القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

أهداف مبدأ التدبير الحر من خلال دستور 2014

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-11-29 15:18:00 | 407 مشاهدة

الملخَص:

يتحدث المقال عن المفاهيم المتعددة التي جاء بها مبدأ التدبير الحر من خلال دستور 27 جانفي 2014 وهي تتلخص في ثلاث عناصر مهمة كالاعتراف للجماعات المحلية بتسيير شؤونها بنفسها والتخفيف من الوصاية عليها . كما يبين العنصر الثالث الصعوبات و المعوقات التي تعترض تطبيق مبدإ التدبير الحر.

المقدمة:

ان مختلف تجارب الانتقال الديمقراطي الحديثة في العالم أثبتت وفق قاسم مشترك بينها أن بناء الدولة الديمقراطية يكون من القاعدة إلى القمة وليس العكس بما فرض الحاجة إلى التعويل على الجماعات المحلية في إرساء الديمقراطية. وفي هذا الإطار خيرت تونس بمختلف مكوناتها  الحزبية و السياسية و الفاعلة في المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا التنظيم اللامركزي وذلك من خلال توجه نواب المجلس التأسيسي المنتخبين للإبقاء على التنظيم اللامركزي وتفعيل مبادئه وهو ما كان فعلا من تكوين اللجنة التأسيسية للجماعات العمومية و المحلية. وقد جمع باب السلطة المحلية رؤى ومبادئ و توجهات التنظيم اللامركزي. وبالتالي فإن المجلس الوطني التأسيسي استخلص العبرة من التجربة السابقة عند صياغة الجمهورية الثانية وذلك بالقطع مع التنظيم اللامركزي الصوري واعتماد اللامركزية الفعلية في إطار وحدة الدولة بغاية تكريس مبدأ التدبير الحر.  يسند مبدأ التدبير الحر المشار إليه في الفصل 132من الدستور للجماعات المحلية السلطة لكي تتصرف تلقائيا و بحرية في الشأن المحلي دون أن تخضع لضغوطات  تداخل من السلطة المركزية. ويتطلب تكريس هذا المبدأ عدة شروط أهمها الاستقلالية المالية  والمشروعية الانتخابية  والاعتراف بالسلطة الترتيبية للجماعة المحلية لتحقيق الأهداف المنشودة منه.

قد تمثل اللامركزية النظام الإداري الذي يفوض للجماعات المحلية سلطة تدبير قضاياها الخاصة بواسطة ممثليها المنتخبين و تحت وصاية السلطة المركزية. غير أن اللامركزية لا تضعف إلا ظاهريا سلطة الدولة ، في المقابل فهي تساهم في تدعيم وتقوية هذه السلطة في الوقت التي تعفيها من مهمات روتينية و تدابير قانونية لتتفرع الدولة للتوجهات السياسية الكبرى للتنمية المجالية بكل أبعادها . ومن هنا تتعدد أهداف التدبير الحر بتعدد المشاغل الحياتية للمواطن لكن وجب للاستجابة لها والاعتراف للجماعات المحلية بتسيير شؤونها بنفسها والتخفيف من الوصاية عليها .

 

 

-1-الاعتراف للجماعات المحلية بتسيير شؤونها بنفسها:

 

           نص الدستور في فصله 132 على أن الجماعات المحلية ل"مبدأ التدبير الحر"و ذلك من شأنه أن يرجح مدى استقلالية الوحدات الإدارية المحلية في وضع نظامها الداخلي. ويمكن للجماعات المحلية من بلديات وجهات و أقاليم بصلاحيات التدبير الحر الممنوحة لها أن تحدد باستقلالية عن السلطة المركزية ودون وصاية منها اختياراتها و برامجها التنموية و أن تتصرف بحرية في مصالحها المحلية و في مواردها على أن تراعي في ذلك أحكام الدستور و مقتضيات القانون. إذ جاء في تقرير لجنة الجماعات المحلية بالمجلس الوطني التأسيسي حول مشروع الفصول المتعلقة بباب السلطة المحلية بتاريخ 1أكتوبر 2012 خاصة "فالصلاحيات الممنوحة للجماعات المحلية يجب أن تكون مطلقة و كاملة فلا يمكن التقليص فيها من طرف سلطة أخرى مركزية كانت أو إقليمية إلا في إطار القانون..."

فالتدبير الحر يقتضي إلغاء مفهوم الوصاية على عمل الجماعات المحلية وكل أشكال الرقابة المتعلقة باختياراتها. وقد اعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن مبدأ التدبير الحر يشكل إحدى الحريات الأساسية التي تتمتع بحماية قضائية خاصة.

غير أن الانتقال إلى هذا النظام الجديد في التدبير المالي المحلي يتطلب منتخبين قادرين على استيعاب دورهم الحقيقي في التنمية المحلية و تحقيق حكامة جيدة وخصوصا المالية منها، فليس كافيا تخفيف نقاط المراقبة و الانتقال من المراقبة المسبقة إلى الرقابة اللاحقة، بل يجب بالإضافة إلى ذلك تكوين منتخبين قادرين على استيعاب مغزى مبدأ التدبير الحر فلا يكفي توسيع اختصاصات مجالس  الجماعات المحلية الترابية ومنحها موارد مالية جديدة، حيث تتوفر الجهات و الجماعات الترابية الأخرى على موارد مالية ذاتية، و أخرى مرصودة من قبل الدولة، كما أن كل اختصاص تنقله الدولة إلى الجماعات الترابية الأخرى يكون مقترنا بتحويل الموارد المطابقة له.

لم يتعرض المشرع في باب السلطة المحلية من الدستور لمسألة الجباية المحلية و يعتبر هذا السكوت نقصا قد تظهر تجلياته على المالية المحلية لاحقا وخاصة على مبدأ التدبير الحر. ويمكن أن يعود ذلك لمبدأ الشرعية الجبائية التي تختص بها السلطة التشريعية في تحديد قاعدة الأداء و نسبته وإجراءات استخلاص المعاليم والمساهمات حسب ما جاء في الفصل 63من الدستور

 

-2- : وجوب التخفيف من الوصاية على الجماعات المحلية:

 

أطلق جانب من الفقه على الرقابة التي تمارسها السلطات المركزية على الهياكل اللامركزية مصطلح الوصاية الإدارية  إلا أن هذا المصطلح منتقد عند جانب آخر من الفقهاء و يرون أن يستبدل بمصطلح الرقابة الإدارية و ذلك لوجود اختلاف بين المراد بالوصاية في القانون الخاص و بين الوصاية في القانون العام،فالأولى تتعلق بحماية الأفراد ناقصي الأهلية ،أما الوصاية الإدارية فتترتب على الهياكل المحلية و هذه الهياكل تتمتع بأهلية كاملة بصفتها شخصية معنوية.

إن صور الرقابة على البلديات والولايات جاءت شديدة وواسعة على مستوى النصوص فالمسؤولون المحليون لا يقومون في الغالب بأي أمر إلا بناءا على موافقة صريحة من سلطة الوصاية. وحيث يتجلى مدى استقلالية الجماعات المحلية  وحدود  الرقابة الخاضعة لها عمليا في اتساع الرقابة إلى درجة ظهور تبعية الجماعات المحلية أمرا مسلما به في العديد من المجالات ، فتمارس الوصاية من خلال الرقابة الواسعة على الميزانية عن طريق الحلول سواء في مرحلة الإعداد  أو أثناء التنفيذ  والتي من خلالها تخضع جميع وثائق الميزانية لمصادقة سلطة الإشراف التي تستطيع تعديل تقدير الموارد وتخفيض أو رفض بعض النفقات الاختيارية وهو ما تعاني منه النيابات الخصوصية إلى حد الآن.

كل هذا يجعل البلدية تخضع لرقابة واسعة تؤدي إلى تقليص هامش استقلالها فضعف الموارد المالية المحلية و تبعية الجماعات المحلية ماليا للسلطة المركزية خاصة إذا تعلق الأمر بالمشاريع الاقتصادية الكبرى حيث يقتصر الأمر على الضرائب كمورد رئيسي . أما الولاية فهي توجد في وضع لا يحسد عليه حيث تعيش حالة خضوع تام لممثل السلطة المركزية {الوالي}بسبب الازدواج الوظيفي الذي تحول لصالح وظيفة ممثل الدولة.وكل الخوف من انتقال هذه الازدواجية إلى المستوى الثالث حسب الدستور أي إلى الأقاليم أين سنواجه وصاية وسلطة من نوع آخر.

إن فصول الباب السابع من الدستور خاصة منها الفصل 137 أقر للجماعات المحلية "حرية التصرف في مواردها حسب قواعد الحوكمة الرشيدة"وهو ما من شأنه أن يزيح الجمود  والتحجر الذي يكبل الأجهزة المحلية و الذي يعود جزء منه إلى التواجد الدائم و المطلق لسلطة الوصاية التي تتدخل بشكل مستمر في كل المجالات.وكخطوة جريئة من المشرع التأسيسي نص هذا الفصل والفصل 138 على أنواع الرقابة والتحكم وهما الرقابة اللاحقة(أ) والرقابة القضائية (ب)

أ-الرقابة الإدارية اللاحقة:

إن الدور الهام للجماعات المحلية في التنمية في تحقيق التنمية في مناطق تدخلها وفي تقديم الخدمات لمواطنها بالنجاعة المرجوة و الجودة المطلوبة يحتم على هذه الهياكل العمل على الاستغلال الأمثل لمواردها البشرية و المادية لأداء الدور الموكول إليها على أحسن وجه . ولا يتسنى ذلك إلا عبر إحكام التصرف في هذه الموارد و ترشيده. وتلك مهمة الإطارات الجهوية و البلدية  في المقام الأول، لكنها كذلك مهمة هياكل الرقابة و التفقد التي تحرص على سنَ أداء هذه الإطارات للمهام الموكولة لهم في مجال التسيير والتخطيط والتنفيذ وتشير إلى مواطن الضعف في التسيير وسبل معالجتها، كما تشير إلى مواطن القوة وإمكانيات دعمها عبر إدخال آليات جديدة لتعصير التصرف مثل أدلة الإجراءات ومعايير توزيع العمل و تقويمه وغيرها من الآليات.

وإلى جانب ما تقدمه هياكل التفقد من مقترحات و توصيات ،تمثل الإضافة التي تساهم بها لتحسين التصرف في متابعة تنفيذ هذه التوصيات و المقترحات لتدارك النقائص المسجلة و إصلاح الأخطاء والإخلالات المرتكبة ولتطوير أساليب ومناهج العمل.

أكد دستور 2014 أن حرية الجماعات المحلية تمارس في إطار رقابة مشروعية لاحقة. ويعتبر الاقتصار على الرقابة اللاحقة أحد أهم الإجراءات لاسيَما أن هذا النوع من الرقابة يترك للسلطة المحلية الحرية في تسيير الشأن المحلي و لا يربط ذلك بأي رقابة مسبقة ،كالحصول على الموافقة المبدئية للسلطة المركزية.

هذا الإجراء يُعدَ دعما صريحا للامركزية والاستقلالية الإدارية للهيكل المحلي، كما تساهم  الرقابة اللاحقة في تسهيل عمل السلطة المحلية للاستجابة لرغبات الجهة التي تسهر على تسييرها في إطار السرعة و النجاعة و المردودية.

وقد نص الفصل 137 و 138 على ذلك، حيث أقرَ الفصل 138 أن السلط المحلية تخضع لرقابة لاحقة، أي أنها تمارس بعد دخول القرارات المنبثقة عن مداولات الهياكل المنتخبة حيز التنفيذ ولا تُعدَ شرطا لذلك حيث تكتفي منطقيا الهياكل المحلية بالإعلام عن طريق النشر بالجريدة الرسمية للجماعات المحلية  كما نص علي الفصل 134 من الدستور. هذا النشر لا ينفي إمكانية توجيه القرارات إلى الوالي ورئيس مجلس الإقليم بوصفهما ممثلين للسلطة المركزية للإعلام فقط ويترتب عن ذلك وجوبا إلغاء أحكام الفصل 19 من قانون 1989 الذي يعطي لوزير الداخلية إمكانية إلغاء مداولات المجالس الجهوية المخالفة للقانون، إذ تبقى هذه الصلاحية فقط مخولة للقضاء الإداري.

إنَ رقابة الإشراف يجب أن توفق بين ضرورة تمتع الجماعات المحلية باستقلاليتها من جهة وضمان وحدة الدولة من جهة أخرى.واعتبارًا بأنَ رقابة الإشراف تهدف لضمان شرعية عمل السلطات اللامركزية، فإن ذلك يفترض دائما رقابة لاحقة. وعليه فإن الهيئات اللامركزية تتمتع بحرية المبادرة في اتخاذ القرارات التي ترتئيها وذلك في نطاق مشمولاتها، على أن تعرض هذه القرارات  فيما بعد على سلطة الإشراف للتأكد من شرعيتها .ولقد أكد المجلس الدستوري الفرنسي على العلاقة الوثيقة بين رقابة الإشراف و وحدة الدولة، فرقابة الإشراف  هي تجسيم للعلاقة بين الدولة ، الشخص المعنوي الأم، و الجماعات المحلية.

والرقابة الإدارية في النظام اللامركزي تختلف عن السلطة الرئاسية التي تعتبر أحد عناصر  المركزية الإدارية، فالسلطة الرئاسية لها علاقة التبعية و التدرج الرئاسي بين بعض الاختصاصات  وإخضاع المداولات المتعلقة بها والقرارات المترتبة عنها لرقابة سابقة للسلطة المركزية كما هو معمول به في القانون الفرنسي أو حالة ممارسة ممثل الدولة في الجهة لدعوى تجاوز السلطة  أمام القضاء الإداري و ذلك بالدفع بعدم المشروعية لإلغاء القرارات المشار إليها آنفا. أما المستوى الثاني من الرقابة هو الرقابة الإدارية اللاحقة و التي تمارسها هياكل الرقابة التابعة للسلطة المركزية و التي تخص رقابة التصرف وفق الترتيب الجاري بها العمل.  أما في خصوص الجوانب المالية فالهياكل  المحلية تبقى خاضعة  لرقابة لاحقة من محكمة المحاسبات و رقابة سابقة يمارسها المحاسبون العموميون على آمر الصرف وفقا لأحكام مجلة المحاسبة العمومية.

هنا نلاحظ أن المشرع لم يدمج صلب الفصل 116 المتعلق بالقضاء المالي دائرة الزجر المالي  واكتفى بالتنصيص على محكمة المحاسبات، فهل أن المشرع قد سها عن ذلك أم أن المجلس التأسيسي قد اكتفى بمحكمة المحاسبات كهيكل مختص في القضاء المالي؟ ومما يستنتج من هذا الفصل أن محكمة المحاسبات تراقب القرارات المتعلقة بالتصرف في المال العام لا فقط من حيث شرعيتها بل من حيث نجاعتها و شفافيتها كذلك و هو ما يوسع مجال المراقبة و يجعله متميزا و شاملا مما يفضي إلى تكريس الحوكمة الرشيدة. أما فيما يخص رقابة المشروعية فإنه لا يمكن للقضاء الإداري و المالي أساسا و لا السلطة المركزية إن اعتُرف لها برقابة لاحقة أن تراقب مبدأ الملائمة، فالدفع بعدم الملائمة أمام القضاء الإداري لا يكون سببا لإلغاء القرارات الصادرة عن السلطة المحلية بل يبقى فقط الدفع بعدم المشروعية السبيل الوحيد لبلوغ ذلك الهدف. أما في حالة سطوة السلطة المركزية على اختصاصات ذاتية أو محالة ، فالسلطة المحلية لها الحق في الاتجاه  للقضاء الإداري للنظر في تنازع الاختصاص.

شهدت الرقابة القضائية على أعمال الجماعات المحلية في النظام السابق

شهدت الرقابة القضائية على أعمال الجماعات المحلية في النظام السابق مركزية مطلقة ذلك أن القضاء الإداري في تونس يتسم بالمركزية. أما مع الدستور الجديد لسنة 2014 فقد أصبحنا نتحدث عن محاكم ابتدائية إدارية و محاكم استئنافية  وبالتالي المنازعات المحلية التي كانت في السابق تُعهد إلى المحكمة الإدارية المركزية يمكن إيلائها إلى المحاكم الابتدائية الإدارية على المستوى المحلي.

إن المتأمل في تنظيم الدستور للرقابة على السلط المحلية يلحظ جنوحا من المشرع المتنصل من سطوة السلطة المركزية على نظيرتها المحلية وتوقا منه لدعم استقلالية الجهات في تسيير شؤونها وفقا لما تمليه الحاجة في إطار منظومة تشاركية تضامنية تؤسس لسلطة محلية قادرة على التطور و النمو وتحقيق الرخاء الاجتماعي. وهذا لا يتوفر إلا بتمكين الجماعات المحلية من ممارسة سلطة ترتيبية.

 

ب- تمكين الجماعة المحلية من ممارسة سلطة ترتيبية:

قبل الخوض في تعريف السلطة الترتيبية المحلية لا بد لنا من الانطلاق بتعريف السلطة الترتيبية، باعتبارها ركيزة أساسية في عمل الإدارة. "حيث تتمثل المقررات الترتيبية في القواعد العامة والمجردة التي تصدر عن مختلف السلطات الإدارية والتي لا يقصد بها مخاطبة شخص أو فئة من الأشخاص محددين بذاتهم وإنما سحب مفهومها على الكافة".

 

بالإضافة إلى ذلك تنقسم القرارات الترتيبية إلى صنفين : صنف تقليدي و يتمثل في السلطة الترتيبية العامة والتي تمارس في إطار تنفيذ القوانين ،فهي بالأساس سلطة تنفيذ القوانين في المطلق. لأن عمومية القوانين ولأسباب تطبيقية تفرض في أغلب الأحيان تدخل قرارات تطبيقية. ونحج صنف ثاني يسمى بالتراتيب المستقلة ، والتي تأتي خارج مجال القانون وهي قرارات إدارية خاضعة للنظام العام للقرارات الإدارية  وقابلة للإلغاء إذا ما كانت مخالفة للشرعية القانونية.في حين يقر شق آخر من الفقهاء بصعوبة تعريف السلطة الترتيبية المستقلة  ويقر بتشعبها وغموض نظامها. كما نلاحظ وجود نوع ثالث يطلق عليه التراتيب شبه المستقلة و التي تشمل المجالات التي لا تدخل في مجال القانون م لا في مجال التراتيب المستقلة ، التي لم يقع تنظيمها لا بنص قانوني  ولا بنص ترتيبي ، فهي كل ما يتعلق بالحفاظ على النظام العام و حسن سير الإدارة العامة. ونجد كذلك نوعا آخر يتمثل في التراتيب المتفرعة ، فهي تختلف عن التراتيب العامة بحكم أنها لا تقوم بذاتها بصفة مبدئية ، بل تحتاج دائما إلى نص-تشريعي أو ترتيبي- يؤسسها، لذا فهي تندرج في نطاق نوع من السلطة يعرف بالسلطة الترتيبية المتفرعة، مثل السلطة التي يتمتع بها الوزراء في أداء مهامهم. وبذلك يمكن تعريف السلطة الترتيبية المحلية بأنها قواعد عامة ومجردة تصدرها هياكل محلية في مجال جغرافي محدد بمقتضى نص صريح. وهذا يعني أن السلط المحلية ليس بإمكانها اتخاذ  قرارات ترتيبية خارج رقعة جغرافية محددة ولا يمكنها أن تدخل في مجال السلطة الترتيبية العامة. وهو ما لا ينسحب على السلطة الترتيبية العامة ، إذ بإمكان هذه الأخيرة التدخل في مجال السلطة الترتيبية المحلية ، على أساس و أنه من أمكنه الكثير أمكنه القليل ، لكن ذلك يكون وفقا لما سمح به نص الدستور و القوانين. فتمكين الهياكل المحلية من سلطة ترتيبية مهم لأنها تكسبها القدرة على إدارة و تسيير الشأن المحلي و ذلك من خلال جملة من القرارات الترتيبية التي تهم مصالحها و تلبي حاجيات متساكنيها.   وإن الحديث عن ممارسة السلطة المحلية على أساس مبدأ التدبير الحر يفترض تمكينها من السلطة الترتيبية. فقد اعترف الدستور ضمن أحكام الفصل 134من باب السلطة المحلية باختصاصات ترتيبية دون سواها و هو ما يؤكد حجب كل اختصاص تشريعي عن هذه الهياكل. ولقد جاء هذا الفصل في صيغة عامة لا تبين طبيعة السلطة الترتيبية المقصودة ولا حدودها، و التي تفترض أن تكون تنفيذية فيما له علاقة بمجال القانون و عامة في المجالات المحلية الخارجة عن مجال القانون. ويدخل في إطار ممارسة سلطتها الترتيبية الحق في خلق مواطن الشغل، الانتداب، إبرام العقود، ضبط قواعد العمل الداخلية. كما يمكنها التقاضي.ويقوم هذا الاعتراف بالسلطة الترتيبية على أساس التمتع بالشخصية القانونية والاستقلال المالي.

تم التنصيص على أن رئيس الجماعة المحلية يتمتع بسلطة ترتيبية في إطار مهام الضبط الإداري التي ستوكل له بالنص القانوني وذلك بالتوازي مع السلطة الترتيبية التي يتمتع بها رئيس الجمهورية على المستوى الوطني. و تبرز أهمية هذه السلطة الترتيبية من خلال تعميمها وإحاطة العموم علما بها من خلال نشرها في جريدة رسمية للجماعات المحلية ،مما يعزز الحكم المحلي و يدعم صلاحيات الجماعات المحلية لحسن القيام بالشأن المحلي لتكون أهلا لثقة الناخبين و لتكريس استقلاليتها تجاه الدولة.

 

-3- : فعالية ضعيفة للتدبير الحر

يتطلب اعتماد مبدأ التدبير الحر مراجعة العلاقة بين الإدارة المركزية والجماعات المحلية من جهة و بين الجماعات المحلية فيما بينها من جهة أخرى،ويفترض هذا المبدأ بالضرورة ملائمة الهياكل والوسائل الإدارية لمهام الجماعات المحلية فيجب أن تتمكن هذه الأخيرة من أن تحدد بنفسها الهياكل الإدارية الداخلية التي تعتزم إنشاءها لملاءمتها مع حاجياتها الخاصة من أجل إضفاء النجاعة و الفاعلية على تسيير شؤونها، إضافة إلى اعتماد مبادئ الاستحقاق والكفاءة في اختيار موظفيها.

وقد خصصت مجلة الجماعات المحلية،المصادق عليها حديثا يوم 26 أفريل 2018 ،والتي تمثل قانون السلطة المحلية، القسم الثاني منها للتدبير الحر للجماعات المحلية ، كما ذكر هذا المبدأ في الفصول التي تتناول العلاقات الاقتصادية للجماعات المحلية وفي خصوص اختصاصاتها ، مما يجعل مما يجعل النص القانوني مشوشا ومتناثرا،  ويتبين من خلال هذا القانون أن مبدأ التدبير الحر يفقد فعاليته لأن ميدانه أجوف، فقد اقتصر القسم الثاني المعنون «في التدبير الحر للجماعات المحلية» على ذكره في الفصل 4 : « تدير كل جماعة محلية المصالح المحلية وفق مبدأ التدبير الحرّ طبقا لأحكام الدستور والقانون مع احترام مقتضيات وحدة الدولة». وبما أن الجماعات المحلية هي مخلوقات الدولة فهي لا تتمتع بالاختصاص الأصلي (compétence de la compétence)، بل قانون الدولة هو الذي يحدد اختصاصها. وبالتالي هذا المبدأ ليس مطلقا بل له حدود، فهو ليس حق في التشريع وليس حكم أو تسليط أحكام أو صلاحيات في إدارة علاقات دولية لأنها كلها مهام موكولة للدولةـ ومن طبيعة التدبير الحر أنه يختلف من جماعة إلى أخرى حسب الشؤون المحلية لكل جماعة وحسب مقتضيات الحاجة، مما يسمح التنوّع في تطبيق القانون. ولكن هذا التنوع يمكن أن يمس بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون,هذه الفعالية الغير موجودة للتدبير الحر سوف تجعل منه ميدانا أجوفا.

إن الاعتماد على مبدأ التدبير الحر يفترض جملة من المسائل الهامة، فالفصل 5  من مجلة الجماعات المحلية هو الوحيد الذي له علاقة بالموضوع ، إذ يذكر وسائل التدبير الحر وهي المجالس المنتخبة للجماعات المحلية (البلديات والجهات والأقاليم).

والجانب السياسي للتدبير الحر يكمن في الممارسة العملية للديمقراطية المحلية، ويعطي الانتخاب الشرعية القانونية لممارسة الصلاحيات ولتسيير الجماعة، فهو يشرّع ويؤسّس التدبير الحر.

لكن نلاحظ اختلافا في انتخاب أجهزة الجماعات المحلية، إذ تنتخب البلديات والجهات انتخابا مباشرا من قبل المواطنين، بينما تنتخب الأقاليم انتخابا غير مباشرا من قبل المجالس البلدية و الجهوية.

كما أن استفتاء المتساكنين مؤطر في تحريكه بمبادرة من رئيس الجماعة المحلية أو من ثلث أعضاء المجلس، وفي ميدانه : حول إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية بموافقة أغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وهو ليس استفتاء شعبي إذ يمكن لعشر ناخبين اقتراح تنظيم استفتاء مع موافقة أغلبية ثلثي أعضاء المجلس. كما نجد في هذا القسم المخصص للتدبير الحر فصول ليسلها علاقة مع المبدأ (من 6 إلى 10):  وهي مهام رؤساء المجالس المحلية، جنس الرئيس والمساعد الأول، تعزيز الموارد الذاتية، التحكم في حجم نفقات التأجير العمومي، أعضاء المجالس المنتخبة من ذويّ الإعاقة وخاصة منها أن تكون للجماعات المحلية سلطة فعلية لا فقط على مستوى عنوان الباب السابع في الدستور وإنما أيضا على أرض الواقع بما يعنيه ذلك من ممارسة فعلية للشؤون المحلية في مستوياته الثلاث أي التصور والتنفيذ  والمتابعة . ومما يزيد في هذه الحيرة و التوجه نحو جعل البلديات تغطي كامل التراب الوطني رغم التباين الواضح في طبيعة الأنشطة والكثافة السكانية و المرافق المتواجدة وجاهزية  الهياكل الجديدة على تأمين الخدمات للمواطن.

وقد أحدث الدستور سلطة جهوية جديدة هي الإقليم الذي ينتخب من قبل المجالس البلدية الجهوية و هي بمثابة هياكل التنسيق بين أكثر من جهة تشترك في جملة من الخصائص التي تجمعها، وقد أكدت لجنة الجماعات المحلية و الجهوية صلب المجلس التأسيسي على ضرورة النظر في إمكانية تقسيم التراب التونسي إلى أقاليم أو جهات تضم عدة ولايات  و يكون التقسيم على أساس اقتصادي أوعلى أساس جغرافي. ومن التوصيات التي أقرتها لجنة الجماعات المحلية في تقريرها المتعلق بالنقاط التي تم التوافق عليها في لجنة الجماعات العمومية الجهوية  والمحلية خيار تعميم البلديات على تنظيم التراب التونسي وهو ما يفترض التخلي على المجالس القروية وإحداث بلديات ريفية كمرحلة انتقالية. مما يعني أن السلطة السياسية و السلط العمومية  ستعمل على تلافي البياض على الخريطة السياسية و الإدارية لتونس مما يستدعي إحداث بلديات جديدة و توسيع بعض البلديات الموجودة. وهو عمل غير يسير باعتبار وجوب توفر إمكانيات بشرية و مالية لتحقيق ذلك.

يتضح من ذلك أن الدستور أمال مسألة معايير تحديد الأقاليم إلى القانون وهي مسألة على غاية من الأهمية باعتبارها ستشكل نقلة نوعية بخصوص التقسيم الترابي والإداري للبلاد وفقا لمبدأ اللامركزية ويستشف مما ورد في الدستور أن الإقليم يتكون من مجموعة من الجهات الشيء الذي يطرح تساؤلا حول معايير تجميع جهات بعينها في إطار إقليم واحد أي ما هي معايير تحديد الإقليم.

ولكن يجب أن تراعى عدة معطيات عند تقسيم تراب الجمهورية و إضافة نوع ثالث من الجماعات العمومية و ذلك بالأخذ بعين الاعتبار معطى التهيئة الترابية للمنطقة في إطار قانون توجيهي وطني يسمح بإعادة تعريف الجهة على أساس معطيين هما الكثافة السكانية و مكامن الاستثمار الاقتصادي.

هنا تطرح مسألة التعميم آراء مختلفة من حيث دراسة الجدوى في ظل الطبيعة الجغرافية لبعض المناطق التي يمكن أن لا تكون آهلة بالسكان أو حتى ليس لها موارد مالية كافية لتلبية نفقاتها و بالتالي فهي ستكون تحت إشراف و تمويل الدولة مما يطرح بدوره مسألة إمكانيات الدولة و نفقات التأجير والمرافق. وتبعا لهذا التعميم أقر المشرع "إمكانية إحداث أصناف خصوصية بمقتضى البعض أنه إعادة لإرث الفصل71 من دستور 1959 و لا فائدة منه في ظل تعميم الجماعات المحلية وتغطيتها لكامل التراب الوطني.

إلا أنه في هذا المستوى بالذات، يمكن أن ندرك بسرعة حدود هذا الإقرار لأن مداه وفاعليته سيبقيان رهن النصوص القانونية التي ستجسّده. فالدستور يحيل إلى المشرّع مهمة ضبط هذه الاختصاصات وتحديد النظام المالي للجماعات المحلية. إضافة إلى كون الدستور يتحدّث عن تمتّع الجماعات المحلية بصلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة إليها من قبل هذه الأخيرة وفق مبدأ التفريع تقترن بما يناسبها من موارد.

ويعني هذا أنّ حيّز الاختصاصات التي ستعود للجماعات المحلية بأصنافها الثلاث سيكون رهن السلطة المركزية بما أنه سيتمّ بقانون. وإذا كان حجم الاختصاصات المسندة لها هو الذي سيعكس مدى استقلاليتها، فإن هذه الأخيرة مرتبطة بالإمكانيات المالية الضرورية لممارستها الأمر الذي يتطلّب تقدير حجم الموارد المالية للجماعات المحلية لضبط ما سيسند لها من اختصاصات والذي يثير بدوره إشكالية تباين هذه الموارد من جهة إلى أخرى.

وهذا يعني أيضا أنه يمكن للسلطة المركزية أن تنتهج سياسة شحيحة بشأن ما سيحال إلى الجماعات المحلية من صلاحيات سواء بعنوان الاختصاصات الذاتية أو المنقولة وذلك بحجة أن ليس لهذه الجماعات الموارد المالية الكافية لممارسة أكثر من ذلك وأنه ليس للسلطة المركزية من الموارد ما يسمح لها بانتهاج سياسة سخية تجاهها. فيبقى الوضع على حاله ولا تحصل النقلة النوعية بخصوص اللامركزية فيضيق مجال التدبير الحرّ.

 

الخاتمة:

لعله من الجدير القول بأن اللامركزية تفترض قبل حزمة الاختصاصات التي تستقلّ بمقتضاها الجماعات المحلية، موارد مالية تفرضها استقلالية جبائية تقتضي بدورها قاعدة جبائية عريضة صلب الجهات و البلديات, أي وجود أنشطة و نسيج سكاني يمكّن من تحقق الجباية. و يمكن القول أيضا إن التدبير الحر للجماعات المحلية هو هامش تصرف أكثر منه حرية . ويبقى من المهم الإشارة إلى أنه لا يوجد تعريف لهذا المبدأ حتى يصبح مضمونه محددا حسب إرادة المجالس المنتخبة.

 

منى الكريفي ( باحثة تونسية)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك