القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

إشكالية الاسم والمسمى داخل العمل السياسي  للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-03-01 12:38:00 | 415 مشاهدة

الملخص

يعاني الحزب السياسي ذو المرجعيّة الدينيّة وتحديدا الإسلاميّة مشكلة التسمية فالإسلام لم يعد حكرا على المعتدل والديمقراطي بل توجد قوى راديكاليّة ومتطرّفة تتكلّم بإسم الإسلام وتتخذه مرجعا ممأ جعل خصوم هذا التيار المعتدل  يستغلون الظرف في اتجاه استئصال الكل  وحتى داخل الرأي العام الشعبي وهو عموما ليس لديه القدرات الفكريّة التي تمكنه من التمييز ويمكن أن تنطلي عليه خدعة الخلط فيتبرّأ من الجميع ...ولقد أرّقت هذه الوضعيّة صناع القرار داخل  الطيف السياسي الديمقراطي ذي المرجعيّة الإسلاميّة حتّى أنّه بدأ يتردّد في مسألة المصطلح المناسب.  فكيف تبلورت الإشكاليّة؟ وما هو تاريخها؟ وما هي ّمختلف الحلول الـتي يقدّمها هذا التيار؟ وهل من حلّ نهائي؟

 

المقدّمة  

الاتجاه الإسلامي / الإسلام الاحتجاجي / الإسلام السياسي / الإسلام الديمقراطي / الإسلام الحضاري ... والقائمة مازالت مفتوحة  لمسميات وعناوين  كلها تشير لطيف سياسي واحد  ضمن الخارطة السياسية في تونس ان لم نقل على امتداد الوطن العربي الإسلامي وهي خارطة متلونة التضاريس متعددة الفصائل والتوجهات الإيديولوجية والفكرية. إنّ هذا التعدّد في الأسماء والمصطلحات وعدم التوقف عند إسم معين في الإختيار يعكس إلى حد بعيد إشكالية التسمية بالنسبة إلى الداخل أي الذات السياسية المعنوية أو بالنسبة إلى الخارج كذوات سياسية مقابلة إمّا على جهة الخصوم او الأعداء....فالتسمية في المجال السياسي  غيرها خارجه إنّها ليست مجرّد إشارة ولا هي مجرّد عنوان ولكنّها أكثر من ذالك فهي تحيل على معان ومفاهيم وترتبط ببدائل ممكنة فهي تسمية لكائن أو عالم متحرك وفاعل يسطر حاضره نقدا ومعالجة وعينه على الماضي وصلا واتصالا والمستقبل خلقا وابتكارا... لكل هذه الأسباب  كانت الصعوبات  ومن ثمّ رضي هذا الفصيل السياسي ما ارتضاه له مخالفيه من تسميات ونعوت وهي في كثير من الأحيان غير بريئة وتتضمّن نوعا من النقد والتجريح

1/ من الدعوة إلى الجماعة :

عندما انطلق العمل الإسلامي في بداية السبعينات لم يكن هدفه مناكفة الدولة بأجهزتها ونظامها، بل كان عملا دعويا بالمعنى العفوي والبسيط على شاكلة ما تقوم به إلى الآن جماعة الدعوة والتبليغ  وهي جماعة تركّز في مناشطها على الطقوس والعبادات  والنصح لمن يرونه مبتلى في أسر المعاصي دون أن تمسّ أو تقترب من السياسة ولهذا السبب بالذات هي جماعة مرحب بها في كل مكان  مثلها مثل الحركات الصوفية .... إذا التقى شباب لم تتجاوز أعمارهم الأربعين تحت إشراف الشيخ محمّد الصالح النيفر وتشجيعه وهو شيخ زيتوني معترض على خيارات الزعيم بورقيبة وتوجهاته نحو الغرب والحداثة (المعلوم أنه تأثر بنشاط صوت الطالب الزيتوني ذي الميول السياسية للحزب القديم يمكن اعتباره الأكثر تسيسا في المجموعة وإن كان إصلاحيا محافظا) وقد التقى هؤلاء جميعهم على تنظيم عملهم وتنسيق رؤاهم ضمن هدف أقصى هو العودة بالمجتمع إلى النمط الإسلامي  الصافي في العيش والحياة  فكان جهدهم منصبّا على العبادات والدعوة لتعمير المساجد وحلق الذكر. هذه المجموعة  ازداد عددها بسرعة وكثر أنصارها  فتوسع نشاطها مناطقيا في العاصمة ثمّ خارجها  لتجد لها أتباعا في كامل الولايات واختارت لنفسها اسم الجماعة الإسلامية ولم تحدّثنا آثارهم من الذي اختار هذا الاسم؟ وكيف تمّ هذا الاختيار؟وعبر ايّ آلية؟ لكن لا يفوتنا أن نشير هنا إلى مسألتين:

*مفهوم الجماعة هو مفهوم ديني/سياسي: ومن سماته أنه حامل لإرث طويل من الجدل الفقهي والكلامي وله ارتباط بالشرعية بل يتلبس فيها العقدي بالسلوك  ولصلاة الجمعة هنا دلالة خاصة  حيث انزياح المعاني فهي  صلاة تقوم بها جماعة المسلمين وهي  فرض عين وتكون تحت رعاية وإشراف إمام واحد في العادة يختاره المصلون ويرتضونه  قياسا على هذا  كان ولا بدّ من إجتماع معيّن للشأن العام  تحت إمرة أمير ما تختاره المجموعة مع تأكيدنا إن مفهوم الشأن العام نستعمله هنا في أضيق معانيه إذ يتعلّق ببعض مشاكل المجموعة  وتعاونهم على تجاوزها .

*هذا الاسم ليس وليد التجربة التونسية: بل إننا نجد عديد التجارب خاصة في الهند وباكستان وحتى مصر ولبنان  سبقت وإن اختارته  بعض  الفصائل ذات المرجعية الدّينيّة

ما يهمّنا هو إنّه ثمّة وعي تأكّد لدى هؤلاء الأفراد بضرورة العمل الجماعي المنظّم من أجل إصلاح المجتمع وإحياء القيم الخلقية النبيلة من القرآن الكريم  والسنّة النبويّة.

2/مغادرة مربّع الجماعة الدعويّة إلى الجماعة السياسيّة :

    توزّع النّشاط الإسلامي في البداية بين المساجد/الجوامع والجمعيات /المنظّمات ذات الأطر القانونيّة مثل جمعيّة المحافظة على القرآن الكريم أو الشبيبة المدرسيّة أو الكشّافة التونسيّة  وتركّز النشاط خاصة في المعاهد الكبرى حيث المبيتات ووجد فيها حاضنة مهمّة للاستقطاب وذالك لخصوصية روادها ونوعيتهم فهم أبناء عائلات ريفية ومناطق مهمّشة تعيش حالة نفسية ووجدانية خاصة لبعدها عن الأهل والأقارب فكان المناخ مناسبا وملائما  للأنشطة الروحيّة والدينيّة. هذا النشاط تمثّل أساسا في الجانب التعبّدي من الإسلام كالصلاة والصيام وحفظ القرآن وحلق الذكر واللّحى بالنسبة إلى الذكور واللّباس المحتشم بالنسبة إلى الإناث....هذا بالإضافة إلى الممارسة الجماعيّة للرياضة أو الرحلات وكان لظهور مجلّة المعرفة الأثر الطيّب في الامتداد الأفقي والعمودي في فترة كانت المطالعة تعيش أبهى أيّامها ومن خلالها لمع اسم الشيخ راشد الغنوشي فهو رئيس تحريرها وصاحب القلم الفكري فيها  لكونه خريج جامعة دمشق في اختصاص الفلسفة وهو المطّلع على تجارب القوميين واليساريين والمتأثر بمدرسة الإخوان المسلمين ويمكن اعتبار إنّ الشيخ الغنوشي مع صديقه الشيخ عبد الفتّاح مورو هما اللّذين طبعا هذه الجماعة بطابع خاص تجمع في آن بين الأفق الخصوصي/ المحلّي (ممثلا في رمزية  اللّباس الذي لم يتخل عنه الشيخ مورو وهو لباس تقليدي تونسي) والأفق العالمي/الخارجي (ممثلا في أفكار الشيخ الغنوشي ومفاهيمه المطلّع على تجارب إيديولوجيّة متنوّعة إبان إقامته بالمشرق دارسا). لقد تحول أمر الجماعة من الدعوة والتبليغ إلى نوع من الأخونة ( لإنّ الكتاب الإسلامي يكتب مصريا ويطبع بيروتيا وينشر على امتداد الوطن العربي ومنها تونس ولسنا ندري هل للدولة وقتئذ دخل في السماح لهذا الكتاب بالرواج) وبنكهة هي مزيج محتشم من التونسة ونؤكّد كلمة محتشم لأنّ التونسة تعني البورقيبيّة الّذي طالما كان يفتخر بأنّه صاحب الفضل في صناعة الملحمة التونسيّة من عدم وقد استطاعت هذه القيادة الجديدة أن تكبر بمشروعها إلى مستوى تحقيق اختراقات ذات بال داخل أسوار الجامعة التونسية العصيّة على السلطة والمحتكرة من قبل اليسار لكن قبل ذالك عرفت البلاد أحداثا جساما في 26جانفي 1978 حين انفصام العقد  التحالفي بين الحزب الحاكم ورئيسه الزعيم بورقيبة والإتحاد العام التونسي للشغل ورئيسه النقابي الحبيب عاشور وتم إعلان حالة الطوارئ  وسمي اليوم الدامي فيه بالخميس الأسود. ولم تستطع الجماعة الإسلامية لطابعها التقليدي ولمنزعها شبه الدعوي ولبنية تفكيرها المتوجس من الفتنة، أن تستوعب الأحداث وأن تجاري نسق التحولات الاجتماعية التي يعيشها التونسيون بعد فشل تجربة التعاضد وتحول منظومة الحكم إلى اللّيبرالية مع الهادي نويرة  فصدرت بعض المقالات في مجلّة المعرفة تؤيّد السلطة وتندّد في إصطفاف واضح  بالفتنة النقابيّة وهنا تبرز القيمة الإعتبارية للقيادة فلئن انتصرت الدولة في معركتها فإنّ هذا الإنتصار لا يبرّر إستبدادها وعنفها المبالغ فيه التقطت القيادة مسارات الأحداث وتعقّدها لتتبيّن  في شبه نقد ذاتي  إنّها على  هامش المجتمع  وأنّ الخطاب الإصلاحي/ شبه السياسي  الّذي تروّجه وتسوّق له لا يختلف في  شيء عن الخطاب الديني الرسمي  وكتب الشيخ راشد مقالات نقديّة لتوجهات الجماعة  معتبرا أنّ معركة العبادة لا تقل شأنا عن معركة العدالة والحريّة داعيا منظوريه إلى الانخراط في العمل النقابي وبذل الجهد نحو الاهتمام أكثر بمختلف المناشط الجمعياتيّة بمختلف تلويناتها   وهكذا استطاع الغنوشي أن يضم ّداخل  جماعته روافد متعدّدة من بقاي زيتونيين  وتبليغيين وحتى بعض الصوفيين وخاصة شباب يطالع بنهم كتابات مدرسة الإخوان ومحنتهم ورؤاهم وتصوراتهم لمعالم الطريق في زمن سمحت السلطة لهذه الكتابات بالانتشار والرواج حتى تحدث بعض التوازن مع الكتاب اليساري والماركسي  حسب ما يسوّق له اليسار.

3/بروز تسمية الاتجاه الإسلامي :

عندما تحرّك الجناح الطلابي للجماعة نحو الإعلان عن نفسه في زمن كان فيه اليسار يحتكر النشاط خاصة بعد انقلاب قربة حيث أفشل اليسار الطلابي مؤامرة السلطة وتمكّن من الشرعيّة الطلّابية طاردا أنصار الحزب الحاكم بالقوّة اعتبر هذا التيار الإسلامي دخيلا واتهمه بالعمالة وإنّه من صنع النظام وقاومه بعنف لكن إصرار الجماعة على النشاط كان قويّا ورفض الاستسلام ووجد له موطئ قدم داخل الكليات والمدارس العلميّة وبدأ هو الآخر يتخذ موقعا عبر مجلّته الحائطيّة وكانت تذيّل تحت مسمّى الاتجاه الإسلامي وهي تسمية عرفت بها الجماعة  لاحقا واتخذتها لها عنوانا  ولسنا ندري  هل مصدر هذا الاختيار نابع من الداخل أي بقرار واع ومتفق حوله أم انّه تسمية أطلقته الصحافة وتمّ قبوله؟ لقد تمّ التخلّي نهائيا عن مصطلح الجماعة الإسلاميّة وتعويضه بالاتجاه الإسلامي واغتنم هذا التيار فرصة تبنّي الدولة  لخيار التعدديّة الحزبية غداة إقالة الهادي نويرة ثر حوادث قفصة الشهيرة  في موفّى السبعينيات فقدّم تأشيرته القانونيّة طالبا  الاعتراف به فصيلا سياسيا له تصوراته ورؤاه  لكنّ الدولة  لم يكن لديها أيّ استعداد للاعتراف به خصوصا والمشهد العالمي  لم يستفق بعد من صدمة الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة بقيادة إمام أو رجل دين ملتح  وكان الأداء  السياسي للثورة مرعبا فمن إعلان لتصدير الثورة إلى احتجاز للرهائن الأمريكيين في ما يعرف بأزمة السفارة وصولا إلى الدخول في حرب طويلة مع العراق  دون أن ننسى الإعدامات بالجملة لأنصار الشاه . إنّ هذا التوجس من التيار الإسلامي غدى مبرّرا. فالفاعل السياسي التونسي لن ينسى  إنّ مجلّة المعرفة قد انخرطت في تسويق الثورة الإيرانيّة غير مستوعبة للخصوصيّة الطائفيّة إلى حد أنّها رشحت الخميني لمنصب مجدّد الدين في المائة الأخيرة لهذا القرن وهو خطأ سرعان ما انتبه إليه القادة الإسلاميون ففكّوا إرتباطهم  بالثورة الإيرانيّة لكن بقيت التهمة تلاحقهم فهم تارة عملاء لبني سعود وطورا هم خمينيّون عملاء لإيران. وقد حاولت الدولة من خلال حوارها  مع هذا الطيف السياسي  القوي داخل الجامعات وحتى في النقابات (وكان الحوار غير مباشر وعبر وسائط مع القيادات في السجن أم حتى لمن هم خارج السجن) ويبدو أنّ العقبة هي الاسم فالاتجاه الإسلامي  تسمية تحيل إلى الدين واحتكاره والقانون المنظّم للأحزاب يمنع قيامها على أساس ديني أو عرقي وكان ردّ الأستاذ راشد غداة الندوة الصحفيّة  التي تم فيها إعلان الجماعة طلب التأشيرة القانونيّة أنّ الديمقراطيّة نتعلّمها من الغرب صاحب السبق في التجربة ولديهم تسمية الحزب المسيحي الديمقراطي ولم نسمع منهم رفضا أوتشكيكا ولم يدّع أحد أنّ  التسمية  فيها احتكار للدّين  أو احتكار للديمقراطية فالاسم علم وهو مجرد إشارة لا يعني بالضرورة إحتكارا فكما أنّه من حقّ أي كان أن يسم نفسه بالديمقراطي أو الاشتراكي أو الحداثي دون أن يفهم من ذلك الاحتكار أو الوصاية مثّل هذا المخرج الجدلي حلاّ يرضي الداخل الإسلامي أكثر من الخارج بل ذهب المؤتمر الصحفي إلى حدّ إعلان أنّ الاسم من صنع الصحافة والحقوقيين ورجال الفكر لنعت الأفراد ذوي التوجه الإسلامي إيديولوجيا  تمييزا لهم عن التوجهات الأخرى من ماركسية وليبراليّة وقوميّة نلاحظ هنا إن هذا النقاش والجدل تركز فيه الضوء على كلمة الإسلامي بما هو نسبة إلى الدّين  وحتى لمّا جيء بنظيره المسيحي الديمقراطي  لم يكن الهدف إلاّ صكّ البراءة من تهمة الاحتكار للدّين بينما كان مفهوم الدّيموقراطيّة متواريا ولم يشغل وقتئذ اهتمام السياسيين والصحفيين رغم أنّ هذا التيار الإسلامي هوّ الأوّل في نظرائه في المشرق والمغرب والذي يعلنها صراحة دون مواربة إنّ الديمقراطية سيرورة نحو الحكم وهي اختياره وإنّها لا تتعارض مع مبادئه وكانت مفاجأة الجميع عندما أكد الشيخ راشد أنّ الشعب لو إختار الحزب الشيوعي كأغلبيّة فسيرضى بنتائج صناديق الإقتراع ولا يلومنّ إلاّ نفسه وتقصيره في إقناع الجماهير بصوابية أفكاره ومشاريعه ويعمل كأيّ حزب معارض للنجاح في الدورات القادمة .

4/ نهاية المرحلة البورقيبيّة والانقلاب النوفمبري الأبيض

لم تقتنع السلطة  بهذه الحجج وأصرّت على ضرورة تغيير الإسم  وكانت السلطة تعيش  معارك الخلافة أي محاولة  تأمين السيطرة بين مختلف الأجنحة خصوصا والزعيم بورقيبة لم يعد قادرا على متابعة الشأن اليومي للدولة وحتى لا يستغلّ خصوم المرحوم محمّد مزالي أيّ ثغرة وخاصة ملف الإسلاميين لحساسية الزعيم منهم  فكان الحسم في اتجاه رفض التأشيرة ممّا أجّج حركات الإحتجاج داخل الجامعات والمعاهد الثانويّة وكان خطئ محمّد مزالي القاتل  قبل ذالك  هو إستدعاء زين العابدين بن علي للإشراف على الأمن  في إطار معركته مع منافسيه في قصر قرطاج وكان يعتقد إنّه الرجل المناسب لخدمته لكنّ الرجل الأمني والعسكري خان الثّقة وجيّر كل الأطراف والقوى لصالحه ليجد نفسه قاب قوسين أو أدنى من الرئاسة وسط انفجار الأوضاع وازدياد الاحتجاجات وكأنّه يدفعها دفعا وكانت وزارة الدّاخليّة قد أعلنتها حربا لا هوادة فيها ضدّ الاتجاه الإسلامي قيادة وقواعد وأراد الرئيس بورقيبة قطع الرقاب وهو ما يعني الذهاب الى الحدّ الأقصى في المواجهة ولم تكن تونس تحتمل هذا الوضع فكانت حركة 7نوفمبر 1987 الّتي أعفي فيها الرئيس من مهامه بتعلّة العجز والشيخوخة  لتدخل البلاد عهدا آخر وعوده كبيرة خلّب مكسوّة بوهم الحريّة والعدالة  والتقدّم واستبشرت كلّ الأحزاب والقوى الفاعلة بهذا التغيير وتداعت جميعها إلى ميثاق وطني (وللحقيقة التاريخيّة رفض حزب العمّال الانضمام إلى هذا الاتّفاق) ووعد بن علي قيادة الاتجاه الإسلامي  أثناء استقبالها  بأنّ الدولة مستعدّة لمنح التأشيرة إذا تمّ تغيير الاسم فتسارع الجميع يحدوهم الأمل في فضّ المسألة القانونيّة نحو التصويت بالإيجاب واختيار الاسم المناسب فولد مطلب التأشيرة تحت مسمّى حزب حركة النهضة ولأنّ إرادة السلطة كانت حاسمة في اتجاه الفيتو كان من الضروري أن تربح الوقت من خلال بالون إختبار كأن تمنح المجموعة صحيفة أسبوعيّة تطبع تحت الرقابة وبعدد معيّن كما منح الجناح الطلابي تأشيرته القانونيّة تحت مسمّى الإتحاد العام التونسي للطلبة بل ذهب النظام إلى حدّ السماح لهم بالمشاركة في الانتخابات التشريعيّة تحت يافطة المستقلّين ليندفع الجميع للمشاركة الواسعة والتي أقنعت ابن علي بأنّ الخطر هوّ النهضة وأشياعها ليستغلّ طيف من اليسار الفرصة ليتحالف مع السلطة التي باتت تؤمن أنّ الإسلاميين خطر على النمط المجتمعي  وأنّ المعركة مع الحزب الحاكم يمكن تأجيلها إلى حين القضاء على ما يعتبرونه سرطانا يهدّد الدولة والإرث البورقيبي  فكانت معركة لا هوادة فيها بين الدولة وأجهزتها القمعيّة لتكوّن ما يعرف في أدبيات الإسلاميين بأيام الجمر ولتدخل تونس في ما يشبه الموت السريري سياسيا.

5/ ثورة الحريّة والكرامة  واختلاط التسميات وظهور مفهوم الإسلام السياسي:

دامت سيطرة ابن علي على البلاد والعباد عشريتين  كاملتين  لم يكن يسمح فيها لأيّ طرف بالنقد أو الملاحظة وكان كلّ شئ تحت رقابة الدولة وحتى الأحزاب المعترف بها قانونيا يضيّق عليها نشاطها وما وجودها في البرلمان ألاّ نوع من الديكور للتسويق الخارجي  بينما بقيّة المعارضة التي رفضت أن تكون ديكورا فالمجال الوحيد لها هو رابطة حقوق الإنسان أو الصحافة الورقيّة التي لا توزّع إلإّ على إستحياء  بينما ناضل البعض الآخر في النقابات المهنيّة كالمحامات وإتّحاد الشغل وهكذا تمكّن ابن علي من مسك زمام الأمور بقبضة حديديّة نجح خلالها عبر جهاز إداري تكنوقراطي  تأمين ما تسميه أبواق الدعاية الفرنسيّة المعجزة التونسيّة. لكن في نهاية العشريّة الثانية، حدثت مواجهات الحوض المنجمي، ثمّ استشهاد محمّد البوعزيزي لتكون القادح لما يعرف لاحقا ثورة الياسمين وانتقال العدوى إلى مصر فليبيا ثمّ اليمن وسوريا سقط بن علي لتدخل تونس عهدا جديدا عنوانه الحريّة والكرامة وعاد المغتربون وأطلق سراح مساجين الرأي وبدأ الإعداد لدستور الجمهوريّة الثانية.  أثناء عودته المظفرة صرّح الغنوشي  مستبشرا بأنّ شباب تونس بثورته السلميّة قد أصاب الخطّ الراديكالي الإسلامي بمقتل إذ أنّ التغيير السلمي ممكن ولا حاجة لنا لمقولات الجهاد والقوّة والعنف  وتوقّع بثقة مفرطة نهاية القاعدة والتيار الجهادي  لكن الأمور سارت عكس توقعات الشيخ فالتاريخ لا يسير ببرهنة عقليّة أو منطقيّة وإنّما يسير وفق جدليّة منطقية لاعقلانيّة. لقد تغيّرت تونس والشباب الذي تركه الغنوشي سواء من خصومه أو أشياعه  صار اليوم في العقد الخامس أمّا الأجيال الجديدة فلها مطالب وأفكار وسلوكيات تتطلب فنّا آخر في المعاملة  وبدت تونس تعيش كابوس التيّار الراديكالي ممثلا في ما يعرف بأنصار الشريعة وهم يدينون بالولاء والتبعيّة للقاعدة ثمّ لداعش لاحقا وهذا التيّار هو السلفيّة الجهاديّة تمييزا عن السلفيّة العلميّة وعن السلفية الجاميّة أو المدخليّة (موالاة للسلطة دون حدود) وأخرى نستطيع أن نعتبرها محايدة إذا كشفت الثورة التونسيّة على أنّ الطرف الإسلامي له أكثر من وجه فالنهضة لم تعد لوحدها مغرية  وإن حافضت على رصيدها القديم من جهة الصدارة خاصة لدى الكهول ومن تجاوز الخمسين وغدا المشهد الإسلامي متنوعا بين حزب التحرير الذي منحته حكومة الترويكا يقيادة النهضة تأشيرته القانونيّة في حين ظلّ أنصار الشريعة على هامش القانون ويحرج الساسة الجدد بأنشطته وخطاباته العنيفة ولعبت القوى العلمانيّة واليساريّة بأذرعها الإعلاميّة دورا في اتجاه الضغط ضدّ الحكام الجدد مستغلّين كلّ ممارسات وأخطاء هؤلاء الحالمين بطهوريّة الماضي التليد  وإرادة العزم الحديدي على استعادته إلى أن حدث  الاغتيال الأوّل والثاني  للتتغيّر المسارات وتأتي حكومة تسيير أعمال وإعداد إنتخابات تشريعيّة ورئاسيّة وفقا لدستور الجمهوريّة الثانية .

6/ سلبيات  مفهوم الإسلام السياسي

 إذا كانت  تونس  قد تخطّت كل المطبّات وضلّت سفينتها تمخر عباب بحر الحريّة وإن تعثرت وأبطأت فإنّ الأوضاع ليست على هذا المنوال في باقي الوطن العربي حيث أجهضت التجربة المصريّة وتمّ قطع المسار وعاد العسكر بقوّة الحديد والنّار بينما دخل اليمن وليبيا وسوريا في حرب دمويّة داخليّة صناع القرار فيها في الخارج  واختلط الحابل بالنابل. في ظلّ عودة الثورة المضادة وفشل ما يعرف بالربيع العربي واستفحال العنف  والعنف المضاد وتدخّل قوى إقليميّة وخارجيّة ظهر مفهوم الإسلام السياسي تعبيرا عن  القوى  الّتي تحكمت في السلطة باءسم الدّين ولم تنجح  روّج هذا المصطلح خصوم التيّارات ذات التوجه الإخواني أو شبيهه فغادرنا به مصطلحات الجماعة والاتجاه الإسلامي عموما، ونحن بصدد هذا المفهوم نؤكد:

*إنّ هذا المصطلح مخاتل وحمّال أوجه خاصة لدى خصوم وأعداء التيار السياسي ذي الإيديولوجيّة الإسلاميّة لكونه يجمع الكل فلا فرق بين حزب يحرّم الديمقراطيّة (التحرير/القاعدة....) وحزب مرجعيته إسلاميّة يعتبر الديمقراطيّة الطريق الشرعي الوحيد للوصول إلى الحكم (النهضة التونسيّة والإخوان المسلمون....) مع هذا المصطلح يتساوى تيار الحوار والسلم (الاخوان والتحرير....)مع تيار الجهاد والعنف والتغيير بالقوّة(القاعدة وداعش....) وإذا علمنا أنّ المصطلح ولد مع المستشار محمد سعيد العشماوي في مصر إبّان حرب الدولة وقمعها للإخوان المسلمين حيث يفهم منه النقد والتجريح وحتى التهكّم والسخرية فتارة هم إسلامويون وطورا هم اسلام سياسوي .....

إن الإسلام السياسي مفهوم ملتبس وفي أحسن حالاته غير محايد واستعماله في وسائل الإعلام  بكثرة  إنّما يخفي وراءه خلطا مقصودا الغاية منه ليست الحقيقة أوالفهم والتفسير وإنّما التموقع وصناعة رأي عام مضاد هنا تسارع الشيخ راشد الغنوشي للبحث عن مصطلح آخر معتبرا أنّ الإسلام السياسي هو إسلام العنف والغضب  ولا بدّ من تعويضه بمفهوم آخر يكون أكثر صدقا ومعقوليّة ورضى للفصيل الذي يمثّله  فكان إختياره للإسلام الديمقراطي

*الملاحظة الثانية: إنّ هذا المصطلح إيجابي خارج السياق الإعلامي والمناكفات الحزبيّة فأكاديميّا وفي مخابر البحث العلمي له قصّة أخرى فالباحثة الإيطاليّة لاوراغواتزوني أصدرت مع مجموعة من الباحثين كتابا مهمّا عنوانه الإسلام السياسي في البلاد العربيّة وتم ّفي هذا الكتاب التمييز والفصل بين ظاهرة الإسلام السياسي وظاهرة السلفيّة والتيار الجهادي (هنا يتم البحث الموضوعي في حين تغيب الحقيقة وتداس الموضوعيّة في الاستعمال السابق) . حسب الباحثة لاوراغواتزوني الإسلام السياسي هو إيديولوجيّة إسلاميّة معاصرة تطرح رؤى إصلاحيّة بقصد إرساء نظام إسلامي لتسيير الدولة والمجتمع هذا المفهوم لا ينطبق على  مفهوم الحركات الإسلاميّة التي هي منظّمات ناشطة اجتماعيا وتقوم بأعمال أقرب لعمل المجتمع المدني. لاحظت الباحثة إن الإسلام السياسي شكّل منذ ظهوره خطورة على المصالح الإستراتيجيّة للدول الإستعماريّة الكبرى كبريطانيا وأمريكا لاحقا وفرنسا وروسيا وحتى الصين هذا خارجيا أمّا داخليّا فكان هذا التيار رغم طابعه الإصلاحي خطرا على أصحاب المصالح والقوى الاستبدادية لذالك تقاسم الخارج والداخل العداوة معه إلى حدّ التنكر للديمقراطيّة إذا جاءت بنتائج غير مرغوب فيها (ما فعلته الولايات المتّحدة الأمريكيّة  في الصمت على الانقلاب في مصر وحتّى تشجيعه أو رفضها للانتخابات التي جاءت بحماس في فلسطين )

يمكن أن نشير إلى منحى آخر يعطي للمصطلح وجاهته  وهو تمييز الإسلام كدين  مقارنة لغيره من الأديان ففلسفيّا يعدّ الدين الإسلامي  بتأسيسه للدولة في زمن الرسول وتشريعه للمعاملات هو المنجز الأرقى بامتياز فجمع بذالك بين الروحانيّة والمدنيّة ورغم وجاهة القراءة الهيجليّة في بعض مناحيها لهذا المنجز المعتبر الإّ أنّه ذهب إلى حدّ تأكيده  إلى فشل هذا الطموح (تأسيس الدولة  المدنيّة) لطابعه المجرّد وهو ماتمّ تلافيه مع المسيحيّة في نسختها البروتستينيّة لذالك يمكن من جهة الفلسفة  استعمال مصطلح الإسلام السياسي لتأكيد قراءة الإسلام برؤية لا هيجليّة فالإسلام دين ودنيا  روح وسياسة

7/ الرغبة في التميّز من خلال تسمية بديلة تقطع مع الإسلام السياسي:

إنّ غلبة الفهم الصحفي والحزبي بفضل أدوات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام لمفهوم الإسلام السياسي على الفهم الأكاديمي والفلسفي (الأوّل نقدي وسلبي والثاني إيجابي وعلمي) حدا بصنّاع القرار الفكري  داخل حزب النهضة للتفكير في مصطلح آخر  ينأى بهم عن اللّبس والخلط  فظهر مفهوم الإسلام الدّيمقراطي حينا  والإسلام الحضاري حينا آخر

8/ ظهور مفهوم الإسلام الحضاري والمآخذ عليه:

إنّ مفهوم الإسلام الحضاري يعود في إرهاصاته الأولى إلى المفكّر الجزائري مالك بن نبي فهو إشتغل بإقتدار على مفهوم الثقافة/الحضارة  مستعينا بمقدّمة بن خلدون وبما جادت به آخر الدراسات الإنثربولوجيّة وحاول أن يقدّم بديلا لمشكلات العالم الإسلام بل والعالم الثالث بعيدا عن الأطروحة الماركسيّة أو اللّيبراليّة  ولم يتبلور المفهوم لديه بوضوح كامل لأنّه إبستيميّا معلوم أنّ المفاهيم وهي تولد تعيش نوعا من الضبابيّة  أو قل صعوبات الولادة فأحيانا تجده يستعمل الفكرة الأفروآسياويّة ومرة أخرى تجده يتحدث عن الإسلام الحضاري بما هو ثقافة قيميّة جامعة لرقعة جغرافيّة ممتدّة بين إفريقيا وآسيا لكنّ المفهوم سرعان ما إكتمل لدى مسلمي ماليزيا فهذا رئيس الوزراء داتوسري عبداللّه أحمد بدوي يقدّم الإسلام الحضاري بإعتباره رؤية إستراتيجيّة لماليزيا في أفق 2020. كان هذا في بداية أحداث الربيع العربي،  والهدف هو جودة الحياة، وتحقيق التنمية في مختلف أبعادها وتمظهراتها ... إن المقصود إذن بهذا المصطلح الجديد الإسلام الحضاري تجاوز إسلام الشعار والتحدّي والصراع الهووي نحو موقف تجديدي وبنّاء وخاصة عملي يؤسّس لمقوّمات نهضة شاملة منطلقها الفكر(الثقافة) ومنتهاها البناء(الحضارة) يستأنف به الإنسان المواطن/الفرد الإعتزاز بماضيه دون تنكر لحاضره ومكتسباته  كلّ هذه الرؤية تستوحي من الدين أي الإسلام مقاصده الكليّة متخلية عن المفاهيم والقيم المعيقة والسلبيّة حتى وإن رسخت في المخيال الإسلامي يبدو هنا الإسلام جامعا بين ما هو خصوصي وما هو كوني. بين ما هو نقلي وما هو عقلي. بين ماهو ثابت وما هو متغيّر. يتعدّد الإسلام بتعدّد التجارب ولكن هذا التعدّد ضمن الوحدة الحضاريّة، لم يعد الإسلام إيديولوجيا للتعبئة والحشد الجماهيري للإنتخابات أو إستعراض العضلات المفتولة لرهبة الخصوم والمناوئين بل هوّ مشروع عملي عنوانه التقدّم على جميع الصعد وخدمة المواطن أيا كانت ديانته أومذهبه لا فرق في ذالك بين المسلم والمسيحي أو بين البوذي واللاديني كلّهم يجمعهم الإسلام الحضاري كمشروع إن تمّ قبوله من طرف الناخب الماليزي فمنطق الحضارة، المفهوم المخاتل والملتبس خصوصا وأنّ صانعه الأصلي هو من الجزائر بل وجذوره خلدونيّة وما أحوج النهضة إلى الأصول التونسيّة لكنّ هذا المفهوم برأيي لا يستقيم مع الخصوصيّة التونسيّة إذ هو مفهوم يصلح للأوطان المتعدّدة الأعراق والأديان وحتّى مالك بن نبي إستعمله في هذا الإطار أي الحضارة بما هي ثقافة جامعة بين شعوب وأعراق وقبائل متنوّعة لكنّها تعيش  نفس التحديات وتواجه نفس الخصوم في الصراع الدولي  هي حضارة الفكرة الأفروآسياويّة (ماعيّن لاحقا تحت مسمّى دول عدم الإنحياز) وهذا المفهوم نجح في دولة ماليزيا للتنوع الذي  عليه من شعوب مالويّة وعربيّة وصينيّة تعايشت مع بعضها ولم يكن الإسلام إلإّ جامعا بينما الحال في تونس خال من التعدّد الديني والعرقي (إلإّ أقليّة يهوديّة أو أمازيغيّة لا تكاد تلاحظ من فرط تونستها) بل حتى على مستوى المذهب الفقهي لا يوجد إلاّ المذهب المالكي

9/ وجاهة الإسلام الديمقراطي وحدوده :

 صرّح الأستاذ الغنوشي بأنه آن أوان التخلّي عن مفهوم الإسلام السياسي نهائيا وأقترح الإسلام الديمقراطي بديلا وهكذا عدنا إلى الندوة الصحفيّة غداة إعلان التقدّم لوزارة الداخليّة بطلب التأشيرة القانونيّة في فترة المرحوم محمّد مزالي. نعم كان الجدل محتدما حول الإسلام دينا للدولة  ومشروعية علاقته بالسياسة من جهة وتهمة إحتكاره والتكلّم بإسمه من جهة ثانية ولم يكن للديمقراطيّة وقتئذ أيّ نصيب من هذا الجدل ويذكر الجميع نجاح الغنوشي في استدعاء التجربة السياسيّة الألمانيّة من خلال المسيحيّة الديمقراطيّة لكن مرمى الحديث كان مصوبا على الدّين هذه المرّة يستدعي الأستاذ الغنوشي المصطلح الإسلام الديمقراطي ويريد أن يكون النقاش حول الديمقراطيّة ومدى توافقها مع الدّين فإذا كان مسار المسيحيّة الألمانيّة هو النجاح في التوليف بينهما فلم لا يبني المسلم المعاصر وهو يمارس السياسة إسلاما ديمقراطيا. كثيرون هم المفكّرون من الداخل الإسلامي الّذين يذهبون في إجتهاداتهم إلى أنّ الإسلام يحوي داخله نظريّة للحكم تقوم على الدّيمقراطيّة (الكلمة إغريقيّة وتعني حكم الجمهور) وترجمتها في لغة القرآن حكم الشورى وعلى رأس هؤلاء الفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي  لكن داخل الوسط السياسي الإسلامي  حاول بعضهم تعويض كلمة الديمقراطيّة لأجنبية جرسها بأخرى هي هجينة بينهما وهي الشوراقراطيّة على حدّ عبارة زعيم الإخوان بالجزائر السيد بوجرّة .

 

9/ تحدّيات الديمقراطيّة في عقر دارها:

نؤكّد هنا على أنّ التجربة الديمقراطيّة في البلدان الغربيّة ليست في أحسن حالتها  فمسيرة الوعي السياسي الغربي وتجاربه الديمقراطيّة قديمة ويبدو أنّهم يعيشون عصر نهاية جاذبيّة الديمقراطيّة بما هيّ أفضل الخيارات في نظم الحكم بعد أن استطاعت قوى المال والمصالح التسرّب من خلال نتوؤاتها لتجيّرها لصالحها تأمينا لمكاسبها واستغلالا لأجهزة الدولة في تراكم ثرواتها فتحوّلت اللّيبراليّة عبر ديمقراطيتها إلى ما يسمّى اليوم باللّيبراليّة المتوحشة مما أنعكس في عزوف الجماهير عن المشاركة الواسعة في الانتخابات ولكن هذا المصير السلبي جعل كبار المفكّرين في الغرب يعالجون مسألة الديمقراطيّة ضمن ما يتميّز به الوعي الغربي من تجديد نفسه وأستحضر هنا الفيلسوفة البلجيكيّةChantal Mouffe   والفيلسوف اللألماني  Jurgen HABERMASالّذين اشتغلا على مناقشة  أزمة الديمقراطيّة الغربيّة ومحاولة وضع معالم الحلّ حتى لا ينتكس هذا التمشي  إلى عكس ما تطلبه الحداثة  لقد تفطنت المفكرة الأولى إلى أهميّة العامل الوجداني كعامل ملازم للتنازع السياسي داخل المجتمع  وهذا العامل  يتكوّن من الأهواء أو بلغة سبينوزا الانفعالات وهي على نوعين إيجابيّة وسلبيّة  وهذه الأهواء هي القادرة على التجميع والتعبئة والحشد في النشاط السياسي  والّتي على الأحزاب والمنظّمات السياسيّة توجيهها وترويضها في اتجاه يخدم المؤسّسات الديمقراطية ورغم أنّها تجعل من التخاصم شرطا في الوجود السياسي للمجتمع ومن ثم ّشرطا للتعدّد السياسي (مظهر لتجلّي الديمقراطيّة) فإنّها تضع حدودا لهذا التخاصم مميّزة بين المطالب التي يمكن التنازع فيها والاختلاف وأخرى لا يمكن وضعها موضع خلاف  ليس لأنها محل توافق محتمل وإنما لأنها تهدّد المؤسّسات الديمقراطية التي هي شرط قيّوميّة التجمّع السياسي المتنوّع فيتوجّب صرفها إلى حين إيجاد طريق لدمجها  يزيل تهديداتها  وهنا لجأت المفكرة البلجيكيّة إلى وضع مفهوم جديد سمته (الإجماع النزاعي ) والمراد به الاتفاق على مجموعة من القيم السياسيّة والأخلاقيّة كالحريّة والمساواة والعدالة  مع حفظ حقّ الاختلاف في تأويلها وهذه القيم تشكل ما تسميه (الفضاء العام التنازعي) وبالتالي كلّ النزاعات التي تأخذ بهذه القيم المجمع عليها ( عادة منصوص عليها في الدستور مثلا)هي نزاعات وخصومات مشروعة  أمّا النزاعات الّتي ترفض هذه القيم المجمع عليها فتعدّ غير مشروعة ويتعيّن استبعادها وعدم التسامح فيها وتصل بنا في نهاية التحليل إلى مفهوم الديمقراطيّة التشاركيّة / التوافقيّة فلقد ولّى الشكل الكمّي من الديمقراطيّة أي أنّ الأغلبيّة تحكم لكن بمراعاة الأقليّة ولم لا موافقاتها.            

أمّا الفيلسوف الألماني هابرماس فقد شغلته المسألة كثيرا وخصّص لها أكثر من مؤلّف ومحاضرة حتّى بات يعرف بأنّه أحد الممثّلين الكبار لما يسميه الديمقراطيّة التشاوريّة أو الشوريّة (وهي أحيانا عنده هيّ الديمقراطيّة التحاوريّة وأحيانا يستعمل مفهوم الديمقراطيّة التخاطبيّة) لإنّ هابرماس يتّخذ التنازع السياسي عنده صورة التناقش ويؤسّس نظريته السياسيّة على إيتيقا الخطاب أو ما يسمّيه العقل التواصلي (وهو غير العقل المجرّد بالمعنى الديكارتي وغير العقل التوسّلي بنوعيه العقل الأداتي والعقل التخطيطي) فالديمقراطيّة الشوريّة وهذه عمادها المناقشة والتي هيّdDeliberative Democracy باللّغة الأنقليزيّة هيّ عماد الديمقراطيّة  وهذه المناقشة ليست تتمّ فقط  داخل مؤسّسات الدولة  بسلطها الأربع القضائيّة والتشريعيّة والتنفيذيّة والإعلاميّة وإنّما يمكن أن تكون حتّى داخل المقاهي والكنائس وفي الشوارع وداخل الجمعيات المدنيّة والكلّ سواء ويدلي برأيه في أيّ موضوع  فلا تابوهات ولا محرّمات والحجّة لا تلغيها  إلاّ حجّة مقابلة ولا سلطان إلا للعقل التواصلي فقط نشير إلى ضرورة التمييز عنده بين درجتين في النقاش الأولى عرض للأراء والتداول فيها والثانية المرور للفعل والإنجاز (ويا للعجب  في القرآن الشوري على نوعين  "وأمرهم شورى بينهم" وهذه الشورى بمعنى التداول والأخرى "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على اللّه" وهذه التنفيذيّة)

إنّ مفهوم الإسلام الديمقراطي  مفهوم يحرّر أصحابه من المفهوم الملغّم والملتبس الإسلام السياسي وهذه الديمقراطيةّ’ وهي تحاول تجاوز أزمتها من خلال كبار مفكّريها تحطّ ركابها  تلقاء الشورى  كمفهوم سبق لأرسطو أن عالج به المشاكل الخلقيّة فتمّ إستدعاؤه من طرف هابرماس لحلّ التحديات التي تواجه الديمقراطيّة المعاصرة  ولنجد أنفسنا في المجال التداول اللّغوي الإسلامي إزاء معنى قرآني أصيل هو الشورى وهنا يستطيع هذا الإسلامي الديمقراطي أن يفخر بأنّ معاصرته لا تنفي أصالته.

10/البديل المقترح : الاتجاه المديني الديمقراطي مبرّرات الاختيار ووجاهته :

لكن إذا سلّمنا  بإمكانيّة الجمع والربط بين الإسلام كدين (مضامين) والديمقراطيّة كآلية لحسم النزاع السياسي فإنّ المشكل الآخر ما زال مطروحا ألا وهوتهمة إحتكار الإسلام  فنخشى أن تؤدّي هذه التجربة إلى القضاء على الديمقراطيّة بغلبة المضامين على الآليات وهكذا تستغلّ الديمقراطيّة للقضاء عليها ووأدها نهائيا وهذا حدث حتى مع العلمانيّة غداة إنتصار هتلر وحزبه النازي ولا تنفعنا هنا حجّة المسيحيّة الديمقراطيّة  لكون المسيحيّة ديانة روحيّة/خلقيّة لا تشريع فيها بخلاف الإسلام وقد عبّر الداخل الإسلامي نفسه على هذا الهاجس  عندما أشار المستشار السياسي للغنوشي السيّد لطفي زيتون إلى أنّ مصطلح الإسلام الديمقراطي لم يعد مغريا ولا جاذبا  وأنّ الإسلام ملك للتونسيين جميعا وأنّه من المفترض أن يكون فوق الخصومات السياسيّة ولا يمكن لأيّ طرف إحتكاره أوتوظيفه  لهذا نقترح المصطلح التالي كعنوان إسمي للتيار المحافظ وهو الإتجاه المديني  الديمقراطي  وتبرير هذا الاختيار هوّ ما يلي:

1/هو مصطلح يفي بكلّ الأغراض لأصحابه  فهو من جهة يذكرهم بماضيهم ومن جهة ثانية يربطهم بحاظرهم .

2/الرسول في هجرته إلى يثرب غيّر الإسم فسماها المدينة جاعلامنها عاصمة لدولته أو لمناشطه السياسيّة وكان دستور المدينة العنوان الأبرز لهذا النشاط  السياسي  وقتئذ وبحسب ذاك الزمان كانت المدينة تجمع المهاجرين وهم من قبيلة قريش  والأنصار  المتوزّعين بين الأوس والخزرج واليهود بقبائلهم الثلاث او الأربعة هذا الخليط القبلي والديني لم يحل دون التوافق على مجموعة من المبادئ العامة ضمّنت في وثيقة الدستور.

3/ المدينة هي بالمعنى الإغريقي أصل ومبدأ الأنشطة السياسيّة فهي الفضاء السياسي بإمتياز والإنسان يكتمل في إنسانيته  داخل المدينة لا خارجها من هنا نفهم المقولة الشهيرة الخلدونيّة وهي ترجمة للمعاني الأرسطيّة "الإنسان مدني بطبعه" فالسياسة ولدت في المدينة والتدبير أو الفعل أو النشاط السياسي من أجل جودة المدن بما هي الفضاء المشترك للمواطنين بل حتى لمن ليس مواطنا. أعني ساكن المدينة أيّا كانت مدينته وموطنه فله حقوق وعليه واجبات.

4/فضّلت كلمة المديني على المدني  حتى لا يذهب في الإعتبار اللّبس لكون المدني يقابل العسكري  ولأنّ المدني  كمفهوم يقابل أيضا مفهوم الطبيعي في فلسفة العقد الإجتماعي  ولإنّ المدنيّة منصوص عليها في الدستور ولكون الأنشطة المدنيّة تتبع الجمعيات  أكثر من الأحزاب السياسيّة.

5/ ربطت بين المدينة /الديمقراطيّة وهو ربط مقصود  لكون الديمقراطيّة هي خيار نهائي وليس من باب مكره أخاك لا بطل  فالديمقراطيّة الشوريّة وهي آخر إبداعات الفكر السياسي العالمي لا تتعارض مع التوجه المحافظ لكون ثمّة في القرآن أوفي التجربة التاريخيّة للمسلمين بعض من المنارات يمكن من خلالها إثراء التجربة الإنسانيّة فكرا وممارسة

 6/ لقد أبقيت على كلمة الاتجاه ربطا بالماضي القريب مع الحاضر ويبقى المجال مفتوحا لإمكانيات أخرى حركة أو حزب بل حتّى الجبهة.

 

خاتمة       

إذا كنا على مستوى الأفراد والأشخاص نتخيّر الأسماء لمواليدنا الجدد وفي تقاليدنا توجد وصيّة نبويّة (خير الأسماء ما عبّد وحمّد)، فإن لم يكن بدّ غير ذالك فلنتلطّف ولنحسن الأسماء ذات الدلالات الأحسن  فإنّه من باب أولى بالنّسبة للشخصيات المعنويّة والأحزاب السياسيّة أحدها   لذا على الفاعلين السياسيين  المؤسّسين جودة الاختيار للاسم تعبيدا لطرق تحقيق الغايات وطلبا لمحامد الجماهير أثناء تسويق المنتج السياسي ولا بدّ من غلق منافذ الغير في تخيّر الاسم (وهو لا يخفي فرحه بهذا التذبذب فيختار لك ما يطيب له تلبيسا أحيانا ونقدا مخفيّا أحيانا آخر) لأجل كلّ هذا ولغيره من الأسباب ذكرناها آنفا يضل المقترح  (الاتجاه المديني الديمقراطي ) هوّ الأفضل في الممكن المتاح بالنسبة للحالة القطريّة التي عليها المغرب العربي الكبير ونتمنّى أن يتمّ الاشتغال  على مستوى النخبة خاصة ثمّ نشر ذالك على نطاق القواعد أهميّة الوعي المديني  في مأسسة الفعل السياسي صوب الديمقراطيّة الشوريّة على النحو الّذي يعالجه الفكر العالمي في محاولته مدّ أنفاس الديمقراطيّة حتى يخرج الإنسان منتصرا على هاجس تحول الدولة إلى تنين وخاصة حتى لا ينتصر الإنسان ذو البعد الواحد بل تتشكل مختلف الأبعاد وتكون وحدة  في ضلّ هذا الوعي المديني  تلتقي الحريّة مع العدالة طالما أنّ الحجاج أي التناقش /التشاور الذي يقع قبل عزم التنفيذ لا يخضع لمنطق الكم (الخلل الذي تتحوّل فيه الديمقراطيّة إلى نقيضها) بل يخضع لقيم التعارف والحجاج فمنطقه منطق الكيف بمعنى صاحب الحجّة الأقوى.

 عقيل الخطيب (باحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك