القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

أفاق ومآلات الأوضاع في الجزائر في ضوء انتخابات 12 ديسمبر 2019

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-12-10 12:20:00 | 3295 مشاهدة

المقدمة:

مرت الآن أكثر من 9 أشهر على بدايات ما أصبح يعرف بالحراك في الجزائر الشقيقة حيث انطلقت أول تظاهراته يوم 22 فيفري 2019.

أكثر من 9 أشهر حافظ فيها المشاركون في الحراك على مظاهرات "الجمعة" بكل سلمية بالرغم من محاولات البعض الاندساس فيها والسعي إلى توظيفها لصالح أجندات داخلية وخارجية تهدف إلى التعكير والتصعيد والتوظيف.

ولم يفت الملاحظون الانتباه إلى الخطوط الحمراء التي حرص المشاركون في الحراك على عدم تجاوزها كما حرصت المؤسسات العسكرية الجزائرية على ذلك .

ومن أبرز هذه الخطوط الحمراء المس بالسيادة الوطنية ومؤسسات الدولة وتهديد وحدة التراب الجزائري وتجاوز الدستور والتوظيف الحزبي وممارسة العنف...

 

ثالوث الشعب والدولة والجيش:

كان الحراك عنوانا كبيرا لسيادة الشعب وتعبيرا حيا عن الإرادة الشعبية وعن موقف مختلف شرائح المجتمع الجزائري من ظواهر الفساد وترهل الحكم وشيخوخة الرئيس بوتفليقة وما أصابه من عجز جسدي وذهني يحول بينه وبين ممارسة صلاحيات الرئاسة مما فسح المجال للكثير من تدخلات قوى النفوذ والمصالح المتقاطعة في أجهزة الجيش والدولة .. كما كان الحراك عنوان رفض الجزائريين لتكلس الطبقة السياسية أحزابا وأشخاصا وتعبيرا عن إرادة شعبية حقيقية لضرورة القيام بإصلاحات سياسية منها: تحوير الدستور والقانون الانتخابي وقانون الأحزاب إلى جانب ضرورة الانتقال من دولة الثورة إلى دولة الشعب وتسليم المشعل إلى الجيل الجديد بعد ما تولاه منذ الاستقلال إلى العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة مما يفسح المجال لمشاركة سياسية واسعة ولإصلاحات ديمقراطية كبيرة ولإجراءات اقتصادية صارمة تحاسب رموز الفساد وتطهر المؤسسات العمومية من خدمة المصالح الضيقة لفئات قليلة من الأثرياء..

ومن دون أدنى شك كان هناك من أراد توظيف الحراك لخدمة أجندات داخلية في علاقة بالصراعات في أعلى مستوى السلطة وفي داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، كما كان هناك من أراد توظيفه لأجندات خارجية تخدم مصالح أطراف دولية لها مصالح معينة في الجزائر وغير محايدة في الصراعات الداخلية ..

وفي هذا الصدد برزت بعض الأطراف "اليسارية" و/أو الجهوية التي لم يكن لها الثقل السياسي والشعبي للفوز انتخابيا فأرادت استعمال الميادين لإسقاط المنظومة القائمة والصعود إلى الواجهة بفضل حراك الملايين دون أن تكون لها وسط هذه الملايين لا القيادة ولا التأثير اللازمين. كما برزت أطراف تمثل خاصة مصالح فرنسا والتيار الفرنكفوني وكانت لها مخاوف من خلافة رموز غير خاضعة للنفوذ الفرنسي في حين أنها تراهن على خلفاء حلفاء لها داخل أروقة السلطة.

لكن الحراك لم يكن يتحرك في ميدان طليق، ذلك أن الجزائريين لا يمكنهم أبدا التحول من متظاهرين ومحتجين سلميين إلى تهديد مؤسسات الدولة ورموز سيادتها.

إن السيادة الوطنية واستقلالية الجزائر ووحدة ترابها من المقدسات التي دافع ثمن تحقيقها مليون ونصف شهيد وتحمل الجزائريون من أجل حمايتها والحفاظ عليها شظف العيش وضحوا بالكثير من مقومات الديمقراطية والإصلاح.. ولكن الأمر على ما يبدو تجاوز كل الحدود فهب الجزائريون ليس للدفاع عن حقوقهم فحسب بل وكذلك عن الدولة وعن السيادة وعن الاستقلال.

كذلك برز الدور الحاسم والحازم للمؤسسة العسكرية خلال أحداث الحراك.. إذ كان الجيش الوطني الجزائري على الدوام مؤسسة وطنية مناطا بعهدتها حراسة سلامة الوطن وحفظ استمرار النظام وحماية الدولة .. لقد كان الجيش الجزائري منذ الاستقلال الحامي والضامن لسيادة الجزائر والراعي لاستقلالها وأحد أبرز مظاهر قوتها ونفوذها إقليميا وقاريا.

وقد حرصت المؤسسة العسكرية بالرغم مما يخترقها من صراعات وما يشقها من مراكز نفوذ سواء في هيئة الأركان أو جهاز الاستخبارات أو القيادات الإقليمية على مواكبة تطورات الحراك ومرافقته من خلال موقفين ثابتين ومتلازمين: أولهما هو عدم مواجهته وفسح المجال أمامه للتظاهر والتعبير .. وثانيهما هو مراقبته وعدم السماح بأي توظيف أو تجاوز أو مس بالمسلمات والخطوط الحمراء.

وشيئا فشيئا أصبح هاجس القيادة العسكرية الفاعلة التصدي لما أسمتهم "العصابة" وكذلك الجماعات التي تسعى إلى خدمة أجندات أجنبية وفي مقدمتها الأجندة الفرنسية.

ونظرا لانعدام أي تعاطف شعبي مع جماعات الأجندات الأجنبية وفي مقدمتها الأجندة الفرنسية ولواحقها الداخلية وبعض قوى اليسار وكذلك نظرا لإصرار الحراك على محاربة قوى الفساد والتكلس التي أصبحت تقريبا ممثلة في "العصابة" بقطع النظر عن شعارات ضرورة انسحاب الجميع وتبديل الجميع، فإنه يمكن اعتبار جماعات "العصابة" والأجندة "الأجنبية" أبرز الخاسرين من التطورات التي شهدتها الجزائر منذ رفض العهدة الخامسة إلى إقرار موعد الانتخابات الرئاسية يوم 12 ديسمبر.

 

قوى الصراع وآفاق الانتخابات:

كانت البداية رفض العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، ثم تطورت الأحداث بشكل قد يكون فاجأ أصحاب السلطة في القصر والجيش .. قدمت الكثير من الاقتراحات والمحاولات لحلول لم تنجح جميعها في إرضاء الحراكيين .. كانت مطالب الحراك قوية وواضحة ونجحت في تعبئة ملايين الجزائريين.

لم يعد رفض ترشح الرئيس بوتفليقة كافيا .. بل تطور الأمر إلى رفض إنجاز الانتخابات ورفض الحكومة ورفض بقاء أهل الحكم جميعا.

هنا أصبح موقف الجيش بزعامة قايد أحمد حاسما. إذ ساير الجيش المطالب فتم التخلص من ثلاث باءات "هي بوتفليقة وبلعيد وبوشارب" وبقي اثنان من المطلوب إبعادهما وهما ابن صالح وبدوي كما اعتقل شقيق الرئيس بوتفليقة ورؤساء حكومات ووزراء سابقين ورجال أعمال متهمين بالفساد وجلهم معتبرون من مكونات العصابة.

هذا وقد وقع كذلك رفض عدة لجان حوار وعدة مبادرات حوارية وورقات إصلاحية .. كما تصدت المؤسسة العسكرية لفكرة المجلس التأسيسي وحل الحكومة وإلغاء الانتخابات في المطلق إلى حد قيام فترة انتقالية..

اعتقل جل المحسوبين على "العصابة" وحسمت المؤسسة العسكرية الأمر بالتصميم على إنجاز الانتخابات.

من المؤكد أن كل الأطراف في الجزائر في الدولة والجيش والحراك الشعبي متفقون على وجود أزمة وعلى ضرورة الإصلاح. ولكن الخلاف في التقدير وفي درجة الإصلاح ومستواه ومداه.

إن الاختلاف الجوهري يتمثل في طريقه البناء وفي أسلوب المعالجة.. وبالطبع لكل طرف أسبابه وغاياته وحساباته ومصالحه سواء أكان لأبعاد داخلية أو خارجية.

هناك من يدعو إلى إنشاء مجلس تأسيسي تتبعه إصلاحات دستورية وسياسية ثم يتم الانتقال إلى الانتخابات، وهناك من يتبنى إجراء الانتخابات ثم تتبعها الإصلاحات، وهذا الموقف الثاني يتبناه الجيش وأغلب القوى التي كانت لها ارتباطات ولو بدرجات متفاوتة بالدولة وبالمؤسستين العسكرية والأمنية اللتين لم تكونا أبدا بعيدتين عن تأسيس الأحزاب وعن تطوراتها وتحركاتها.

بالطبع هناك قوى دولية فاعلة بدرجات متفاوتة على الساحة الجزائرية أبرزها اليوم فرنسا وروسيا والولايات المتحدة والإمارات .. ولا شك أن فرنسا هي أبرز الخاسر ين وأن روسيا هي أبرز المستفيدين ..

أما الولايات المتحدة فهي كالعادة تنتظر فوز الأقوى لتربط معه علاقات سلبا أو إيجابا.. ويبقى دور الإمارات على الساحة الجزائرية ثانويا ولعله بدوره قد فشل على غرار موقفها من المسألة الليبية والتي هي في خلاف قطعي مع الموقف الجزائري.

وربما تسعى فرنسا اليوم إلى بعض التنسيق مع روسيا حتى لا تخسر جميع أوراقها ومصالحها في الجزائر بعدما  ضعفت القوى التي راهنت عليها داخليا. كما أن  أنصار "العصابة"  لا يزالون يحلمون بإفساد الانتخابات أو إلغائها.. لكن المحاكمة تمت في ظروف طيبة وموعد الانتخابات بقي قائما. ومع ذلك فإن قائد الجيش السيد قايد أحمد صالح مازال يحذر من مؤامرات "العصابة" وينبه إلى أنها مازالت تسعى بكل قواها إلى إفساد الموعد الانتخابي..

ومن الجهة المقابلة فإن أطرافا عديدة، منها بعض القوى الإسلامية مثل حركة مجتمع السلم "حمس" تخشى تزوير الانتخابات، ولا ترفض الانتخابات في المطلق مثلما هو حال بعض الأطراف الموغلة في جهويتها أو في فرانكفونيتها..

ومن بين قوى الطمأنة وحماية المسار من خطر نسف الانتخابات أو ربما تزويرها ما يعرف بالضباط الوطنيين الذين يشغلون المكانة الوسطى بين صغار الضباط والقيادة العليا .. وهم يعدون بالآلاف وحرصوا على عدم استعمال العنف مع الحراكيين ويعتبرون القاعدة القيادية الوسطى والأصلب في الجيش الجزائري وتأثيرها مؤكد على مواقف القيادة العليا وعلى الضباط الصغار .. طبعا مع التأكيد على وحدة الجيش الجزائري وعلى دوره البارز في حماية استقلالية القرار الوطني والتوفيق بين الإرادة الشعبية ومستلزمات الدولة والدستور..

لقد ترشح للانتخابات ثمانون شخصية احتفظ من بينهم بعشرين للدراسة المعمقة ثم تم الإبقاء على خمسة مترشحين هم السادة: عبد المجيد تبون وعلي بن فليس وعبد العزيز بلعيد وعز الدين ميهوبي وعبد القادر بن قرينة. ومن المهم الإشارة إلى أن المترشحين الخمسة يعدون من الإطارات السامية للنظام وللدولة ويعتبرون بشكل عام مقبولين جميعا لتولي الرئاسة، أي أنهم في توافق عام مع المؤسسة العسكرية ..

لكن الملاحظين مع ذلك يشيرون إلى أن الحظوظ الأكبر تبقى من نصيب السيد عبد المجيد تبون أولا وفي درجة ثانية السيد علي بن فليس .. وثالثا للسيد عبد العزيز بلعيد ..

كما تجدر الإشارة إلى أن جماعة ما يسمى بالعصابة يعملون بكل ما في وسعهم لعدم فوز تبون الذي يعتبرونه الأقرب لدعم المؤسسة العسكرية وللتيار المعادي لهم. كما أن فرنسا غير مرتاحة بكل تأكيد لخيار تبون.

ولكن هذه الإشارة لا تعدم صعوبة الجزم المبكر في حظوظ المترشحين، ولكن الأرجح أن تنحصر المنافسة بين ثلاث شخصيات وازنة، هي ابن فليس وابن تبون وابن قرينة. لذلك نعتبر من الصعوبة بمكان التكهن بالفائز في ضوء وعود السلطة المستقلة للانتخابات باحترام الشفافية والنزاهة، أضف إلى ذلك غياب عمليات سبر الآراء وضبابية خيار الناخب الجزائري المتردد بين المشاركة والعزوف. ومن غير المؤكد حسم الانتخابات منذ الدور الأول، وبالتالي ربما يجد الناخب الجزائري نفسه يختار في الدور الثاني بين شخصيتين وازنتين، تحدد ملامح المشهد السياسي الجزائري المقبل على نحو يرسي بالجزائر على شاطئ الانتقال الديمقراطي الذي نادى به الحراك، وهو ما نتمناه للجزائر الشقيقة التي تبقى العنصر الأكثر ضمانا لسلامة الأوضاع واستقرارها خاصة على المستوى المغاربي وإزاء ما يجري في ليبيا وما تعرفه تونس من تجربة ديمقراطية تحظى بدعم الأشقاء الجزائريين ومساندتهم في الحرب على الإرهاب.

 

الأبعاد الإقليمية والدولية للوضع في الجزائر:

هناك  معطيات جزائرية داخلية متشابكة و مؤثرة إلى حد كبير  في  طبيعة  النظام  الجزائري منذ قيام دولة  الاستقلال.. ولا شك أن  الفاعلين الرئيسين  في  الجزائر  يدركون جيدا هذه  المعطيات  و يقدرون  مدى  تأثيرها  على  الأوضاع. ولا  تخلو  الانتخابات  الرئاسية  ليوم  12  ديسمبر  من  التأثر  بهذه  المعطيات ليس  على مستوى  الشخصيات المترشحة  فحسب  وإنما كذلك  على  مستوى تفاعل  هذه المعطيات  في  مستقبل  العملية  السياسية  برمتها و الإصلاحات  المزمع  إقرارها  في  المستقبل  القريب.  من  هذه  المعطيات نذكر  بالخصوص  البعد  الجهوي  المتمثل  في  التكامل بين  شرقي  الجزائر  وغربها والبعد  السكاني  الرابط  بالتكامل  بين العرب  والشاوية  والأمازيغ ..كذلك  نذكر عامل  العلاقة بين  العسكري  و السياسي. كما  نلاحظ أهمية  الخلفيات  العروبية  و الإسلامية  والفرانكفونية.. هذا و تبدو  وحدة  التراب  الجزائري  من أهم  العناصر  المؤثرة  في  الموقف  الوطني  السائد والمحدد. كما  تبرز  أهمية المناطق الجنوبية وقيمتها بخصوص  الطاقة  و المناطق الحدودية في  إدارة  ملفات  مهمة  في  السياسة  الجزائرية  وعلى  رأسها  قضايا  الأمن والإرهاب  والملف  الليبي  والصحراوي  وجماعات  الساحل  الإفريقي.كما أن الحدود مع تونس  وليبيا  تحتل  اليوم مكانة  بارزة في الأمن القومي  والإستراتيجي الجزائري. أما  الاعتبارات  الخارجية إقليميا ودوليا فلعل أبرزها الحرص على دور الجزائر مغاربيا  وعربيا  وإفريقيا  والموقف  من  الصراع  الدائر  في  ليبيا والتهديدات الإرهابية على الحدود التونسية  والليبية  والصحراوية  ورفض  الجزائر  لكل  التدخلات الأجنبية  في ليبيا و في الساحل الإفريقي. ولا ننسى أدوار بعض الدول الإقليمية مثل الإمارات  ومصر  وقطر عربيا  وتركيا  وإيران  واسبانيا وروسيا وفرنسا  والولايات  المتحدة  دوليا... وهي  تدخلات  متفاوتة  الحجم  و التأثير  و لا  يسمح  جل  الجزائريين من المس بسيادتهم ووحدة  أرضهم و من سلامة آرائهم و استقلالية قرارهم الوطني. و هذا ما تأكد من الرد  الجزائري  على التدخلات الفرنسية  والاتحادية  الأوروبية والتهديد باتخاذ  المواقف  اللازمة ردا  على هذه  التدخلات.


الخاتمة:

مازالت أيام محدودة على إجراء الانتخابات الرئاسية في الجزائر. ويبدو أن مسألة إنجازها قد حسمت بالرغم من تواصل محاولات بعض القوى الداخلية والخارجية عرقلتها. ويبدو أن الحسم سوف يكون في الدور الثاني. وبالرجوع إلى حظوظ المترشحين فنرى أنها متساوية مع تقدم طفيف ونسبي للمرشح بن تبون. ويبقى الأهم متمثلا في مستقبل العملية السياسية ما بعد الانتخابات الرئاسية ومدى الإقدام على إنجاز الإصلاحات التي ينتظرها الجزائريون لتحقيق المنجز الديمقراطي والانتقال من دولة الثورة إلى دولة الشعب.

 

تقدير موقف (مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك