القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

استمرار التوافق في تونس: هل مازال كافيا لتأمين المسار؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-09-30 09:44:49 | 72 مشاهدة

ملخّص مع انطلاق السنة السياسية الجديدة طفحت على السطح عناوين تجاذبات بين الأطراف السياسيّة أذكى جذوتها الجدل حول التعديل الوزراي و قانون المصالحة الاقتصادية، بينما انبرت محاولات اخرى لفك عُرى الوفاق الوطني بالتحريض على القطيعة بين طرفَيْ التحالف الرئيسيين "حزب النهضة" و"حزب نداء تونس". استمر التوافق رغم الفخاخ المنصوبة باحكام. لتبقى المعضلة الاقتصادية التي لم تكتف بمراوحة المكان بل تطورت الوضعية سلبيا منشئة جوا من الاحباط والتوجس من مستقبل غامض للتجربة في بعدها التنموي . مما يطرح تساؤلا حول مدى قدرة عنوان التوافق على اكمال الرحلة؟


مقدمة انطلقت السنة السياسية الجديدة في تونس، وكان مطلعها ساخنا من خلال عناوين الملفّات موضوع التجاذبات بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. فقد مرّت بلادنا خلال الأسابيع الأخيرة بأوقات صعبة بدا فيها المشهد ضبابيّا إلى حدّ بعيد. إذ تزامنت المشاورات حول التعديل الوزاري مع جهود محمومة لتأجيل الانتخابات البلدية المقرّرة نهاية هذا العام. وبُذلت مساعي جدّية لاستدعاء الاستقطاب الأيديولوجي مجدّدا غذّتها تصريحات مدوّية حول مستقبل التوافق السياسي. وعاد التجاذب حول النظام السياسي بالتوازي مع اشتداد المواجهات السياسية بمناسبة تمرير قانون المصالحة. واضطرّ البرلمان إلى قطع عطلته ليعقد دورة استثنائية، أرسلت صورة سلبية للمواطنين وسائر المتابعين ولم تنجح في حسم جميع النقاط بجدول أعمالها. وظلّت المؤشرات الاقتصادية السلبية ماضية في التزايد، لتربك الجميع وتشغل عموم الشعب وتلقي بأجواء من الضبابيّة والترقّب والتوتّر. لكن الآن كيف يتجلّى المستقبل القريب بعد أن منحت الأغلبية ثقتها مجدّدا لحكومة الشاهد وتأجّلت البلديات إلى أجل نأمل أن يكون قريبا ويتحدّد رسميا في أقرب وقت، وتمّت المصادقة على قانون المصالحة الإدارية وحصل تسديد الشغور بهيئة الانتخابات، وجاءت تصريحات رئيس الجمهورية في حواره الأخير مطمئنة ومهدئة على أكثر من صعيد. وهل بعد كل هذا الذي حصل من رسائل طمأنة، يصحّ القول بأنّ العاصفة قد هدأت وأنّ التوافق سيظلّ قائما وأنّ الرؤية اتّضحت لتمضي تونس في معالجة قضاياها الحيوية واستكمال مسارها في الانتقال الديمقراطي الذي ظلّ حالة استثنائية إلى حدّ الآن في بلدان ثورات الربيع العربي؟ وهل مازال استمرار التوافق كافيا للاطمئنان على استكمال المسار؟ التوافق مستمرّ رغم كلّ الفخاخ

شهدت بلادنا خلال الفترة الأخيرة مساع من جهات أيديولوجية وسياسية عديدة لتغذية التجاذبات الحادّة واستعادة الاستقطاب الثنائي البغيض. فقد عمل البعض أثناء المشاورات حول التعديل الوزاري الأخير، على استبعاد حركة النهضة من المشهد الحكومي ومحاولة خلق أغلبية بديلة عن ائتلاف حكومة الوحدة الوطنية واستهداف التوافق السياسي القائم. واشتغل آخرون على الاستقطاب الأيديولوجي والثقافي بإثارة قضايا خلافية حادّة ومحاولة احتكار شعارات الحداثة والتقدم والمدنية والدفاع عن االحريّات الفردية وتعزيز مكاسب حقوق الإنسان والانضباط لمقتضيات المعاهدات الدولية لنفس الهدف. ولا ينفكّ بعضهم على دعوات التجميع السياسي على الضديّة، بالتحريض على حركة النهضة وتهويل تقاربها مع حركة نداء تونس ومحاولة استعادة مشهد انتخابات 2014 الرئاسية خاصّة. وقد يكون عنوانا آخر للاستقطاب، التحريض على النظام السياسي الذي أرساه دستور الثورة وتحميل حركة النهضة ذات الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي والتي قادت "ترويكا الحكم" بعد انتخابات 2011 مسؤولية ما يعتبرونه مأزقا في الحكم، والدعوة إلى استعجال تغييره قبل أيّة انتخابات جديدة. والحال أنّ الدستور كان توافقيا وصوّتت له أغلبية تقارب ألإجماع، وهو لم يجرّب ولو لدورة نيابية واحدة. وكان الاشتغال على تصريحات رئيس الجمهورية حول النظام السياسي والهيئات الدستورية و حركة النهضة في حواره مع جريدة الصحافة يوم5/9/2017 آخر الورقات في استعادة الاستقطاب واستهداف التوافق وإرباك الأجندة الوطنية. فتمّ التضخيم في أبعاد تلك التصريحات وأهدافها المخفيّة والترويج لها على نطاق واسع. فقد ذكر السيد الباجي قايد السبسي في ذلك الحوار أنّه "قد حان الوقت لتقييم المنظومة الدستورية الحالية وتدارك نقائصها وتجاوز المطبّات الّتي تضمّنها الدستور". وأضاف "أننا في تونس نعيش في ضوء نظام سياسي "شاذٍ" فيه مِنَ "الحِرْص" على استقلالية عمل المؤسّسات حَدّ التّعطيل والشّلل وفيه كذلك مِنْ إِفْرَادِ بعض الهيئات المستقلّة بصلاحيات استثنائية حَدّ "التغوّل" على الدولة وعلى المؤسسات الدستوريّة ذاتها بما فيها مجلس نواب الشّعب صاحب السّلطة الأصلية والأمّ في النظام السياسي الحالي، وكلّ ذلك كان يتمّ تحت شعار الاستقلالية، فبحيث نكاد نقول أنّ الأمور عندنا ينطبق عليها المثال الشعبي «العَزْرِي أَقْوى مِنْ سِيدُو". وشدّد على أنّه "لا بدّ من إعادة النّظر في كلّ هذه الأشياء، بَدْءًا من طبيعة النظام السّياسي الذي يسود الإجماع بأنّه مُعَطَّلٌ وغير قابل للاستمرار، ومرورا بما في الدستور من نقائص كشفتها الممارسة ووصولا إلى هذه الهيئات الّتي تهَدّد تماسك الدولة ووجودها". أمّا عن التحالف بين حركتي النداء والنهضة فقال سي الباجي أنّه لم تكن أمام حزب نداء تونس الفائز في انتخابات 2014 سيناريوهات لتشكيل الحكومة بعد رفض الجبهة الشعبية وأطراف أخرى المشاركة، سوى التقارب مع حركة النهضة "التي كانت جاهزة لذلك، إضافة إلى أحزاب أخرى، بما أتاح حينئذ فرصة تشكيل تحالف حكومي ... هي قبلت وليس بشروطها، وقلنا على الأقلّ نسَاهِمُ بذلك في جَلْبِهَا إلى خانة "المدنية" ولكن يبدو أنّنا أخطأنا التقييم". وقد فهم كثيرون أنّ تلك التصريحات تؤشّر بوضوح على بدء مرحلة سياسية جديدة سيكون من علاماتها نهاية التوافق القائم بين حركتي النداء والنهضة. كما خلّفت التصريحات استياء وتساؤلات في الأوساط النهضوية. لكن قيادة حركة النهضة على ما يبدو، التي تعي جيّدا تعقيدات المشهد السياسي، استطاعت عبر تعاملها الرصين مع مختلف المستجدات والتحكّم في تصريحات المتحدثين باسم مؤسساتها، أن تنجح رغم بعض الإرٍباك، في تفكيك جميع الألغام وتجاوز الفخاخ التي وُضعت في طريقها خلال المدّة الأخيرة، وأن تلتزم بخيارها في التوافق وتفي باستحقاقاته وتشجّع على استمراره. فزكّت حكومة الوحدة الوطنية وصادقت على قانون المصالحة الإدارية ودعمت رئيس الجمهورية وعملت مع الشركاء على تسديد الشغور بهيئة الانتخابات وتحرص على ضبط موعد جديد للبلديات. وهي مع كل ذلك وقبله منشغلة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب وحريصة على جمع الكلمة والجهد حول معالجته. وقد جاء التعديل الوزاري مكذّبا لتوقعات البعض في استبعاد النهضة أو إضعافها، ثمّ جاء حوار رئيس الجمهورية الأخير مساء الإثنين 18/9/2017 على القناة الوطنية ليرفع كثيرا من الالتباسات ويطمئن التونسيين حول مستقبل المشهد السياسي بتثبيت خيار التوافق مع النهضة التي وصفها ب"الوسطية" وأثنى على جهود رئيسها الشيخ راشد الغنوشي، وليؤكد دعمه لحكومة الشاهد وحرصه على تعيين موعد جديد للبلديات، وليؤكد عدم مبادرته باقتراح تغيير النظام السياسي. وبذلك تأكد مرّة أخرى أنّ التوافق خيار يعي أطرافه نتائجه الإيجابية، وهو أيضا حلّ اقتضته مرحلة انتقالية وفرضه نظام انتخابي، كما أنّه نهج تزكّيه جهات إقليمية ودولية ولذلك فهو يستمرّ. المعضلة الاقتصادية أكبر التحدّيات العناوين السياسية سالفة الذكر على أهميتها وآثارها في المزاج الشعبي العام وتأثيرها على أصعدة مختلفة، كانت موضوع تجاذبات لا تلامس جوهر التحديات الحقيقية والأولويات الوطنية في هذه المرحلة. إذ تظلّ المعضلة الاقتصادية وما يستتبعها من تداعيات اجتماعية جوهر الانشغالات الوطنية بلا منازع. ومهما تنوّعت صيغ الهروب والتأجيل والإلهاء، فإنّ الاقتصاد يظلّ يقضّ مضاجع الجميع حكومة وشعبا. وممّا يزيد في الانشغال هو أنّه بعد خطاب رئيس الحكومة في جلسة منح الثقة بالبرلمان ومن خلال الوثيقة الحكومية المعروضة على أطراف وثيقة قرطاج لإبداء الرأي ومع اقتراب تقديم ميزانية 2018 وقانون المالية الجديد لمجلس نواب الشعب، لا تلوح أيّة مؤشرات على تغيير حقيقي في مواجهة الملف الاقتصادي المتفاقم رغم التنبيه إلى ذلك من أطراف عديدة والدعوات المتكررة لحوار اقتصادي واجتماعي. إذ تظلّ الأرقام المتداولة حول نسبة المديونية العالية (قد تفوق السبعين بالمئة) وانخرام الميزان التجاري وتدنّي قيمة الدينار وعجز المالية العمومية وتراجع الترقيم السيادي وعدم بلوغ نسبة النمو المرجوة ...تظل أرقاما عنيدة تسفّه كل الخطب والوعود المعسولة. كما تظلّ التقارير الدولية حول مناخ الاستثمار السلبي واستمرار استشراء الفساد وضعف مواجهة الحكومة له، فضلا عن التصريحات السلبية لرئيس هيئة مكافحة الفساد في هذا المجال، مؤشرات إضافية على عدم الاطمئنان للمستقبل. وتفيد التسريبات الأوّليّة عن مشروع ميزانية 2018 أنّ معالجة العجز في مداخيل الدولة تتّجه مجدّدا إلى الترفيع في الضرائب والبحث عن حلول إدارية وإثقال كاهل الموظفين والعمال وتعكير حياة الطبقات الوسطى بأداءات لا تسمن و لا تغني من جوع.، والبحث عن كبش فداء بين القطاعات أو المؤسسات. ولا إرادة واضحة في المقابل لخفض كتلة الأجور أو فرض إصلاح المؤسسات العمومية أو بلورة خيارات في الإصلاحات الكبرى ومحاولة إقناع الشعب بها أو التفاوض الجديّ بشأنها مع الأطراف الاجتماعية المعنية. ولا رؤية لدفع الاستثمار وتحسين مناخاته وفرض العمل ومنع التعطيل وخلق الثروة. ويُخشى أن تصبح السياسات الحكومية مدفوعة بتسكين الاحتجاجات وتأجيل الانفجارات وربح الوقت، دون اقتراح حلول إنقاذية باتت متأكدة أكثر من أيّ وقت مضى وتحمّل المسؤولية كاملة في شأنها، على غرار ما يفعل الزعماء التاريخيون أو الأحزاب الوطنية في الظروف الاستثنائية خاصة. ولذلك نرى أنّ السيد يوسف الشاهد أخطأ الهدف في جلسة منح الثقة أمام البرلمان يوم الإثنين 11 سبتمبر 2017، حين اختار أن يلقي خطابا مطوّلا يلخّص البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لحكومته في أفق 2020. فكان حريصا في خطابه على محاولة إقناع معارضيه ومنتقديه، بأنّه صاحب برنامج وليس تشكيلة وزارية فقط، ونسي أنّ هؤلاء سيظلّون على قولهم وانتقادهم ولو جاءهم بكتب في تفاصيل برنامجه. ولعلّ أهمّ ما نسيه الشاهد أنّه لم يكن يخاطب تحت قبة البرلمان النوّاب الذين قد حدّدوا مواقفهم مسبقا في التزكية من عدمها، بل كان يخاطب شعبا يبحث عن تطلّعاته من خلال متابعة الخطاب بمختلف وسائل الإعلام. فقد قدّم رئيس الحكومة مؤشرات ايجابية للوضع الاقتصادي وأطلق وعودا جميلة للمستقبل، لكنّه قفز عن المشاكل الحارقة التي يعاني منها عموم التونسيين والملفّات السياسية الساخنة التي تتطلب وضوحا وجرأة في مطلع سنة سياسية جديدة، ممّا جعل التساؤل مشروعا حول طبيعة حكومته المعدّلة شكلا ومهاما والتي وصفها رئيسها بأنها "حكومة حرب" هل ستكون حكومة لحلّ المشاكل أم لإدارة أزمة تستفحل؟ بدا خطاب رئيس الحكومة على أهميّة مضامينه، رتيبا ومكرّرا لجُمل سياسية يعود بعضها إلى ما قبل الثورة. فأعاد تشخيص التحديات الاقتصادية والاجتماعية بعبارات تملأ لوائح مختلف الأحزاب السياسية والبرامج الانتخابية والخطب الرسمية "المنهجية". ولم يحدّث الشعب، عن غلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، ولم يجبه عن مخاوفه من شبح إفلاس الدولة، ولم يتفاعل مع مؤشرات ارتفاع نسبة التشاؤم بين شبابه خاصة، ولم يأت على أوضاع الصحّة العمومية المتدهورة وحالة النقل المزرية وتراجع الخدمات في الكهرباء والماء والأوساخ التي تعكّر صفو الحياة، والفقر المتمدّد في المدن الكبرى والدواخل، وتكاليف العودة المدرسية والجامعية والبنية التحتية المتدنية والإصلاح التربوي والجامعي المعطّلين، ومعاناة الفلاحين ومصاعبهم المتزايدة، وغيرها من أوضاع التونسيات والتونسيين وأوجاعهم... وغابت في نبرته صرامة تطبيق القانون، والتصدّي لتعطيل الإنتاج أو العمل بما يقتضيه القانون، ومواصلة الحرب على الفساد في أجهزة الدولة خاصّة، ومطالبة البرلمان بالتسريع بالقوانين اللازمة لذلك، ودعوة الأحزاب والمنظمات المشاركة في وثيقة قرطاج والتي اجتمع بها واستمع إليها قبل التعديل إلى الالتزام بالتضامن مع الحكومة وتأييدها بالفعل لا بالقول. التوافق لم يعد كافيا اعتبر الشاهد حكومته الجديدة التي استمر فيه التوافق القائم بمثابة حكومة حرب على الإرهاب والفساد ومن أجل التنمية، لكن يبدو واقعيا أنها غير مستوفية لشروط ذلك، من جهة عدد أعضائها المتضخّم والذي زاد في هذا التعديل، ومن جهة أنّ الوزراء سيكونون مثل الضبّاط الذين لا جنود لهم، ما لم تتمّ التعبئة الشعبية ولم تستنهض الروح المُواطنية في مواجهة التحدّيات وإنجاح الإصلاحات. فالتعديل لم يطمئن بخصوص إنهاء ملامح الأزمة السياسية التي سبقت التعديل، ولم يُزل أسبابها بل أجّلها إلى حين. ومن جهة أخرى، فإنّه مع تأكيدنا على حيويّة الملف الاقتصادي والاجتماعي الذي لا خلاف بين الأحزاب والمنظمات الداعمة للحكومة على أهميته وأولويته، وإن لم تتطابق الأفعال مع الأقوال، نحسب أيضا أنّ ملفّين آخرين على طاولة رئيس الحكومة لم يعودا قابلين لأيّ نوع من التأجيل أو المناورة. أوّلهما دفع الحرب المعلنة على الفساد برفع وتيرتها وتحويلها إلى سياسة رسمية بانخراط مختلف مؤسسات الدولة فيها وتعزيزها بما يلزم من التشريعات القويّة والشفافة وآليات الرقابة وعدم اقتصارها على التهريب أو الاقتصاد الموازي والعمليات الانتقائية، بل النفاذ بها إلى الإدارة وأجهزة الدولة والمضيّ فيها بصرامة وشفافية لإعطائها ما يلزم من المصداقية والشعبية، ولحصد ثمارها الاقتصادية بتحسين صورة بلادنا في التقارير الدولية وكسب ثقة الجهات الاستثمارية. فتحسين مناخ الأعمال يمرّ أساسا بمحاربة الفساد في الإدارة وضمان استقلال القضاء وشفافية الإعلام وحريته. وربّما أحرج رئيس الحكومة نفسه حين استحضر في خطاب نيل الثقة نهج عمر بن الخطاب في الحكم، وما يستصحبه ذلك في الذاكرة الشعبية من خصال الشفافية ونظافة اليد والعدل بين الناس والصرامة في الحق والتواضع للخلق. أمّا ثاني الملفّين الأولويّين فهو دفع مسار العدالة الانتقالية التي توشك أهم حلقاتها عبر هيئة الحقيقة والكرامة على استكمال مدّتها القانونية. فبعد مصادقة البرلمان على عفو إداري يشمل الموظفين وأشباههم ممّن تعلّقت بهم قضايا فساد بسبب مهامهم في النظام السابق وتنفيذهم لتعليمات دون استفادة شخصية، والتي تعدّ خطوة مهمّة على طريق المصالحة الوطنية الشاملة والمتأكدة، تٌضاف إلى خطوات أخرى سبقتها، صار متأكدا أكثر مساهمة الحكومة أساسا، وسائر الأطراف المعنية، في استكمال مسار العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. فقد طالت معاناة الضحايا من ذوي الظروف الصعبة خاصة، ويكاد ينفد صبرهم. ولن يلتئم الشمل فعلا ولن تندمل الجروح وتجتمع الكلمة والجهد في مواجهة التحدّيات المشتركة، إلاّ عبر جبر أضرار ضحايا النظام السابق وردّ الاعتبار إليهم. ونحسب أنّ إصدار رئيس الحكومة لأمر إحداث صندوق الكرامة المعروض عليه منذ مدة، ومزيد تسهيل مهام هيئة الحقيقة والكرامة في المدة القليلة المتبقية، مؤشرات مهمّة في هذا الاتجاه لتوفير أفضل الظروف والمناخات المساعدة على وحدة وطنية حقيقية وضرورية لمعالجة المعضلة الاقتصادية. خاتمة ترسم المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية صورة غير إيجابية عن المستقبل القريب لبلادنا، والذي تعدّ نسب التشاؤم المرتفعة في صفوف الشباب خاصة أحد عناوينها، وتبيّن حجم التحدّيات التي تجعلنا نوصّف مطلع السنة السياسية الجديدة بأنّها ضبابيّة ولا تخلو من مؤشرات توتّرات لم تعد مستبعدة. لكن يظلّ الأمل قائما في قدرة التونسيات والتونسيين على استخلاص الدروس وتدارك الهنات وتأكيد الاستثناء بإنجاح الانتقال الاقتصادي الاجتماعي استكمالا للانتقال السياسي الديمقراطي. وفي الطريق إلى ذلك يظلّ صحيحا العمل بأنّ القيادة الحكيمة حين تكون الطريق ضبابيّة، تستوجب تركيز الانتباه والسير بحذر في الحدّ الأدنى.

عن مركز الدّراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة.

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك