القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

اتجاهات موازين القوى في الغرب الليبي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-05-11 22:09:00 | 3011 مشاهدة

ملخّص:
مع تزايد الضربات على قاعدة الوطية الجوية الإستراتيجية، أصبح حلم قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر الحفاظ على تمركزاتها في المنطقة الغربية الليبية بعد سنة من التحشيد والتهديد بساعات الصفر لاقتحام قلب العاصمة طرابلس، اليوم ضمن عملية "عاصفة السلام" وبشكل مباغت وجدت قواته نفسها أمام واقع جديد مع تلقيها مؤخرا ضربات قوية في ساعات فقط، وهروبها إلى قاعدة الوطية الجويّة، التي ستمثل تحديًّا لقوات الوفاق الوطني إضافة إلى مدينة ترهونة، ثاني أهم معقل بعد الوطية في رحلة استرجاعهما، وممّا لا شك فيه أن الطيران التركي المُسيّر سيلعب دورا مهمًّا في توفير الغطاء الجوي، فضلا عن دور المقاتلات التركية التي دخلت المجال الجوي الليبي حديثا ودور منظومة الدفاع الجوي التي ستواصل تحييدها لسلاح الجو التابع لحفتر في مهمة إخضاع ترهونة وقاعدة الوطية الإستراتيجيتين، في وقت انكفأت فيه الدول الداعمة لحفتر خاصة فرنسا على نفسها، بينما أيقنت روسيا أن حفتر لم يعد يقوى على دخول طرابلس، فيما واصلت الولايات المتحدة نفس التمشي في تهميش الملف الليبي رغم إعطائها حفتر ضوءا أخضر مشروطا في بداية عدوانه، وهذه المواقف ستساعد قوات الوفاق في ترسيخ الشرعية ووضع إستراتيجية لتحركاتها تثبت أهليتها أمام العالم وتعطي لتركيا الضوء الأخضر للاستفراد بالملف الليبي.

مقدّمة:
من المتوقع سهولة السيطرة على آخر منطقتي نفوذ لأمير الحرب في ليبيا خليفة بلقاسم حفتر، ترهونة والوطية، نظرا لما تتلقيانه من ضربات سابقة ولاحقة وللعدد القليل من المقاتلين المتبقين داخلهما بعد انسحاب معظمهم، ثم بالنظر لعامل الطيران المُسير الذي يوفر عاملي المراقبة والاستهداف في آن، وتأمين محيط القاعدة المكشوفة جغرافيا.
سياسيا، من شأن هذا الاقتحام تيْنك البؤرتين، قلب طاولة المفاوضات رأسا على عقب، ويأتي إعلان حفتر مؤخرا انقلابه على مؤسساته الموازية بالشرق وعلى اتفاق الصخيرات برمته، في سياق لعب آخر أوراقه المكشوفة للحفاظ على ما تبقى من رصيده السياسي. هذا الرصيد سينتهي تماما بخسارته الميدانية لكامل المنطقة الغربية، ومن هنا يمكن فهم ما تم تسريبه بخصوص زيارة غير معلنة أداها خليفة حفتر لمصر طالب فيها بوساطة أجنبية لدى حكومة طرابلس المعترف بها دوليا.
كما لا يمكن فهم كلمة الرئيس التركي مؤخرا عن "أنباء قريبة وسارة في ليبيا"، وهو الداعم الأكبر لحكومة الوفاق، خارج إطار استرجاع الشرعية الليبية لنفوذها ما قبل عدوان حفتر على العاصمة. هذا النفوذ يرى المراقبون في ظل الزخم الحالي أن يمتدّ إلى المحور الشرقي في سرت والجفرة وربما أبعد من ذلك. وفي سياق مرحلة الهجوم، فإن المنعرج الجديد في الملف الليبي بعد حالة الجمود السياسي، قد يدفع قوى منهاضة للوفاق إلى التحرك الدبلوماسي، فسارعت قوات الوفاق إلى توخي خيار حسم المعركة عسكريا اتقاء لتهديدات وباء كورونا مع استبعاد تدخل عسكري لمعسكر حفتر، ولإعادة زمام المبادرة للشرعية الدولية التي تآكلت بسبب ضعف الأداء أمام جنرال حرب لم يحترم كل التزاماته تجاه التفاهمات الأممية ومع سعي كل دولة وراء مصالحها الجيوسياسية، فبرزت للعيان قناعة معظم القوى الغربية والشرقية، فرنسا وأمريكا وروسيا خاصة، بأن الرهان على فشل حفتر كان متوقّعًا رغم تعهّد رسمي من دول عربية بالترويج لنجاح حفتر، لكن الدخول العسكري التركي المعلن على الخطّ والداعم بقوّة للحكومة الشرعية فضح الداعمين مما سيقلب المعادلة ويحتّم على حكومة الوفاق بلورة رؤية وطنية ( سياسية وعسكرية وأمنية) لما بعد الحسم، وكيفية التعامل مع أي دعوات دولية للعودة للحوار السياسي ومحاولات إنقاذ حفتر.

-1- استرجاع المنطقة الغربية:
-أ- سرعة استرجاع مدن الشريط الساحلي:
مثّل التقدم الجوي والبري لقوات "بركان الغضب" التابعة لحكومة الوفاق الوطني وخاصة السيطرة على أهم قاعدة عسكرية تحولا نوعيا في سير المعارك، وقد اتجهت هذا الأسبوع أرتال عسكرية للتقدم بريا نحو غرفة العمليات الإستراتيجية لحفتر بالوطية ومحاصرتها مدعومة بغطاء جوي لسلاح الطيران المُسير، بينما لا تزال مناطق جنوب طرابلس تشهد صراعا مفتوحا على أكثر من جبهة، فضّلت قوات بركان الغضب التابعة لحكومة الوفاق الوطني التوجه نحو حصر محاور الصراع الكبرى وتنقية المناطق الغربية من أي وجود لعناصر حفتر وخلاياه النائمة في مسعى للتخلص منها نهائيا.
وفعلا كان لقوات الوفاق ما أرادت حيث ضمّت ثمانية مناطق دفعة واحدة وهي صبراتة وصرمان والعجيلات ورقدالين والجميل وزلطن والعسة والمطرد، إلى نفوذها في ظرف ساعات معدودات وقبل أن تغرب شمس ال13 من أفريل الحالي، وهي مدن وقرى كانت خاصرة رخوة سهلة التطويع استغلتها قوات حفتر كقواعد لها لتنفيذ هجمات أو التزود بإمدادات للهجوم على العاصمة، كما أنها موالية للنظام السابق وتحوي عددا كبيرا ممن اصطلح بتسميتهم بالسلفية المدخلية، حتى أن إحدى إذاعاتهم في إحدى المدن المسترجعة كانت تبث خطاب الولاء لحفتر قبل ساعة من انقلابها إلى بث أغان لبركان الغضب، فضلا عن ضجر المواطن في تلك المدن والقرى وحتى في طرابلس و ليبيا كلها من أعمال الاستبداد وكتم الحريات ومشاركة مهجري الشرق في المعارك وامتلاء السجون بتلك المناطق خير دليل.
لذلك سهلت تلك العوامل السيطرة على مدن الشريط الساحلي الغربي التي تعد مسالمة مثلها مثل مدن الجنوب الليبي التي دخلتها قوات حفتر صيف العام المنقضي دون قتال، على خلاف مدن أخرى وازنة مثل الزاوية وزوارة التي عصت على قوات حفتر بل أوّل من كبّدته خسائر منذ هجومه على طرابلس، أمّا زوارة فدفعت أخيرا بقوتها العسكرية نحو محاور صلاح الدين وعين زارة والسدرة والمشروع والطويشة، جنوب العاصمة، لتعزز قوة جنزور والقوة المتحركة في طرد القوات الغازية.
وبالسيطرة على الطريق الساحلي من أبوقرين شرق مصراته حتى رأس جدير مع تونس، لم تبق أمام قوات البركان إلا اقتحام قاعدة الوطية كأكبر تحدٍّ، لذلك ذهبت إلى محاصرتها براً و جواً إلى حين الحسم في أمرها.

-ب- تحييد قاعدة الوطية:
تمهيدا لاقتحامهما الأخير، تتعرض مدينة ترهونة شرق العاصمة إضافة إلى قاعدة الوطية العسكرية جنوب غرب العاصمة الليبية لغارات جوية مركّزة منذ نهاية مارس الماضي لإنهاء التواجد العسكري لقوات حفتر والقوات المساندة له.
أولاّ لابد من الإشارة إلى أن قوات الوفاق تمكنت من تحييد هذه القاعدة الجوية وإخراجها عن الخدمة وشلّها مهامها لكن دون استرجعها، ثم يمكن القول إنّ قوات الوفاق لم تفوّت فرصة الاستفادة من الزخم الشعبي والإقليمي المساند لها بعد انتصارات المناطق الغربية فذهبت في مخطط محاصرة القاعدة الإستراتيجية جنوب غرب العاصمة، وربما إعطاء المتواجدين فيها مهلة محددة، إمّا تسليم أنفسهم وأسلحتهم أو قصفهم واقتحام المكان وعدم إهدار الوقت واستغلال الفرصة الذهبية التي ستمثل شرارة لتحرير المنطقة الغربية بالكامل ومن ثمة التوجه إلى الجنوب والشرق لاستردادهما .
ويعود تردّد قوات "عاصفة السلام" إلى معطى قبلي وهو أن قوات الزنتان والرجبان تحوي مجموعات تدين بالولاء لحفتر وأخرى تابعة لقوات الوفاق الوطني وهي اختلافات سياسية، لكن لا يمكن اختزال تلك المدن والقبائل بل إقليم جبل نفوسة في منطقتين صغيرتين لتبقى الوطية خنجرا عسكريا في ظهر قوات الوفاق في الوقت الذي يمكن فيه إدارة الخلاف عبر صندوق الانتخابات لا بصندوق الذخيرة على حد عبارة الناطق باسم حفتر، وقد أدّى قصف طائرات الإمارات لقوات مدينة جادو إلى مقتل عناصرها في طريقهم لاعتراض قوات حفتر المنسحبين من قاعدة الوطية.
وبعيدا عن رواية وجود مستشار ولي عهد أبو ظبي الفلسطيني محمد دحلان فى قاعدة الوطية العسكرية نظرا لكونه مطلوبا، فلو كان موجودا لدخلت إليه القوات الخاصة التركية، ثم هو مهم للصهاينة لو كان موجودا لأنقذوه قبل أن نسمع به، كل هذه الهرطقات يبدو أنها لصرف نظر الأتراك على مناطق الشرق لكسب مزيد من الوقت وجلب الدعم وربما تحريك خلاياهم في الغرب.
وبالتالي فإن الأغلب أن القاعدة تحوي عناصر استخباراتية من إماراتيين وروس وفرنسيين ولا علم عن حجم القوات الأجنبية المتواجدة هناك، كما لا ننتظر علما من أحد كما حدث في فضيحة غرفة عملية غريان مع تواجد الاستخباراتيين الفرنسيين وسلاح جافلين، وقبلها بسنوات فضيحة سقوط طائرتهم في بنغازي التي تقاتل إلى جانب عناصر حفتر.
ويُعزى التعثّر في مسار استرجاع الوطية كذلك إلى خلافات قبلية بين قبائل الزنتان أنفسهم والرجبان، مما أخّر الحسم وإمكانية تأثير ذلك على أي تحرك شرقا، بينما شددت قوات البركان مراقبتها للقاعدة جويا ومحاصرتها بريا، ووجهت ضربات متتالية بين الحين والآخر، ويرجح استمرارها في ذلك على مراحل حتى إخضاعها بالكامل في عملية استنزاف مستمر لقدراتها في حال لم يتم اقتاحمها في عملية خاطفة، وهي الحل الذي يبدو أقرب للواقع وأقل خسائر بشرية للوفاق في انتظار ما إذا قد يسفر عن المفاوضات القبلية بين أنصار قائدي المنطقة الغربية من المعسكرين أسامة الجويلي وإدريس مادي، أو ربما تخضع لاتفاق بين الفرقاء القبليين كعادة الخلافات الاجتماعية، وعموما فان القاعدة معزولة جويا وبريا مما قد يمهّد للسيطرة عليها واستعمالها، ويبدو أن تأجيل اقتحامها جاء في إطار خطة تعطي الأولوية لترهونة-بني وليد لقطع طرق العتاد عن محاور جنوب طرابلس.
أما عن تدخل القوى الكبرى كالروس وفرنسا لإنقاذ عناصر لهم بالقاعدة فذلك محتمل دبلوماسيا والتنسيق جار مع تركيا لتجنب خيار استهداف شخصيات مّا، وما تنصيب فرنسا لرادارات تجسسية جرى الحديث عليها مؤخرا، تديرها شمال طرابلس تحت غطاء شركة طوطال، إلا تحسبا لمثل هذه الإشكاليات، التي إذا احتدمت فستتحوّل إلى معارك كسر عظم خاصة مع تزويد حفتر بمنظومة دفاع جوي من كيان الاحتلال الصهيوني مؤخرا ومع إرسال الإمارات المزيد من منظومة "بانتاسير" باتجاه سرت ستتم إدراتها من طرف كوابر روسية، وبالتالي قد تدفع سياسة التحالفات نحو حرب كبرى، مع أن هذا الاحتمال يبقى ضعيفا مع حديث الإعلام الموالي للكرامة عن تخلّي روسيا عن مصالحها لصالح تركيا.

- 2 - الهجوم على ترهونة ومآلاته:
-أ- الهجوم على ترهونة:
تُعدّ مدينة ترهونة بمثابة القاعدة الخلفية التي تنطلق منها هجمات قوات حفتر على الضواحي الجنوبية لطرابلس، بالتالي فإن سقوط ترهونة هو سقوط لآخر قلاع حفتر بالكامل، وجغرافيًّا هي امتداد لطرابلس ومنطقة معزولة ويساعد ابتعادها عن البحر قوات الوفاق في حصارها وبالتالي التضييق أكثر على المقاتلين داخلها رغم معرفتهم جيدا بالمنطقة وعلى قوات "الفاغنر" الروسية عالية التدريب، فلم يبق بالتالي لهم إلاّ الاستسلام، بعد عزل مدينة بني وليد التي يمكن فصلها بسهولة عن ترهونة.
ويبدو أن قوات البركان تعمل منذ أشهر على هذه المرحلة الهجومية، وقلة خسائرها حاليا في العتاد والأرواح يؤكد الإعداد الجيّد بريّا، وخيرت قوات الوفاق الذهاب إلى ترهونة على مرحلتين، واتسمت المرحلة الأولى بتمهيد بري حتى الحدود الإدارية للمدينة تمكنت فيها من قتل أكثر من عشرة مسلحين وأسر أكثر من 100 آخرين حسب غرفة بركان الغضب، أما المرحلة الثانية فتضمنت القصف بالقذائف لتمركزات القوات المعادية وسط غطاء جوي من الطيران المُسير الذي ألقى مناشير للتأثير على معنويات وهمم قوات حفتر والمساندين لهم بالداخل، وتحقيق هدفها بإبعاد الناس عن المسلحين الذي طالبتهم بالاستسلام مقابل ضمان محاكمة سريعة وعادلة، وكتبت المناشير بالروسية أيضا موجهة لمجاميع فاغنر، وتبدو المرحلة الثالثة وشيكة لاقتحام قلب المدينة.
كذلك الاعتماد على السلاح الخفيف والمتوسط في البداية والحرب الخاطفة حفاظا على الأرواح وما تم انجازه بالمرحلة الأولى هو السيطرة على أطراف المدينة لتطويقها تمهيداً لاقتحام عمقها بعد إرهاق قوات حفتر وتدمير ذخيرته ومنظوماته الجوية و هو ما يتم التركيز عليه بالمدفعية والضربات الجوية.
الكثافة السكانية كذلك، داخل المدينة التي تمثل تقريبا ثلث سكان العاصمة، ستحتّم على المُهاجمين إتباع أساليب المناورة والاعتماد على الطيران المُسيّر والدرون الصغيرة للتطلع على التحركات في الداخل، ثم تأمين الأماكن المسيطر عليها.
هذا بالتزامن مع عدم إغفال محاور جنوب طرابلس وإلا تكون كمن لم ينجز شيئا على عكس قوات حفتر التي انسحبت من بعض المحاور لتعزز صفوف قواتهم بترهونة، بينما سجلت الوفاق تقدمات بمحور صلاح الدين والطويشة والرملة، وتسعى لمعارك متزامة في جنوب طرابلس وجنوب شرق طرابلس لإجهاد قوات حفتر بعد قصف إمداداتها القادمة من بني وليد، وبالتالي من المرجح أيضا أن يكون استهداف بني وليد قبل الوطية لأنها طريق الإمداد الوحيد لترهونة.
ويعد الهجوم على مدينة ترهونة فجر ال18 من أفريل الحالي، الخاصرة الرخوة لقوات الوفاق بالضاحية الجنوبية الشرقية حيث تتمركز قوات الكانيات اللواء التاسع ومجاميع من "الفاغنر" الموالين لقوات حفتر، خيارا استراتيجيا لم يعد تأجيله، ولا أمرا قابلا للانتظار من طرف قوات الوفاق، خاصة مع ازدياد عمليات قوات حفتر ضد الأحياء السكنية وقتل الأطفال وتهجير الأهالي وازدياد معاناتهم وقصف المستشفيات وغلق إمدادات العاصفة من الغاز والكهرباء، وقبلها قطع النفط عن كامل ليبيا.
ومنذ خرق قوات حفتر في ال21 من مارس المنقضي لهدنة إنسانية أممية لمكافحة وباء كورونا قابلتها قوات الوفاق بإعلان الدخول في مرحلة الهجوم ببدء العملية العسكرية "عاصفة السلام" فجر ال25 من مارس، بدأت قوات حفتر عمليا في التقهقر معنويا وماديا مع العملية الخاطفة على الوطية وأسر العديد من قواته، وفي كل هزيمة تتجه قواه لقصف طرابلس، وإرسال قذائفها على سوق الجمعة خير دليل بعد خسارتهم الكبيرة لغنائم وأكثر من مائة أسير في جبهة ترهونة بينما لم تشهد قوات الوفاق خسائر تذكر .
وبالتالي كان الهجوم على ترهونة رسالة لحفتر وداعميه على أن خيار العسكرة فاشل مقابل تمسك الليبيين بحقهم في الدولة المدنية وهذا ما أعربوا عنه في تظاهراتهم بالآلاف المؤلفة خلال إحياء ذكرى الثورة في كل المدن، ومن هنا هو تفويض شعبي لقوات الوفاق بالتقدم لفرض السلم والأمن لعدم قصف العاصمة، وهي رسالة للمجتمع الدولي بوجوب وقف دعم حفتر ومدّه بالسلاح.

-ب- مآلات الهجوم:
لا معطيات تفيد بقرب توقف المرحلة الهجومية التي أطلقتها قوات بركان الغضب تحت اسم "عاصفة السلام"، بل كل المؤشرات تفيد بالذهاب قدما في التصعيد داخليا وخارجيا، وتركيا عاقدة العزم على المضي قُدما نحو دعم قوات الوفاق وهذا معلن وتؤكده المناورات التي أجراها سلاح الجو والبحرية التركية في المتوسط يوم ال17 من الشهر الجاري، وذلك كردّ مباشر وصريح على عملية "إيريني" التي أعلنت عنها أوروبا مؤخراً، وهذه الإمكانيات التركية صارت جاهزة لتقديم الدعم الفني واللوجستي لحكومة الوفاق الشرعية والمعترف بها دوليًا وفقاً لمذكرة التفاهم الأمنية والعسكرية التي وقعتها طرابلس وأنقرة في نوفمبر 2019.
وبعيدا عمّا إذا كانت هناك قوات خاصة تركية على الأرض وهو ما رفضه قطاع واسع من الليبيين، فان ما من شك أن الطائرات بدون طيار التركية (بيرقدار) والقتالية التركية آف 16 التي دخلت يوم الهجوم الوفاق على ترهونة المجال الجوي للسواحل الليبية، إضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي المضادة للطائرات "حصار" المزودة بـصـواريـخ أرض _جـو والمـوجهـة بـالـليـزر التي دخلت ليبيا منتصف جانفي يناير الماضي، حيث أصبحت حائلا دون وصول طيران حفتر إلى سماء المنطقة الغربية بعد أن كان طيران حفتر يمتلك الأجواء الليبية، وقد أسقطت المنظومة الدفاعية تلك الطائرات المسيرة صينية الصنع نوع "وينق لونق" آخر مرة بمحيط أبو قرين.
كل ذلك ستتشكل على ضوئه خريطة طريق للعمليات العسكرية لمرحلة ما بعد ترهونة حيث سيقع التركيز على قطع طرق الإمداد عن ميليشيا حفتر المتواجدة في كثير من الأماكن، لتبقى مسألة بوقربن والوشكة وسرت مسألة وقت لا غير، وربما تميل قوات الوفاق إلى السيطرة على الهلال النفطي، مرورا باجدابيا حيث هناك غضب واحتقان شعبي معلن مع حديث عن إحداث سواتر ترابية في المدينة الأكثر دفعا بالمقاتلين نحو طرابلس، تحسبا لأي طارئ، وبالتالي بات دفن مشروع الحالمين بعودة نظام الاستبداد والعسكرة إلى الواجهة من جديد أو المتحالفين معه من جماعة حفتر رغم الانقسامات الشديدة بينهم، أمرا واردا.
وعليه وليس في حاجة لتأكيد، فان استرجاع ترهونة بالكامل أو إذا تعذّر إخضاعها سلميّا عبر ضمانات وعقود اجتماعية قبلية، مؤذن بانهيار جبهة حفتر في الغرب الليبي، بل ستصل الهزات الارتدادية حتى الرجمة مقر حفتر، وهو ما أكده الناطق باسم قوات "بركان الغضب" من أن الأيام أو الساعات القادمة ستعود ترهونة لحضن الشرعية.
أما حلفاء حفتر، فلهم شأن يغنيهم حاليا وسيزدادون غنى عنه، في حين تسعى منظمات حقوقية ليبية لإجراءات ملاحقة لحفتر بارتكاب جرائم منذ ست سنوات، وتقديم أدلة قانونية للمحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والحكومة الأمريكية، خاصة مع اعتراف تقرير أممي للأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، بأن طيران حفتر مسؤول عن مقتل 32 طالبا من كلية طرابلس العسكرية في الرابع من جانفي يناير الماضي، وتنفيذ أكثر من ألف غارة تسببت بمقتل أطفال ومهاجرين ودمار منشآت عامة وخاصة وعسكرية منذ الرابع من أفريل نيسان الماضي.

-3- تداعيات المعركة ودور طرابلس :
-أ- نتائج المعركة:
بعد أن باتت كتائب حفتر محاصرة في الغرب وتتأثر ولا تؤثر، بات أيضا حفتر شبه محاصر سياسيا، حيث تسربت معلومات من شخصيات نافذة موالية له عن زيارة هذا الأسبوع أدتها خليفة حفتر إلى حليفه المصري الأكبر عبد الفتاح السيسي وطلب وساطة أجنبية لدى المجلس الرئاسي، وأعلن استعداده لسحب قواته للشرق لكن بشرط بقائه رقما في المعادلة السياسية.
ومن الواضح أن مصر لا ترغب في دخول حرب مع تركيا، وسبقت الإشارة قبل شهر إلى أن حفتر طلب من مصر التدخل لإبعاد البوارج التركية عن السواحل الليبية، وهو ما أكده راديو فرنسا الدولي، وهذه كلها مؤشرات تفيد بضعف احتمال توسع الصراع إلى حرب كبرى واستفراد تركيا بالمشهد.
و في ظل غياب وسيط أممي بعد استقالة غسان سلامة وتعويضه بنائبته، ومع استمرار رحلة البحث عن وسيط جديد، ظهرت لأوّل مرة دعوات للحوار، بينما أصبحت كل القوى الدولية شبه مقتنعة في ظل انشغالها بأزمة وباء كورونا، بأن طرابلس عازمة على المواجهة مكرهة.
ومع تقدم قوات الوفاق وسيطرتها بريا وجويا ودخول تركيا بقوة لتحييد سلاح الجو التابع لحفتر، لا غرابة أن تظهر دعوات للحوار وهي ليست بالسابقة في تاريخ حفتر القريب، حيث طالما لعب على عامل الوقت حسب قوته وحضور جماعته على الميدان، كذلك ما اقترحه بعض مشايخ بني وليد بدعوى الوساطة بين مصراته وترهونة وحقن الدماء، مصراته التي ظلت لست سنوات مع الحوارات الأممية ومساراتها.
كذلك زار وفد من ترهونة على رأسه رئيس مجلس أعيانها صالح الفاندي مدينة بني وليد للاطلاع على رد مصراته الذي كان صريحا منذ زيارة الوفد الأول بأن الأوان قد فات.
ومن تلك الدعوات للحوار ما اقترحه موالون لمعسكر حفتر مؤخرا من ضرورة حل ليبي للأزمة بقيادة شخصيات ليبية من غير السياسيين والعسكريين في اجتماع داخل ليبيا وبإشراف الأمم المتحدة لوضع ميثاق ملزم لجميع الفرقاء، وتبدو الدعوة كذلك للاستهلاك، ومثيرة للتساؤل عن الفرق بينها وبين مؤتمر الليبي الجامع الذي أطاح به أمير الحرب حفتر في الرابع من أفريل من العام الماضي، كما أطاح بالاتفاق السياسي بالصخيرات بعد هجومه على بنغازي.
لذلك يبدو أن حلف الوفاق قد تجاوز مسألة العودة للحوار قبل سيطرته على مناطقه الغربية فقد فقدت الثقة في حفتر، ولم يعد ينظر إليه بعض مؤيديه ك"رجل ليبيا القوي" الذي يمكن المراهنة عليه، بعد أن كان من الممكن أن يكون رقما في المعادلة، ولهذا فلا غرابة أن يعود حفتر مجددا إلى استعطاف الحلفاء إلى طاولة الحوار السياسي، هذا إذا وجد من يستمع إليه.
ومن هنا صحّت توقعات الرئيس الأمريكي سبتمبر الماضي في اجتماع ترامب بالسيسي، رفض فيه دخول حفتر لطرابلس، الذي قال إنه لن يحسم الحرب، رغم تكفل السيسي لترامب حينها بالترويج لحفتر، وعُرفت الإدارة الأمريكية على مدى سنوات بوقوفها مع الجهود الأممية، تماما كما صحّ قول "نيويورك تايمز" إنّ موسكو تعلم مسبقا أنّ حفتر سيفشل في غزو طرابلس رغم دعم المرتزقة الروس، ورغم دعم وليي عهد السعودية وأبو ظبي، ورغم آلاف المرتزقة السودانيين من جنجويد، وهذا كله يفيد بأنّ حفتر فشل في فرض نفسه أماما العالم كحلّ لحالة الفوضى في ليبيا منذ سقوط نظام القذافي، وفق وصف الإعلام الغربي، بل إن حفتر أشهد العالم على فشله بعد وعوده للغرب باحتلال طرابلس في يومين، الأمر الذي وافقت عليه أمريكا بشرط أن يكون بسرعة وهو ما أوردته "نيويورك تايمز" بتاريخ 14 أفريل الجاري، وقد بدأ حفتر في قصف العاصمة بعد يوم فقط من اتصال مع ترامب .

-ب- دور طرابلس:
مع تجدد الدعوات الأممية للعودة إلى طاولة المفاوضات مع هزيمة قوات حفتر على الأرض ومحاولة تعلقه بقشة الحوار في مسعى لانتشال نفسه من المستنقع الآسن بطرابلس، تزايدت الانتقادات الكبيرة التي تم توجيهها من الإعلام المساند لقوات الوفاق إلى المجلس الرئاسي لضعفه الكبير دبلوماسيا، وعسكريا في دعم الجبهات وحسم المعركة حظي بتجاوب من رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج وما رفضه لدعوات وقف إطلاق النار وهو لأول مرة منه، إلا رسالة واضحة على استنفاذ كل الجهود والآمال من مزاعم حفتر في السلام.
كذلك خروج السراج تلفزيونيا مع قادة وأمراء المناطق عشية إعلان الانتصار على مدن الشريط الساحلي بأقل الخسائر البشرية إلا حجة بالغة، وهذا لا يعني حتما أن المعركة انتهت بل ستشجعه على الحرص أكثر على حقن الدم المسفوك يوميا ومواصلة السعي نحو الحسم العسكري ولو دون إجراء تغيير حكومي أو تشكيل حكومة حرب، لكن مع ذلك فان الاختبار الحقيقي لحكومة الوفاق هو في كيفية رسم مستقبل الحوار وشكل الدولة وإرساء قواعد الأمن واحترام المواطن البسيط وضمان حقوقه المادية والمعنوية في المناطق المكتسحة والعمل بسياسة احتواء المخالفين ونبذ الانتقام، وخاصة تقديم صورة إيجابية للداخل وللإقليم والعالم.
سياسيا، كذلك فان المسؤولية مشتركة بين الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب في طرابلس للتوافق على خارطة طريق لإظهار أن التقدم العسكري يوازيه تقدم سياسي، في إستراتيجية واضحة لكيفية التعاطي مع الأزمة، وربما وضع خطة لاحتضان كل الوطن، وبالتالي إمكانية وضع توجهات لمقاومة المد العسكري بالجنوب والشرق، وخاصة الجنوب، أوّلا لقبوله بسلطة الوفاق ثم وخاصة مع ظهور حركات تململ من حكم حفتر مؤخرا ببعض المدن، وخارجيًّا على المجلس الرئاسي أن يوجّه رسالة واضحة للأمم المتحدة لتكف يدها عن التدخل في الشأن الليبي وتركه للفاعلين في الداخل، وعليه قراءة الأمور كما يجب لا كما يراها المتدخلون العابثون بمصير ليبيا.

خاتمة:
بعد انقلاب حفتر على مؤسساته الموازية، وظهور خلاف بينه وبين رئيس برلمانه عقيلة صالح، إضافة إلى بروز دعوات بين قبائل الشرق (العبيدات) لرفض انقلاب حفتر على البرلمان واتفاق الصخيرات، بات من غير شك مدى إدراك معسكر خفتر لانقلاب موازين القوى العسكرية على الساحة الليبية بعد أكثر من سنة دموية في معركة حفتر لسحب الشرعية من حكومة الوفاق بفضل الطائرات التركية، التي أصبحت تضعف حفتر أكثر فأكثر وهذا ما أقرت به فرنسا الحليف الأكبر لطبرق، فها هو اليوم يتمنى الحفاظ على معاقله الأخيرة في ترهونة وقاعدة الوطية الجوية، بفعل الطائرات التركية المتطورة وطائرات التشويش التي تجوب السواحل الليبية من شرق طبرق إلى غرب زوارة، وهذه المعطيات تنضاف إلى تأثيرات وباء كورونا وانهيار سعر النفط على أكبر مموّلي حفتر السعودية والإمارات التي اقترضت مليارات الدولارات لتعويض السيولة التي فقدتها من تراجع أسعار النفط، كلها عوامل قد تجعل حفتر ينادي بالحوار مجددا وقد لا يجده، بينما يفكر حلفاءه في نقل المعركة إلى سوريا فقط لإجهاد تركيا وليس نصرة لقوات حفتر، في حين أن دولا مثل روسيا من الممكن أن تتخلى عن حفتر كما تركت نظام القذافي يواجه مصيره خلال ثورة فبراير.

مختار غميض (صحفي تونسي(

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك