القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

أزمة تونس العميقة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-12-17 09:44:00 | 711 مشاهدة

ملخّص:

إن أزمةً سياسيّة مُستعصيّة لازمت الحياة الوطنيّة على امتداد السنوات الماضية ومازلت تُلقي بتأثيراتها على الحياة الوطنيّة إلى حدّ اللحظة الراهنة المتميّزة بالمشاورات لتشكيل الحكومة التاسعة منذ الثورة وتركيز مؤسّسات الحكم بعد ثالث انتخابات عامة تشهدها البلاد، إذ لم تتخلّص البلاد من التجاذبات بسبب عدم الحسم في مسائل جوهريّة متعلّقة بالمسار الذي تمّ اختياره مباشرة إثر الثورة في التأسيس الجديد والانتقال نحو الحريّة والانتظام الديمقراطي.

 

مقدّمة

برغم حقيقة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتدهور الكثير من المؤشرات البشرية والتنمويّة، وهي الحقيقة التي تحظى بإجماع بين مختلف الفاعلين السياسيين والأحزاب والمنظمات الوطنية والجهات الرسميّة في الدولة وتعكسها البيانات والموازنات المالية والإحصائيات، برغم ذلك كلّها أعتقد أنّ أزمة تونس العميقة أبعد من ذلك في ارتباطها الوثيق بالاختلاف البيّن حول طبيعة التحوّل الحضاري والسياسي والثقافي الذي تعيشه بلادنا منذ الثورة وآليات أو وسائل تصريف ذلك في معيش المواطنين وإدارة شؤون الدولة.

في لزوم الوعي الجماعي بضرورة التجاوز والقطع مع الماضي:

تستعدي الأزمة العميقة التي تدور في فلكها بلادنا على مدار السنوات الماضية إلى اليوم حالة وعي جماعية قاطعة في ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية بصفة فعلية ووضع أجندة، مضمونيّة وزمنيّة، واضحة ودقيقة لوقف حالة العبث المزمنة التي أصابت غالبية النخب والطيف السياسي والحزبي ولم تسلم منها المنظمات الوطنية ومختلف مكونات المجتمع المدني.

لن ينصلح الوضع العام في البلاد دون توافق واسع حول مسائل جوهريّة توحّد نظرة التونسيّين جميعا، دون استثناء لأي طيف، إلى ماضيهم وحاضرهم أولا وأخيرا حتّى يتسنّى لهم تجهيز الأرضيّة الملائمة واللازمة لبناء المستقبل.

ليس مهمّا أن تكون هذه النظرة منمّطة إذ لا شكّ في وجود تباين في قراءة أحداث الماضي وتقييمها، ولكن من المؤكّد وجود مشتركات يُمكن الانطلاق منها لنزع أشواك الفتنة وتهدئة الخواطر وتوحيد الجهود حول قضايا التنمية والتشغيل والنهوض الاجتماعي والاقتصادي.

والأهم أنّه لا جدوى لتواصل اجترار ملفات الماضي والإمعان في تناولها بمنطق سياسوي ضيّق الأفق مصلحي ظرفي آني، منطق لن يخدم أبداً حاضر البلاد ومستقبلها بل سيزيد في تعقيد أوضاعها ومراكمة التحديات والصعوبات الاقتصاديّة والاجتماعيّة على وجه الخصوص.

  • أولا: حقيقة التاريخ المشترك في التحرير وبدء البناء

الاختلاف والتّعدّد واقع اليوم لا محالة بحكم مكسب الحريّة بعد الثورة، ولكن هذه المسألة لا يجب أن تحجب حقيقة التاريخ المشترك للتونسيّين على مرّ العصور الغابرة والعقود الأخيرة، ودون نظرة بعيدة إلى ما توارثهُ التونسيّون من عادات وثقافة مجتمعيّة وعلائقيّة، هناك شيء ماثلٌ بشكل قطعي يهم الإرث المشترك في معركة التحرير الوطني وطرد المستعمر الفرنسي الغاشم ووضع اللبنات الأولى للدولة الحديثة والمستقلّة، وهذا الإرث راكمته نضالات الآباء والأجداد واختلطت في غضونه دماءهم الطاهرة والزكيّة وهم الذين كانت بوصلتهم الوطن المستقل بعيدا عن كلّ المنازع الإيديولوجيّة أو الاختلافات الفكريّة أو السياسيّة، إرث تضافرت جهود كلّ التونسيّين، من كلّ الفئات ومن كلّ الأنحاء والجهات، لتخليده عنوان شهامة وشموخ ورفض الاستكانة لحكم الأجنبي وطلبا لاستقلالية القرار الوطني وسيادة التونسيين في أرضهم وفي وطنهم والتحكُّم في خيرات بلادهم دون وصاية أو هيمنة أو نهب خارجي.

وفي هذا السياق لا بدّ من الحذر ممّا تعمدُ إليه فئة حزبيّة ضيّقة من محاولة السطو على هذا التاريخ المشترك بين جميع التونسيّين بالركوب على نضالات الأجداد والأبناء وادعاء ملكية حصريّة لذلك الإرث النيّر، فما يقوم به الحزب الدستوري الحر اليوم هو مغالطة خطيرة وتلاعب بتاريخ البلاد المشترك، فالإرث الدستوري نفسه شيء مشترك لا يجب غض الطرف عمّا يستهدفهُ من تلبيس وتدليس وتدنيس في سياق سعي محموم عدواني بغيض لاحتلال موقع في المشهد السياسي بعد الثورة عنوة عن حقائق التاريخ ومعطياته الثابتة والموثقة في الكتب ولدى المؤرخين.

إنّ الإرث الدستوري، في مقاومة المستعمر وبدء بناء دولة الاستقلال، هو إرث مشترك بدءًا من قوافل شهداء الحركة الوطنية ومناضليها من الآباء والأجداد والأجيال القياديّة التي تعاقبت على قيادة معركة الاستقلال وطرد المستعمر وبناء الدولة الحديثة والمستقلة انطلاقا من الشيخ عبد العزيز الثعالبي والزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وقيادات الصف الأوّل من أمثال جلولي فارس وأحمد بن صالح ومصطفى الفيلالي وأحمد المستيري والهادي نويرة والحبيب عاشور والطيب المهيري ورشيد صفر ومحمّد مواعدة وحسيب بن عمار ومحمّد مزالي ومصطفى بن جعفر...وغيرهم، هو إرث مشترك بين كلّ التونسيّين اليوم على اختلاف توجهاتهم ورؤاهم الفكريّة والايديولوجيّة، ومن المغالطة والتزييف أنّ تعمل طائفة الى تشويه هذا الإرث والتلاعب به في سياق معارك ضيّقة الأفق ذات منزع يُقسّم التونسيّين ويبثّ وسطهم أحقاد الكراهية والتباغض وريح الفتنة.

إنّ معركة التحرير الوطني ووضع اللبنات الأولى لدولة الاستقلال كان لها عنوان وحيد هو حزب الدستور، بما يعينه من وحدة وطنيّة صمّاء وجبهة داخلية متينة، ولا يجب للانحرافات التي عرفها هذا الحزب عندما سقط في أتون الصراعات الذاتية (الخلاف البورقيبي اليوسفي) ومحاولة الحزب الهيمنة على المنظمات الوطنية في مؤتمر 1964 ولا معركة الحكم مدى الحياة وصراع الخلافة الذي اشتعل مباشرة اثر مرض الزعيم الحبيب بورقيبة أواخر ستينيات القرن الماضي، ولا أيضا صراعات الدولة التسلطيّة والمستبدة مع مناضلي الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية والتي استمرّت طيلة عقود طويلة ولم تنته الا بقيام الثورة، لا يجب لكلّ هذه المعطيات أن تُغيّب رصيد النضالات والتضحيات الضخم والكبير المشترك بين التونسيّين جميعا.

  • ثانيا: الحسم في المسألة الديمقراطيّة

قُطعت منذ الثورة، ودونما أيّ شكّ، خطوات في مسار تعزيز المسألة الديمقراطيّة ولكنّها بقيت خطوات محدودة في ظل تواصل الصراع الإيديولوجي وارتهان جزء من النخبة السياسيّة إلى أجندات غير ديمقراطيّة، سواء بتمجيد الاستبداد أو الخضوع إلى الإملاءات الخارجيّة ومواصلة ترديد خطابات الشيطنة والإقصاء والاستبعاد في تناقض صريح مع حاجة البلاد الضروريّة إلى قيم العيش المشترك في ظل التنوّع والاختلاف 

لقد منحت الثورة الجميع حق التنظّم الحزبي والمشاركة السياسيّة والانتخابية وحصل المنتمون للنظام السابق على كامل حقوقهم في النشاط السياسي والجمعياتي حينما تمّ إسقاط قانون العزل السياسي ولاحقا بالاندماج في العملية السياسية، حكما ومعارضة، بتأسيس أحزاب سياسيّة والمشاركة في مختلف المحطات الانتخابيّة وحصلت شخصيات محسوبة على نظام بن علي وحزب التجمّع المنحل على تمثيل نيابي منذ أوّل انتخابات للمجلس الوطني التأسيسي وكذلك أمكن للكثير منهم من تولّي مواقع في الحكم (وزراء وكتاب دولة ومسؤوليات مختلفة في إدارة الشأن العام مركزيا وجهويّا ومحليا)، ومثّلت التوليفة القديمة بغالبيّة تفرّعاتها قوّة ضغط واقتراح وساهمت من مواقعها في إدارة شؤون البلاد.

ولكن هذا الاندماج السياسي في المنظومة الحزبيّة ومنظومة الحكم بقي قاصرا عن ردم أتون الأحقاد والفتن التي سرعان ما تطفو على السطح مع كلّ منعطف أو منعرج سياسي، والسبب في هذا القصور أنّ ذلك الاندماج لم يكن اختيارا طوعيا وإراديّا من مختلف الأطراف بل جاء نتيجة الإكراهات والضغوط المسلّطة على مسار الانتقال الديمقراطي، إذ لم تتوفّر له فضاءات هادئة لكي يكون اندماجا ناجعا قائما على أسس صلبة تفتح الطريق إلى التعايش في كنف الاحترام المتبادل.

لا جدال في أنّ الثورة وتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس التي انطلقت شرارتها يوم 14 جانفي 2011 لم تتوفّر لها عوامل النموّ الطبيعيّة الهادئة، إذ كانت مُستهدفة بحكم ما أحدثته من رجّة فعليّة في نسيج الحكم العربي والإقليمي التقليدي القائم على التسلّط والهيمنة واحتكار السلطة عبر أنظمة استبداديّة ملوكيّة توريثيّة أو عسكريّة قمعيّة والمرتهن إلى لعبة المحاور والتبعيّة والوصاية الخارجيّة، وعلى الرغم من الانتكاسة التي عرفتها موجة ثورات الربيع العربي والارتدادات العنيفة التي شهدتها الثورة التونسيّة نفسها، فإنّ المثال التونسي الباحث عن الانعتاق والحريّة بقي عصيا عن التهشيم بحكم عوامل عديدة منها أساسا حياديّة المؤسّسة العسكريّة وطبيعة البنية المجتمعيّة المتجانسة التي منعت الصراعات الدموية والاحتراب الأهلي، وأيضا بحكم الشرعيّة التاريخيّة للمطلب الديمقراطي التعددي لدى التونسيّين منذ عقود طويلة والذي وضع نخبة ما بعد الثورة أمام مسؤوليّة جسيمة ورهان صعب وتاريخي لإنجاح المسار الديمقراطي برغم المطبّات والانطلاق في تأسيس الجمهورية الثانية بما اقتضاه ذلك من تقديم التنازلات المتبادلة ونزع الألغام التي سعى كثيرون إلى وضعها في طريق إطلاق المسارات التأسيسيّة المختلفة ومنها على وجه الخصوص كتابة دستور الثورة وحماية مكسب التعدّديّة وحريّة التعبير وبداية تركيز مؤسّسات الحكم الدائم والمستقر وتأمين إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستوريّة.

لا شكّ في أنّ مسار فرز طبيعي ما يزال يعتملُ مُصعّدا القوى المؤمنة بالديمقراطيّة من مختلف المشارب والتوجّهات الفكريّة والإيديولوجيّة والانتماءات الحزبيّة والسياسيّة، مُحاصرا القوى غير الديمقراطيّة، نابذا لها، مخفّضا من حجم تأثيرها ومدى امتدادها الشعبي وتمثيلها الانتخابي كاشفا لأجنداتها غير المعلنة والمخفيّة في الفوضى والتخريب والانتهازيّة والمصلحيّة الضيّقة، لكن برغم ذلك سيكون من الأجدى والأنفع لحاضر البلاد ومستقبلها أن ينصاع الجميع، بمن فيهم مناهضي الديمقراطيّة، إلى الخيار الديمقراطي، فالبديل عنه مهما كان يبقى غامضا وملغوما ويُهدّد الجميع، كما أنّ مسار الفرز الطبيعي بطيء وقد يكون سببا في إضاعة وقت ثمين وفي تواصل التجاذبات والصراعات الهامشيّة بما يؤدّي إلى مراكمة المزيد من الأزمات وتعطيل تصريف شؤون البلاد على الوجه السليم.

إنّ حسم المسألة الديمقراطية أمر مستعجل لا يقبل مزيد التأخير، على أنّ ذلك الحسم لا يجب أن يغلق الأبواب مُطلقا أمام مجالات وفرص لتجويد آليات الممارسة الديمقرطيّة وتطويرها، سواء بتعديل الدستور في فصوله المتعلقة بالنظام السياسي أو تنقيح القانون الانتخابي والتشريعات المرافقة المنظمة لعملية الانتظام الحزبي والسياسي والإعلامي.

  • ثالثا: حتميّة استكمال مسار العدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة الوطنية الشامل

لقد اختارت النخبة السياسية مسار الانتقال الديمقراطي، وهذا المسار له مستلزمات ضروريّة لتجاوز مخلَّفات الماضي وبناء شيء جديد مُغاير، وكانت العدالة الانتقالية الأساس الأوّل الذي تبلور حولها إجماع وطني شامل انطلق بسنّ العفو التشريعي العام وسن قانون العدالة الانتقالية وكتابة الدستور الجديد بما فيه من مبادئ الحريّة الديمقراطية وقيم العيش المشترك وتثبيت لمختلف آليات الحكم والنظام السياسي والتداول السلمي على السلطة وصيغ تصريف شؤون الدولة والمجتمع والعلاقة بين السلطات وحقوق وواجبات المواطنة.

ولا بدّ اليوم من الإقرار الجماعي بأنّ مسار العدالة الانتقاليّة قد خضع لتجاذبات لا حصر لها وبقي رهينة التوظيف السياسوي خاصة في ظل الاختلاف حول الهيئة التي أشرفت على هذا المسار وما طبع أعمالها من جدل داخلي بين أعضائها وخارجيّ انتقادا للآجال الدستوريّة الممنوحة وتشكيكا في مصداقية ونزاهة المخرجات التي تمّ الإعلان عنها في التقرير الختامي، ولكن هذا السياق أخفى بشكل كبير تباينا حول مشروعيّة المسار بأكمله ونكوصا عن التوافقات التي جرت مباشرة إثر الثورة بل يتعدّى ذلك إلى موقف من الثورة نفسها، رفضا لها وأعمالا لإفشال التجربة الانتقالية الناشئة نحو الحريّة والديمقراطيّة.

لم تحسم الأحزاب والنخبة السياسيّة في ما بينها الموقف من الحدث الذي دخلته البلاد مباشرة إثر سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، ولا تزال فئة من هؤلاء تنعتُ ذلك الحدث بـ"المؤامرة الانقلابية في سياق ربيع عبري" بل إنّ البعض منه بات يُعبّر علنا عن حنين إلى عهد ما قبل الثورة، وإن كان هذا الأمر مفهوما اجتماعيا لدى فئات أرهقتها الخصاصة والحرمان والبطالة وغلاء المعيشة، فإنّه يبقى أمرا مُريبا لدى النخبة والمثقفين والقيادات الحزبيّة التي بات من شبه المؤكّد ارتهانها لأجندات خارجيّة، إقليميّة وعربيّة على وجه الخصوص، عملت على تعطيل النقلة العربيّة نحو أفق الحريّة والديمقراطيّة ومحاربتها بشتّى الطرق استدامة لأنظمة الحكم المطلق والمستبد.

إنّ الوقوف في وجه المعطى التاريخي البيّن الذي تعيشه تونس منذ ثماني سنوات هو هدرٌ للجهد وإضاعة للمزيد من الوقت في طريق نهضة البلاد وتقدّمها ودفع لها في اتجاه المزيد من الأزمات والتعقيدات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، فلقد انتهى عصر الاستبداد والحكم الفردي والعائلي وسياسة الحزب الواحد وذهبت بلادنا خطوات حاسمة في تثبيت الحريّة وتكريس مبادئ التعدّديّة والديمقراطية وأنهت معضلة السلطة ودخلت مرحلة الحكم الدائم والمستقر في ظل دستور جديد ونظام سياسي جديد.

الآن، لا أحد يقبلُ منطقيا أن تبقى ملفات الماضي مفتوحة دون غلق ودون معالجة جذريّة تستردّ فيها الحقوق وتُجبرُ فيها الخواطر والنفوس وتطوي فيها صفحة الانتهاكات والآلام والجراح وتُشرّع لأفق المصالحة الشاملة بما تضمنهُ من وحدة وطنيّة وفرص للعيش المشترك والاحترام المتبادل والتداول السلمي على السلطة وتوجيه كلّ الأنظار وتوحيد كلّ الجهود نحو المستقبل.

إنّ استكمال العدالة الانتقالية والإقرار السريع للمصالحة الوطنية الشاملة هو بمثابة الحتميّة والضرورة اللازمة لفكّ الاشتباك نهائيا حيال ملفات الماضي والمضي الجماعي نحو معالجة القضايا والمشاغل الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتراكمة، إنّ الذي يرى أو يعتقد بإمكانية إخراج البلاد من أزمتها الراهنة دون هذا الشرط الحتمي لا يعتدّ بحججه وتبريراته مهما كانت بل يجب إدانته وتوجيه أصابع الاتهام الخطيرة إليه ومن بينها التواطؤ مع قوى الردّة والتخريب والخيانة لدماء وتضحيات أجيال من التونسيّين والتونسيّات في سبيل المطلب الديمقراطي والعيش الكريم.

 

خاتمة

إنّ الأزمة في تونس أعمق من مؤشرات اقتصادية واجتماعيّة وأبعد من بيانات موازنات المالية العموميّة والضغوط المسلّطة على مؤسّسات الدولة والمؤسسات الاقتصاديّة والقدرة الشرائيّة للمواطن، هي أزمة ذهنيّة وفكريّة مرتبطة باضطراب في الجهاز المفاهيمي لجزء من الفاعلين في الشأن العام وبغياب النظرة الواحدة والمشتركة داخل الأحزاب والنخبة حول طبيعة المرحلة التاريخيّة التي تعيشها البلاد واستحقاقاتها الحتميّة والعاجلة.

إنّ معالجة الاستحقاقات الحقيقيّة التي يطلبها المواطن في معيشه اليومي وتحقيق الإقلاع الاقتصادي والتنموي لا يُمكن لهما التحقّق دونما نظر عميق إلى الأزمة العميقة التي تعيشها أطياف من النخبة في إمعانها التشكيك في المشتركات الوطنيّة الثابتة وفي صدارتها الإرث التاريخي المشترك للتونسيّين، وأيضا في عدم إيمانها بالمسألة الديمقراطية ورفضها لمسار العدالة الانتقاليّة وعدم انصياعها للخيار الحضاري الأكبر في حتميّة إنفاذ مصالحة وطنيّة شاملة وعاجلة.

د. خالد الحدّاد (صحفي وباحث تونسي)

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك