القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

إشكاليّات النظام الانتخابي في تونس بين مبدئيْ النسبيّة والاغلبيّة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-09-10 10:07:58 | 192 مشاهدة


ملخص : تتعدد الانظمة الانتخابية في العالم وتحسم المشهد السياسي، وتقبل تونس على مواعيد انتخابية قادمة حاسمة، ومن هنا تاتي اهمية تدارس النظام الانتخابي، فالمنافسة الديمقراطية تسعى الى تحقيق  غايتين اسايتين:  حكم الأغلبية من جهة وحماية الأقلية وإسماع صوتها من جهة اخرى. ولئن كان النظام الأغلبي يعطي الأولوية للغاية الاولى، فان النظام النسبي يمنح الأفضلية للثانية،.  والحقيقة تقول ان الأنظمة النسبية تنتقل من الاقلية الكبرى الى الأقليات المتوسطة. وحتى يقع تجنب الاختلال النوعي في التوازن بين حصة الحزب الأغلبي من الاصوات وحصّته من المقاعد، ويجعلنا امام اشكالية النجاعة في النظام الانتخابي والحكومات الائتلافية الضعيفة . يرنو المقال  الى اجتراح معادلة  تنقّح النظام الانتخابي بتقليص نسبية التمثيل  الذي اعتمدته تونس في  كل مواعيدها الانتخابية بعد ثورة 2011 ، دون نقله إلى الاغلبية الكلاسيكية...في دراسة مقارنة مع تجارب غربية انتخابية ...

 
مقدمة
إن عدد الأنظمة الانتخابية الممكنة يكاد يكون غير محدود. إذ ان النظام الانتخابي ليس الا منهجية اجرائية يظبطها القانون لتحويل اصوات الناخبين إلى مقاعد في المجالس المنتخبة وطنيا أو جهويا أو محليا ،أو حتى دوليا كما في حالة البرلمان الاوربي. وبما ان تونس مقبلة على مرحلة حاسمة من مراحل بنائها الديمقراطي، ألا وهي وضع القانون الانتخابي على المستوى المحلي وتنظيم أول انتخابات محلية بعد  الثورة ووضع الدستور فانه من الضروري طرح قضية النظام الانتخابي بحيث يتسنى للرأي  العام استيعاب أهميتها وعمق تبعاتها والاستفادة من تجربتيْ انتخابات 2011 و 2014 ، مع الاستئناس بتجارب بلدان ديمقراطية عريقة.
نظام التمثيل الأغلبي وإشكالية النّجاعة :
قد يحسب الكثيرون ان هذه المسالة اجرائية بحتة، ولهم في ذلك عذر لما فيها من بعد تقني قد يُشكل على بعض الخاصة،ناهيك عن العامة. والحقيقة أن النظام الانتخابي واحد من أبرز العوامل المحددة لطبيعة المشهد السياسي في اي سياق. اذ انه يساهم بشكل كبير في تحديد عدد الأحزاب الفاعلة وطبيعة العلاقة بينها وماهية رهانات المواعيد الانتخابية المختلفة. بل إن الكثير من الملاحظين يقولون بانه يؤثر حتى على نسبة الإقبال ، وان اختلفوا حول مدى هذا التأثير ووجهته. وبالتالي ليس البعد الإجرائي، على اهميته،الا واحدا من ابعاد كثيرة اخرى يجب التعاطي عها بكثير من الحذر. ولا يكفي هذا المقال ولا غيره  لاستعراض كل تفاصيل نظام انتخابي واحد ، فضلا عن التطرّق لكل الأنظمة الانتخابية المعتمدة والتي تقدر بالعشرات على اقل تقدي. ولكنه يمثل فرصة للتذكير ببعض الحقائق المتعلقة بالخصائص العامة لهذه الأنظمة وبعلاقاتها بالمشهد السياسي العام. واولها ان لكل نظام انتخابي ايجابيات وسلبيات. مما يعني ان اي  تحوير يقع إدخاله على نظام انتخابي ما، انما يؤدي لتعويض عيب بعيب ،كما تبين المقارنة التالية بين ابرز أنماط هذه الانظمة. لقد جرت العادة عل تقسيم الانظمة الانتخابية المختلفة الى عائلتين اساسيتين : انظمة التمثيل الاغلبي ، وانظمة التمثيل النسبي. ولفهم الفرق الجوهري بينهما، يجب ان نذكر بان نظام المنافسة الديمقراطية يسعى الى تحقيق  غايتين اسايتين ،الا وهما حكم الأغلبية من جهة وحماية الأقلية وإسماع صوتها بشكل جدي من جهة اخرى. ولئن كان النظام الأغلبي يعطي الأولوية للغاية الاولى فان النظام النسبي يمنح الأفضلية للثاني، ويصعب تعريف كل عائلة على أسس تقنية. وذلك لشساعة الفوارق الإجرائية داخل كل منها. وهذا التقسيم الثنائي لا يعتمد على  معيار المنهج الداخلي للانظمة الانتخابية المختلفة. بل  يقوم على اساس النتائج البعدية التي تتمخض عليها عادة الانظمة الانتخابية في سياقات مختلفة. فالانظمة الأغلبية هي مجموعة الانظمة الانتخابية التي تؤدي منهجياتها والياته حسابها عادة إلى ايجاد اغلبية حزبية واضحة في المجالس المنتخبة، مما يمكّن مثلا من تشكيل حكومات منسجمة لا تحتاج أحزابها للتحالف مع غيرها، ويُترجَم ذلك عادة باختلال نوعي في التوازن بين حصة الحزب الأغلبي من الاصوات وحصّته من المقاعد .
وعلى سبيل المثال، فقد تحصّل حزب العمال  البريطاني  بقيادة "توني بلير" للانتخابات التشريعية عام 2005 على ما يناهز 60% من المقاعد ، في حين ان حصته من الأصوات تجاوزت بالكاد 35 %. اي ان النظام الانتخابي قد أدى الى أغلبية في البرلمان دون وجود اغلبية في صناديق الاقتراع .ومن ثمة تُنعت الأنظمة التي تؤدي الى مثل هذه النتائج بالتمثيل الأغلبي. ويرافق هذا الاختلال الايجابي لصالح الأحزاب المستفيدة اختلالا سلبيا ضد الأحزاب الاخرى. مما يعني اختلالا عكسيا في التوازن بين حجم بعض الأحزاب المتوسطة والصغيرة وحجم تمثيلها في المجالس. ايْ ان بعض الأقليات السياسية تكون ضعيفة التمثيل بالمقارنة مع حقيقة شعبيتها في الواقع. في حين قد يغيب تمثيل أقليات أخرى بشكل كامل. ولنبق في المثال نفسه، ايْ الانتخابات التشريعية البريطانية 2005، فقد حصد الحزب الثالث، الليبراليون الديمقراطيون 22 %من الاصوات، ولكنهم لم يحصلوا الا على 9 % من المقاعد. اما الحزب الرابع ، حزب استقلال المملكة المتحدة المناهض للاتحاد الاوربي، فانه لم يحصل على اي مقعد رغم حصته المحترمة من حيث عدد الاصوات. ويمكن تقديم النتاج بطريقة أخرى، اذ ان حساب العلاقة بين عدد الأصوات والمقاعد المتحصل عليها يؤكد ان حزب العمال قد احتاج الى قرابة 28 الف صوت للحصول على كل مقعد ،في حين ان الليبراليين الديمقراطيين قد احتاجوا لحوالي 96 الف صوت لادراك نفس الغاية. اما حزب الاستقلال ، فانه قد حصد 600 الف صوت دون ان يكون له ايّ مقعد.
وتعود هذه النتاج اجرائيا لآليات  النظام الانتخابي البريطاني الذي لا يعتمد نظام القوائم بل النظام الفردي. اي ان الانتخابات التشريعية ليست في حقيقة الأمر حدثا واحدا كما يبدو في الظاهر، بل انها 646 حدثا، وهو عدد المقاعد والدوائر الجملية موضوع المنافسة. اذ ان كل  منافس يخوض معركته على المستوى المحلي وانتصاره رهين قدرته على إدراك المرتبة الاولى في دائرته الانتخابية  حتى ان كان ذلك باغلبية نسبية ، اي باقلية مجمل الاصوات. ومرتبته الأولى محليا تضمن وصول للبرلمان بغض النظر عن نتاج حزبه وطنيا ، وبغض النظر عن مستوى المنهزمين محليا. اي ان صاحب المرتبة الاولى في اي دائرة انتخابية ، انما يحصد القيمة الكلية لاصوات تلك الدائرة بحكم انها تتمتع بمقعد واحد غي قابل للتقسيم .وهو ما يعني ان حجم شعبية الأحزاب وطنيا يلعب دورا ضعيفا في تحليل نتاج الانتخابات إذا ما قورن بأهمية دور شعبيتها محليا. بما يعني ان تركّز الاصوات في مناطق دون أخرى يعني  أسبقية حاسمة في مقابل تشتتها جغرافيا. وايجابيات الأنظمة الاغلبية عموما  مرتبطة بنجاعتها. إذ انها تمكن من إنشاء حكومات مستقرة مدعومة في صلاحياتها التنفيذية بجهاز تشريعي متضامن. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية  لم تفشل بريطانيا مثلا في إنتاج اغلبية واضحة في البرلمان الا في مناسبتين فقط ، سنة 1974 و2010. كما تمنح انظمة التمثيل الأغلبي الناخبين فرصة حقيقة لتغيير أصحاب السلطة في كل موعد انتخابي، إن كانوا غير راضين عن اداء الاغلبية المتخلية وهو أمر بالغ الاهمية اذا ما قورن بالانظمة النسبية التي عادة ما تؤدي نتائج انتخاباتها الى تغيير جزئي في ترتيب الاحزاب وطبيعة التحالفات  بينها.
ولكن في المقابل تطرح الأنظمة الانتخابية الأغلبية تحديات جوهرية من أبرزها انحيازها للاقليّة الكبرى. ذلك انها تمنحها عمليا وضع الاغلبية وحقوقها على حساب الأقليات الأخرى التي لا تتمتع بالتالي بحجم التمثيل الذي تستحق. ذلك ان الفائز ب35 بالمائة من الأصوات ، كما هو حال حزب العمال البريطاني عام 2205 ، لا يمكن ان يدعي انه قد وصل الى مستوى الأغلبية بما ان ثلثيْ الناخبين  تقريبا قد صوّتوا ضده بشكل مباشر او غير مباشر. وبالتالي ، تتحول الديمقراطية في ظل انظمة التمثيل النسبي عموما الى أنظمة تقوم على حكم الأقلية الكبرى على حساب الاقليات المتوسطة والصغرى. اي ان المحافظة على غاية الديمقراطية الاولى –حكم الاغلبية – يكون بالتضحية جزيا بغايتها الثانية –إسماع صوت الاقلية. وتقدر خطورة هذا العيب حسب السياق. فالانظمة الانتخابية الاغلبية تكون اقل خطورة في الأنظمة الديمقراطية المستقرة المنظبطة لأعراف ديمقراطية عريقة ، خاصة اذا كانت خاضعة لظوابط دستورية واضحة ولرقابة قضاية صارمة ، من خلال علويّة المحكمة الدستورية وصلاحية الطعن في دستورية القوانين التي قد تصدر عن السلطة التشريعية كما  هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية. ذلك ان إرادة الاغلبية ، او بطريقة أدق الاقلية الكبرى المهيمنة، تكون في هذه الحالة مقيدة بمبادئ دستورية خاضعة لرقابة سلطة منتخبة ، ولا تخضع بالتالي  إلى منطق المنافسة السياسية ،الا وهي سلطة المحكمة الدستورية.في المقابل ان انظمة التمثيل الاغلبي لا تتلاءم ومتطلبات المراحل الانتقالية التي تتميز عادة بعدم الاستقرار والتي تفرض إعادة صياغة قواعد المنافسة السياسية والظوابط الدستورية المؤطّْرة لها. ذلك ان انظمة التمثيل الاغلبي ،تمنح الاغلبية ، اي الاغلبية الكبرى، وزنا يفوق حقيقة وزنها في الواقع. مما يعطيها في المراحل الانتقالية أسبقية مجحفة في لحظة تعسر فيها حماية الاقلية. وما كانت تونس لتصل الى ما وصلت إليه سياسيا بعد الثورة وانتخابات 2011 لو انها اختارت نظاما انتخابيا أغلبيا . ذلك ان نتاج انتخابات المجلي التاسيسي من حيث الاصوات ، كان بالامكان ان تمنح حركة النهضة اغلبية تفوق 60 % وربما 70  على مستوى المقاعد .
اشكاليات النظام الانتخابي في تونس :
لقد اختارت تونس اذن نظاما نسبيا  تحصلت من خلاله حركة النهضة على حصة مقاعد تقارب حصتها من الاصوات. ويبقى السؤال. هل الانظمة الانتخابية النسبية عارية من العيوب ؟
والجواب ان عيوب الأنظمة النسبية تعادل ، بل قد تفوق عيوب الأنظمة الاغلبية. ذلك انها تعوض النّجاعة بما يبدو في الظاهر تفضيلا لمبدإ العدالة والمساواة. ولكن ذلك في الظاهر فقط. اذ ان الحقيقة تقول ان الأنظمة النسبية تنتقل من الاقلية الكبرى الى الأقليات المتوسطة. ولنا في انتخابات المجلس التأسيسي مثال. اذ لم تتجاوز حصّة كل الأحزاب والقوائم التي حلّت وراء حركة النهضة والتي حصدت مقاعد في البرلمان مجتمعة 35% ايْ اقل من الحزب الاول. ويعود ذلك لذهاب قرابة ثلث الاصوات لقوى صغرى لم تحصل عل ايّ تمثيل في المجلس .ومع هذا، فان حركة النهضة تحصلت على 89 مقعدا ، في حين تحصّلت باقي القوائم الممثلة على 128 مقعدا. اي ان ثلث  الأصوات قد أدّت الى الحصول على حوالي 60% من المقاعد. وهو ما يذكرّ بوضع حزب العمال في بريطانيا عام 2005 ولكن بشكل معكوس.
لقد كان ذلك الخيار ضرورة لتامين الانتقال الديمقراطي . فالمرحلة الثورية قد منحت مبدأ النسبية نجاعة استثنائية. وهي مفارقة ينبغي الوقوف عليها والوعي بها  حتّى لا نغفل عن عيوب نظام التمثيل النسبي في السياقات العادية. ذلك انه لا ينبغي التشبّث بنظام انتخابي معيّن على اعتبار انه مكّن من تامين تلك المرحلة الاستثنائية. ولذا ينبغي فهم عيوب النظام الانتخابي التونسي من خلال باقي الانظمة الانتخابية المشابهة عموما ،مع اقتراح بعض الحلول التي من شانها ان تقلّص من الثغرات دون الوصول الى نظام الأغلبية بالمعنى الكلاسيكي  لاعتقادنا ان التجربة التونسية لا تتحمل هكذا نظام .
يسعى النظام الانتخابي التونسي، كغيره من أنظمة التمثيل النسبي ، إلى الاقتراب قدر الإمكان من احداث التوازن بين حجم الأحزاب في المجالس المنتخبة ومستوى شعبيتها لدى الرأي العام. قد وقع اعتماده بعد الثورة تجنيا لسيطرة الاسلاميين على المجلس التأسييسي، وضمانا لتمثيل محترم لباقي الاحزاب الاقل وزنا. ولم يكن من الممكن تغييره او حتى تعديله ، بعد صياغة الدستور بحكم الحسابات الضيقة و نظرة قصر المدى  في عقول كل الاطراف السياسية الفاعلة. فكانت النتيجة انه فرض الجلوء الى حكومات ائتلافية متعاقبة جمعت بين الضعف وعدم الانسجام. وتلك ظاهرة سلبية في كل الأحوال باستثناء الفترات الانتقالية كالتي عاشتها  ولا تزال تعيشها تونس. ذلك ان الانتقال الديمقراطي  افرز  تحوّل مَناط الخوف من السلطة القائمة في ظل الدكتاتورية الى السلطة التي قد يتمخض عنها التغيير. اي ان الخوف في تونس لم ينتَف  كما ذهب الى ذلك الكثيرون. ولكنه خَنَس الى الكمُون، وكان لا بد من تجنب إثارته بفرض سلطة قوية من خلال نظام انتخابي اغلبي مثلا.
ولكن مقابل النجاح السياسي الذي ساهم فيه النظام النسبي المعتمد، شهدت تونس تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أدت الى الثورة. اي ان الحرص على إضعاف السلطة قد فاقم من الحاجة اليها. وهو ما يفتح الباب امام أخطار أخرى قد تؤدي الى الانحراف. ومن أمارات ذلك انتشار الحنين للديكتاتورية , وعليه فان من الضروري ايجاد التوازن بين الحاجة الى تمثيل كل الاطراف  من اجل المشاركة في الحكم ، وبين الحاجة غلى الانسجام والنجاعة والقدرة على ممارسة السلطة وفرض الارادة. وتلك معادلة تحتاج إلى تنقيح النظام الانتخابي بتقليص نسبية التمثيل دون نقله إلى الاغلبية الكلاسيكية,
وتجدر الاشارة الى ان نظام التمثيل النسبي لا يمكن أن يتمخض عن حكومة منسجمة وقوية الا إذا حصل احد الأطراف على اكثر من 50 % من الاصوات، وهو أمر يكاد يكون مستحيلا في ظل انفجار المشهد الحزبي الذي تساهم الانظمة  النسبية في تعميقه. ذلك انها ، على عكس الانظمة الاغلبية تمنح الأحزاب الصغرى أملا حقيقا في دخول البرلمان. مما يضعف محفّزات التحالفات بينها . بل ويشجع أحيانا على التطرف حرصا على التمايز عن باقي القوى السياسية ، وسعيا للبروز الإعلامي ، ومحاولة لاستقطاب الناخبين الغائبين، ثم ان الانظمة النسبية تُضعف قدرة الناخبين على معاقبة الاغلبية الحاكمة. ومثال ذلك في تونس محافظة النهضة على موقع متقدم في مجلس نواب الشعب عند انتخابات 2014 ، رغم خسارتها  الجزء كبير من شعبيتها . اي ان هذه الانظمة لا تؤدي عادة الى نتائج حاسمة، فالانتصار جزئي كما الهزيمة جزئية. بل ان للهزيمة ايجابيات مفاجئة بحكم قوة الضغط التي تتمتع بها الأحزاب التي لم تحصل على المرتبة الأولى في عدد المقاعد  والتي لا تتحمل بالتالي المسؤولية المباشرة عن تشكيل الحكومة ومآلات الامر. و في غياب الوازع الذاتي، سرعان ما تتحول قوة الضغط الى الابتزاز بما ان الحزب الاول يجد نفسه مظطرا لتقديم تنازلات مجحفة من اجل ارضاء عدد كاف من الحلفاء. ففي حال فشله قد تنشا ازمة حكم يكون المسؤول الاول عنها في نظر الناخبين والخاسر الكبير فيها على مستوى المؤسسات. وذلك مثلا من خلال الاظطرار  للدعوة إلى انتخابات جديدة.
خاتمة :
ونخلص الى النتيجة التي التي اعلنا عنها ابتداء، ومفادها انّ لكل نظام انتخابي ايجابيات وسلبيات مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا. ولذا فان اغلب البلدان تسعى الى ايجاد حد ادني من التوازن بينها  من خلال إدخال شي من النسبية إذا كانت انتخاباتها خاضعة لنظام تمثيل أغلبي، أو قَدر من الاغلبية اذا كانت تعمل وفق نظام تمثيل نسبي وآليات ذلك كثيرة ، من أبرزها في الحالة التي تعنينا  في تونس اي نظام التمثيل النسبي ، ما يُسمى بالعتَبة الانتخابية. وهي فرض القانون الانتخابي لحد أدنى من نسبة الاصوات لا مجال من دونه لدخول المجالس المنتخبة. وهي قاعدة لا يكاد يوجد لها استثناء في البلدان الديمقراطية التي اختارت النسبية. وبقدر ارتفاع العتبة يتقلّص التمثيل النسبي لفائدة التمثيل الأغلبي. ونذكر في هذا السياق مثالين شهيرين : ففي المانيا ، لا يمكن لاي حزب ان يدخل "البُوندستار" دون الحصول على 5 % من عموم الأصوات. أما في تركيا ، فلا بد من حصد حصة لا تقل عن 10 ب%لضمان حق التمثيل في البرلمان. ولن ترضى الاحزاب الصغرى في تونس بمثل هذا التغيير. وقد رفضته فعلا عام 2014 بعد تبنّي الدستور معتبرة انها محاولة من قبل الاحزاب الكبرى باقصائها، وفي ذلك شي من الدقّة . فلو ان القانون الانتخابي التونسي اقتفى أثر ألمانيا بفرض عتبة 5 بالمائة  لما استطاعت قوة سياسية كالجبهة الشعبية دخول البرلمان بحكم ان حصتها لم تصل الى هذا المستوى. ولكن هذا الرأي منقوص ، انه يقف عند ظواهر الامور. فلو ان هذه العتبة فرضت لاظطرت مختلف الأحزاب الصغرى والمتوسطة لإعادة هكيلة خطابها وبناء تحالفاتها ، مما يضمن لها حظوظا معقولة  لتمثيل برلماني لا يكتفي بالتمثيل الرمزي بل يطمح الى التاثير الفعلي. بما ان صعوبة دخول المجالس المنتخبة تفيد الناخبين لانها تمنح وضوحا في الرؤيا  دون ان تضرّ بالأحزاب الجدية  بما انها تجد قيمة موضوعية لهذا الدخول. وايجابيات ذلك كثيرة من ابرزها مقاومة المواقف المتطرفة ودعم الشعور بالمسؤولية لدى مختلف الأطراف السياسيّة.
الدكتور أيمن البوغانمي
عن مركز الدراسات الاستراتيجيّة والديبلوماسية
 
 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك