القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

أولويات حكومة المشيشي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-09-25 10:52:00 | 648 مشاهدة

المقدمة:

تمكن السيد محمد هشام المشيشي أخيرا من تشكيل تركيبة حكومته ونجح في نيل ثقة أعضاء مجلس نواب الشعب بموافقة 134 نائبا .. وهي أغلبية مريحة تتجاوز العدد المطلوب للأغلبية المطلقة ب 35 صوتا لأنه كان يكفي موافقة 109 نائبا للفوز بثقة المجلس. ويعتبر نجاح السيد المشيشي في تأليف الحكومة وخاصة في نيل الثقة فوزا مبينا له وللبرلمان وللتجربة الديمقراطية التونسية التي ماتزال رغم كل ما يقال، في خطواتها الأولى حيث لم تتجاوز بعد العقد الواحد من الزمن..
وعندما نأخذ في الاعتبار ظروف استقالة حكومة الفخفاخ، ونقرأ بين السطور أيضا إقالتها من قبل الرئيس أو سحب الثقة منها من قبل أغلبية النواب في لائحة برلمانية تم استباقها بالاستقالة، فإنّ ذلك يعدّ انتصارا، وفي علاقة بتغير موقف رئيس الجمهورية من السيد المشيشي في الأمتار الأخيرة من سباق العدو نحو نيل ثقة البرلمان وتأكد عدم منح كل من التيار الديمقراطي وحركة الشعب الثقة للحكومة الجديدة إلى جانب الدستوري الحر وعدم وضوح الرؤيا في بعض الكتل مثل الكتلة الوطنية والإصلاح وتحيا تونس قبيل جلسة الثقة..

  1. فرصة حقيقية للاستمرار والاستقرار:

ما يزال وباء الكورونا ضاربا بأطنابه وأخذ انتشاره بالتوسع.. وازدادت التجاذبات السياسية بين القوى الحزبية متأججة ومتصاعدة .. ومازالت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية متأزمة .. ولاتزال آثار عدم الاستقرار الحكومي منذ بداية الدورة النيابية 2019 – 2020 مؤثرة في المشهد الوطني (حكومتان لتصريف الأعمال وعدم نيل حكومة الجملي الثقة (بين حكومتي الشاهد والفخفاخ) إلى جانب محاولات النيل من البرلمان وتصاعد الخطاب الفاشي للدستوري الحر بقيادة زعيمته والتقائه مع خطاب آخر دفع به الانغلاق الايديولوجي والحزبي الضيق إلى الالتقاء الموضوعي مع الدستوري الحر في لائحة محاولة سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب..).
في كنف كل هذا الوضع المتوتر والمهدد للتجربة الديمقراطية برمتها ولآفاق الثورة وأهدافها .. يعتبر تشكيل حكومة المشيشي ونيلها الثقة تحديا ديمقراطيا حقيقيا وفرصة ذهبية للخروج من مخاطر عدم الاستقرار وما قد ينجر عن ذلك من مزيد التأزيم الاقتصادي – المالي والتأجيج السياسي والتوتير الاجتماعي..
لقد كانت بداية تكليف السيد المشيشي من طرف السيد رئيس الجمهورية حاملة للكثير من علامات الشك ومن مخاطر الإرباك .. كانت الرغبة واضحة وجلية في التركيز على حكومة غير حزبية بالكامل ظاهريا ومقصية لحركة النهضة قصديا وفعليا .. وكان الانتظار إما عدم تمكن الحكومة من نيل الثقة وبالتالي حل البرلمان أو وضع الحكومة إذا نالت الثقة تحت إمرة ورحمة رئاسة الجمهورية والقوى والأطراف السياسية المحيطة به من حركة الشعب إلى المستشارين وربما بعض اللوبيات الخفية .. ووضع السيد المشيشي تحت طائلة نفذ واسكت أو سوف يقع إجبارك على الاستقالة ..
وهذا يعني أن السيد المشيشي كان في تصور خطة تكليفه وسيلة فقط لغايات كلها خطر على الاستقرار السياسي وعلى نجاعة العمل الحكومي وعلى مقومات التجربة الديمقراطية التونسية.
وقد تفطن السيد المشيشي لذلك وأدرك كل هذه الأبعاد .. وكانت له الإرادة السياسية والجرأة الشخصية إلى اختيار الاتجاه الصحيح والتعامل وفق الصلاحيات التي يمنحها له الدستور والأهداف التي ينتظرها الشعب من حكومته بعد كل ما خيم على البلاد من توترات وتجاذبات وما تتطلبه المرحلة من تصد لمضاعفات جائحة الكورونا (الكوفيد 19) ولتراكمات الصعوبات الاقتصادية والاحتقانات الاجتماعية والتوترات السياسية والتجاذبات الحزبية .. ولذلك حول فكرة تشكل الحكومة من كفاءات وطنية غير حزبية إلى رسالة لطمأنة الأحزاب تتمثل في كونه سوف يكون ملتزما بالعمل مع الأغلبية النيابية التي تمنحه الثقة ومن خلال ذلك مع المكونات الحزبية المشكلة للأغلبية..  وهكذا يكون الحزام البرلماني – الحزبي المشكل للأغلبية هو المؤهل والمهيأ لبرنامج عمل الحكومة وللتحاور والتشاور المتواصل معها التزاما بمقومات الديمقراطية وما يضبطه الدستور من علاقة بين مؤسستي الحكومة والمجلس النيابي ..
هكذا اختار السيد المشيشي منطق الحق والصواب وطريق الالتزام بالدستور وبالديمقراطية .. على أن ينال الثقة على هذا الأساس من طرف الأغلبية البرلمانية أو تسليم الأمانة وعدم القبول بأن يكون شوكة في حلبة صراع لا فائدة ترجى منه للبلاد وللشعب ..
ومن الجهة الأخرى كان للأحزاب والكتل التي شكلت الأغلبية التي منحت الثقة لحكومة المشيشي نفس الرؤية: لا رفض مسبق للحكومة ولا ثقة مسبقة .. بل تحاور وتشاور في نطاق الوضوح والصراحة .. وقد انتهى بها هذا الخيار إلى التأكد من التزام السيد المشيشي بالعمل مع الأغلبية التي تسانده على أساس برنامج وأولويات واضحة وفي آفاق ضبط وثيقة تعاقدية بين حكومته والأغلبية المساندة لها .. وقد تم التفاهم والاقتناع .. وتم منح الثقة على هذا الأساس من الوضوح والثقة والحرص على الاستقرار وعلى النجاح في معالجة الأوضاع وإنجاز الإصلاحات الضرورية المطلوبة وفق أولويات مرسومة .. فما هي هذه الأولويات؟

  1. من أولويات المشيشي .. إلى أولويات التعاقد:
  1. الأولويات التي تقدم بها السيد المشيشي وأعلن عنها في جلسة منح الثقة:

بمناسبة جلسة نيل الثقة تقدم السيد المشيشي بورقة تم توزيعها على النواب ومثلت أهم ما جاء في خطاب المكلف برئاسة الحكومة وتشكيلها .. وقد تطرقت الورقة إلى أهم النقاط التي نستعرضها بإيجاز فيما يلي:

  1. إيقاف نزيف المالية العمومية:
  • الموارد: تحسين الموارد الذاتية للدولة عبر إجراءات تستهدف استعادة نسق نمو إيجابي خلال سنة 2021 وذلك من خلال:
  • استعادة نسق الإنتاج الطبيعي في القطاعات الاستراتيجية الداعمة لموارد الدولة.
  • مواصلة الإحاطة بالمؤسسات المتضررة من جائحة الكورونا.
  • إصلاح المنظومة اللوجستية ورقمنة الخدمات.
  • اتخاذ حزمة من الإجراءات ضمن قانون المالية لسنة 2021 بهدف توفير موارد مالية إضافية للدولة.
  • تمويل الميزانية وتعبئة الموارد:
  • تعزيز التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي.
  • إنشاء وكالة للدين العمومي قبل نهاية سنة 2020.
  • الانطلاق في المفاوضات مع الشركاء والمانحين الماليين لاستعادة الثقة وتوفير الموارد المالية بشروط ميسرة.
  • تحسين وترشيد نسق استهلاك القروض الخارجية الموظفة.
  • إحكام التصرف في النفقات:
  • مزيد ترشيد نفقات الدولة.
  • الدعم المالي للمؤسسات العمومية الأكثر تضررا من الجائحة.
  • التحكم في نفقات التأجير.
  1. إجراءات خصوصية لإصلاح القطاع العمومي.
  2. استعادة الثقة ودعم الاستثمار.
  3. الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن:
  • محاربة مظاهر الاحتكار والمضاربة.
  • تدعيم دور المنافسة لضمان فعالية السوق ودفع الإنتاج.
  • العمل على الحفاظ على قيمة العملة الوطنية للسيطرة على التضخم المورد.
  1.   حماية الفئات الهشة والعناية بالتونسيين في الخارج:
  • اعتبار مقاومة الفقر أولوية وطنية.
  • مواصلة العمل على توجيه الدعم لمستحقيه في إطار إصلاح منظومة الدعم.
  • التزام الدولة بحماية الفئات الهشة ومساندتها حتى نهاية الجائحة.
  • الحد تدريجيا من أشكال العمل الهش.
  • توحيد الإشراف على ملف التونسيين بالخارج في وزارة الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج.
  1.    مقاربة عمل الحكومة:

تتطلع حكومة الكفاءات الوطنية المستقلة المعروضة عليكم إلى أن تكون حكومة فعل وإنجاز تعتمد الواقعية في عملها وتقطع مع الشعارات والوعود غير القابلة للتحقيق.

وبمقتضى تحقيق الأولويات المرسومة عودة جادة لقيمة العمل واستئناف الإنتاج في كل القطاعات الاقتصادية.
ويبقى نجاح الحكومة في تنفيذ برنامجها رهين تمكينها من هدنة سياسية واجتماعية فضلا عن مرافقتها سياسيا خلال المرحلة القادمة. وتلتزم الحكومة في هذا الإطار بالعمل على تحقيق الأولويات المطروحة خلال المرحلة الصعبة في إطار التعاون مع كل مكونات المشهد السياسي كما تتعهد بالتفاعل مع كل المقترحات بعقلية إيجابية بما يخدم مصلحة تونس وفي إطار الاحترام الكامل لعلوية القانون وفرض احترامه.

  1. الأولويات المنتظرة من المجتمع السياسي والشعب:

 في تقدير أغلب الملاحظين تبدو المسألة السياسية اليوم أهم مسائل التقدير وتبدو معالجة تبعات توترها وتجاذباتها أولوية مطلقة لأنها مفتاح حلول كل المشاكل وإنجاز كل الأولويات ..

ومن أهم أولويات المسألة السياسية تنظيم العلاقات بين مؤسسات الدولة وفي طليعتها الرئاسات الثلاثة .. ولابد أن تلعب الحكومة وخصوصا رئيسها دورا مهما في إطار سياستها التنفيذية والخروج من دائرة الصراعات.. وأن يكون للحكومة حزام سياسي مهم لضمان أن تقوم كل مؤسسة بدورها وأن تمارس صلاحياتها حسب ما يضبطه الدستور.
كما أنه من أولى المهام ذات العمق والبعد السياسيين استكمال إرساء المؤسسات الدستورية وفي مقدمتها المحكمة الدستورية ومزيد إحكام القانون الانتخابي وقانون الأحزاب.
ومن المهم الانتباه إلى ما يمثله الوضع المتردي الناتج عن الأزمة الاقتصادية المالية المستفحلة منذ فترة حكومة الشاهد وآثار الجائحة الوبائية من مخاطر على الأداء الحكومي وبالتالي على النجاعة والاستقرار.
لابد للحكومة من إيجاد حلول لمشاكل الحوض المنجمي والحوض الطاقي (الفوسفاط والبترول) ومعالجة قضية التشغيل خاصة بعد صدور القانون عدد 38 لسنة 2020 المتعلق بأحكام استثنائية للانتداب في القطاع العمومي بما يشبه الإجماع البرلماني المنقطع النظير وبالتفاف شبابي وشعبي غير مسبوق لأعتى القوانين الأخرى.
وعلى الحكومة العمل على عدم الخروج من الملف الليبي وأن تكون تونس من أكثر البلدان حرصا على حل المشكل الليبي لأن ليبيا تعدّ عمقا استراتيجيا للاقتصاد التونسي مع الشقيقة الجزائر.

  1. وفي ما يلي أهم الأولويات المنتظرة من حكومة المشيشي:
  1. المستوى السياسي:
  • التدخل في الملف الليبي وجمع فرقاء النزاع لتثبيت السلم الأهلي بالتنسيق مع رئاسة الجمهورية والاصطفاف وراء مصالح تونس دون سواها.
  • العمل مع مجلس نواب الشعب على تمتين العلاقات وإنجاز الاستحقاقات السياسية (محكمة دستورية وغيرها من الأعمال).
  • ضبط خارطة طريق لإنجاز الإصلاحات الضرورية المستوجبة (الإصلاح التربوي، الإصلاح الجبائي، الإصلاح الفلاحي، الإصلاح الإداري.. إلخ
  • إعادة الاعتبار لدور المجتمع المدني في العلاقة بالعمل الحكومي والبرلماني من خلال المنصة البرلمانية للجمعيات حتى تتم الاستشارات والاستماعات قبل المبادرات التشريعية وإصدار القوانين.
  • إنجاز الحل المنتظر لملف العدالة الانتقالية وموضوع صندوق الكرامة.
  • معالجة مشاكل الإعلام الحكومي ليكون في خدمة قضايا الشعب الحقيقية كالتنمية والعدالة الاجتماعية والحريات ومحاربة الفساد والفقر والإرهاب بدل التأجيج وفتح الأبواب وفسح المجالات لأعداء الحرية والديمقراطية وأهداف الثورة.
  1. المستوى الاقتصادي:
  • إعادة تشغيل مواقع الإنتاج من فسفاط وغاز ونفط للحفاظ على مداخيل الحكومة ومواطن الشغل، وذلك باستعمال القوة وتأمين سير العمل.
  • توقيف التوريد العشوائي والاكتفاء بالضروري منه.
  • إعداد قانون مراجعة سلم التأجير وحذف جميع الامتيازات العينية ومراجعة قانون التقاعد (تقاعد الوزراء ووصولات البنزين والملابس والسيارات الإدارية والتفويت فيها).
  • تمكين الشباب من حل مشكل السكن بتدخل الدولة في تحديد سقف الأسعار.
  1. المستوى الاجتماعي:
  • مقاومة الوباء (حجر صحي، توفير الوسائل ومستلزمات الصحة)
  • فتح باب الانتداب وخاصة للمعطلين من أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم للتخفيف من الضغط الشعبي وسد الشغورات في قطاع التعليم وغيره من القطاعات العمومية.
  • تحسين الأوضاع المعيشية (أسعار ومواد تموين.. ).
  • محاربة الفقر والبطالة (حاملو الشهادات العليا، الأساتذة الدكاترة.. ).
  • حل مشكل الفيضانات التي تهدد المدن وحياة الناس.
  • العمل على الحد من التفاوت الجهوي في الخدمات.

الخاتمة:

  هذه هي تقريبا أهم أولويات حكومة المشيشي.. من خلال ما قدمه رئيس الحكومة في ورقته المعروضة على البرلمان ومن خلال ما استعرضناه في هذا التقرير. وبالرغم من الصعوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بالوضع العام في البلاد، فإن إنجاز هذه الأولويات ولو على مراحل يبدو ممكنا إذا نجحت الحكومة في إرساء مناخ الثقة وتوفير ظروف الاستقرار المناسبة وإذا اتفقت القوى السياسية والمجتمعية (اتحادات الشغل والصناعة والفلاحة تحديدا) على تغليب المصلحة الوطنية وإعطاء الحكومة الفرصة للعمل بما يمكنها من الإنجاز والنجاح.
إنه امتحان ليس للحكومة فحسب بل وأيضا للأغلبية البرلمانية والحزام السياسي الداعم لها، ولرئاسة الجمهورية والمنظمات الوطنية والمجتمع المدني، كل من باب مسؤولياته وصلاحياته وأدواره الوطنية والنقابية والديمقراطية.

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية (وحدة التقدير السياسي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك