب في المشاكل. وكانت أزمة التعليم الثانوي مناسبة لمزيد تهرئة صورته. ومن هنا فإن كلفة خيار الاتحاد بالانغماس الواضح في الأزمة الحالية عالية إلى حد الآن. وستكون أعلى لو ذهب رئيس الجمهورية لدواع ما في خيار الحفاظ على رئيس الحكومة الذي يبدو مطمئنا إلى الدعم الخارجي. وقد أسبغ تمسك الاتحاد بإقالة رئيس الحكومة مقابل تنازلات تتعلق بالإصلاحات الكبرى مسحة شخصية للصراع يجعله يخرج عن المصلحة الوطنية ويهز من صورته.

وعلى كل، فإن اصطفاف الاتحاد إلى جانب شق من حزب النداء دون شق آخر أفقده دور الوسيط وحوّله إلى طرف في الأزمة. أما السبسي الابن فقد وضع نفسه في وضع حرج بخيار الافتراق عن شريكه في الحكم، والصدام مع رئيس حكومته ودفعه إلى التمرد. ستكون كلفة هذا الخيار عليه عالية بدوره وقد تعصف بمستقبله السياسي.

 

([1]) ...المهم برشى حكايات مع الاتحاد فيهم الباهي و فيهم الخايب و لكن كنت ديما نحس المنظمة متاعنا الكل و كي تحك الركائب تلقاه مع الحق على خاطره متاع الناس الكل و مش متاع اَي واحد و يمشيوا لعباد و يقعد هو .لكن لاول مرة في حياتي ما عقلتوش وحسّيت الاتحاد يلعب في لعبة مش واضحة لمصلحة اشكون ؟؟ وبعيدة على تاريخه وعظمائه

([3]) وقد تجرأ الصحفي زياد الهاني في حوار إذاعي (نشر بتاريخ 29/06/2018) على اتهام الاتحاد بأنه يسعى إلى إخفاء ملفات فساد تتعلق بعدد من أعضائه من وراء الدعوة إلى إسقاط الحكومة مثل قضية التجسس والفساد المالي المرتبط بالتفرغات النقابية.

https://www.youtube.com/watch?v=8CpMfbQO4SA

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك