القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

أسس الإصلاحات المستوجبة ومقوماتها الضرورية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-03-22 12:52:00 | 392 مشاهدة

المقدمة:

قامت ثورة الحرية والكرامة، ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي ، ضد نظام الاستبداد والفساد بعد تململ اجتماعي وتوتر سياسي دام عدة سنوات. تمثل الاستبداد في الجانب السياسي وكانت أهم مظاهره خنق الحريات وقمع المعارضات وممارسة الاعتقالات والتصفيات والتعذيب وشتى الانتهاكات لحقوق الإنسان وفرض ديكتاتورية المخلوع بن علي وعصابته العائلية والحزبية والأمنية على رقاب الشعب بكل مئاته. أما الفساد فقد طغى على الحياة الاقتصادية والاجتماعية ومس مختلف جوانب الاقتصاد الوطني العام والخاص من خلال سيطرة مافيا "عائلية" على سائر المؤسسات والمشاريع ونهب خيرات البلاد عن طريق العصابة الحاكمة التي حولت الدولة إلى ريع على شاكلة رزق "البايليك" ووفق أسس ما يعرف بالدولة البتريمونياليّة بامتياز.وقد استفحل الفساد لينهك كل مؤسسات الدولة ووزاراتها وكافة الصناديق الاجتماعية وسائر المشاريع الحكومية والخاصة بلا أي استثناء.

تعطل مسار الانتقال التنموي الاقتصادي والاجتماعي:

وبذلك عرفت البلاد أزمة اقتصادية واجتماعية حادة من أبرز علاماتها ارتفاع نسب البطالة والمديونية والعجز التجاري والغذائي وتهميش أغلب الجهات الداخلية للبلاد وتدهور القدرات الشرائية لأوسع الفئات الشعبية. كما تفاقمت أزمة قطاعات حيوية من أبرزها قطاعات التربية والتعليم والثقافة والإعلام والصحة والإسكان والجباية والخدمات العمومية. وهكذا كان شعار الحرية لمواجهة الاستبداد السياسي وشعار الكرامة لمجابهة الفساد الاقتصادي والاجتماعي. وكان مطلب التشغيل والتنمية أفضل تعبير عن مطالب الشعب في مواجهة فساد السلطة وسطوها على خيرات البلاد ومقدرات الشعب. وبعد ثمان سنوات من عمر الثورة تأكد أن القضاء على موروث منظومة الفساد لا يتم إلا بإصلاحات عميقة وجوهرية تراجع المنوال الاقتصادي المعتمد وتمسّ أغلب القطاعات والمؤسسات العمومية والصناديق الاجتماعية. وأصبح مؤكدا أن الانتقال الاقتصادي والاجتماعي التنموي المنشود وتحقيق مطلبي التشغيل والتنمية ووضع حد للأزمة الاقتصادية الاجتماعية المستفحلة (المديونية/ البطالة/ تدهور قيمة الدينار/ تدهور القدرة الشرائية/ ارتفاع نسبة التضخم...) يتطلب إصلاحات عاجلة لم تتمكن الثورة من إنجازها خلال هذه السنوات الثمانية نتيجة الانشغال بإنجاز الانتقال السياسي الديمقراطي وإعطاء الأولوية لمعالجة المسائل الحينية وعدم توفر استقرار حكومي وإرادة سياسية حازمة للشروع في إنجاز هذه الإصلاحات مما يجعلها مؤجلة للعهدة التشريعية والحكومية المقبلة (2019 – 2024) بعد الاستحقاقين الانتخابيين التشريعي والرئاسي في موفى العام 2019.

أهمية الحوكمة وتوابعها لإنجاز الإصلاحات:

من أول الأسس التي ينبغي أن نبني عليها عمليات الإصلاح في مختلف القطاعات والمجالات هي الحوكمة الرشيدة. والحقيقة أن غياب الحوكمة هو الطاغي في أغلب سياساتنا الاقتصادية حيث يسود الارتجال والتسرع والحلول الترقيعية والعمل على المدى القصير. ومن أبرز أمثلة ذلك ما تعرفه ميزانياتنا من ضبابية ومراجعات متتالية وحلول وقتية. ومن أكثر الأشكال السائدة عندنا في ظل غياب الحوكمة، يبرز سوء التصرف وسوء الإدارة مع انتشار الفساد. المطروح بقوة هو كيف نستطيع خلق بيئة تونسية ذات إدارة ناجعة للموارد البشرية والمالية. إن العالم من حولنا يتحرك بسرعة البرق واقتصاديات البلدان في تطور مضطرد ونحن مازلنا نتعامل بالارتجال ومعالجة الطوارئ مما يجعل المشاكل تتعقد بدل أن تعالج؟ وما أمثلة تدهور قيمة الدينار وارتفاع نسب التضخم والمديونية والعجز التجاري سوى أفضل الأدلة على ذلك. هل أن تونس متجهة حقا نحو الانفتاح والإصلاح الاقتصادي؟ لماذا كل هذا الهدر للأموال وعدم استثمار الطاقات المتوفرة كما ينبغي ؟ إن عملية الإدماج بين المنظومة العمومية والمنظومة الخاصة مفقودة والعكس هو السائد حتى أصبح الاقتصاد الموازي وعمليات التهريب والاحتكار من أكبر آفات الوضع الاقتصادي. إن المنظومة التنموية عندنا تشكو من غياب البعد الاستراتيجي والبرامج العملاقة. إن المطلوب هو الاستفادة من اقتصاد المعرفة وحسن إدارة قطاعات حيوية ومتوفرة لدينا كالسياحة الثقافية والفلاحة الداخلية والطاقات المتجددة والاتصالات. هذا ومن أهم مقومات الحوكمة الرشيدة ما تفترضه وتقتضيه السياسة التربوية والتعليمية لتمكين الطلاب والباحثين من الاستفادة من العلوم والتكنولوجيات الحديثة وعالم المعرفة الرقمية. الأمر يتطلب إصلاحا تربويا يستجيب للمعايير التعليمية والتربوية الناجعة ولسياسات تكوينية فعالة لحسن إدارة الموارد البشرية والاستفادة من الكفاءات وحتى تكون الشهادات الوطنية في مستوى منافسة مرموق في حين أنها تشهد حاليا تدحرجا مفزعا. وإن آفاق التشغيل للمتخرجين محدودة وأصبحت تونس تشكو من استفحال ظاهرة هجرة الأدمغة التي صارت نزيفا خطيرا. مسألة الحوكمة وحسن إدارة الموارد البشرية والمالية هي العمود الفقري لأي إصلاح جدي وعميق. والحوكمة لا يجب أن تقف عند الجانب الاقتصادي فحسب بل عليها أن تشمل الإدارة العمومية والحياة الحزبية والجمعياتية والبرلمانية والدبلوماسية واللامركزية المحلية والجهوية وأن تغلب النجاعة والجدوى على المصلحية و "الانتهازية" وأن تكون الغاية هي التنمية والتقدم وليس اللهث وراء الحسابات والمصالح الحزبية والفئوية الضيقة كما هو الحال عندنا منذ سنوات في ظل سيطرة التجاذبات والصراعات الحزبية والإيديولوجية والمناكفات السياسية التي لم تفعل سوى مزيد توتير المناخ السياسي وتعكير الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

مراجعة المنوال الاقتصادي وأهمية الاندماج المغاربي:

من الملاحظ أن الانكباب على إنجاح مسار الانتقال السياسي الديمقراطي وما اقتضاه من تشريعات وقرارات وإجراءات سياسية كسن الدستور وإنجاز الانتخابات المتعاقبة وتكوين الهيئات الدستورية وتشكيل الحكومات قد طغى على مسيرة الثورة وجعل مهمة إرساء التجربة الديمقراطية التونسية وترسيخها يأخذ الأولوية ويعطل إنجاز الإصلاحات الضرورية والمستعجلة لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للثورة. لكن تحقيق هذه الأهداف وإنجاز هذه الإصلاحات أصبح اليوم ضرورة ملحة وذات أولوية مطلقة خاصة وأن البلاد لم تخرج من حالات الصعوبة والتدهور التي تعيشها الأوضاع الاقتصادية. وبسبب الأولويات السياسية المذكورة أعلاه تواصل التعامل مع المنوال الاقتصادي للمنظومة القديمة وبالتالي تواصلت تأثيراته السلبية على الحياة الاجتماعية ولم تنجح الثورة في وضع حد لنزيف البطالة ولتدهور القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع الأسعار وتواصلت مظاهر الفساد والاحتكار والمضاربات وارتفاع نسبة التضخم وتراجع قيمة الدينار وارتفاع المديونية والعجز التجاري. لقد تواصل النهج الليبرالي المسيطر على الاقتصاد الوطني وفي الكثير من الحالات أخذ وجها مجحفا ومشطا. ولعله من الغرابة أن تكون الثورة قد قامت ضد منظومة اقتصادية مجحفة ومن أجل عدالة اجتماعية مفقودة ثم تجد نفسها "مرغمة" على انتهاج نفس المنظومة مع تحمل تبعات سلبياتها ونتائجها الوخيمة.

إن المطلوب وبإلحاح هو مراجعة المنوال الاقتصادي ليأخذ بعدا إصلاحيا اجتماعيا. ورغم كثرة الحديث عن الاقتصاد الاجتماعي التضامني وعن الاندماج الاقتصادي وعن أهمية مراجعة أسس التنمية المحلية والجهوية وإرساء اللامركزية، فقد بقيت "دار لقمان على حالها" وازداد الشرخ فأصبح اقتصادنا يعاني من كل أمراض "الليبرالية المشطة" وتصاعدت موجات الاحتجاجات الاجتماعية والتحركات النقابية والمطالب الشعبية. إن إرساء الاقتصاد الاجتماعي التضامني مع اعتماد الحوكمة الرشيدة والتخطيط الاستراتيجي أصبح اليوم ضرورة وطنية عاجلة وأصبحت الإصلاحات أولوية وطنية مستوجبة. كما أن تونس في أشد الحاجة إلى الاندماج الاقتصادي المغاربي والتفتح على أوسع درجات التعامل مع الاقتصاديات العربية والإفريقية. إن إنجاز الإصلاح الاقتصادي الوطني الناجح يتطلب على الأقل اندماجا اقتصاديا مغاربيا، وهو الأمر ذاته لكل البلدان المغاربية. إن تونس ليست سوقا كبيرة، وكذلك الشأن مثلا للجزائر أو المغرب، في حين أن السوق المغاربية تضم 100 مليون ساكن وتتنوع فيها الموارد والطاقات وتتسع لإنجاز مشاريع متكاملة ومندمجة وتوفر يدا عاملة مهمة وإطارات كفؤة وخبرات متنوعة. كما يمكن في الفضاء المغاربي المشترك تسهيل تنقل اليد العاملة وإنجاز المشاريع التنموية الضخمة المشتركة وضبط سياسات تصدير وتوريد منسقة وإيجاد مناطق للتبادل الحر وفسح المجال لاستثمارات عربية وإفريقية وحتى دولية مشتركة. وبالطبع فإن إنجاز إصلاحات تربوية وثقافية وجبائية واتصالية وهيكلية اقتصادية وبيئية موحدة على المستوى المغاربي سوف تكون لها الآثار الإيجابية المؤكدة على تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي المغاربي كخطوة عملاقة نحو بناء وحدة مغاربية عقلانية في نوع من التكتل السياسي والاقتصادي على غرار ما نلاحظه في عدة مناطق من العالم من أبرزها الاتحاد الأوروبي الذي لا تتوفر فيه عوامل الوحدة وإمكانيات الاندماج المتوفرة في مغربنا العربي الكبير.

غياب القيم والأخلاق:

لا يمكن أن تنجح الإصلاحات الاقتصادية وإنجاز التنمية المجتمعية وتحقيق الرقي الاقتصادي والازدهار الاجتماعي والاستقرار السياسي والاستفادة من مقومات مجتمع المعرفة والحوكمة الرشيدة وإدارة الجودة في غياب منظومة القيم الإيجابية الضرورية المحفزة للنمو والتقدم. إن مجتمعات كاليابان وبلدان النمور الآسيوية وتجارب اقتصادية ناجحة في عالمنا المعاصر يؤكد أن قيم العمل والاجتهاد والإخلاص والنزاهة والشفافية وتغليب المصلحة الوطنية كانت من القواعد الاجتماعية الأساسية في عمليات البناء والتنمية في هذه البلدان والمجتمعات. ومع الأسف، فإن الكثير من القيم السلبية هي السائدة لدينا بالرغم من كل الشعارات المرفوعة، ولعل من أشهر الشعارات التي سادت في بلادنا في بعض الأوقات شعار الصدق في القول والإخلاص في العمل، في حين كان السائد هو العكس تماما، حتى أن الشاعر المرحوم منور صمادح قد انفجر قائلا:

 شيئان في بلدي قد خيّبا أملي                             

الصدق في القول والإخلاص في العمل !

وطبعا وقع الزج به في السجن ليغادره وقد أصابته لوثة في عقله بسبب ما تعرض له في سجنه عقابا على صدعه  بتلك الحقيقة المرة والمفزعة. لقد تدهورت لدينا قيم العمل والبذل والعطاء والتضحية واستفحلت مظاهر الكذب والبهتان والنفاق واللامبالاة والاختلاس والانتهازية والغش والرشوة والتلاعب بالمال العمومي إلى درجة خطيرة مهما حاولنا "تغطية عين الشمس بالغربال" كما يقال.

والغريب أن مثل هذه الظواهر السلبية وهذا الانحطاط الأخلاقي والقيمي يطال النخب بالأساس ويطغى في أوساط الكثير من الفاعلين في السياسة والإدارة والاقتصاد والحياة الحزبية والجمعياتية والثقافية والإعلامية... إن معالجة هذه الظواهر الخطيرة اليوم أصبحت جزءا رئيسيا من مقومات الإصلاح. ولا بد للتربية على المواطنة "الإيجابية" حقا والوطنية حقا أن تكون في أولوية الأولويات. إنها رسالة مشتركة تقع على كاهل وزارات التربية والثقافة والشؤون الدينية وعلى كاهل الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والإعلام ... والأسرة. المطلوب إعادة الاعتبار لقيم الاجتهاد في العمل والصدق والنزاهة والأمانة والإخلاص في المعاملات. المطلوب إعادة الاعتبار لقيم الوطنية والتضامن والتطوع والتضحية والتسامح واحترام القانون والمؤسسات والسلوكات المدنية. إنّ المطلوب أن ترفع أصوات الدفاع عن هذه المنظومة القيمية عاليا من طرف مؤسسات الدولة والمجتمع المدني أحزابا ونقابات وجمعيات...

فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت       

فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا

الخاتمة:

بكل تأكيد سوف يكون موضوع الإصلاحات الكبرى المستوجبة مادة غزيرة للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019. وسوف تتنافس الأحزاب وكل القوى المترشحة فيها على أساس الوعود بالإنجازات والإصلاحات. وكلنا يعلم أن إنجاز بعض الإصلاحات وخاصة ما يتعلق منهما بالدعم وبالصناديق الاجتماعية والمؤسسات العمومية سوف يكون موجعا ويتطلب شجاعة سياسية لأن يصدع للشعب بالحقائق دون تغطية أو مواربة للإقناع بضرورتها وبأهميتها وبالانعكاسات الإيجابية لإصلاحها على واقع الاقتصاد الوطني وعلى المناخ الاجتماعي ومن أجل تحقيق التنمية المنشودة. ولاشك أن إنجاز هذه الإصلاحات يتطلب إرساء قواعدها الصحيحة وأسسها المتينة وخاصة مقومات الحوكمة الرشيدة وإدارة الجودة والتخطيط الاستراتيجي والإدماج الاقتصادي الوطني والاندماج الاقتصادي المغاربي واعتماد منظومة قيم مواطنية ومجتمعية وثقافية محفزة على البذل والعطاء والإخلاص في العمل وتغليب المصلحة الوطنية... إن الميادين والقطاعات التي تتطلب الإصلاحات العاجلة معلومة، بل إنها تنادينا "النجدة، النجدة" في كل مناسبة ومع كل أزمة اقتصادية وفي ظل كل توتر اجتماعي. وما علينا سوى الاهتداء بالنقاط ال 63 لوثيقة قرطاج2 وتطويرها لتجاوز المؤقت فيها إلى الاستراتيجي. ولاشك أن من أبرزها وأشدها إلحاحا قطاعات التربية والتعليم والصحة والجباية والدعم والإدارة والمؤسسات العمومية والصناديق الاجتماعية.

وحدة التقدير السياسي   ) مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية(

          

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك