القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

إلى أين تتجه العلاقة بين قرطاج والقصبة؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-10-21 12:26:00 | 488 مشاهدة

المقدمة:

قبل ثورة 17 ديسمبر/ 14 جانفي كانت تونس تخضع لنظام رئاسي تطغى فيه سلطات رئيس الجمهورية الذي يكاد ينفرد بالسلطة التنفيذية رغم وجود وزير أول منذ 1970 مع تعديلات جزئية في الدستور تم بمقتضاها  تبديل خطة الوزير الأول كرئيس للحكومة يتمتع ببعض الصلاحيات المحدودة جدا حتى اعتبر النظام السياسي التونسي نظاما رئاسويا ...
وبعد الثورة عاشت تونس فترة 2011 – 2014 في كنف القانون المؤقت المنظم للسلطات الذي منح المجلس الوطني التأسيسي صلاحيات واسعة باعتباره صاحب السلطة التأسيسية .. وفي تلك الفترة كان رئيس الجمهورية القابع في قرطاج محدود الصلاحيات جدا وبالرغم من تعيين رئيس الحكومة الذي كان يجب أن يحصل على ثقة المجلس التأسيسي .. وكانت العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة متسمة بالتفاهم نظرا للعلاقة الشخصية بينهما (فؤاد المبزع والباجي قايد السبسي)..
وبعد إصدار دستور الثورة في جانفي 2014 بقيت صلاحيات رئيس الحكومة أوسع وأهم من تلك الممنوحة لرئيس الجمهورية .. لكن علاقة قرطاج بالقصبة ظلت من ناحية مرتبطة بالعلاقات الشخصية بين رأسي السلطة التنفيذية (الباجي قايد السبسي والحبيب الصيد/ الباجي قايد السبسي ويوسف الشاهد..) وكذلك بالعلاقة بين حزبيهما إن كانا من حزبين مختلفين (المرزوقي والجبالي/ المرزوقي والعريض) أو بتجانسهما وتفاهمهما إن كانا من نفس الحزب انتماء أو تكليفا (الباجي – الصيد/ الباجي – الشاهد)..
وبالتالي كانت العلاقة تتراوح بين التعاون كما هو الحال بين المرزوقي والجبالي في مرحلة أولى وبين الباجي والصيد إلى حد حدوث اختلاف بينهما انتهى بإقالة الصيد وكذلك في الفترة الأولى من حكومة الشاهد .. أو بالصدام ولي الذراع كما كان الأمر في أواخر أيام حكومة الصيد وطوال العهدة الثانية لحكومة الشاهد..وأخيرا جاء الرئيس قيس سعيد .. فملأ الدنيا وشغل الناس.

حامي الدستور .. أم المتهافت على السلطة؟:
حسب تطور ظاهرة الرئيس قيس سعيد منذ أن عرفه الناس  إعلاميا على الساحة الوطنية وخلال حملته الانتخابية وحتى أثناء ممارسته لرئاسة الجمهورية في سنته الأولى، كان الرئيس يلح دوما على احترامه للدستور والتزامه بحمايته واحترام أسسه ومبادئه ..
لقد كان الرئيس دائما مصرا على التزامه بالدستور بالرغم مما يبرز من خلال بعض تصريحاته من قناعات لا تتماهى مع النظام السياسي القائم الذي أقره الدستور .. من ذلك بعض أفكاره التي تستشف منها الرؤية المجالسية وتغليب البعد المحلي وعدم الثقة في الأحزاب السياسية حتى يبدو أحيانا أنه مازال في رحاب الديمقراطية المباشرة التي عرفتها الدولة المدنية (أثينا الإغريقية نموذجا؟ !)..
وقد بقي فكريا في مستوى الملاحظات والتصريحات الجانبية دون أن يقدم أي مشروع أو مقترح أو بديل .. لكن المتأمل في علاقة ساكن قرطاج بحاكم القصبة يستخلص الكثير من المعاني والملاحظات الجوهرية التي تؤكد أن هناك في ممارسة الرئيس الكثير من الحرص على السلطة ربما أكثر بكثير من التمسك بنص الدستور وخاصة بروحه؟ !
كان السائد أن الرئيس رجل قانون جامعي أكاديمي بعيد عن دواهي السياسة طهوري إلى حد كبير وربما زاهدا في السلطان متشبثا بالقيم العليا النبيلة لحكم المدينة الفاضلة؟!
لكن منذ أيامه الأولى بدأت نوازع السلطة تمد أعناقها وطموحات الحكم تطل من خلال اختيارات المستشارين والمستشارات واستقالات البعض من رجال الساعات الأولى .. وخاصة في تلك العلاقة التي أقامها مع حاكم القصبة المؤقت آنذاك يوسف الشاهد الذي أصبح بمثابة مستشاره الأول ومقربه الأكبر .. إلى درجة أنه اختار مرشحه لرئاسة الحكومة الياس الفخفاخ بعد ما بدا وكأنه دخل مع حزب تحيا تونس وحليفيه الآخرين حركة الشعب والتيار الديمقراطي في تعطيل مسار حكومة الحبيب الجملي .. لم يعد الرئيس مجرد حامي الدستور بل بدا بمثابة طرف في لعبة التوازنات وأحد مراكز القوى المؤثرة في اختيار رئيس الحكومة وحتى الوزراء وظهر كطرف في التجاذبات السياسية .. لكن دائما في علاقة وئام مع رئيس الحكومة (الشاهد/ الفخفاخ.. ) وفي علاقة تفاهم مع بعض الأحزاب (تحيا تونس – التيار الديمقراطي – حركة الشعب) ضد أخرى (النهضة – قلب تونس – ائتلاف الكرامة).

ولطالما تم التأكيد بأن الرئيس راغب في التعامل مع القوى التي انتخبته رئيسا للبلاد .. لكن الوقائع كلها تفند هذا الرأي لأن النهضة وائتلاف الكرامة كانا من أبرز القوى التي رشحته وانتخبته في الدورة الثانية على عكس حزب تحيا تونس الذي لم يكن مؤيدا صريحا له بالرغم من عدم تزكيته لمنافسة نبيل القروي (ترك الحرية لقواعده) .. لقد كان واضحا أن الرئيس اختار مسايرة المجموعة التي اختارت محاولة تهميش حركة النهضة أو إضعافها مما جعله يرفض مشاركة قلب تونس في الحكومة ويدعم خيارات الياس الفخفاخ حتى جاءت قضية تضارب المصالح وانفجار حكومة الياس الفخفاخ من داخلها نظرا لهشاشة حزامها السياسي والبرلماني ولاعتماد رئيسها الفخفاخ، ومن خلفه الرئيس قيس سعيد سياسة التفريق بين أعضاء الفريق الحكومي .. حتى أصبح هناك تباين واضح بين أغلبية الائتلاف الحاكم (النهضة/ التيار الديمقراطي/ حركة الشعب أساسا) والأغلبية البرلمانية (النهضة – قلب تونس – ائتلاف الكرامة تخصيصا) ولم تبق غير حركة النهضة طرفا في الأغلبيتين وأصبحت هي أساسا الضامنة مع حليفيها في المجلس النيابي للمصادقة على الكثير من مشاريع القوانين التي تقدمت بها الحكومة؟ ! وبمعارضة واضحة وعجيبة من حركة الشعب والتيار الديمقراطي الشريكين في الحكومة .. إنه وضع عجيب غريب أفرزته سياسات "التخابث" والابتزاز التي ظهرت مؤشراتها الأولى منذ فترة الاستشارات لتكوين حكومة الحبيب الجملي وبرزت كل دلالاتها طوال فترة حكومة الفخفاخ ..

وفي كل هذا السياق يبرز دور رئيس الجمهورية باعتباره طرفا أكثر منه حكما ومنحازا أكثر منه محايدا. ولا شيء يفسر مثل هذا التحول إلا الحرص على ممارسته السلطة والرغبة في توسيع الصلاحيات عبر رئيس حكومة موال ومتناغم على طريقة الحبيب الصيد ويوسف الشاهد أيام تماهيمهما مع الرئيس المرحوم الباجي قايد السبسي .. وهو نفس التماهي الذي رغب فيه الرئيس قيس سعيد في عدم دعمه لخيار الحبيب الجملي ومساهمته في عرقلة تأليفه للحكومة .. وفي اختياره لإلياس الفخفاخ مرشح تحيا تونس والوافد من حزب التكتل غير الممثل في البرلمان والمرشح السابق للرئاسة المتحصل على نسبة ضئيلة جدا من الأصوات ..أي أن ولاءه للرئيس وللأحزاب الداعمة لخيارات الرئيس مضمون ومؤكد..

وجاء تعيين السيد محمد هشام المشيشي ليعيد مسألة علاقة قرطاج بالقصبة إلى الواجهة، مثلما حصل في نهاية حكومة الصيد وفي العهدة الثانية لحكومة الشاهد وفي ظل حكومتي الجبالي والعريض مع الرئيس المنصف المرزوقي.

في احترام الدستور ومقومات النظام السياسي ضمانة للاستقرار والتكامل بين رأسي السلطة التنفيذية :

في البداية كان اختيار السيد المشيشي مواصلة لسياسة وخيارات الرئيس قيس سعيد .. فالرجل لم يحظ بالترشح من كتل وازنة في المجلس بل لم يرشحه أحد من الأحزاب والكتل الفاعلة الكبرى أو الصغرى .. وكان تكليفه بمثابة مفاجأة للملاحظين والمتابعين للشأن السياسي التونسي، لكنه بدا مفهوما من طرف من أصبحوا يعرفون أكثر توجهات الرئيس وحساباته .. فالسيد المشيشي كان وزيرا للداخلية في حكومة الفخفاخ وكان الرئيس يتشاور معه باستمرار في الملفات الأمنية .. وهو رجل هادئ وصامت وليست له طموحات سياسية معروفة .. وهو غير متحزب .. وكان يبدو كرجل إدارة من الفئة المعروفة بالتكنوقراط .. لذلك أعلن في تفاهم وتماه على ما يبدو أنه يفضل تشكيل حكومة كفاءات من التكنوقراط بعيدة عن ضغط التحزب والولاءات للأحزاب. ولكن الرجل كان في حاجة إلى ثقة المجلس النيابي .. وهي ثقة لن يحصل عليها إلا بالتفاهم مع أغلبية لا تقدر على تأمينها إلا الكتل الحزبية ..
وربما تساءل السيد المشيشي عن الهدف من اختياره إذا كانت الأغلبية البرلمانية غير مضمونة من طرف الرئيس وغير ممكنة دون دعم الأغلبية البرلمانية المكونة من حوالي 120 نائبا ينتمون إلى النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة وبعض المستقلين .. وهنا أدرك السيد المشيشي أن ترشيحه قد يكون طعما لحل البرلمان إذا لم يحصل على الثقة أو للولاء التام والمطلق للرئيس إذا حصل على الثقة أو للولاء التام والمطلق للرئيس إذا حصل عليها سبب خوف كتل الأغلبية من البرلمان .. أي أنه في كلتا الحالتين مجرد ورقة رئاسية ..

وهكذا يبدو أن السيد المشيشي قد تفطن إلى هذا الوضع الذي أرادت قرطاج وضعه فيه وأنه مجرد كومبارس سواء نال الثقة أم لم يحصل عليها .. فكان خياره ممارسته صلاحياته الدستورية في تأليف الحكومة والتوجه إلى البرلمان .. ورغم صعوبات التأليف في علاقة بالتكليف الرئاسي فإنه نجح في إقناع الأغلبية البرلمانية كما نجحت هذه الأغلبية في التحاور معه والوصول إلى أرضية تفاهم على أساس تغليب المصلحة الوطنية والنجاعة الحكومية والاستقرار وإقامة جسور تفاهم وتناغم بين الحكومة والبرلمان .. وبالتالي حصل السيد المشيشي على ثقة البرلمان بأغلبية مريحة ب 134 نائبا فيها الأغلبية المشكلة من تحالف النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة وكتلة المستقبل وبعض المستقلين مع إضافة بعض النواب من كتل الإصلاح وتحيا تونس والكتلة الوطنية .. إنه انتصار مزدوج للبرلمان وللحكومة .. مقابل انزعاج وقلق في قرطاج .. وربما حيرة وندم.
ومجددا تثار مسألة علاقة قرطاج بالقصبة حيث بدا واضحا وجليا مرة أخرى أن المشكل ليس في علاقة القصبة بباردو (الحكومة والبرلمان) بل تحديدا وتخصيصا بين رأسي السلطة التنفيذية .. بين قرطاج والقصبة .. وأنه صار ضروريا وملحا توضيح هذه العلاقة ومدى تأثيرها على الاستقرار السياسي والعمل الحكومي في البلاد .. تأكد هذا الأمر بالشواهد المختلفة في الرئاسات الثلاث للرؤساء المرزوقي وقايد السبسي وقيس سعيد.

فأين الخلل؟ وما هو الحل؟
ربما يكون الخلل في النظام السياسي .. ولا حل إلا بالدستور وفي الدستور.

إشكالية الصلاحيات وإمكانيات التعديل:
لقد حدد دستور الثورة بكل وضوح طبيعة النظام السياسي التونسي باعتباره نظاما مزدوجا .. أو كما يقال نظاما برلمانيا معدلا .. فيه صلاحيات مهمة لرئيس الحكومة وصلاحيات هامة ولكنها محدودة لرئيس الدولة .. وهذا عمليا ما تمتاز به كل الأنظمة البرلمانية المعدلة، في حين تعطي الأنظمة البرلمانية دورا شرفيا لرئيس الدولة .. وتمنح الأنظمة الرئاسية دورا أكبر بكثير لرئيس الجمهورية (أو الملك في بعض الأنظمة الملكية الدستورية على غرار المغرب الشقيق) مع إعطاء دور للبرلمان على غرار الكونغرس ومجلس الشيوخ في الولايات المتحدة .. أما الأنظمة المسماة هجينة فإن هناك بون شاسع بين دساتيرها مهما كانت ديمقراطية ظاهريا وبين ممارستها فعليا كنوع من الحكم المطلق لرئيس الجمهورية أو لرئيس الحكومة..
ولعله من حظ تونس (أو ربما من سوء حظها؟ !) أن الرؤساء الثلاثة الذين تولوا الرئاسة منذ دستور 2014 أصحاب شخصية وطموح سياسي ورغبة في ممارسة السلطة (المرزوقي – قايد السبسي – سعيد) .. وبالتالي عاش ثلاثتهم وضعا متململا بين طموحاتهم وصلاحياتهم كما حددها الدستور.
لا تعتبر تونس بدعة ولا دستور 2014 بدعة في اختيار النظام البرلماني المعدل. فهناك العديد من الأمثلة وفي مقدمتها النظام السياسي الفرنسي الذي ينتخب فيه رئيس الجمهورية بشكل مباشر إلى جانب انتخاب ممثلي الشعب في البرلمان. وتخصص لرئيس الدولة في فرنسا صلاحيات مهمة في الخارجية والأمن والدفاع... ويتمتع رئيس الحكومة بصلاحيات إدارة الشأن العام وتسيير الدواليب الحكومية المختلفة بمعية الوزراء بطبيعة الحال. وكما في تونس من خلال تجارب الرؤساء المتعاقدين على سدة الرئاسة منذ قيام الثورة في ما يتعلق بالتعاون والانسجام أو الاختلاف والتنافس، عرفت فرنسا مثل هذه الحالة قبلنا وكنتيجة واقعية لطبيعة النظام السياسي الفرنسي وضوابطه الدستورية. وفي هذا السياق كانت العلاقة دائما تتسم بالانسجام والتناغم في فرنسا بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة إذا كانا من نفس الأغلبية أو من نفس الحزب خلال رئاسات أغلب رؤساء الجمهورية الخامسة. أما إذا كان رئيس الجمهورية من حزب ما ورئيس الحكومة من حزب معارض له فإن الخلافات ونزاعات الصلاحيات تشتد مما يدفع إلى ما عرف بالتعايش في فرنسا بين رأسي السلطة التنفيذية (ميتران – شيراك/ شيراك – جوسبان.. ) عكس مرحلة انتماء كليهما إلى نفس الأغلبية أو الحزب (ديغول –بومبيدو/ ساركوزي – فيون.. ).
لا تعتبر الحالة التونسية إذن شاذة دستوريا بالرغم من عدم وجود تضارب تام إلى حد الآن بين انتماء رئيس الجمهورية وانتماء رئيس الحكومة على الأقل إلى نفس الأغلبية النيابية، ربما باستثناء حالة الرئيس قيس سعيد في فترة حكومتي الفخفاخوالمشيشي لأن الأغلبية الحكومية لم تكن هي نفسها الأغلبية البرلمانية ... وهو بكل تأكيد حالة الشذوذ التي لم توجد إلا في تونس.
وانطلاقا من هذه التوصيفة الدستورية لعلاقة قرطاج بالقصبة نتساءل عن كيفية الحفاظ على التوازن بين رأسي السلطة التنفيذية وعن مدى احترام الصلاحيات الدستورية لكليهما. والسؤال الأكثر طرحا هو عن مدى استعداد الرئيس قيس سعيد للقبول بالصلاحيات والتوازنات المذكورة وبالتالي للتعاون مع رئاسة الحكومة وإدخال السكينة على العلاقة بين قرطاج والقصبة.
إن المشكل في النظام السياسي التونسي إذا كان هناك مشكل هو تحديدا في علاقة قرطاج بالقصبة وليس في علاقة أي منهما بباردو. إن الصلاحيات الدستورية الممنوحة لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وما يلاحظ من مساعي رئاسة الجمهورية لتناسيها وتجاوزها من خلال طموحات رؤساء الجمهورية وطبيعة شخصياتهم ورغباتهم في توسيع صلاحياتهم وتقوية أدوارهم هي أساس التوتر بين رأسي السلطة التنفيذية، هذا التوتر الذي لم تخل منه أي تجربة حكومية بعد الثورة. لابد من التفكير مستقبلا في نوع من إعادة ترتيب الصلاحيات وربما تعديلها وإعادة التوازن بين رأسي السلطة التنفيذية ومن الملاحظ أن الدستور في حد ذاته هو الذي أوجد هذا التوتر ومن المهم بالتالي مراجعته. كما أنه من المؤكد أن الرئيس قيس سعيد واع جدا بهذه المعطيات وبهذا التوتر ولذلك كان يختار رئيس حكومة ضعيف أو بلا حزب أو دون تجربة ويختار له الوزراء والحلفاء كما وقع للحبيب والصيد مع المرحوم الباجي وللفخفاخ مع قيس سعيد الذي أراد أيضا أن يكون المشيشي طيعا وخاضعا لإرادته لكن حسابات البيدر لم تكن كحسابات الحقل ولم يتوقع الرئيس أن يتمسك المشيشي بصلاحياته الدستورية وأن يختار التعاون والتشاور مع الأغلبية البرلمانية مع حرصه على التعاون مع رئيس الجمهورية.
ولا شك أن هناك عاملا أساسيا سوف يدخل في الاعتبار في الفترة القادمة وهو الرهان الانتخابي لسنة 2024. إن الدورة الرئاسية القادمة هي التي ستحدد سياسة الرئيس في محاولة لتأمين الطريق لنفسه في 2024 خاصة بعد تأكد تلاشي الأغلبية التي انتخبته في الدورة الثانية لأن أكبر طرف فيها كان بلا شك ممثلا بحزب حركة النهضة وائتلاف الكرامة اللذين استبعدهما الرئيس من دائرة تفاهماته. أما السيد المشيشي فإن ما يهمه حتى ذلك التاريخ هو تأمين وضع مستقر للحكومة بعيدا عن الرهانات الانتخابية عكس ما وقع مثلا ليوسف الشاهد عند اندلاع خلافه مع المرحوم الباجي. سوف يجد الرئيس قيس سعيد نفسه في تنازع بين رغباته في توسيع صلاحياته وبين انتظارات ناخبيه الذين تزعزعت لدى جلهم نظرتهم لقيس سعيد الطهوري الزاهد المتمسك بالدستور والمتصدي للفساد والمدافع عن القانون.

الخاتمة:

بالرغم من وضوح صلاحيات كل من رئيسي الجمهورية والحكومة، وبالرغم من وضوح العلاقة بينهما فإن التجربة التونسية بعد الثورة قد أبدعت تجربة التوافق بين الأطراف التي تولت إدارة شؤون الدولة منذ 2014. أفلا يصلح التوافق أن يكون أيضا أساس علاقة قرطاج والقصبة كخيار يشبه إلى حد ما التعايش الفرنسي بين الإليزية وماتينيون؟ !
فمن المنطقي جدا أنه لا يوجد حكم برأسين في أي مجال. ولكن هناك حكم بتوافق عدة رؤوس تحدد لكل رأس صلاحياته ومهامه في نطاق القبول المشترك والتراضي بالصلاحيات والأدوار المحددة دستوريا في نطاق التنسيق والتشاور والتفاهمات. ليس عندنا رئيس جمهورية كما كان في النظام الرئاسي ولا رئيس حكومة كما كان الوزير الأول، كما أن رئيس الجمهورية في نظامنا الحالي لا يشبه وضعية رؤساء الدول في الأنظمة البرلمانية الصرفة حيث تكون أدوارهم في جلها شرفية بحتة. لذلك لا مفر من احترام الصلاحيات والالتزام بالدستور مع عدم الانغلاق على إمكانيات بعض التعديلات ومزيد التوضيح وإزالة بعض الغموض الموجود فعليا في عدة فصول على أن يكون ذلك في نطاق التوافق وخدمة للمسار الديمقراطي وليس للأشخاص. لقد ولى وانتهى بلا رجعة زمن الرئيس الحاكم الأوحد والحكومة الأداة الطيعة في يد الرئيس والبرلمان الموالي للسلطة التنفيذية والمشرع لإرادتها. البرلمان في تونس اليوم يمثل السيادة الشعبية بامتياز وهو قاطرة النظام السياسي الديمقراطي التونسي، وهذه هي تحديدا النقلة النوعية التي عرفتها تونس بفضل ثورتها المجيدة.

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية ( وحدة التقدير السياسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك